ممنوع تسيبي أي سؤال فاضي حتي لو عن شيء صغير أو حاجة مش في الـ cv بتاعك. كان هذا صوت موظفة الإستقبال التي هتفت لتنبه "داليا" بينما سارعت "داليا" ونظرت إلي تلك الإستمارة. وجدت أن خانات الأسئلة لا تزال فارغة، ثم فجأة تذكرت كلام "فاتن" زميلتها في العمل السابق عن أن قليل من الكذب لا يضر وإنما يجمل. لم يكن هذا رأيها وبرغم أن بعض الأسئلة حيرتها كثيراً لكنها قررت أن تقول الصدق وليساعدها الله.
ملأت الإستمارة بتمهل وهي تراقب بين الحين والآخر الفتيات وهن يدخلن ويخرجن. جاءت فتاتان بعدها فأحست براحة لذلك، فهي لا تحب أن تكون أخر من جاء. أعادت الإستمارة للفتاة المسؤولة عن الإستقبال ثم عادت إلي مكانها مرة أخرى وتساءلت في نفسها، هل يقرءون تلك الإستمارات فعلاً؟
وبعد قليل بدأت "داليا" توتر. كانت ماهرة في عملها السابق حيث كانت تعمل لدي مكتب صرافة ولكنها لم تكن متحدثة لبقة ولهذا تم إستبعادها من الوظيفة. تمنت في تلك اللحظة أن يكون هناك إختبار للقدرات في هذا المكان وعندها سيتحدث عنها عملها. أما هي فلن تستطيع التحدث عن نفسها. فكرت "داليا" في أن تسأل إحدي الفتيات عند خروجها من المقابلة، لكنهن كن يذهبن خارج المكان بمجرد خروجهن من الحجرة المخصصة للمقابلة الشخصية.
كانت تحتاج إلي العمل، ولكنها لم تكن واثقة من الحصول عليه تماماً ولكنها أيضاً لم ترد أن تفقد الأمل. توقعت أن دورها سيحين على الفور ولكن هذا لم يحدث فقد أخذت كل فتاة وقتاً طويلاً جداً في إجراء المقابلة مما زاد من توترها. فشعرت بالعرق يملأ راحتي يديها فأخرجت منديلاً قطنياً وفردته في هدوء ثم جففت به يديها في بطء وعادت تطويه وتضعه في حقيبة يدها.
مرت دقائق أخرى خالتها "داليا" دهراً. وفي هذه اللحظة اقتربت منها موظفة أخرى نحيلة ذات مظهر طيب وطبيعة حسنة ترتدي زي العمل الرسمي ثم قالت لها: اتفضلي معايا يا انسة دور حضرتك.
نهضت "داليا" وهي تشعر بعدم الثقة بنفسها رغم أنها كانت تبتسم مما ضاعف عصبيتها وارتباكها. كانت تعلم قدرتها على العمل، لكنها شكت في قدرتها على توصيل ذلك لهم. ولكنها أخيراً أخذت نفساً عميقاً ثم تبعت الموظفة عبر الممر الطويل المغطاة أرضه بالسجاد الأحمر.
كانت أعصابها مشدودة كالوتر ولم تكن تعرف ماذا تتوقع فهي على بعد خطوات من حجرة المقابلة حيث يجلس رب العمل. فتحت الموظفة أبواباً بيضاء مزدوجة وأشارت لها بالدخول. دخلت "داليا" إلى الحجرة المخصصة للمقابلة الشخصية. حدقت إلى تلك السجادة السميكة ذات اللون الرمادي التي وضعت على أرض بيضاء رخامية وإلى ذلك الأثاث الفاخر. شعرت وكأنها خارج نفسها بصورة يائسة. تفحصت المكان في ذهول لم يحدث لها أن رأت مثل ذلك الترف في حياتها أبداً. مقاعد بيضاء جلدية وستائر قرمزية، خشب أسوجي وطاولات تكسوها مفروشات حريرية. وقفت في ملابسها المتواضعة البسيطة وكأنها بمكتب ملكي وليس مكتب عادي لإجراء مقابلة عمل. اتضح لها أن تلك المقابلات كانت تتم هنا، بمكتب رب العمل.
