كان ظهرا حارا تحت سماء إحدي المدن الأوروبية عندما دلف "عز الدين" إلى الغرفة التي حجزها بأحد الفنادق لإقامة حفل افتتاح إحدى فروع مجموعة شركات. أسرع "عز الدين" إلى غرفته ثم دلف إلى الحمام مباشرة بعدما خلع سترته وفك ربطة عنقه والأزرار الثلاث العليا من قميصه، بحيث بدا صدره القوي الصلب النامي العضلات. ثم فتح صنبور المياه، أخذ بكفه بعض القطرات الساخنة ومسح بها على وجهه وشعره.
ثم فجأة سمع صوت رنين هاتفه يتعالى بنغمته الصاخبة، تجاهله للحظات إلى أن ينتهي، حتى انقطع تماما. عاد إلى الغرفة لامع البشرة ولا يزال شعره مبللا، وضع المنشفة على ظهر الكرسي ثم شرع يلبس ساعة يده. ثم اتجه نحو هاتفه ليجد شقيقه يعاود الاتصال مرة أخرى، فأجاب بصوت حازم قوي. "أهلاً يا باشا.. أخيراً حنيت علينا! ثم سأله بصوت أجش: "كنت فين يا عمر؟ فأجاب شقيقه ببرود وضجر: "إيه يا عز مالك؟ ما تهدّي عليا كده، في إيه؟ "والله!
مش عارف في إيه يا أستاذ؟ بكلمك بقالي يومين وحضرتك يا إما قافل موبايلك أو مابتردش. والهانم أختك فين هي كمان؟ بقي دي تعليماتي اللي قلت عليها تتنفذ في غيابي؟ يعني لما أحب أطمن على سيادتكوا أتصرف إزاي مثلاً؟ ما ترد يا خويا ساكت ليه؟ "يوووه يا عز وأنا مالي أنا يا أخي متعصب عليا أنا ليه؟ ما تكلمها هي وتطمن عليها، ما تركزش معايا أنا بقي، ما بقيتش طفل يعني."
"تصدق إنك بني آدم عديم الفايدة والمسؤولية.. ورحمة أبوك لما أرجع لك.. هظبطك يا عمر." "إيه هظبطك دي؟ شايفني أريال؟ وبعد... وقبل أن ينبس بحرف آخر، أغلق الخط بوجهه وهو يسب ويلعن ويتوعد له. فيما كان يبحث عن رقم شقيقته بقائمة الاتصالات حتى وجده، فأجرى الاتصال بها. ليأتي صوتها بعد لحظات: "الووو." قالتها بغنج وقد بدا على صوتها آثار النعاس، فأعادها صوت أخيها الغاضب إلى رشدها.
"مساء الخير يا هانم.. ولا نقول صباح الخير بما إن حضرتك لسه نايمة لحد دلوقتي؟ أجابته متعلثمة: "أاا.. ع.. عز.. عز الدين.. صصباح الخير يا حبيبي، ازيك؟ "صباح الخير! إحنا بقينا العصر يا حبيبتي.. والله دي بقت حاجة كويسة خالص يا ست عبير.. أغيب عن البيت كام يوم فتاخدي راحتك أوي كده انتي والبيه التاني.. ماشي." لفظ آخر كلماته بتوعد، فبدا التوتر على صوت شقيقته: "يا عز اهدي بس، ما فيش حاجة حصلت تستاهل كل ده."
"لما أرجع أكيد هاشوف لي حل معاكوا.. سلام يا هانم وما تنسيش تكملي نومك." قال كلماته الأخيرة ساخراً وهو يغلق الخط بوجهها. ثم استلقى على الفراش بثقله، واضعاً يديه خلف رأسه، ثم أغمض عينيه بكسل وإرهاق. ليقفز الماضي كله أمام عينيه، ليمر كل ما حدث في حياته في ومضات سريعة بمخيلته.. هجر أمه، وفاة أبيه، نضوجه المبكر، وكل شيء.
