الفصل 15 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
40
كلمة
4,220
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

تجمدت عبير في مكانها وشحب وجهها. فسارعت ريم وأجابت عنها قائلة: -أيوه طبعًا روحنا المستشفى. كان لازم أوديها عشان أطمن عليها بعد ما شفتها مخضوضة زي ما قلت. أومأت ياسمين رأسها بهدوء وهي ترمقهن بنظرة مبهمة ذات مغزى. بينما استأنفت ريم سيرها آخذة عبير إلى غرفتها. خيم صمت ثقيل لثوانٍ قليلة قبل أن يقطعه عز الدين بصوته العميق حين هتف باسم إحدى الخادمات. فحضرت فاطمة سريعًا: -أمرك يا بيه؟ أجابت فاطمة باحترام فسألها:

-العشا جاهز؟ -أيوه حضرتك. تؤمر بحاجة تانية؟ هز رأسه نفيًا ثم صرفها بحزم، فانسحبت بهدوء. بينما قاد عز الدين الجميع إلى حجرة الطعام حيث تلك المائدة الفخمة التي اصطف عليها أثمن الأواني الفضية والزجاجية، والتي تحتوي أيضًا ما لذ وطاب من الكلاء والشراب.

أثناء تناول العشاء لم تجد داليا شهية للطعام، إذ كانت أفكارها تشغل حيزًا كبيرًا من كافة حواسها. غير أن قلقها كان كافيًا جدًا ليشعرها بعدم الرغبة في تناول أي شيء. إلا أن اهتمامها كان مركزًا على ذلك الرجل الذي جلس بالقرب منها. لم يشترك إلا نادرًا فقط في الأحاديث الشيقة والمثيرة التي طرحها خالد بمرح قاصدًا تلطيف الأجواء. كان أيضًا يأكل طعامه بهدوء بالغ، وقد بدا متحفزًا متأهبًا ومتيقظًا لكل حركة.

فيما تألمت داليا قليلاً وشعرت بالانزعاج لأنه كان لا ينظر إليها إلا بشكل عابر وكأنها ليست تلك الفتاة التي كان يتحرق للحصول عليها، وكأنها ليست زوجته. تحول سحره الذي تتذكره بوضوح إلى برودة مزعجة، فأشاحت بنظرها عنه وبقيت تعبث في طعامها.

بينما أخضر الخادم الحلويات المغطاة بطبقة سميكة من القشدة الشهية، فامتنعت داليا حتى عن النظر إليها تجنبًا لحساسية صدرها التي قد تمرض بها إذا تناولت ولو القليل من هذه الحلويات. إلا أن ياسمين قبلت الحلويات بصدر رحب، حيث غرزت ملعقتها في القشدة والفاكهة اللذيذة ثم راحت تأكل بشهية. فعلق خالد ضاحكًا: -حاجة نادرة وممتعة إننا نشوف واحدة بنت بتاكل بالشهية دي من غير خوف من زيادة الوزن. ابتسمت ياسمين بخفة ثم قالت ممازحة:

-أي إنسان عادي مستحيل يتمالك نفسه قدام حلويات زي دي. ثم تابعت بهدوء: -على أي حال أنا مريضة بالغدد الدرقية من وأنا طفلة يعني مش ممكن أتخن أوي مهما أكلت. مضت بقية السهرة على وتيرة هادئة مرحة، بفضل مشاركات خالد وياسمين لبعض الموضوعات والمواقف الطريفة. مضت السهرة ولم يأتِ عمر. كان يود عز الدين انتظاره لآخر لحظة، لكنه شعر بالملل والإنزعاج، فأهمل أمره ثم وقف فجأة معلنًا أن الوقت قد حان للانفراد بعروسه.

انصاع الجميع لأمره، فاستأذن خالد بهدوء ورحل. كما أن ياسمين اصطحبتها فاطمة إلى الطابق العلوي تبعًا لأوامر عز الدين حيث قادتها إلى الغرفة التي خصصت لها. بينما وقفت داليا في مواجهة عز الدين مطرقة الرأس وهي تشعر بأنها تكاد تسمع ضربات قلبها العنيفة. فيما مد يده وأمسك بيدها فشعرت بكهرباء تسري بأوصالها جراء لمسة يده. كانت داليا تخشى هذا الرجل بقدر ما تحبه، لكنها تخشى أكثر ضعفها أمامه.