أفاقت من تآملاتها وخيلاتها على صوت الموظفة: يا انسة .. ده مستر عز الدين نصار صاحب الشركة ورئيس مجلس الإدارة. سرت بأوصالها قشعريرة خفيفة فيما كان يجلس "عز الدين" خلف مكتبه بهدوء محدقاً فيها. ألتقتت نظراتهما للحظة وجيزة قبل أن يتوجه بالحديث إلى الموظفة: تقدري تتفضلي انتي يا انجي .. مش جبتي إستمارة الأسئلة إللي مليتها الانسة ؟؟ ايوه يافندم الاستمارة والـ cv اهم الاتنين.
قالت الموظفة ذلك وهي تضع الملفات على المكتب. بينما أذن لها "عز الدين" بالإنصراف فأنسحبت بهدوء. ثم حول نظره إلى "داليا" وقبل أن يتفوه بكلمة تناول علبة بلاتين أنيقة وأخرج سيكارا وضعه بين أسنانه وأشعله. شعرت "داليا" في تلك اللحظة كأنما ركبتاها ستبدآن بطرق الواحدة الأخرى. فيما كانت عيناه تتفحصانها بجرأة ساخرة إلى أن نطق أخيراً حيث قال بهدوء آمراً مشيراً إليها بالجلوس في أحد المقاعد الجلدية قرب مكتبه:
اتفضلي اقعدي يا انسة. تقدمت "داليا" وجلست ببطء في المقعد قبالة المكتب. كانت خجولة من مواجهته وجهاً لوجه فأخذت تحدق بالأرض حتى انتفضت لدى سماعها صوته: انتي خريجة ايه يا انسة ؟؟ كان يحدق فيها من خلال نصف عينيه المقفلتين حيث بدا غير مبال بها. فتعلثمت وهي تقول: تجارة انجلش حضرتك .. وبعدين كل المعلومات اللي هتعوز تعرفها عن مؤهلاتي موجودة في الاستمارة اللي مليتها قبل ما ادخل. رفع حاجبه وهو يهز رأسه ساخراً ثم قال:
بس اعلان الوظيفة طالب موظفة دارسة ادارة اعمال يا انسة .. لان بجانب بوظيفة تخصصك هتكوني سكرتيرة عام للشركة. أجابت "داليا" في انزعاج أمام نظرته المتهكمة الثاقبة: انا عارفة حضرتك الاعلان طالب ايه وجاهزة للوظيفة والا ماكنتش جيت. انا بعد ما خلصت كليتي عملت دراسات عليا في ادارة الاعمال والكمبيوتر ده غير اني بعرف انجليزي وفرنسوي واسباني.
هز رأسه مراراً بسخرية ثم تناول إستمارتها بينما جفلت عيناها بتوتر. فيما كان يقرأ بلا اكتراث وسيكاره يميل على جانب فمه، عينيه تستشعران أثر الدخان كجسدها المتوتر. انتهى من القراءة سريعاً ثم ألقى بالأوراق على المكتب ثم نظر إليها بإمعان قبل أن يقول: إيدك .. كانت بتترعش وإنتي بتكتبي !
لم تجب. فقط صمتت وهي تعض بقوة على شفتها. بينما تنهد وهو يطفئ سيكارته بعد أن امتص عبقها الأخير بعمق. كم يستلذ بذلك النفس الأخير منها. ثم تناول الـ cv وتصفحه سريعاً ثم ألقاه فوق الإستمارة: طب عندي سؤال. قال ذلك بإرتقاب. بينما نظرت إليه متسائلة فقال: ليه استبعدوكي من الوظيفة الاخيرة اللي كنتي فيها ؟؟ أجابته "داليا" بصراحة مطلقة:
المكتب اللي كنت بشتغل فيه كان بسيط شوية فكنت واخدة مكان موظفة الاستقبال وحضرتك عارف ان موظفة الاستقبال شغلها الرد على المكالمات وخلافه فلازم تكون متحدثة لبقة والحقيقة دي ميزة مش فيا انا مش بعرف اتكلم كويس انما بعرف اشتغل كويس.