منذ ستة عشر عاماً عندما رحلت عنهم والدته النجمة السينمائية "كاميليا فهمي" وتركت المنزل الزوجي بعدما تعرفت إلى رجل ذي قيمة في عالم السينما، صانع أفلام. فأسلمته نفسها من أجل تحقيق الشهرة، ولم تكتفِ، بل وذهبت معه ضاربة بمصير أبنائها الثلاث عرض الحائط. فكان جزاؤها هو الطلاق من زوجها والد أبنائها "فريد نصار".
كان "عز الدين" في السادسة عشر عندما انفصلا والداه، وكان له شقيق يصغره بخمس سنوات وشقيقة أخرى كانت طفلة وقتما ذهبت أمهم من حياتهم بلا رجعة. فيما كانت تسعى إلى الشهرة وإثارة دهشة الرجال، متكئة بذلك على جمالها الأخاذ والذي هو كل ما تملكه ميراثها الوحيد. ولم يمر وقت طويل أيضاً حتى توفي "فريد نصار".
فكان نصيب "عز الدين" باعتباره الوريث الأكبر أن يظل إلى جانب أشقائه يرعاهم ويستكمل مسيرة والده في العمل، مما جعله ينضج بسرعة ما يجب. وحتى الآن لم يغفر لأمه فعلتها، رغم توسلاتها ومراسلاتها المتواصلة بالسماح لها برؤيته وأشقائه. لم يغفر لها أبداً، بل يمقتها ويرفضها، يكن لها كره عظيم وكأنه لم يولد من رحمها. بسببها أصبح يمقت إلى جانبها كل أصناف النساء، إن كل ذرة من كيانه ترفض العطف على أي أنثى. أصبح مستبداً قاسياً للغاية.
من جهته، يعتقد أن النساء يستخدمن جمالهن لإدارة الرجال حسب أهوائهن كما فعلت أمه. فامرأة جميلة مثلها قادرة على تحويل رجل جبار إلى صبي بلا إرادة. لذا انعدمت ثقته في النساء. ولكن حياته لم تكن خالية من وجودهن فيها طوال هذه السنوات، فهو بلغ منذ أشهر اثنان وثلاثون عاماً. ولكنه مفرط الذكاء. بالطبع أنه يتمتع بصحبتهن كثيراً في بعض الأحيان، إلا أنه لا يستسلم لأية امرأة.
بل إنه يبتسم لهن بازدراء بعينيه الذهبيتين البراقتين ما أن ينتهي منهن، ثم يدير ظهره ويرحل. هو لا يحب النساء، بل يمتع نفسه بهن عندما يحلو له. فهو ذو براعة مشهورة في اصطيادهن، ولكن لا يحترمهن أبداً، متذكراً دائماً أمه اللعوب والجذابة إلى حد كبير التي تخلت عن زوجها وأبنائها من أجل أغراض وضيعة. أفاق من شروده حينما سمع طرقاً عنيفاً على باب غرفته.
قفز من موضعه بغضب وخطى بعصبية نحو الباب حتى وصل إليه وجذب مقبض الباب بقوة، ليزداد غضباً عندما وقف وجهاً لوجه أمام "خالد" ابن عمه. "إيه يا عز، أنت كنت نايم ولا إيه؟ هو ده ينفع برضو؟ أنت مش عارف إن ورانا طيارة بعد ساعتين؟ قال ذلك وهو يتمطى بتعب وكأنه كان واقفاً هناك منذ مدة طويلة. بينما رمقه "عز الدين" بغيظ ثم قال بحنق: "عارف لو كان حد غيرك خبط عليا بالطريقة دي كنت عملت فيه إيه؟ فزعتني يا بني آدم."
