اتسعت عيناها في ذهول بالغ عندما رأته أمامها. في حين تسارعت ضربات قلبها عندما سمعته يحييها بصوته العميق: -صباح الخير يا داليا. عقد لسانها ولم تعرف ماذا تقول. وبصعوبة خرج اسمه من بين شفتيها: -مستر عز الدين!! كان عز الدين يقف أمامها بثقة وكبرياء وحزم كما عرفته دائماً. وقد أضفت عليه ملابسه الداكنة قسوة وتمرد بالغين.
فهو لم يكن يرتدي بذلته السوداء الرسمية التابعة لعمله، بل كان يرتدي سروالاً أسود وقميصاً رمادياً أسفل كنزة سوداء صوفية ضاقت حول ذراعيه حيث أبرزت عضلاته القوية وبنيته العريضة الصلبة. حتى في أبسط إطلالاته، لم يتخل عن هيبته وعنفوانه اللتين لطالما تمتع بهما. كانت تطل من عينيه نظرة متفحصة شملت كل جزء من ملامحها المصدومة. ثم أخيراً نطق فقال بهدوء: -مش هتقوليلي اتفضل؟ ولا هتسيبيني واقف على الباب كده؟ لم تستطع التفكير بسؤاله،
إذ سألته مذهولة: -حضرتك عرفت عنواني إزاي؟ ابتسم بخفة ثم أجابها: -انتي ناسية إنك موظفة عندي؟ وإن كل بياناتك تحت إيدي؟ صمتت تماماً، فقط ظلت تنظر إليه في دهشة. بينما جاءت ياسمين فجأة ووقفت إلى جانب شقيقتها عاقدة حاجبيها في تساؤل لدي رؤيتها الضيف الغريب. فهتفت متسائلة: -داليا! مين ده؟ انتفضت داليا منتبهة ثم استدارت بسرعة نحو شقيقتها وأجابتها في ارتباك وتعثم واضح: -آآآ ياسمين، ده ده مستر.. مستر عز الدين نصار.
عند ذلك حولت ياسمين نظرها إلى عز الدين في سرعة وسرعان ما تذكرته على الفور. ثم رمقته بعداء سافر وصاحت قائلة: -هو حضرتك بقي؟ اهلا بيك. رمقه عز الدين بهدوء كما ثبت بمكانه بنفس الهدوء والبرود أيضاً. بينما كان الغضب والانفعال يملآن كيان ياسمين كلما نظرت إليه وتذكرت معاملته لشقيقتها وما فعله بها. فما تابعت بحدة قائلة: -أمرك يا أستاذ؟ أي خدمة؟ عايز إيه؟
لو كنت جاي لغرض سافل من أغراضك اللي سمعت عنها من أختي، وربنا في سماه لهخرجك من هنا بفضيحة. ومش كده وبس، جيراننا موجودين حوالينا برضه، أحسن تكون فاكرنا لوحدنا. لأ، وأقل واحد هنا يقدر يتصرف معاك كويس قوي. فأنا بقول أحسن لك يعني تاخد بعضك ومن غير مطرود يـ... -ياسمين! هتفت داليا بغضب جامح مقاطعة شقيقتها. ثم تطلعت إلى عز الدين بأسف واضطراب قائلة: -أنا أنا آسفة.. أنا آسفة جداً يا فندم، أختي ما تقصدش. -لأ، أقصد.