هز رأسه ببطء وهو يحلل كلامها. بينما حدقت فيه جيداً. لم يكن أبداً كما تصورت إذا اختلطت فكرتها عنه بصور غير واضحة عن رجال أعمال ناجحين بدينين ملامحهم غير اعتيادية. لم يكن "عز الدين" بظهوره أحداً من هؤلاء الأشخاص فقد بدا لها طويلاً عندما وقف فجأة. فوقفت تلقائياً. لم تكن قصيرة القامة ومع ذلك اضطرت للتطلع إلى أعلى لتكون في مواجهته. كان نحيلاً ذا جسداً ممشوقاً مكدساً بالعضلات يتمتع بقامة قوية صلبة بالإضافة إلى أناقته المتناهية. كان يرتدي ثياباً باهظة الثمن وربطة عنق من اللون الرمادي. غير أن بشرته برونزية ملامحه قاسية بعض الشيء عينان عسليتان، فمه حسن التكوين شهواني عليه مسحة قسوة. شعره أسود غزير وأملس.
إرخت ركبتا "داليا" من الصدمة. هذا أسوأ .. أسوأ بكثير مما توقعت وكأنها في مواجهة وحش بشري. فوق هذا كله تلك البسمة الساخرة السريعة وكأنه قرأ أفكارها فقال: طيب .. انتي هتاخدي معاكي الـ cv بتاعك وهتسيبلنا الاستمارة ولو تم اختيارك هيوصلك مننا اتصال.
تلك الجملة لم ترضها، بل شعرت بالضيق. فلملمت أشيائها وغادرت الشركة ثم وصلت إلى بيتها. حاولت إقناع نفسها بأن حصولها على هذا العمل لا يهمها في شيء لكنها لم تنجح في ذلك. من كانت تخدع؟ إنها في حاجة ماسة لهذا العمل حقاً. أنه ليس آخر عمل يمكنها التقدم إليه، لكن المكان أعجبها كما أنها تعلم أن لديها الكفاءة اللازمة للعمل ولم يكن من العدل ألا تحصل على الوظيفة بمجرد أنها لا تحسن تقديم نفسها والتعامل مع الغرباء!
تساءلت .. ترى كم سيكون أجرها لو حصلت على هذا العمل؟ .. ضايقها التفكير في النقود فضمت قبضتيها بشدة وهي تتنهد بثقل وفكرت، سحقاً لهذا المال. لا يملك الإنسان ما يكفي منه أبداً... استيقظت قلقة عند منتصف النهار حينما شعرت به يمرر أنامله على وجهها. تململت بضيق ثم فتحت عينيها ونظرت إليه باسمة ثم قالت بغنج ودلال: حبيبي .. صحيت امتى ؟؟ من بدري يا حبيبتي. أجابها ثم تابع بقلق:
عبير .. يا حبيبتي انتي لازم تقومي تمشي دلوقتي بقي. انا خايف وقلقان بصراحة من وجودك هنا من امبارح. قهقهت "عبير" بغنج ثم قالت: يا جبان .. خايف من ايه بس ؟ انت مش عارف ان عز مسافر بقاله 3 ايام ؟ ولسه مارجعش. ايوه بس اخوكي عمر .. قاطعته مرة أخرى ضاحكة ثم قالت: عمر ! .. لا يا سيدي عمر ده في وادي تاني لوحده. وقبل أن يتفوه بحرف آخر قالت بحزم: حسام .. قلتلك بطل جبن بقي خايف من ايه ؟؟
يا حبيبتي بصراحة قلقان من وضعنا ده. انا مجرد موظف عند اخوكي في الشركة وكل ما بفكر كده مع نفسي لو عز عرف حاجة ! يا نهار اسود دي هتبقى كارثة اخوكي متهور و الله يقتلني مجنون و يعملها. إستنكرت "عبير" جملته فقالت بحدة: و بعدين معاك ؟ لما انت جبان اوي كده وبتخاف ارتبطت بيا ليه من الاول ؟؟
