الفصل 11 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
26
كلمة
3,561
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

دقت جرس الباب ليفتح لها بعد لحظات. وقفت أمامه وجهاً لوجه، ثم نزعت نظارتها الشمسية الكبيرة عن عينيها ورمقته بنظرة ذابلة. بينما تفاجأ لدي رؤيتها، بل انصدم للحظات. فتلك ليست "عبير" إطلاقاً، إنما هي نسخة باهتة عنها. لقد فقدت رونقها ومرحها وحتى ابتسامتها، ولم يبق منها إلا حطام. حيث بدت ضعيفة، واهنة، قلقة وخائفة. لم يكترث كثيراً لوضعها وما ظهرت عليه، بل قبض على رسغها وجذبها إلى الداخل بسرعة، مغلقاً الباب من خلفها.

ثم التفت إليها وسألها: -ها يا عبير.. طمنيني.. عملتي ايه؟ مشت إلى أقرب مقعد وألقت بثقلها عليها في تعب قائلة: -مش تقولي ازيك الأول وتطمن على صحتي؟ ولا أنا خلاص مابقتش فارقة معاك؟ -ازيك يا عبير؟ قال بضجر، ثم عاد يسألها: -ها طمنيني بقي.. نقول مبروك؟ رمقته في حدة قائلة: -نقول مبروك على ايه؟ أجابها بابتسامة متوترة: -نقول مبروك على الإجهاض يا حبيبتي! شكلك تعبانة.. أكيد نزلتِ الحمل صح؟ حدقت فيه بغضب ثم قالت في جمود: -لأ.

تجهم وجهه فجأة ثم سألها متهكماً: -نعم؟ لأ! ولما هو لأ طلبتي تقابليني ليه؟ عايزة مني إيه؟ أنا مش قلتلك مش هنشوف بعض تاني إلا لما تخلصي من القرف اللي في بطنك ده؟ رمقته في اشمئزاز قائلة: -صح.. أنت عندك حق.. هو فعلاً قرف عشان جاي منك. احتقن وجهه بغضب فقال: -لمي لسانك يا عبير أحسنلك. هزت رأسها في دهشة، ثم أخذت تتساءل: -أنا مش مصدقة إني كنت بحبك أبداً! أنت إزاي قدرت تبقى كده؟ وإزاي أنا ماقدرتش أفهمك؟

إزاي ماقدرتش أتوقع إنك ممكن تغدر بيا؟ إزاي ماعرفتكش على حقيقتك؟ عند ذلك، قبض على ذراعها وجذبها إليه حتى أوقفها أمامه، ثم صاح بها في وقاحة: -اديكي عرفتيني يا أختي.. وبعدين ماتنسيش إنك أنتِ اللي جريتي ورايا، مش كل مرة هفضل أفكرك. -أد إيه أنت طلعت ندل وحقير.. بتقولي أنا كده؟ للأسف الغلطة مش غلطتك بس، وربنا أبويا ما هسيبك يا حسام هشردك. رفع رأسه عالياً وقهقه بقوة، ثم عاد ينظر إليها قائلاً: -بأمارة إيه يا بيرو؟

مين فينا اللي متورط؟ أنا ولا انتي؟ قالت بتحد: -هقول لأخويا.. هحكيله على كل حاجة. ابتسم بسخرية قائلاً: -جربي تعملي كده وهتكتشفي غلطتك فوراً، ده لو لحقتي تكتشفي أساساً. لمعت عيناها كالنار، وكادت تمطره بكلماتها الغاضبة، لكنه قاطعها في سرعة قائلاً:

-بقولك إيه.. كفاية كلام لا هيقدم ولا هيأخر، وخلينا في المهم.. قدامك فرصة تانية عشان تروحي زي الشاطرة كده لدكتور كويس يعمل لك العملية وتخلصي بقى وتخلصيني معاكي من الصداع ده، وأنا عارفك يعني.. مش غاوية تعب ولا بتاعة مشاكل يا بيرو. -لأ.. مش هنزل البيبي يا حسام. قالت بعناد، فشدد قبضته حول ذراعها حتى انفلتت صيحة ألم من بين شفاهها، ثم صاح بعصبية:

-ماتجننيش يا عبير.. قلتلك أنتِ هتنزلي الحمل ده، لازم تنزليه بالذوق أو بالعافية، أنا ما يتلوش دراعي فاهمة؟ وزي ما قلتلك قبل كده ماتفتكريش إنك تقدري تضغطي عليا بموضوع الحمل عشان أتجوزك. -تتجوزني! هو أنت فاكر إن لسا عايزك تتجوزني؟ لا يا بابا انسى خلاص، أنت ظهرت على حقيقتك، وبعدين الطفل اللي في بطني ده لو ربنا قدر له إنه يتولد هيكون أكبر ظلم ليه إنك أبوه.. إنه يتنسب ليك دي كارثة في حد ذاتها. -يسلم يا أختي!