عارضت ياسمين بقوة ثم تابعت في غضب يكاد يعميها: -الأستاذ غلط معاكي كتير، ولأنك طيبة يا أختي وأنا عارفاكي متسامحة، كنتي بتنسي إهاناته. فطيبتك دي شجعت حضرته على التمادي في تصرفاته لدرجة إنه افتكرك رخيصة يقدر يشتريكي بفلوسه. بس لحد هنا، و عندك بقى.. أنا اللي هقفلك. -ياسمين، اسكتي! قلتلك إياكي تتكلمي تاني، سامعة؟ هتفت داليا بانفعال هش معنفة شقيقتها. ثم عادت تنظر إلى عز الدين بوهن متسائلة: -حضرتك جاي ليه يا فندم؟
أنا سبت الشغل خلاص، عايز مني إيه تاني؟ تنهد عز الدين بعمق ثم قال بصرامة هادئة: -أنا عايز أتكلم معاكي على انفراد يا داليا. ولو وجودي مش مرغوب فيه في بيتك، ممكن تيجي معايا ونتكلم بهدوء في أي مكان تاني. -تيجي معاك فين يا أستاذ أنت؟ تدخلت ياسمين في حدة ثم تابعت: -لأ، طبعاً مش هتروح معاك في حتة. نظر عز الدين أرضاً ثم ضم قبضتيه في غضب.
بينما نظرت داليا إلى شقيقتها في حدة ثم أشارت لها برأسها بأن تتوارى بأي غرفة الآن حتى تنهي حديثها معه. عارضتها ياسمين في بادئ الأمر إلا أنها رضخت بالنهاية تحت إصرار شقيقتها. حيث زفرت في حنق ثم استدارت على نفسها وتوارت بعيداً عن نظريهما. انتظرت داليا حتى غابت ياسمين في الداخل ثم حولت نظرها إلى عز الدين وقالت مترددة: -اتفضل! عند ذلك رفع عز الدين رأسه.
فلاحظت ملامحه الجامدة التي تبدلت لتصبح واجمة وأكثر حدة جراء ما تلقاه من شقيقتها للتو. بينما خطى إلى داخل المنزل وهو يتفحص كل ركن وكل زاوية بفضول بالغ. كان ينظر حوله باهتمام واستغراب. فتساءلت داليا بانزعاج: بماذا يفكر الآن؟ هل يقارن؟ بالطبع لا شيء هنا يمكن مقارنته بقصره العظيم، غير أن الشقة فارغة أساساً! ولهذا استدار إليها بسرعة وراح يحدق فيها بقوة جعلتها تفقد توازن عقلها. فتعلثمت قائلة:
-آسفة بقى.. مش عارفة أقولك اتفضل فين؟ -انتي كنتي بتعزلي ولا إيه؟ سألها بفضول. فهزت رأسها في اضطراب قائلة: -حاجة زي كده. -كويس إني لحقتك بقى. -خير يا فندم، كنت عايزني في إيه؟ سألته في جمود. بينما رمقها بنظرة ثاقبة ثم سألها: -بقالك كام يوم مش بتيجي الشركة، ليه؟ أجابته في هدوء: -سبق وقلت لحضرتك إني مستقيلة. هز رأسه في لامبالاة قائلاً: -عموماً مش مهم.. أنا عمري ما كنت هسمح لمراتي إنها تشتغل أساساً. -مراتك!! هتفت في صدمة.
فأجابها باسمًا: -آه مراتي.. أنا جاي أطلبك للجواز تاني.. بس المرة دي رسمي يا داليا. اتسعت عيناها في دهشة وذهول ثم سألته بصوت مختنق: -رسمي؟ -أيوه.. أيوه يا داليا، أنا هتجوزك رسمي. أظن بالطريقة دي أكيد هتوافقي! تسارعت أنفاسها وجف حلقها فقالت لاهثة: -أيوه، بس.. بس حضرتك.. انت نسيت آخر مرة لـ... -آه نسيت. قاطعها في سرعة ثم تابع: -وعايزك انتي كمان تنسي. حدقت فيه غير مصدقة وقد أربكها تناقضه الغريب. فتساءلت: أين مجابهته؟
أين استرساله في إهانتها؟ ولماذا يعاملها الآن برقة واحترام؟ ماذا حدث له؟ أيطلبها للزواج حقاً؟ أفاقت من تأملاتها مذعورة وكادت تجزم بأنها في حلم ويجب أن تستيقظ منه في الحال! ولكن لا.. هذا حقيقي.. كل شيء حقيقي. هاهو ذا يقف أمامها تراه يحدق فيها بعينيه البراقتين. ولا شعورياً استرسلت في تأمله. ما أوسمه! بالتأكيد إذا اقتربت منه أي امرأة لابد وأن تفقد صوابها بسبب تلك الجاذبية التي ينطق بها وجهه وجسده القوي.