ثم استدار وعاد إلى الغرفة تتآكله عصبيته. بينما أغلق "خالد" الباب وتبعه إلى الداخل قائلاً: "مالك يا عز الدين؟ عصبي كده ليه؟ في حاجة حصلت؟ ألقى "عز الدين" بنفسه فوق الأريكة بتعب ثم تنهد بثقل وهو ينظر إليه قائلاً: "تعبان.. تعبان يا خالد وإخواتي تعبوني أكتر، مش عارف أعمل معاهم إيه." جلس "خالد" بجانبه ثم سأله بلطف: "مالهم بس؟ مضايقينك في إيه؟ "البيه.. الباشا.. المحروس." "مين ده؟ عمر؟ "هو في غيره! "ماله طيب؟
"الدكتور بتاعه اللي في الجامعة اتصل بيا من شوية وبلغني بخبر رفده من الكلية." "يا نهار أسود.. اترفض! ليه عمل إيه؟ "اتعرض لبنت في الجامعة وضرب شلة صيع كمان، ولما جه الأمن يتدخل مسك فيهم هما كمان ونزل في واحد منهم ضرب لحد ما كان هيخلص فيه.. عملي فتوة حضرته." قال جملته الأخيرة بانفعال غاضب. فهدأه "خالد" قائلاً: "طيب بس بس، اهدا.. اهدا، كلها كام ساعة وهنرجع مصر.. المهم انت كلمته يعني؟
"آه كلمته من شوية بس ما قلتلوش إني عرفت حاجة." صمت لثوان ثم تابع بتوعد: "ورحمة أبويا لهفرجه.. مش هسيبه ولو فضل على كده وديني لكون طرده من البيت ومالوش عندي حاجة ويبقى يوريني شطارته." "خلاص بقي يا عز قلتلك اهدا وهنتصرف معاه." ثم تابع متسائلاً: "هو ده بقي كل اللي مضايقك؟ حوار عمر؟ ابتسم بسخرية ثم قال: "وهو ما فيش غيره بيغلط؟ والهانم الصغيرة." "عبير! عملت إيه هي كمان؟ حدق "عز الدين"
به في غضب ثم قال: "ما هو حضرتك لو راجل... قاطعه "خالد" مسرعاً: "ال ال ال.. طب ليه الغلط ده بس؟ "بس اسكت خالص.. شكلي كنت غلطان لما وافقت على خطوبتكوا." "ليه بس؟ أنا عملت إيه طيب؟ تنهد "عز الدين" بضيق ثم قال: "شوف يا خالد.. أنا لما وافقت أجوزك أختي ما فكرتش إلا حاجة واحدة بس." فسأله "خالد" بإصغاء: "إيه هي دي؟ "أولاً انت ابن عمها يعني هتحافظ عليها وعمرك ما هتفرط فيها." "وثانياً؟
"ثانياً بقي عشان أنا خلاص تعبت من وهي طفلة لحد النهاردة شايل همها وكل يوم بيزيد قلقي عليها. الشغل باعدني عنها ومش عارف أتابعها كويس، لا عارف هي بتقضي نهارها إزاي ولا حتى ليلها إزاي. وسبع البرومة اللي معاها في البيت بني آدم عديم المسؤولية وما بعتمدش عليه في حاجة. كنت فاكرك انت بقي اللي ممكن تشيل عني حملها شوية بس واضح إن كنت غلطان." "يا عز بتقول كده ليه بس؟
ربنا يعلم أنا بحبها وبخاف عليها أد إيه وانت شخصياً عارف أنا بحب عبير إزاي. بس أختك راسها ناشفة وعنيدة وأنا لو شديت عليها هتزعل مني وأنا ما بحبش أزعلها فبسيبها براحتها، وهو كله سنة تخلص كليتها و هنتجوز وهتكون من وقتها يا سيدي مسؤوليتي أنا لوحدي." "انت حمار يا خالد! إيه اللي انت بتقوله ده؟ إيه راسها ناشفة وما بحبش أزعلها وبسيبها براحتها دي؟ انت مش راجل يابني ولا إيه؟ "لأ راجل طبعاً." "مش باين.. شفت مش أنا أخوها؟