عندما وصلا إلى الغرفة تذكرت داليا تلك الذكرى القصيرة العابرة التي وقعت لها هنا، إلا أنها بدأت تتأملها بصمت. لم يغير عز الدين فيها الكثير، فقط أضاف بعض الأشياء البسيطة التي فطن من خلال معرفته بها بأنها ستعجب بها، كتلك السجادة الوثيرة ذات الألوان الزاهية التي غطت الأرض الرخامية اللامعة، وأيضًا تلك الستائر الرقيقة التي تهادت أمام النوافذ العريضة التي سمحت للشمس بغمر الغرفة بوفرة في كل صباح.

جالت داليا ببصرها أكثر بأرجاء الغرفة الواسعة، فلاحظت تلك الخزانة الكبيرة المصنوعة من الخشب السميك القاتم، وزجاجات العطر الغالية الثمن التي توزعت على منضدة الزينة، وجذب انتباهها أيضًا صدر الغرفة الذي كان به باب مفتوحًا ظهر من خلفه حمام مترف. إرتعش جسدها توترًا وهي تفكر بهذه الليلة التي ستشارك فيها زوجها غرفته وفراشه لأول مرة!

إنتفضت فجأة حين شعرت بيديه تقبضان على كتفيها من الخلف. إضطربت كثيرًا، فلا شعوريًا انهمرت الدموع غزيرة من عينيها بدون أن تحاول إيقافها أو مسحها. إنها امرأة متزوجة الآن وبدلًا من أن تتمتع بحياتها الجديدة ها هي في عذاب نفسي أليم. تعذبها فكرة زواجها من عز الدين، فهي تشعر بأن زواجهما سوف ينتهي قريبًا عندما يمل منها ليعود ويبحث عن امرأة أخرى تمنحه مزيدًا من الإثارة، امرأة كجومانة خطاب مثلاً!!

شعرت بالخوف الشديد من إمكانية حدوث تلك الفكرة، فعزمت على القرار بأنها لن تمنحه أي شيء حتى تتبين لها الحقائق كاملة. إذن لا مجال لإقامة علاقة طبيعية معه. فهو يريد كل شيء أو لا شيء. إتفضت مرة ثانية عندما شعرت بحرارة أنفاسه على عنقها، فابتعدت عنه متوترة قبل أن يسترسل في تصرفاته. بينما رفع أحد حاجبيه مستغربًا ثم سألها: -مالك؟ فيه إيه؟ أجابته باضطراب دون أن تلتفت إليه: -ما فيش.. ما فيش حاجة.

سمعته يتنهد بثقل، ثم شعرت به يقترب منها حتى وقف إلى جانبها، فأمسك بكتفيها وأدارها نحوه لتكون في مواجهته، فأغمضت عيناها متجنبة النظر إليه فسألها بهدوء: -داليا.. انتي خايفة مني؟ أجابته بمرارة مستسلمة: -لأ.. لأ طبعًا و هخاف ليه؟ انت بقيت جوزي وأنا لازم أثق فيك. -طيب افتحي عنيكي.

قال بخشونة، ففتحت عيناها ببطء لتجده أمامها آسراً وجذاباً ومسيطراً. بدا وجهه تحت أضواء الغرفة الخافتة مثيراً، كان جماله شيطانيًا آنذاك، وكانت ترتجف تحت يديه، لكنها جاهدت كي تظل عيناها في مواجهة عينيه الحادتين. بينما مسح شفتيها بأصبعِه ثم قال بلطف ناقض تلك القسوة في عينيه: -عندي هدية ليكي.. هو صحيح جوازنا تم بسرعة بس أنا مستحيل كنت أنسى أجيبلك شبكتك.

لم تقل شيئًا، فقط ظلت تحدق به. بينما ابتسم بخبث فظهرت أسنانه البيضاء المتناسقة ثم تركها فجأة وتوجه نحو طاولة صغيرة توسطت الغرفة الكبيرة. ثم عاد إليها حاملاً علبة كبيرة مغطاة بالمخمل الأسود وقال: -الطقم ده عليه توقيع Graff. أنا ماحبتش أبدًا أقدم لك أي حاجة.