فيما تركزت عيناها على عنقه الصلب تحديداً في المنتصف. حيث شعرت برغبة غريبة في أن تلمس تفاحة آدم وذاك العصب الجانبي البارز بوضوح! هذه الرغبة المفاجئة جعلتها تنتفض مرتبكة فسألته بلهجة جامدة شابها ارتباك بسيط: -حضرتك جاي عادي كده وفاكرني هأوافق على طول؟ سألها دون أن يبالي بنبرتها الجامدة: -وليه لأ؟ إيه اللي يخليكي ترفضي؟ هدأت قليلاً ثم أجابت: -فيه أسباب كتير تخليني أرفض. -زي إيه مثلاً؟
التقطت عيناهما طويلاً قبل أن تخفض داليا نظرها هاربة من سؤاله الثاقب. كالعادة تذوب شخصيتها تماماً ما أن يتكلم أو عندما يوجه سؤالاً صارم. ثم أخيراً رفعت رأسها ونظرت إليه بقوة قائلة: -آسفة يا فندم.. أنا برفض طلبك. همهم في هدوء ثم اقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة لا يفصله عنها سوى سنتيمترات قليلة. بينما حدقت به في توتر عندما سمعته يقول: -وأنا كمان آسف إني مش بقبل جوابات بالرفض على طلباتي. ثم تابع في ثقة:
-أنا متأكد إنك هتفكري تاني.. ولما أشوفك تاني المرة الجاية وأسألك هتبلغيني بموافقتك.. مش برفضك. هزت رأسها عابسة ثم سألته: -حضرتك عايز تتجوزني ليه؟ صمت قليلاً ثم أجابها في هدوء: -معجب بيكي.. عايزك.. والوسيلة الوحيدة اللي هتوصلني ليكي الجواز.. إلا إذا كان عندك اقتراح تاني! تراجعت وهي ترتجف وقد أخافتها كلماته ونظراته الجريئة. عند ذلك تيقنت بأن هذا هو السبب الرئيسي الذي يدفع رجلاً مثل عز الدين للزواج منها.
وربما بل وحتماً أنه سيطردها من حياته ما أن ينال منها مآربه! كانت هذه هي المرة الأولى التي تلمح فيها الرغبة الخالصة بنظراته. عادة كان ينظر إليها بسخريته المعهودة وازدراءه كلما أحب إثارة غيظها أو إشعارها بالإهانة. بينما ارتجفت رفضاً ونفوراً ثم تمتمت بخفوت كاذبة: -بس أنا مش عايزة اتجوزك. -هتتجوزيني يا داليا. كان يحدثها بهدوء كمن يخاطب طفل صغير. فيما تابع بابتسامة خبيثة: -للأسف.. ماعندكيش اختيار تاني. ضاقت عيناها وهي
تنظر إليه في شك ثم سألته: -قصدك إيه؟ تجاهل سؤالها وعوضاً عليه قال: -هديكي يومين عشان تفكري وهبقى أكلمك. ودون أن ينتظر جوابها تجاوزها متجهاً صوب باب المنزل ثم فتحه والتفت إليها. ألقى عليها نظرة فاحصة خاطفة ثم ابتسم في خبث ورحل مسرعاً. بينما وقفت جامدة، غير قادرة على التفكير. حتى سمعت صوت شقيقتها آت من خلفها: -داليا. انتفضت منتبهة ثم التفتت في مواجهة شقيقتها قائلة بنصف وعي: -أيوه يا ياسمين؟ -هتعملي إيه؟
بعد ما طلب إيدك رسمي؟ انتي موافقة؟ تهدجت نبرة صوتها وهي تقول: -مش عارفة.. مش عارفة... *** وقفت عبير وسط حديقة القصر، تراقب دخول تلك السيارة السوداء الفارهة والتي توقفت بصورة تدريجية عند فناء الساحة المتوسطة. ترجلت منها فتاة ذات جمال ناعم تتألق بثوب زهري رائع وقد اعتنت بمظهرها إلى أقصى حد من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها. ابتسمت الفتاة لدى رؤيتها عبير، فلوحت لها بيدها ثم تقدمت صوبها بخطى واثقة حتى وصلت إليها.