يا بيرو يا حبيبتي افهميني. لازم نحط احتمالات لكل خطوة تخصنا زي ما المثل بيقول مش كل مرة تسلم الجرة. وبعدين ماتنسيش خالد ابن عمك انتي لسه ماقنعتيش عز الدين بفسخ الخطوبة. لا يا بيبي من الناحية دي اطمن انا مستحيل اتجوز خالد انا بحبك انت وقريب كل شيء بيني وبينه هينتهي. قطع حديثهما صوت رنين هاتفهها. مدت يدها إلى حقيبة يدها الملقاة أرضاً وأخرجته لتجد المتصل "خالد". فنظرت إلى الهاتف في استغراب وقلق في آن واحد. فسألها "حسام"
بقلق مماثل: ايه يا عبير. في ايه مين بيتصل بيكي ؟؟ قالت ببطء شديد وعيناها معلقة على شاشة الهاتف وكأنها شاردة: ده خالد. بس ده رقمه اللي هنا! .. معني كده إنه رجع مصر. ممكن يكون رجع من غير عز ؟! يانهار اسود .. يعني اخوكي رجع ؟ .. شفتي يا عبير .. شفتي روحنا في داهية. شششش اسكت دلوقتي. قالت بحدة ثم أخذت نفساً عميقاً وأجابت بثبات: الو ! ليأتي صوت "خالد" الهادئ: حبيبتي. صباح الخير. عاملة ايه يا بيرو ؟؟ أجابته بشيء من التوتر:
يا خالد انا تمام الحمد لله. بس ايه ده انت بتتكلم من هنا ولا ايه ؟؟ اه يا حبيبتي. ايه انتي ماتعرفيش ان انا وعز وصلنا امبارح بليل ولا ايه ؟؟ فإرتبكت قائلة: آآ .. لأ .. لأ ماعرفش اصلي اكيد كنت نايمة لما عز وصل. ممم .. ماشي يا ستي عموما انا اخدت من عز اجازة النهارده بالعافية عشان اجي اشوفك واقضي اليوم كله معاكي. إنتفضت بذعر قائلة: ايه ! .. هتيجي ؟ هتيجي امتي ؟؟
انا بلبس اهو. ربع ساعة بالكتير وهكون قدامك يلا يا قلبي سلام مؤقت. ما أن أغلق الخط معها حتى قفزت من موضعها وارتدت ملابسها بسرعة كبيرة. بينما سألها "حسام" بقلقه المعتاد: ايه اللي حصل يا عبير قوليلي في ايه ؟؟ كانت قد انتهت من ارتداء ملابسها وأخذت حقيبة يدها ثم قالت له وهي تغادر راكضة: عز. عز الدين رجع من امبارح بالليل يا حسام. رحلت "عبير" فقال "حسام" في نفسه: عز الدين رجع ؟
.. يانهار اسود ياربي امتى هخلص من البت دي بقي .. ! دخلت "ياسمين" إلى المنزل وهي تلهو بمفتاحها حاملة حقيبتها وبعض دفاتر الدراسة ووضعتهم فوق منضدة صغيرة توسطت حجرة الجلوس. ثم هتفت وهي تعبر الردهة الداخلية الصغيرة: داليا ! .. انا جيييت .. انتي هنا ؟؟
إلا أن أحداً لم يجب. فرمقت "ياسمين" ساعة يدها متسائلة فوجدتها الثانية والنصف بعد الظهر. فظنت إنه ربما تعثرت "داليا" بالطريق وستأتي في أي لحظة. توصلت إلى تلك النتيجة ثم تنهدت ونزعت معطفها وألقته تعبة على الأريكة. بينما سمعت صوتاً آت من داخل إحدى الغرف. تتبعت أثر الصوت تاركة حاسة تقودها فوصلت أخيراً إلى المطبخ. كان وقع تساقط الدسم من قطع اللحم تحت المشواة مثيراً للشهية. حين دلفت "ياسمين" إلى المطبخ وهي تهمهم منتشية. واكتشفت وجود شقيقتها.