أنا بقي بقولك شد عليها براحتك ان شاء الله تعقدها في عيشتها أحسن ما تبوظ مننا وهي مدلعة وانت عارف. والله دي لو عيارها فلت مش هيبقالها عندي دية. وأنا بقولك أنا بعمل اللي عليا وبحافظلها على فلوسها هي والأفندي التاني فمش هتكون غلطتي نهائي لو حصلها حاجة هتبقى انت وهي المسؤولين قدامي." اندفع الكلام من فم "خالد" بعصبية فقال: "ليه يعني كل ده يا عز؟
أختك متربية على فكرة وكل اللي انت بتفكر فيه ده ملوش وجود إلا في دماغك وبس.. وكل ده بسبب عقدتك القديمة بس لازم تفهم يا عز الدين عبير مش طنط كاميليا سامع؟ كان وجه "عز الدين" متجهم هادئ بينما كان يتأجج غضباً في صمت بداخله. فيما انتبه "خالد" إلى ما قاله، فكبت انفعاله وقد صدمته أقواله، فأسرع يعتذر منه حيث قال بلطف مرتبك: "أنا.. أنا آسف يا عز.. ما كانش قصدي أقول أي حاجة من دي بس... قاطعه "عز الدين" في
حزم بحركة من يده ثم قال: "بتعتذر على إيه؟ ما تعتذرش خالص، أنت ما قلتش حاجة غلط.. كلامك كله صح والناس كلها لسه فاكرة فضيحتنا." ثم صمت قليلاً وتابع بعنف شرس: "قد إيه بلوم بابا إنه طلقها وبس.. لو ما كنتش صغير وقتها كنت اتصرفت أنا وعملت اللي كان لازم يتعمل." لانت نبرة "خالد" كثيراً وهو يحدثه: "أنا مقدر صدمتك يا عز.. وعارف إنها لسه معلمة جواك وهتفضل معلمة.. لكن ده مش مبرر يخليك شكاك أوي كده."
ساد الصمت قليلاً، قطعه "خالد": "طيب.. أنا نازل أعمل check out وهستناك تحت في اللوبي، ما تتأخرش بقى." أومأ "عز الدين" رأسه في هدوء وهو يحدق أمامه في اللاشيء. بينما غادر "خالد" الغرفة تاركاً إياه وحده مع ظنونه وأفكاره! -وقفت أمام مرآتها، ألقت نظرة أخيرة على نفسها فتنهدت بسعادة راضية عن مظهرها المثير وملابسها الفادحة التي لابد وأن تدير رؤوس معظم الرجال لها، ثم خرجت من غرفتها.
اجتازت مسافة قصيرة بالرواق العلوي، وقبل أن تهبط الدرج سمعت صوتاً غريباً آت من داخل حجرة شقيقها. توقفت للحظة ثم استدارت وذهبت لتتفقد الأمر بنفسها. ومن دون استئذان فتحت باب الحجرة وطلت برأسها للأمام، ثم جالت بنظرها بأرجاء المكان حتى شاهدت أخيها مستلقياً على فراشه غارقاً في النوم، وجهه شاحب اللون به كدمات بسيطة. شهقت من الصدمة وتوجهت مسرعة نحو النوافذ لتزيح الستائر جانباً ليغمر ضوء الشمس الغرفة وينيرها.