فاصطحبتها عبير بسرعة ومن دون كلام إلى طاولة خشبية بإحدى زوايا الحديقة الشاسعة. وبعدما جلسا قبالة بعضهما، بدا التعجب والذهول على وجه زائرة عبير حين رأتها كالوردة الذابلة. فبادرتها قائلة: -إيه ده يا بيرو! مالك يا بنتي؟ شكلك عامل كده ليه؟ انتي تعبانة ولا إيه؟ رمقتها عبير بنظرة ذابلة وسرعان ما تجمعت الدموع بعينيها ليتطور بها الأمر فيتعالى صوت بكائها المرير. بينما صاحت صديقتها في قلق: -إيه ده مالك يا عبير؟ في إيه؟
اتكلمي مالك؟ بجهد كبير استطاعت عبير أن تكف عن البكاء فهدأت قليلاً ثم نظرت إلى صديقتها بانكسار وألم قائلة: -حسيت إني هتخنق لو فضلت ساكتة كده يا ريم.. كان لازم أتكلم مع أي حد وكنتي أول واحدة جت على بالي.. مالقتش حد غيرك ينفع أتكلم معاه وأحكيله سري. انحنت ريم عبر الطاولة نحو صديقتها ثم ربتت على يدها بلطف قائلة: -اتكلمي يا حبيبتي.. اتكلمي يا عبير، أنا سامعاكي وأوعدك إن أي حاجة هتقوليهالي هتفضل سر بينا.
خيم الصمت قليلاً في حين كانت عبير تنظر إلى صديقتها بأسي. وبعد تردد كبير بدأت عبير بالتحدث، فقصت عليها كل شيء، أطلعتها على كافة التفاصيل والأسرار. كانت تحكي وهي في حالة يرثى لها وقد أضناها العذاب ألماً لا مثيل له. بينما استمعت ريم للقصة في صدمة وذهول بالغين حتى انتهت عبير. فصاحت بها: -يانهار أسود يا عبير! إيه اللي هببتيه ده؟ كان فين عقلك؟ انتي متخيلة حجم الكارثة اللي وقعتي نفسك فيها؟ انفجرت عبير باكية ثم قالت واهنة:
-كنت بحبه وكنت فاكرة بيحبني.. ماكنتش أعرف إن كل ده هيحصل.. ماكنتش أعرف. -لأ.. لأ يا عبير، الموضوع ده من أوله لآخره غلطتك انتي.. انتي غلطانة يا عبير، محدش عليه اللوم غيرك. -غلطانة؟ غلطانة عشان حبيته يا ريم؟ -أيوه يا عبير.. أولاً انتي ومن قبل ما تعرفيه مخطوبة، يعني ملتزمة بعلاقة وكنتي لازم تحترمي حاجة زي دي. ثانياً انتي اللي روحتي للباشا ده وبمنتهى البساطة قولتي له بحبك! متخيلة هيقولك إيه غير وإنا كمان!
وهو شايفك بنت جميلة ودلوعة وفوق ده كله يعتبر شغال عندك. ثم سألتها فجأة: -قوليلي يا عبير.. هو كان بياخد منك فلوس؟ أومأت عبير رأسها المتعبة ثم قالت بصوت ضعيف متهدج: -ساعات.. ساعات كان بياخد مني آه. -لعبها بذكاء الحيوان. قالت ريم بعنف هادئ ثم تابعت: -من ناحية كان بيتسلى بيكي ومن الناحية التانية كان بيستغلك.. واطي. ثم صمتت قليلاً وقالت: -بس انتي دلوقتي حامل يا عبير وما ينفعش حضرته يتخلي عنك طبعاً، لازم يصلح غلطته.