دلوقتي مابقتش عاجبك؟ ماشي مش مشكلة خالص، أنا مش زعلان منك بالعكس.. أنا موافقك في الرأي جداً، فعلاً أنا إنسان ندل وحقير وجبان، عشان كده اخلصي مني بكرامتك بقى واسمعي الكلام وروحي نزلي العيل اللي في بطنك ده أحسنلك. قطبت حاجبيها بوهن قائلة: -أنت إيه! معندكش دم؟ مابتحسش؟ ده أنا ممكن أموت فيها!

-تؤتؤتؤ.. لأ.. لأ يا عبير ماتقوليش كده.. إن شاء الله مافيش حاجة وحشة هتحصلك، الموضوع كله على بعضه هيخلص في كام ساعة.. ماتخافيش يا حبيبتي. -اخرس! هتفت بحدة مشمئزة، ثم أضافت: -ماتقوليش يا حبيبتي.. حبيبتك جهنم. -ماشي يا بيرو.. مقبولة منك. قال ذلك، ثم أمسك بذقنها فدفعت يده عنها بقوة، بينما رمقها بسخرية. ***

مستلقية على فراشها، الصمت مخيم على الغرفة من حولها. كانت منهكة، جسدها يؤلمها بشكل كبير، ولكن الألم الداخلي الذي شعرت به كان أقوى وأشد وأكثر صعوبة على التحمل. تنهدت بثقل وتمنت للمرة العاشرة مجدداً لو أنها لم تتقدم إلى تلك الوظيفة، حيث من خلالها قابلت مارد جبار أوقعها بحبه دون إرادتها. هزت رأسها بندم وغضب بالغين لأنها، وبرغم كل ما فعله بها، بدأت تشتاقه، وتمنت فجأة لو كانت قربه الآن!

ذلك الرجل الذي دغدغ مشاعرها بأسلوب لم يسبق له مثيل، والذي أثار غيظها أحياناً عندما كان يعاملها وكأنها فتاة صغيرة، ثم يعاملها كامرأة ناضجة يريدها إلى حد كبير! ولكنها تفضل الاحتراق بنيران البعد عنه عوضاً عن السكون بالجنة بين ذراعيه في وضع يجرح كرامتها ويقلل من شأنها واحترامها لنفسها.

ابتسمت فجأة بشيء من السعادة لتفكيرها في أن رجلاً قوياً مثل "عز الدين نصار" يريدها إلى هذه الدرجة. فلو كانت فتاة غيرها رفضته بهذه القوة لكان رمقها بسخريته الهازئة وأدار لها ظهره ورحل، لكنه بدا مصمماً وراغباً بها بشدة.

اختفت ابتسامتها بصورة تدريجية عندما تذكرت كلامه الجارح وطلبه المهين، ثم شعرت بقهر وخيبة قاتلة. خيبة لا تفهمها الفتاة معناها الحقيقي إلا عندما تلتقي رجلاً يعني لها كل شيء في حياتها ويخذلها، رجلاً مثل "عز الدين" الذي، وبرغم قسوته، تجد في لمساته وكلماته سحراً وجاذبية لم تجدهما أبداً في أي رجل آخر. تألمت، وبكت، ونامت.. لتستيقظ بعد قليل على صوت شقيقتها الهادئ: -داليا.. داليا.. قومي يا حبيبتي الغدا جاهز.

فتحت عينيها ببطء وتنهدت بعمق، ثم رفعت يدها وراحت تفرك عنقها عندما شعرت بوخز خفيف يسري بوريدها. ثم نظرت إلى شقيقتها قائلة: -في إيه يا ياسمين؟ عايزة إيه؟ -يلا يا دودو قومي عشان نتغدى سوا. قالت "ياسمين" بلطف، بينما تجاهلت "داليا" كلامها وسألتها واجمة: -الراجل الزفت ده صاحب العمارة ماتكلمش تاني؟ زمت "ياسمين" شفتيها قائلة: -لأ ياستي ماتكلمش.. المهم سيبك منه دلوقتي وقومي يلا عشان نتغدى.