ثم فتح العلبة أمام عينيها المندهشتين، وأخرج عقدًا من الماس المرصع بالزمرد على إطار من الذهب والبلاتين مع قرطين مماثلين. ثم وقف خلفها وقام بنزع العقد الذي كان يطوق عنقها والذي لا يساوي شيئًا مقارنة بالعقد الكامن بيده. ثم ألبسها المجوهرات الثمينة وأدارها إليه كي يتمعنها أكثر، فقربها إليه ثم قال هامسًا: -شكلهم بقى أحلى عليكي. إرتجفت داليا ثم أبعدت يده عن عنقها ببطء وقالت متعلثمة: -شـ.. -بس؟ هتف بصوت أجش، فإضطربت ودمعت

عيناها بلحظة ثم قالت: -مش دلوقتي.. كل حاجة جديدة عليا.. ياريت تقدر ده وتصبر عليا يا فندم. رفع حاجبيه الكثيفين في دهشة وقال: -يافندم! داليا احنا اتجوزنا خلاص.. لسه بتقوليلي يافندم؟ إشتعلت وجنتاها تحت وطأة نظراته فقالت: -دي حاجة من ضمن الحاجات الجديدة عليا.. مش هقدر أنطق اسمك عادي كده. -ليه؟ هو صعب أوي كده؟ هزت رأسها نفيًا فعبس قائلاً: -طيب.. طالما مش صعب اتفضلي سمعيني.. أنا اسمي إيه؟

تطلعت إليه في توتر، فرفع حاجبه يحثها على الكلام، فإرتجفت شفتها وهي تحاول نطق اسمه: -عـ.. عز.. عز الدين.

بعد ذلك ظلت تتنفس بعمق وكان صدرها يعلو ويهبط بسرعة وكأنها انتهت للتو من سباق طويل. فيما انعكس اضطرابها الداخلي في الاحمرار الذي خضب بشرتها البيضاء. فرمقها بنظرة غريبة لم تستطع فهم مغزاها، ثم راح يلتهمها بعينيه بدءًا من وجهها وحتى صدرها، وبضمة قوية ألصقها به إلى أقصى حد ممكن، فأطرقت برأسها توجسًا. إلا أنه شدد قبضته عليها بقسوة وإصرار وعانقها عناقًا طويلاً حارًا.

إسترخت وهي تشعر ببعض الدفء والحرارة بأحضانِه، كانت تذوب بين ذراعيه كقطعة ثلج، حتى أفاقت من غيبوبتها الحالمة فجأة حين ابتعد عنها قليلًا ليرى تأثير ما فعله بها بتعابير وجهها. فابتسم بسخرية خفية عندما لاحظ التجاوب بعينيها واللوم أيضًا على توقفه، فربما لو كان استرسل في أفعاله لكانت رضخت له كليًا، ولكنّه أعادها إلى رشدها حينما أبعدها عن دفء حضنه فجأة. فيما اصطنع ابتسامة لطيفة وقال:

-أنا مابحبش آخد حاجة بالغصب يا داليا.. لازم تكوني راضية وعايزة زيي بالظبط.. وعشان كده بس.. أنا هحاول أظبط أعصابي على قد ما أقدر وهصبر عليكي.. بس ماتراهنيش على صبري كتير. عاد عمر إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل، وبينما هو يصعد الدرج المؤدي إلى طابق الغرف، قابل فاطمة فابتسم بخفة ثم سألها بفظاظة: -إيه يا بطوط.. صاحية لحد دلوقتي ليه؟ وجاية من عند مين كده؟ رمقته فاطمة بنظرة غاضبة، لكنها تمالكت نفسها وأجابته بجمود:

-أنا مش جايه من عند حد يا عمر بيه.. أنا كنت بوصل الآنسة ياسمين لأوضتها زي أمر عز الدين بيه. قطب حاجبيه متسائلًا: -مين الآنسة ياسمين دي؟ -دي تبقي أخت داليا هانم. -مين داليا هانم؟ رفعت فاطمة حاجبيها بذهول قائلة: -داليا هانم.. مرات عز الدين بيه. تأوه عمر وهو يضرب جبينه بباطن كفه قائلاً: -آه آه آه صح.. داليا مرات عز. ثم تابع في خبث: -بس هي طلعت عندها أخت؟ حلو حلو. -نعم! التفت إليها منتبهًا ثم عنفها قائلاً:

-إيه انتي لسه واقفة؟ يلا روحي نامي.. يلا. رمقته فاطمة بازدراء وكادت تغرب عن وجهه إلا أنه استوقفها قائلاً: -استني هنا. عادت تنظر إليه من جديد فسألها: -هي فين؟ هزت رأسها مستفهمة فعبس قائلاً: -أوضتها فين؟ -جنب أوضة حضرتك علطول. إزدادت ابتسامته اتساعًا وهو يسألها: -قوليلي يا بطوط.. هي حلوة؟ -أيوه يا بيه.. حلوة. -طب خلاص امشي يلا.