توقفت فجأة وتعمدت تقول: -أقصد غلطتك أنا لسه مصرة إنك انتي اللي غلطانة مش هو.. لكن خلينا في المهم دلوقتي.. انتي تكلميه حالا وتخليه ييجي يقابل أخوكي في أسرع وقت ولازم أخوكي يوافق يا عبير، لازم. ابتسمت عبير بمرارة قائلة: -مش راضي.. مش راضي يا ريم.. انتي فاكرة إني ماقولتلوش ييجي يقابل عز الدين؟ قلتله.. بس رفض. -يعني إيه رفض؟ هي لعبة ولا إيه؟ -ده اللي حصل.. وعايزني أنزل البيبي كمان. -كمان!! علقت ريم في صدمة ثم تابعت:
-الندل! لأ ده طلع جبان وواطي بجد. ثم أضافت في حيرة غاضبة: -المشكلة إن مافيش في إيدك أي حاجة ضده.. ولا حتى ورقة جواز تنسب الطفل ليه!! قطبت عبير حاجبيها في وهن. بينما قالت ريم بلوم: -ورطتي نفسك يا عبير.. ورطتي نفسك مع واحد واطي وللأسف الطرق مسدودة في وشك وأنا مش عارفة أعملك إيه؟ حجبت عبير وجهها بكلتا يديها ثم راحت تجهش بالبكاء المر. كانت تبكي بحرارة حتى كادت أنفاسها تنقطع.
بينما تأثرت ريم بتلك الحالة التي استبدت بصديقتها وأشفقت عليها فقالت بلطف: -خلاص يا عبير.. اهدي من فضلك.. العياط مش هو الحل دلوقتي، خلينا نفكر بهدوء أحسن ونشوف هنعمل إيه. أنزلت عبير يديها عن وجهها وسألتها: -هنعمل؟ أومأت ريم رأسها قائلة: -آه.. أنا مش هسيبك تواجهي كل ده لوحدك يا عبير.. ماتقلقيش.. أنا هفضل جنبك لحد ما تخرجي من الكابوس ده، المهم دلوقتي اهدي عشان نعرف نفكر زي ما قلتلك.
ضغطت عبير على شفتيها بقوة محاولة كبت صيحات بكائها. بينما سألتها ريم: -قوليلي بقى.. انتي عايزة تنزلي البيبي؟ أجابتها عبير في مرارة: -مافيش قدامي حل تاني. تنهدت ريم بأسف قائلة: -طيب، إحنا كده بقى لازم نشوف دكتور كويس يعملك العملية وفي نفس الوقت يوافق يعملهالك. ثم طرفت حائرة وهي تفكر. وبعد لحظات صاحت: -فيه واحدة قريبتي عملت عملية زي دي.. أجهضت نفسها لما اتطلقت من جوزها.