-مش عايزة.. ماليش نفس يا ياسمين، كلي انتي بالهنا والشفا. -كده ماينفعش يا داليا.. بتعاقبي نفسك ليه دلوقتي؟ إحنا هنعمل اللي علينا واللي عايزه ربنا هيكون. -إزاي يعني بتقوليلي كده؟ هتفت "داليا" بعصبية، ثم تابعت: -هيعجبك يعني وضعنا لما نتطرد برا بيتنا؟ هتتبسطي لما نترمي في الشارع؟ ماسألتيش نفسك هنروح فين؟ هنعيش إزاي؟ وكليتك يا دكتورة! مافكرتيش في كل ده ياسمين؟ أجابت "ياسمين" منفعلة:

-فكرت.. فكرت يا داليا.. بس هنعمل إيه يعني؟ إيه في إيدينا ممكن نعمله؟ مش معانا فلوس كفاية عشان نشتري البيت.. قولي في حالة خروجنا من البيت ممكن بمرتبك نسكن في أي فندق رخيص أو نأجر شقة بسعر رخيص برضه، وبمرتبي اللي بقبضه من المستشفى هنقدر نعيش، عشان كده أنا بهون عليكي وبعرفك إننا مش هنتبهدل إن شاء الله. نظرت "داليا" إلى شقيقتها متخاذلة، ثم قالت في تهكم مرير: -مرتبك! صحيح ما أنا نسيت أقولك إني سبت الشغل. -سبتي الشغل!!

هتفت "ياسمين" في صدمة، ثم سألتها: -ليه؟ ليه يا داليا؟ حجبت "داليا" وجهها بكلتا يديها، ثم صمتت مترددة، وعندما رتبت الكلمات في ذهنها جيداً، عادت تنظر إلى شقيقتها وقصت عليها كل ما حدث، أطلعتها على كافة التفاصيل، وعند بعض الأجزاء كاد صوتها يختنق ألماً وقهراً. -ابن الـ… هتفت "ياسمين" بلا وعي، فبسرعة قاطعتها "داليا" في حدة قائلة: -ياسمين! أوعي.. أوعي تنطقي كلمة وحشة عليه. -مستحيل! أنتِ بتدافعي عنه؟

لسا برضه بعد اللي حصل منه؟ أنتِ إيه يا داليا؟ أجابت "داليا" في هدوء: -أنا استقلت خلاص يا ياسمين.. بعدت عن طريقه نهائي، مش هشوفه تاني خلاص.. فمش عايزة أفتكره بحاجة وحشة. تحدثت "ياسمين" بعنف من بين أسنانها: -آه لو كنت معاكي.. آه لو أشوف الحيوان ده.. هو فاكرك إيه؟ وربنا لو الموقف ده كان حصل في وجودي كنت فرجت عليه الدنيا. -خلاص بقى يا ياسمين قلتلك الموضوع انتهى.

-أنا اللي غايظني بس إنك سكتيله، ده كان محتاج قلمين كده يفوقوه عشان بعدين يبقى يعرف يميز الصالح من الطالح. -قلتلك خلاص بقى. هتفت "داليا" بنفاذ صبر، ثم تركت شقيقتها واتجهت إلى الشرفة في عصبية. *** عادت إلى منزلها والألم يعتصر قلبها. ستواجه الكثير من المصاعب بعد الآن، ولكنها مضطرة لتحملها، عليها تحمل مسؤولية أخطائها وتصرفاتها الطائشة التي أدت بها إلى طريق الظلمات الوعر.

تأملت القصر قبل دخولها إليه، فلم تجده جميلاً كما اعتادت عيناها على رؤيته، بل أن كل شيء وكل مكان بات في نظرها كسجن كبير، ومنزلها أيضاً أصبح السجن الأكبر. يجب أن تمضي فيه فترة عصيبة وأليمة حتى ينتهي الكابوس.. أو قد لا ينتهي أبداً! ترقرقت الدموع في عينيها، لكنها سارعت لاستعادة رباطة جأشها سريعاً.

ثم ذهبت على الفور إلى إحدى زوايا حديقة القصر حيث أشعة الشمس تضفي جمالاً غير عادي للمكان من حولها. أرادت الانفراد بنفسها والابتعاد عن الآخرين، ولكن أمنيتها لم تتحقق، إذ كان "عز الدين" و"خالد" يجلسان إلى طاولة خشبية صغيرة يحتسيان القهوة ويأكلان الحلوى. لم يكن لديها مجال للتراجع، لأن "خالد" ما إن شاهدها ابتسم تلقائياً، ثم وقف إليها محبة واحتراماً طالباً منها الانضمام إليهما.