فنظرت إليها بتساؤل قائلة: ايه يا دودو .. باين رجعتي ها طمنيني بقي. عملتي ايه في المقابلة ؟؟ تنهدت "داليا" بثقل قائلة: روحت. قابلت مدير الإدارة. ها يعني ! .. ايه اللي حصل ؟؟ سألتها بإرتقاب. فأجابت بإختصار: لو اتقبلت هيتصلوا بيا يا ياسمين. زمت "ياسمين" شفتيها ثم ربتت على كتف شقيقتها قائلة: ان شاء الله هتتقبلي يا حبيبتي وهتقولي ياسمين قالت. إبتسمت "داليا" ابتسامة لم تصل إلى عينيها ثم قالت:
طيب .. يلا عشان نتغدى انتي مش جعانة ولا ايه ؟؟ لأ طبعا جعانة ده سؤال ! .. بس انتي غديتي ماما الأول ؟؟ هستنى حضرتك لما تقوليلي مثلا ! .. طبعاً غديتها. ماشي يا ستي هروح اغير هدومي بسرعة اهو وجاية. ثم توجهت إلى غرفتها. بينما تعد "داليا" طعام الغداء بذهن مشوش تملأه الأفكار... عادت "عبير" إلى المنزل بسرعة قصوى ومن ثم إلى غرفتها. حرصت على أن لا يراها أحد. بدلت ملابسها سريعاً لتسمع في تلك اللحظة طرقاً على باب غرفتها.
هتفت متسائلة: مين ؟؟ انا فاطمة يا ست عبير. عايزة ايه يا فاطمة ؟؟ خالد بيه وصل تحت وقالي اطلع أدبّك خبر. طيب ماشي. روحي انتي وانا نازلة اهو. أطاعتها الفتاة وذهبت بهدوء. فيما تنفست "عبير" الصعداء. فحتماً لو لم تكن تصرفت بهذه السرعة لكانت الأن في مواجهة العديد من المشاكل والتساؤلات. ولكنها لا تزال قلقة. ترى هل اكتشف "عز الدين" غيابها عن المنزل ليلة أمس؟
لا، مؤكد لم يكتشف. فلو كان علم حقاً لكان طوى الأرض بأكملها بحثاً عنها. غادرت الغرفة بسرعة وهي متوترة الأعصاب لدرجة فائقة. فلا تزال المفاجآت المخيفة مؤثرة عليها. كانت أشعة الشمس تتدفق على جوانب ذلك البيت الفسيح. في مكان بإحدى زوايا الحديقة ذهبت "عبير" حيث كان يجلس "خالد" إلى طاولة خشبية صغيرة يحتسي القهوة. إبتسمت إليه رغماً عنها عندما وقف لها احتراماً ومحبة. إقتربت منه فإبتسم قائلاً بعدما وضع قبلة على جبهتها:
حبيبة قلبي .. مش ممكن تتصوري انتي وحشتيني قد إيه ! إصطنعت ابتسامة وهي تسحب مقعداً لتجلس عليه. بينما مد "خالد" يده ومرر أصابعه على يدها بحنان قائلاً: مالك يا بيرو ؟ .. شكلك متغير كده ليه ؟ في حاجة مضايقاكي ؟؟ نفت "عبير" ظنونه سريعاً حيث قالت: لا ابداً مش متضايقة خالص بس بصراحة متفاجئة. فسألها: متفاجئة من ايه يا حبيبتي ؟؟ هزت كتفيها قبل أن تقول: يعني .. رجعت كده انت وعز امبارح من غير ما تقولوا لحد !!