أنا هكلمها وهسألها على عيادة الدكتور وعلى التكاليف والتفاصيل كلها وهبقى أكلمك عشان نروح سوا. -معقول هتيجي معايا يا ريم؟ -طبعاً يا بنتي، قلتلك أنا هفضل جنبك للآخر ومش هاسيبك وخصوصاً وإنتي بتعملي العملية.. مش هسيبك يا عبير. توقفت ريم عن الكلام وابتسمت في وجه صديقتها بلطف وحنان. وسرعان ما حلت ابتسامة بسيطة مفعمة بالامتنان على وجه عبير الذابل الحزين! ***
تحت أشعة الشمس المحرقة، بدت شوارع القاهرة القديمة كبيرة ومخيفة وهادئة على غير العادة. حين ترنحت داليا تحت ثقل الحقائب التي تحملها، مالت صوب شقيقتها تعبة ثم قالت لاهثة: -اقفي شوية يا ياسمين.. تعبت. فقالت ياسمين بثبات مشجعة شقيقتها: -معلش يا داليا.. استحملي، قربنا خلاص. -قربنا من إيه بس؟ سألتها بنفاذ صبر. فأجابت ياسمين: -قربنا من الفندق اللي هنقعد فيه. -فندق! على أساس إننا معانا فلوس للفندق يا ياسمين؟
ثم فندق إيه ده اللي في منطقة زي دي؟ قالت آخر كلماتها وهي تتلفت حولها ناظرة بخوف وقلق إلى المكان العشوائي الذي بعث بجسدها القشعريرة. بينما توقفت ياسمين أخيراً ثم أشارت برأسها باسمة: -خلاص.. وصلنا يا ستي. صوبت داليا نظرها تلقائياً إلى حيث تنظر ياسمين. فشاهدت ذاك البناء المهترئ أثر مرور السنين والذي عُلقت عليه لافتة متآكلة بالكاد استطاعت داليا قراءة ما كتب عليها: "بانسيون السعادة". -لأ. هتفت داليا بذعر واعتراض بالغين.
فسألتها ياسمين: -لأ إيه يا داليا؟ -لأ يا ياسمين.. مستحيل نقعد في المكان ده.. لأ مش ممكن. تأففت ياسمين في ضيق قائلة: -مافيش قدامنا حل تاني يا داليا.. ده المكان الوحيد اللي هنقعد فيه على قد فلوسنا. هزت داليا رأسها في بطء ثم قالت بتردد: -المكان شكله مريب يا ياسمين.. أنا مش مطمنة!! -يا ستي ماتقلقيش، أنا سألت عليه قبل ما نيجي وبعدين ده في وسط منطقة مليانة ناس وبيوت، يعني أمان، ماتقلقيش بقى.. تعالي يلا.
ثم مشت أمامها متوجهة إلى داخل المسكن الرديء. فتبعتها داليا بخطى قلقة مترددة حتى وافتها أمام مكتب الاستقبال الذي كان يجلس وراءه رجلاً بديناً ذو بنية ضخمة، ملامحه خشنة قاسية، نظراته فظة أقلقتها أكثر. قطعت ياسمين الصمت بقولها: -السلام عليكم. برقت عينا الرجل الخبيثتين بوميض أثار الخوف بنفس داليا. ولكنها أبت إظهار خوفها حياله. بينما أجاب بابتسامة صفراء: -وعليكم السلام.. أمرك يا آنسة؟ مضت ياسمين إلى القول في بساطة وإيجاز:
-عايزين أوضة بسريرين من فضلك. -بس كده؟ انتي تؤمري.. كام ليلة يا قمر؟ رمقته داليا بازدراء وكم أشعرتها كلماته بالغثيان. فيما أجابت شقيقتها بجمود: -لأ، خلي الحساب مفتوح، إحنا إن شاء الله مش مطولين هنا بس لسا مش عارفين هنمشي إمتى. -ان شاء الله تقعدوا العمر كله يا حلوة والله هتنورونا. قال ذلك بلهجة أثارت قلق واشمئزاز داليا أكثر فأكثر.
بينما أطلق ضحكة خشنة مجلجلة ثم هتف باسم أحد العاملين لديه ليأتي صبي صغير عمره لا يتجاوز الثانية عشرة عام. -أيوه يا عم فتحي؟ أجابه باحترام. فأمره المدعو فتحي بفظاظة أن ينقل حقائب الزائرتين إلى إحدى الغرف بالطابق العلوي. أطاعه الصبي في هدوء مسالم. بينما كانت عيناه تتفحصان الجسدين اليافعين بوقاحة. فضبطته داليا وقطبت حاجبيها بغضب. فمنحها ابتسامة زادتها نفوراً واشمئزازاً! *** أسدل الليل ستاره على قصر الـ "نصار".