ابتسمت "عبير" في ارتباك، ثم تقدمت صوبهما بخطى مضطربة حتى وصلت إليهما، فقال "خالد" بسرور فيما كان يساعدها على الجلوس بمقعد بجواره: -بيرو.. وحشتيني يا حبيبتي.. بقالي كام يوم ماشفتكيش. ابتسمت له وكأنها مشتاقة فعلاً لرؤيته، ثم قالت: -أصلي مشغولة يا خالد.. امتحاناتي قربت فبذاكر بقى. ثم نظرت بسرعة إلى أخيها الذي كان يتابعهما في صمت دون أن تتغير ملامحه القوية أو تتبدل. كان يجلس بهيبة وعنفوان وبدا قوياً عندما سألها فجأة:

-كنتي فين يا عبير؟ ابتلعت ريقها بتوتر، ثم أجابت بنبرة جاهدة في أن تبدو عادية: -كنت في الجامعة يا عز بسأل على مواعيد المراجعات وكنت بشوف يعني لو كان في أي جديد. أومأ رأسه في هدوء، بينما سألها "خالد" بنبرة قلقة: -بس أنتِ مالك يا عبير؟ شكلك بقى عامل كده ليه؟ أنتِ تعبانة ولا حاجة؟ ارتعش بدنها لدي سماعها ملاحظته التي لسعتها كسوط، فأغمضت عينيها لبرهة كي تستعيد قوتها، ثم نظرت إليه باسمة وقالت:

-لأ يا خالد مش تعبانة ولا حاجة.. أنا بس مرهقة شوية بسبب التفكير في الامتحانات والمذاكرة، أنت عارف إنها آخر سنة ليا ولازم أجتهد فيها على قد ما أقدر. مرر "خالد" أصابعه على ذراعها بحنان قائلاً: -لأ يا حبيبتي لازم تاخدي بالك على صحتك، ماتجهديش نفسك في أي حاجة بالطريقة اللي توصلك للحالة دي. -كيس جوافة قاعد في وسطكوا أنا؟ قال "عز الدين" ذلك بلهجة صارمة، بينما قهقه "خالد" في مرح قائلاً:

-إيه يا عم خطيبتي وبحبها.. وبعدين إحنا عملنا إيه يعني؟ ما أنت شايف أهو تصرفات عادية جداً في منتهى البراءة. -خالد! هتف "عز الدين" في حدة، فقال "خالد" ضاحكاً: -خلاص خلاص.. هسمع كلامك دلوقتي بس عشان لسا حبيبتي في بيتك، لكن لما تيجي في بيتي بقى مش هتقدر تنطق بحرف لا معايا ولا معاها. ثم حول نظره إلى "عبير" وسألها بنعومة: -مش كده يا حبيبتي؟

بينما شهقت "عبير" بصوت خافت وهي تحدق بذلك الشخص الذي كان يقف خلف أخيها مباشرة. فيما صوب "خالد" نظره تلقائياً إلى حيث تنظر "عبير"، فاتسعت عيناه في دهشة وخوف، ثم أخذ ينقل نظراته بين الشخص الواقف أمامه وبين "عز الدين" الذي تطلع إلى "خالد" و"عبير" في تساؤل يطالبهما بالتحدث. فلما طال الصمت، قطعه بصوته العميق قائلاً: -إيه.. مالكوا في إيه؟

لم يلقَ إجابة من أيهما، فقط لاحظ نظراتهما المصوبة على شيء ما خلفه، فبسرعة انتصب واقفاً بقامته الطويلة القوية، ثم استدار ليتفاجأ برؤية أخيه. نظر إليه بعينين فولاذيتين غاضبتين، ثم صاح به والشرر يتطاير من عينيه المتسعتين حنقا وعداء: -وكمان ليك عين توريني وشك! إيه اللي جابك؟ رجعت ليه أ… قاطعه "عمر" بقوة بحركة من يده، ثم تنفس بعمق وقال:

-اسمع يا عز.. أنا جاي أقولك إني غلطان وأسف، ومن غير ما ندخل في تفاصيل هقولك باختصار.. الست اللي اسمها كاميليا فهمي دي من انهاردة مش أمي، وكرهي ليها بقى قد كرهك بالظبط ويمكن أكتر.. أنا قطعت صلتي بيها نهائي ورجعتلك، رجعت لبيتي.. لبيت أبويا، وخليك متأكد إني حتى لو شفتها بعد كده ولو صدفة هكمل في طريقي عادي ولا كأني أعرفها. استقبل "عز الدين" كلام أخيه في هدوء، ثم سأله ساخراً: -وإيه يا ترى اللي غير رأيك كده؟ إيه اللي حصل؟