هزت فاطمة رأسها في عدم رضا ثم هبطت الدرج مبتعدة عنه، بينما استأنف عمر صعوده حتى وصل إلى تلك الغرفة المجاورة لغرفته، فطرق الباب بخفة ثم أدار المقبض ودخل بعدما سمع صوتًا أنثويًا يأذن له بالدخول. كانت تعطيه ظهرها فيما انهمكت بترتيب أغراضها داخل خزانة الملابس الكبيرة، فأمال رأسه راح يدقق فيها بإمعان وابتسامته الخبيثة لا تزال تحتل ملامح وجهه حتى سمعها تقول: -رجعتي تاني يا فاطمة؟ عايزة حاجة؟ -لأ أنا مش فاطمة.

هتف باسمًا، بينما ارتعدت بقوة جراء المفاجأة، ثم التفتت لتواجه صاحب العبارة، ليتجمدا هما الاثنان بنفس اللحظة. اتسعت عيناهما بشدة وهما يحدقان ببعضهما في عدم تصديق. خيم الصمت لدقائق طويلة حتى تكلمت ياسمين أخيرًا فعبست حاجبيها قائلة: -انت! انت إيه اللي جابك هنا يا بني آدم انت؟ استغرق عمر ثوانٍ حتى تدارك الأمر فعادت بسمته إلى وجهه مجددًا ثم قال: -أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده.. انتي إيه اللي جابك هنا؟ ده بيتي. -بيتك!

هتفت في صدمة، فأومأ رأسه ببطء وعيناه تتفحصان وجهها الذاهل بينما سألته: -بيتي إزاي؟ ضحك بخفة ثم أجابها: -أقولك إزاي.. البيت ده أساسًا كان بيت فريد نصار.. أبويا.. قبل ما يموت الله يرحمه.. أبويا بقى قبل ما يموت بردو خلفني وبعد ما مات البيت بقى بيتي وبيت أخواتي في نفس الوقت.. فهمتي إزاي؟

أومأت ياسمين رأسها بهدوء، وقد توضحت الأمور بعينيها، وتذكرت أيضًا حين أبلغتها شقيقتها بأن عز الدين له أشقاء، ولكن كانت هذه المفاجأة بعيدة كل البعد عن خيالها! -طيب.. تشرفنا يا سيدي.. اتفضل اطلع برا بقى. قالت بلهجة حادة، فابتسم بقوة قائلاً: -زي ما انتي يا دكتورة.. ماتغيرتيش لسه قاسية.. بس تعرفي أحلى حاجة إن أوضتك جنب أوضتي. أغمضت عيناها بحنق قائلة: -انت ما سمعتنيش ولا إيه؟ بقولك اطلع برا. تمهل قليلًا قبل

أن يقول بابتسامة واسعة: -حاضر.. حاضر يا دكتورة طالع. ثم استدار كي يذهب، إلا أن صوتها استوقفه: -استني. التفت إليها مجددًا وقد لمعت عيناه خبثًا فرمقته بحدة قائلة: -أنا عايزة مفتاح الأوضة دي. هز رأسه بأسف مصطنع ثم قال: -للأسف.. الأوضة دي مالهاش مفتاح. -يعني إيه مالهاش مفتاح؟ أجابها بتهكم: -يعني مالهاش مفتاح.. ضاع.. إحنا ساعات كنا بنستقبل ضيوف عندنا هنا في الأوضة دي وآخر حد جه ضيعه. أومأت رأسها مغتاظة ثم قالت:

-بس أكيد ممكن يتعمل واحد جديد مش كده؟ ابتسم ثم قطب حاجبيه قائلاً: -للدرجة دي المفتاح مهم بالنسبة لك؟ ولا انتي خايفة مني؟ رمقته باستنكار قائلة: -أنا.. أخاف منك.. انت! ثم قهقهت بقوة، بينما اصطنع ابتسامة باهتة ثم قال ساخرًا: -عمومًا بردو ماتخافيش.. ولو قلقانة أوي.. حطي كرسي ورا الباب.. مش ده بيحصل منكوا ساعات بردو؟ -واضح إنك عارف ده.. ممكن تكون اتمنعت من دخول أوضة قبل كده بالطريقة دي.