بينما كان هناك بالحديقة ثمة ضوء متوهج انعكس على وجه خالد الذي هتف قائلاً: -أنا مش فاهم بس إيه سر مدى إصرارك إنك تخلينا نطبخ بإيدينا؟ لأ، وكمان مذنبني من ساعتين قدام الصهد ده!! قال خالد ذلك متذمراً وهو يباشر شي اللحوم فوق ألسنة اللهب الحديدية. بينما عنفه عز الدين قائلاً: -اسكت شوية بقى وركز في اللي بتعمله. فيما كان يقف إلى جانبه منهمكاً بإعداد الأطباق المجهزة للطعام. فامتقع وجه خالد بحنق وقال:
-لما اتصلت بيا وقولتلي تعالي نتغدا سوا قلت وماله الغدا عندكوا بيبقى حاجة كده ما شاء الله، فجيتلك جري عشان توقفني من ساعتها قدام البتاعة دي وتخليني أهوي عليها. لو كنت أعرف كده ما كنتش جيت. رمقه عز الدين بحدة قائلاً: -خالد! بلاش صداع بقى، خلاص قربنا نخلص. تنهد خالد مستسلماً. فيما انتهى عز الدين من إعداد الأطباق. فوقف ساكناً يتابع خالد في صمت حتى شرد ذهنه وسط الخيوط النارية المتوهجة.
ما أروع منظر النار الدافئة، وما أشهى نكهة اللحم المشوي وعبق الفحم المتوهج. -صحيح يا عز، هي داليا بقالها كام يوم مش بتيجي الشركة ليه؟ في شغل كتير متعطل، هي واخدة إجازة؟ أفاق عز الدين من شروده على صوت خالد. فنظر إليه في هدوء ثم قال: -آه، واخدة إجازة. -طب لحد إمتى؟ بقولك في شغل كتير متعطل. قطب عز الدين حاجبيه قائلاً: -طب معلش هنتصرف.. من بكرة هننزل إعلان في الجرايد ونعمل مقابلات شخصية لحد ما نلاقي السكرتيرة المناسبة.
-ليه؟ انت فصلتها ولا إيه؟ سأله خالد باستغراب بالغ. بينما أجاب عز الدين متملصاً من إبداء رأي قاطع: -مش بالظبط كده. -طب فهمني إيه اللي حصل؟ صمت عز الدين متردداً. لكنه بالنهاية أعلن في هدوء: -أنا هتجوز داليا، عشان كده خليتها تسيب الشغل. جحظت عينا خالد واتسعت في ذهول وكأن صدمة عنيفة أصابته. وبجهد استطاع أن يقول: -قلت إيه يا عز؟ -قلت أنا هتجوز داليا، عشان كده خليتها تسيب الشغل.
خيمت لحظة من الصمت كان خالد يحاول فيها استيعاب ما سمعه للتو بأذنيه. ولكن الأمر بالنسبة له كان أكثر صعوبة على التصديق، بل أن تصديقه محال! بينما قرأ عز الدين في ملامح خالد علامات الشك والارتياب في كل كلمة تفوه بها. فضحك بخفة مستمتعاً بحيرته وعدم تصديقه ثم قال: -إيه يا خالد؟ مالك؟ للدرجادي مصدوم؟ مش انت دايماً اللي كنت بتقولي لازم أتجوز عشان يبقى لي أولاد يشيلوا اسمي واسم العيلة من بعدي؟ أجابه خالد
بوجوم أثر صدمته واندهاشه: -بس ماتخيلتش إنك هتعملها أبداً! لأ، وداليا؟ -مالها داليا؟ عاد اللون إلى وجه خالد فأجابه بلهجة هادئة: -مالهاش.. بس.. اشمعنى هي بالذات يعني؟ -صدقني مافيش أسباب معينة.. أنا بس فكرت في كلامك وفكرة إن يكون لي أولاد هي اللي أثرت عليا عشان كده كانت هي أول واحدة جت في بالي. أولاً هي حلوة أوي، ثانياً وده الأهم إنها هتكون مطيعة وبتسمع الكلام، هقدر أسيطر عليها يعني. عند ذلك همهم خالد بتفهم قائلاً:
-همم، قول كده بقى.. انت اختارتها عشان حلوة، يبقى أكيد عرضت عليها عرض من عروضك ورفضت، فرفضها زاد من تصميمك عليها، ده أول سبب. وتاني سبب عشان تفرض سيطرتك عليها لأنك متأكد إن شخصيتها ضعيفة ومش هتقدر تقف قصادك. لم يظهر أي تعبير على وجه عز الدين الجامد وكأنه يعترف بصدق قول خالد. الذي قال بصوت يخالطه الاعتراض والإعجاب الدفين: -قد إيه انت ذكي يا ابن عمي.. مش سهل أبداً. رمقه عز الدين بابتسامة خبيثة ثم قهقه بخفة.