-قلتلك مش عايز أدخل في تفاصيل.. تسمحلي أدخل البيت؟ صمت "عز الدين" وظل ينظر إليه فقط، فقال "عمر": -عن إذنك. ثم مضى في سبيله إلى داخل المنزل، تتابعه نظرات أخيه حتى غاب عن نظره تماماً. بينما لحقت "عبير" بشقيقها قائلة: -طيب عن إذنكوا. تنهد "عز الدين" بعمق وهو يتساءل في نفسه عن سر تغير شقيقه: -عارف أنت بتفكر في إيه.. بتسأل نفسك إيه اللي حصل مش كده؟

أفاق من شروده على صوت "خالد"، فالتفت إليه في هدوء، ثم قال وهو يجلس قبالته مجدداً: -بصراحة آه.. بس في نفس الوقت قرفان من التفكير في الموضوع، عشان كده هنسى خالص، وكويس إنه رجع، أي كان السبب أنا أكيد مبسوط من قراره ومن كلامه اللي سمعته منه. -وأنت متأكد من كلامه يا عز؟ ده أنت أكبر شكاك في الدنيا! صدقته بسهولة؟ -آه. أجاب بقوة، ثم تابع في ثقة:

-مصدقه.. النظرة اللي شفتها في عينيه مألوفة ليا جداً.. شفت جواه غضب وندم، شفت كسرة في عينه عمري ما شفتها فيه قبل كده.. بالنسبة لي يا خالد عمر خلاص كبر.. بقى راجل من انهاردة.

-بس كده مش كويس يا عز.. ماتزرعش فيه العقد اللي فيك مع احترامي يعني، بالطريقة دي حياتكوا انتوا الاتنين هتقف، والإمبراطورية اللي حواليك دي كلها اللي بناها أبوك في سنين واللي ورثتها أنت من بعده وكنت حريص عليها هتتهد بدل ما تلاقي اللي يكبرها أكتر وأكتر. -محدش عارف بكرة فيه إيه يا خالد. أجاب "عز الدين" ببساطة، فابتسم "خالد" بخفة، ثم صاح فجأة: -صحيح يا عز كنت عايزك في موضوع. -خير.. موضوع إيه؟ سأله "عز الدين" بإصغاء بالغ،

فأجابه: -أنا شايف إن عبير بقالها فترة أحوالها مش مظبوطة. -مش فاهم قصدك إيه؟ -قصدي إنها ممكن تكون مكتئبة مثلاً.. أنت مش شايف منظرها بقى عامل إزاي! مش هي دي عبير، حتى طريقة لبسها اتغيرت، حاسس إنها عايشة حالة مش مظبوطة، حاسس إنها مخنوقة. همهم "عز الدين" موافقاً، ثم قال: -أنا برضه حاسس بكده.. وحاولت أتكلم معاها يمكن تحكيلي أي حاجة أو تطلع اللي جواها، بس كل ما كنت بسألها كانت بتقولي ظروف الامتحانات والمذاكرة.

-طيب أنا مش حابب أشوفها في الحالة دي يا عز. -يعني إيه؟ عايز تقول إيه يعني؟ -عايز أقول إيه رأيك لو نقدم ميعاد الفرح؟ هي هتخلص امتحانات آخر الشهر، إيه رأيك لو نعمل الفرح أول الشهر الجاي؟ -أول الشهر! هتاخدها من الدار للنار كده على طول، دي لسا هتكون يدوب خارجة من الامتحانات ومن ضغط كبير. -طيب في نص الشهر يا عز! صمت "عز الدين" لبرهة وكأنه يفكر بالأمر، ثم رمقه بنظرة ثاقبة وقال:

-ماشي.. موافق.. بس ماتجبلهاش سيرة دلوقتي، استنى قرب ما تخلص امتحاناتها. اكتسى وجه "خالد" بفرحة عارمة، ثم أومأ رأسه قائلاً: -حاضر يا سيدي.. مش هقولها دلوقتي. *** مرت الأيام القليلة التالية بصورة شبه عادية، حتى جاء يوم إخلاء منزل "داليا". بعدما حزمت جميع الأمتعة والأغراض، وقفت إلى جانب شقيقتها تتأمل معها كل ركن بالمنزل، متذكرة كل لحظة مضت بحياتها وكأن شريط ذكرياتها يمر في ومضات سريعة أمام عينيها.

ربتت "ياسمين" على كتف شقيقتها بحنان، فيما ابتسمت "داليا" بمرارة مع سقوط دمعة حارة من عينها على وجنتها. بينما دوى صوت جرس المنزل عالياً، فكفكفت "داليا" دموعها بسرعة، ثم ذهبت وفتحت باب المنزل. اتسعت عيناها في ذهول بالغ عندما...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...