بينما أزعجه الضوء الخافت الذي سرت أشعته إلى الغرفة، فتململ في فراشه بضيق قبل أن يفتح عينيه. وعندما رآها أمامه، حملق فيها بغضب ثم صاح بعصبية: "أنتي! بت انتي أنا مش قلتلك مليون مرة تخبطي قبل ما تدخلي عليا أوضتي؟ ثم دخلتي ليه أصلاً؟ وكمان بتضايقيني أكتر وبتفتحي الستاير؟ وربنا لولا إني تعبان كنت قمت كسرتك." اعتادت شقيقته على تلك الوقاحة التي دائماً ما تبدر منه،
فتجاهلت إهانته قائلة: "أولاً أنا مادخلتش إلا لما سمعتك بتقول آه أو حاجة زي كده، دخلت أطمن عليك مش أكتر، بس شكلي كنت غلطانة أصلاً. ثانياً بقي أنا لو كنت خبطت على حضرتك عمرك ما كنت هتقوم ولا حتى كنت هترد كالعادة، بس بما إنك رديت عليا بأسلوبك المعتاد ده خلاص أنا اطمنت كده إنك قرد ما فكش حاجة. بس إيه اللي في وشك ده يا عموري؟ مين اللي روقك كده؟
ارتفع "عمر" بجذعه، ساند ظهره إلى حائط فراشه وارتكز على مرفقه، فسقطت الأغطية حتى وسطه حيث بدا صدره العاري. فيما قال لها باستنكار متهكم: "مين ده يا بت اللي يعرف يروقني؟ دي إصابات خفيفة زي ما انتي شايفة، مجرد خراشيش. عايزة تشوفي اللي اتروقوا بجد كنتي تيجي الجامعة انهاردة الصبح." "وإيه اللي حصل في الجامعة انهاردة الصبح؟ "أبداً ولا حاجة.. اتخانقت مع شلة عيال كده وواحد من الأمن حب يتدخل فأخد نصيبه هو كمان."
جلجلت بأذنه ضحكة شقيقته المرحة الصاخبة. بينما سألته: "وبعدين يعني؟ بعد كل ده إيه اللي حصل؟ "ما فيش.. رحنا على مكتب العميد فكتب لي جواب فصل قمت مقطعاه قدامه ومشيت، ماعرفش بقي عمل إيه مع الباقي." شهقت "عبير" بصدمة قائلة: "يا نهار أسود.. اترفض يا عمر! دي هتبقى ليلة سودة لو أخوك عرف." "ما يعرف يعني هيعملي إيه؟ انتي فاكراني عيل صغير هيحرمني من المصروف ولا هيعلقني من رجلي في السقف."
"يابني الصياعة دي مش هتنفعك قدامه، ابقي استلقي وعدك بقي.. شفت آخرت تصرفاتك الطايشة؟ تأفف قائلاً: "بقولك إيه يا بت.. غوري من قدامي دلوقتي مش عايز أسمع حرف زيادة، يلا امشي." أومأت رأسها قائلة: "ماشي يا خويا ماشية.. استمتع بقي بوقتك أو باللي فاضل من وقتك قبل ما يرجع عز الدين." ثم التفتت وقبل أن تذهب، استوقفها قائلاً: "استني هنا يا بت.. رايحة فين كده بالهدوم دي؟ استدارت مرة أخرى
لتكون في مواجهته ثم قالت: "رايحة party في بيت لينا صحبتي، إيه؟ برقت عيناه بابتسامة خبيثة ثم قال: "لينا! البت الشقرا أم شعر كيرلي دي؟ "أيوه يا خويا هي." "طيب ما تاخدني معاك.. من زمان وأنا نفسي أتعرف." ضحكت بقوة قائلة: "يا خويا اقعد على جنب.. هتيجي معايا إزاي وهتتعرف إزاي وأنت مشلفط كده ههههه؟ في ثانية اختفت ابتسامته، بينما استمرت تضحك، فأمسك بوسادته وقذفها بها، فصرخت راكضة إلى الخارج...
-أسدل الليل ستاره حين انقضت الطائرة ذات اللون الفضي في مدرج مطار القاهرة الدولي. وصل "عز الدين" أخيراً إلى الأراضي المصرية. بعد أن أنهى كافة الإجراءات بالمطار غادر برفقة "خالد". استقلا السيارة معاً، قام بتوصيل "خالد" أولاً ثم توجه إلى منزله. على بوابتي ذلك القصر الفاخر توقف "عز الدين" بسيارته الفارهة حتى انفتحت له الأبواب. فانخرط بالسيارة إلى اليسار وسار مسافة قصيرة حتى توقف تماماً.