السفر جه فجأة والله يا حبيبتي. اصلنا خلصنا الشغل بسرعة وكل حاجة تمت على الخير الحمد لله فقطعنا التذاكر علطول ورجعنا. كده من غير ما تبلغونا ؟! عادي يا عبير. ايه المشكلة ! .. المهم قوليلي انتي ايه اخبارك ؟ عاملة ايه وعملتي ايه في اليومين دول لوحدك ؟؟ تنهدت "عبير" وراحت تحاكيه بملل: الحمد لله انا كويسة. وهعمل ايه يعني كنت قاعدة في البيت طبعاً.
معلش يا ستي عارف انك زهقتي بس انا هظبط يومين كده وهخرجك في الحتت اللي انتي عايزاها. أومأت رأسها في ملل. بينما إنفرج ثغره بإبتسامة حينما قال: انا بقي جبتلك هدايا كتير لما كنت في السفر ان شاء الله هتعجبوكي. إصطنعت ابتسامة ثم قالت: آه. ميرسي يا خالد تعبت نفسك ليه بس ما أنا عندي كل حاجة. يا حبيبتي انا لو اطول اجيبلك الدنيا كلها تحت رجلك مش هتأخر. أغمضت عيناها بغيظ لأنها لم تعد قادرة على النظر إليه.
ههههه خالد نصار بيتكلم بالشعر يا رجالة. كان هذا صوت "عمر" الذي انضم إليهم فجأة. ثم تابع بمرحه المعتاد: اموت واعرف بتحب فيها ايه ! .. يعني من جمالها ولا من رقتها اااخ يابني ده انت هتاخد حتة مقلب .. هتبقى غلطت عمرك دي مابتعرفش تعمل كوباية شاي هههههه. بينما أجابه "خالد" مستنكراً: دي هتبقى عمري كله يا استاذ عمر. ثم ابتسم بنعومة وأضاف: وبعدين مين قالك اني عايزها تتعلم في الحاجات دي لا حبيبي دي هتعيش ملكة في بيتي.
فضحك "عمر" قائلاً وهو يجلس بجانبه: طب يا حبيبي اشبع بيها والله هتكون عملت فينا معروف لما هتاخدها من هنا. فيما لاحظ "خالد" بعض الكدمات البسيطة بوجه "عمر" فقال: واضح ان اثر الخناقة لسه ما اختفاش يا استاذ عمر. عز لسه ماشافكش صح ؟؟ لسه. قال بضجر ثم تابع: وحتي لو شافني يعني هيعمل ايه ؟؟ هيعمل كتير يا بيه.