انفجر ضاحكًا ثم رمقها باستهزاء قائلاً: -يا حبيبتي أنا لو عايز أدخل أوضة مش هيمنعني شيء صغير زي كرسي. -في الحالة دي أنا مصممة على وجود مفتاح. نظر إليها بازدراء لبرهة ثم قال: -يا دكتورة.. أنا ذوقي أرقى من كده. ثم اقترب منها قليلًا وهمس: -أوضتك.. هي آخر أوضة ممكن أحب أدخلها. ثم خرج وأغلق الباب خلفه، تاركًا إياها واقفة بوسط الغرفة وقد احمر وجهها حنقًا وغيظًا...

لم تنم.. ظلت ساهرة ملء جفنيها فيما عيناها لم تكف عن سفح الدموع. كانت تبحث في محاولات يائسة عن حل لمشكلتها ولكن كل محاولاتها باءت بالفشل، وكالعادة لم تجد وسيلة للتعبير عن ضيقها وندمها إلا البكاء. وبعد تفكير طويل استقرت على قرار أخيرًا، رغم ذعرها من تلك الفكرة إلا أنها كانت تفضلها عن نظرات الكره والاتهام بأعين أحب الأشخاص إليها، وبالأخص خالد. الحبيب المسكين، كم كرهت نفسها، كم أرادت أن تنتقم من نفسها آلاف المرات على ما فعلته بنفسها، لا بل على ما فعلته بهم!

سكتت عن البكاء فجأة ثم كفكفت دموعها وتناولت هاتفها، ثم أجرت الاتصال به.. ليأتي صوته الناعس بعد لحظات: -الو. جاهدت كي تبقي نبرتها طبيعية وهي تجيبه: -خالد. -عبير!! هتف بقلق ثم سألها: -إيه يا حبيبتي خير؟ فيه حاجة؟ -لأ يا خالد ما فيش حاجة. -أومال بتكلميني ليه في الوقت ده؟ -اتضايقت إني كلمتك؟ -لا لا يا حبيبتي أبدًا.. بس قلقت عليكي.. انتي كويسة؟ -أيوه كويسة.. أنا بس اتصلت بيك عشان أسألك سؤال. -سؤالين يا عمري.. اتفضلي؟

صمتت قليلًا ثم سألته بتمهل: -خالد.. انت بتحبني؟ -بموت فيكي يا حبيبتي.. بعشقك. عضت على شفتها بقوة وهي تحارب دموعها ثم خرج صوتها بصعوبة فقالت: -طيب يا خالد.. أنا عايزة أطلب منك طلب. -أمريني. -أنا عايزك تسامحني. -أسامحك؟! سألها باستغراب بالغ ثم تابع: -أسامحك على إيه يا عبير؟ -على أي حاجة عملتها وضايقتك.

-يا عبير انتي مش متخيلة أنا مبسوط ومندهش إزاي من التغيير اللي حصلك في اليومين دول.. لكن عمومًا أنا عمري لا زعلت منك ولا اتضايقت.. عارفة ليه؟ -ليه؟ -عشان أنا كنت متأكد إن هيجي اليوم اللي أسمع منك فيه كلامك ده.. عشان كده كنت مسامحك من البداية يا حبيبتي. لم تستطع كبت انفعالها أكثر، فوضعت يدها على فمها وبدأت تبكي بصمت، ولكنها سارعت تقول بصوت متهدج: -تصبح على خير يا خالد. ثم أغلقت الخط وأخذت تجهش بالبكاء المر...

استيقظت داليا في الصباح التالي قلقة، فقد أزعجها ضوء الشمس المتخلل من بين ستائر الغرفة، ففتحت عيناها ببطء وهي تتمطى في الفراش الدافيء المريح بكسل. وكم كانت فرحة، حين نظرت إليه، حيث كان نائمًا في سلام تام. ابتسمت قليلًا وتأملته مليًا. قشعرت برغبة جامحة في أن تدفن وجهها بصدره، لكنها تغاضت عن هذا الفعل وعوضًا عليه راحت تتذكر تفاصيل الليلة الماضية.