دخل "عز الدين" منزله، اجتاز بهواً طويلاً أرضه رخامية بيضاء مضاء بمصابيح وثريات برونزية مصقولة بأناقة بين الركائز والأعمدة الفخمة التي تتوسطها مرايا كبيرة محفورة بداخل الحائط موضوعة على الأثاث العاجي الضخم. وفي وسط القاعة الكبيرة التي تكفي للاستضافة حشد عظيم، وقف وهتف باسم أحد الخدم. لم تمر لحظات حتى أتت بنت متوسطة في العمر ترتدي بذلة العمل البيضاء. انحنت أمام "عز الدين" لتحييه ثم قالت: "حمد لله على السلامة يا بيه."
ابتسم "عز الدين" ابتسامة لم تصل إلى عينيه ثم قال: "الله يسلمك يا فاطمة.. عاملة إيه؟ "الحمد لله يا بيه بخير." "طيب كويس.. أومال فين عمر وعبير؟ "عمر بيه رجع من الضهر ولسه في أوضته وباين نايم.. والست عبير خرجت من بدري ولسه مارجعتش." ثم صمتت قليلاً وسألته: "تحب أحضر لك العشا؟ "لالا يا فاطمة.. روحي انتي نامي أنا أكلت في الطيارة." أومأ الفتاة برأسها ثم انسحبت بهدوء.
بينما شعر "عز الدين" بألم في رأسه، كان يود أن ينتظر أخته ولكن غلبه الألم كثيراً، فصعد إلى غرفته ليستريح... -استيقظت "داليا" في الصباح التالي متأخرة. قامت منتفضة من فراشها تركض إلى حجرة الجلوس لتنظر في الساعة المعلقة هناك. لقد تأخرت في النوم كثيراً. أسرعت إلى غرفتها وبدلت ملابسها بسرعة، غادرت المنزل على عجل وسارعت باستيقاف سيارة أجرة. أخبرت السائق بالمكان الذي تقصده. دقائق وكانت أمام مقر الشركة.
أعجبها المكان كثيراً لرُقيه وتأثيثه الأكثر رُقياً. عندما دخلت إلى الشركة كانت السماعات المنتشرة في جوانب السقف تبث موسيقى هادئة متناغمة متوافقة مع الديكور الداخلي. ساعدتها تلك الأجواء في استعادة حيويتها. كانت هناك فتاة ذات مظهر أنيق خلف مكتب الاستقبال. حدثتها بصوت خافت وأعطتها استمارة لتملأها. لم تكن "داليا" متأخرة كثيراً. يوجد ثلاث أو أربع فتيات في انتظار المقابلة الشخصية.
أخذت "داليا" الاستمارة وجلست على أحد المقاعد الوثيرة الموزعة في قاعة الاستقبال. أسندتها إلى منضدة صغيرة بجوارها وبحثت في حقيبة يدها عن قلم وعيناها على الأخريات. واحدة فقط لفتت نظرها بملابسها الأنيقة، الأخريات لم تر فيهن منافساً محتملاً. كن إما صغيرات جداً أو كبيرات جداً.
نظرت إلى الاستمارة فوجدتها مليئة بعشرات الأسئلة عن مؤهلاتها وخبراتها وعن بياناتها الشخصية وكذلك عن أحلامها وأفكارها وطموحاتها ونظرتها للمستقبل ومدى رغبتها في الاستقلال وإنشاء عمل يخصها. لم تكن قد رأت شيئاً كهذا من قبل. لم تملأ أساساً استمارة سيرة ذاتية كهذه في أي عمل تقدمت له من قبل. وفي ذروة تركيزها سمعت صوتاً يقول: .........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!