كان هذا صوت "عز الدين" الذي وصل لتوه. نظر إليه الجميع بقلق عدا "عمر" رمقه ببرود. فرفع حاجبيه وسحب مقعداً ثم وجه إليه نظراته الثاقبة الغاضبة وقال بهدوء مرعب: ايه اللي في وشك ده يا عمر ؟؟ تأفف "عمر" قائلاً: بقولك ايه يا عز. انت عارف كل حاجة فماتلفش وتدور هات من الآخر. فهمهم "عز الدين" قائلاً: همم. عندك حق. نجيب من الآخر أحسن بلاش نخش في تفاصيل. ثم تابع بصوت أجش:
قدامك اختيارين يا عمر. يا تنزل من بكرة معانا في الشركة وتمسك الشغل. يا تطلع من البيت ده وماشوفش وشك تاني نهائي. فصرخ "عمر" بإنفعال: والله ! .. ده على أساس إيه الكلام ده إن شاء الله ؟! أجابه "عز الدين" بهدوء أعصاب: على أساس إن كل مليم سابه أبوك مكتوب باسمي. نظر "عمر" إلى أخيه والشرر يتطاير من عينيه قائلاً: انت بتهددني يا عز ؟؟
انا بخيرك يا حبيبي مش بهددك. يا تيجي تشتغل معايا في شركة أبوك وتقعد في بيتك معزز مكرم. يا ترفض وماشوفش وشك تاني. فصر على أسنانه قائلاً: طب والكُلية ؟؟ كلية إيه بقي انت مش اترفدت ؟؟ يعني إيه ؟ .. هتسكت مش هتتصرف وترجعني ؟! فقال "عز الدين" بإنفعال: يا راجل! خايف دلوقتي على مستقبلك ؟ .. وكان فين خوفك ده لما هببت الدنيا في الجامعة وضربت الأمن كمان. ما تقول سكتت ليه ؟؟ صمت "عمر" لم يجد ما يضيفه. فتنهد "عز الدين" قائلاً:
ماشي. هديك فرصة. مش هتدخل الامتحانات السنة دي وهتنزل الشغل معانا زي ما قلتلك. مشيت صح السنة الجاية هتكون في كليتك اتعوجت انت عارف الحل البديل إيه. كبت "عمر" إنفعاله بجهد. بينما حول "عز الدين" نظره إلى شقيقته فقال: وانتي يا هانم. كنتي فين امبارح ؟ لما رجعت مالاقتكيش ! توترت "عبير" بينما سألها "خالد" مستغرباً: انتي مش قولتيلي انك كنتي قاعدة في البيت ؟! تماسكت "عبير" واختلقت كذبة قائلة:
اصل لينا صحبتي كان عيد ميلادها امبارح وعزمتني ولما روحت ماتبسّطش أوي فرجعت وكنت متضايقة شوية لدرجة إني نسيت أقولك لما سألتني أصلاً. هز "خالد" رأسه بتفهم. بينما نهض "عمر" بغضب تاركاً إياهم. ثم تبعته "عبير" قائلة: طيب أنا هروح أشوفهم حضروا الغدا ولا لأ. هتتغدى معانا يا خالد مش كده. أومأ رأسه باسماً. بينما ذهبت مسرعة. فنظر "خالد" إلى "عز الدين" وسأله: ها يا سيدي. طمني الشركة عاملة إيه ؟؟ كويسة. أجابه بإختصار. فسأله:
طب وعملت إيه في موضوع السكرتيرة ؟ .. اخترت حد ولا لسه ؟؟ نظر إليه متردداً. فهز "خالد" رأسه قائلاً: لأ. لأ الله يخليك. ماتقولش إنك طفشت الناس اللي جت. يا عم ما طفشتش حد. قال بضيق ثم تابع بإنفعال: أنا مش فاهم بس لازم تكون سكرتيرة ماينفعش سكرتير ! يا عز سكرتير إيه بس بقي انت عايز وجهة الشركة يبقى راجل!
يا أخي قول كلام غير دا. بقولك إيه ماتعملش فيها شهيد مش عليا الكلام ده رغم كل حاجة إنت بتميل ساعات للستات فمتعملهاش حكاية بقي وشوف هتختار مين عشان في شغل كتير متعطل. تنهد "عز الدين" مستسلماً. ثم فجأة قفزت برأسه صورتها حينما قالت "أنا مش بعرف أتكلم كويس. انما بعرف اشتغل كويس". فقال: اختارتها خلاص.
في صباح اليوم التالي جلست "داليا" تتناول الفطور مع شقيقتها على طاولة تتوسط المطبخ. كانت علامات الحزن والخذلان والضيق عالقة بمحياها. وكانت "ياسمين" تسترق النظر إليها بحزن بين الحين والآخر. ثم فجأة تعالى صوت رنين الهاتف المنزلي. فقالت "ياسمين": خليكي انتي يا دودو. أنا هرد. وذهبت لتجيب. لم تمر لحظات حتى هتفت: داليااااا. تعالي بسرعة ...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!