بعد حديثهما الطويل الذي ختمه بعناقه الحار، دلف إلى الحمام كي يبدل ملابسه، بينما وقفت وحيدة بوسط الغرفة. فمدت يدها إلى سحاب الفستان لتنزله لكنه علق بعناد، ولم تفلح كل محاولاتها، فصرخت بنفاذ صبر، وإذا به يأتي من خلفها فجأة قائلاً: -حسبي.. خليني أفكلك السوستة. كان قد نزع ملابسه بأكملها حيث لم يكن يرتدي سوى سروال أسود، مما ضاعف ارتباكها، فأجابته وهي تواصل محاولاتها الفاشلة: -.. أنا هتصرف. قاطعها بحزم:

-وبعدين بقى.. لفي بقولك هتقطعي الفستان. وبقوة غير متوقعة، أدارها وأنزل لها السحاب حتى نهايته، فتشبثت بأطراف الفستان لئلا يسقط ويكشف عن جسدها، فيما قالت مسرعة: -.. -مش هتقلعي الفستان؟ سألها وهو يحدق فيها بحرقة فأجابت بصوت متهدج: -مش قدامك. ضحك بخفة ثم قال: -ماشي.. هدخل أجيب هدومي من الحمام تكوني غيرتي.. بس بسرعة.

ثم استدار وعاد إلى الحمام، وما أن أغلق الباب من خلفه حتى أفلت الفستان ليسقط أرضًا حول قدميها، فأسرعت نحو حقيبة ملابسها وأخرجت قميصها الأبيض الحريري الذي كشف عن معظم أجزاء جسدها وكان فضفاضًا بالوقت ذاته!

أفاقت داليا من شرودها باسمة، ثم راحت تحدق فيه أكثر وأكثر حتى امتدت يدها دون إرادتها باتجاه وجهه، وكادت تلمسه إلا أنه تحرك بقلق ثم تقلب بالفراش برشاقة حتى استقر على جانبه الأيمن، حيث وجه لها ظهره العاري. استاءت لذلك، فهي كانت تريد لمس وجهه، فنهضت بعناد واستدارت حول الفراش حتى وقفت أمامه، فجثث على ركبتيها أمامه بهدوء، ثم مدت يدها بحذر كي تلمس وجهه، ثم فجأة وبدون مقدمات فتح عينيه ثم قال باسمًا:

-أد كده مش قادرة تبعدي عني؟ صرخت بفزع بينما أطلق ضحكة مجلجلة وهو يتسطح على ظهره، ثم نظر إليها وتابع قائلاً: -ماكنتش أعرف إن شكلي بيبقى حلو أوي كده وأنا نايم. وثبت قائمة بسرعة ثم سألته متعلثمة: -انت.. حضرتك صاحي من امتى؟ رمقها بخبث قائلاً: -من ساعة ما كنتي سرحانة في وشي لدرجة إني لما فتحت عيني ماخدتيش بالك. ثم انفجر ضاحكًا من جديد، فكادت تموت من شدة خجلها وحاولت أن تجد أي مبرر أو أن تقول شيئًا على الأقل،

لكنه سارع إلى القول: -خلاص يا داليا.. هدي أعصابك.. أنا مابقتش غريب عنك يعني. ثم ترك الفراش واتجه نحو الخزانة فسألته: -حضرتك خارج؟ أجابها دون أن يلتفت إليها: -أيوه حضرتي خارج. سألته بتردد: -رايح.. رايح فين؟ -رايح الشركة. -رايح الشركة! رددت في دهشة بالغة، فالتفت إليها ثم أجابها: -آه رايح الشركة.. قعدتي في البيت مش هتأكلنا عيش.. لازم أروح أشوف شغلي. تمتمت مرتبكة: -أيوه بس.. بس.. امبارح.. قاطعها بصوته العميق قائلاً:

-كان ممكن أقعد يا داليا لو كنا بدأنا شهر العسل. ثم هز كتفيه وأضاف: -بس للأسف لسه ما بدأناش.. وأنا بقول خلي الإجازات للوقت ده أحسن. أطرقت برأسها وعضت على شفتها بقوة، بينما تنهد بعمق ثم قال: -النهارده هلبس على ذوقك.. حضريلي هدوم بقى.

ثم ألقى عليها آخر نظرة وتوجه إلى الحمام، فيما ابتسمت بخفة واتجهت صوب الخزانة الكبيرة. راحت تتفقد ملابسه الثمينة غالية الثمن، جميع الملابس فريدة وأيًّا منها سوف يناسبه ولكنها استقرت على بدلة رمادية داكنة تناسب نفسه وتقلبات مزاجه. وعندما سحبت البدلة من موضعها سقطت منها ورقة بيضاء مطوية، انحنت داليا والتقطتها.. لوهلة ترددت وامتنعت بشدة عن التطلع إليها، لكنها لمحت فجأة..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...