بينما سأله خالد: -طب سيبك من الكلمتين اللي قولتهم في الأول عن الأولاد اللي هيشيلوا اسمك، وقولي الحقيقة.. الجواز ده مدته قد ايه؟ زم عز الدين شفتيه بخبث ثم قال: -قصدك إيه يا خالد؟ -عز الدين! عز.. ماتعملهومش عليا، ده أنا أكتر واحد فاهمك. -ماشي ياسيدي، بس سيب السؤال ده دلوقتي عشان ماعنديش إجابة محددة عليه. أومأ خالد رأسه ثم تابع سؤاله: -طب الجواز هيتم إمتى؟ تنهد عز الدين بعمق ثم قال وهو يحك مؤخرة رأسه: -لسا مش عارف.
-مش عارف إزاي يعني؟ -لسا محددتش يا خالد. أجابه بلهجة حادة. فزم خالد شفتيه في عدم رضا. *** انتهت ياسمين من توضيب ملابسها داخل الخزانة الخشبية القديمة. ثم استدارت نحو شقيقتها التي جلست على فراشها تحاول بدورها توضيب أغراضها بذهن مشوش. فـاقتربت منها ثم جلست إلى جانبها وخاطبتها بلطف قائلة: -إيه يا دودو.. مالك سرحانة في إيه؟ نظرت داليا إلى شقيقتها متخاذلة ثم أجابت:
-سرحانة في وضعنا الجديد يا ياسمين.. مش مصدقة اللي حصل معانا لحد دلوقتي.. معقول! معقول إحنا اتطردنا من بيتنا؟ تنهدت ياسمين بأسى ثم ربتت على كتف شقيقتها بحنان قائلة: -معلش يا داليا.. معلش.. ده اختبار من الحياة.. اختبار صعب بس بإذن الله هننجح فيه سوا والأزمة هتعدي إن شاء الله.. صدقيني. منحتها داليا ابتسامة لم تصل إلى عينيها. بينما نهضت ياسمين وتوجهت نحو فراشها ثم تمددت عليه في هدوء. وقبل أن تخلد إلى نومها
أطفأت الأنوار وصاحت قائلة: -تصبحي على خير يا داليا. -وانتِ من أهله يا ياسمين. قالت داليا بلهجة دافئة. ثم راحت تتأمل محتويات الغرفة الصغيرة التي تضمها هي وأختها تحت الضوء الخافت المنبثق من نافذة الغرفة الحديدية. كانت الغرفة متواضعة للغاية، مكونة من سريرين صغيرين، بالإضافة إلى منضدة زينة صغيرة وخزانة خشبية قديمة. تنهدت داليا بثقل ثم تمددت بدورها على فراشها. لم تكن قادرة على التفكير بأي شيء إذ كان إرهاقها عظيماً.
لذا انتظمت أنفاسها سريعاً وغطت في سبات عميق! إلا أنها بعد قليل تحركت بقلق وفتحت عينيها ما أن سمعت صوت أزيز باب الغرفة. حملقت في الظلام الدامس أمامها علها تتبين شيئاً. ولكن سرعان ما تسرب ضوء خافت من الخارج عندما انفتح باب الغرفة قليلاً. فـاتسعت عيناها بذعر حين...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!