الفصل 16 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل السادس عشر 16 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
32
كلمة
4,627
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

لمحت فجأة اسم الحي الذي كانت تقطن به، فلا شعورياً فتحت الورقة، فإذا بها وثيقة بيع منزلها! اتسعت عيناها في ذهول بالغ وهي تحدق بالورقة الكامنة بيدها، تداهمت الأفكار بعقلها وأخذت تتساءل: هل فعل ذلك حقاً؟ هل حقاً هو من تسبب بتجريدها من بيتها عنوة؟ هل فعل ذلك كي يجبرها على الزواج منه؟ "لا مستحيل! " قالت لنفسها ثم راحت تحدق بالورقة جيداً، فرأت التاريخ، لقد تم البيع منذ ثلاثة أسابيع، أي حتى من قبل علمها بخبر الإخلاء!

هذا يعني أنه هو.. هو من فعل كل ذلك، كل شيء تم كان بتخطيط مسبق منه. هزت رأسها بعدم تصديق والوهن يغلي بصدرها، إذ تذكرت كل الإهانات التي تعرضت لها في الأيام السابقة. آخر ما توقعت حدوثه هذا الفعل الذي بدر منه. دمعت عيناها بشدة ولكنها منعت دموعها من الفرار من عينيها، وأقسمت بأغلظ الإيمان بأنه سوف يدفع الثمن، ولكن بالطريقة التي سلكها من أجل حصوله عليها، سوف يدفع الثمن.

أفاقت من نوبة صدمتها سريعاً ثم عادت ترتب له ملابسه، ليخرج هو من الحمام في تلك اللحظة وقد لف منشفة بيضاء عريضة حول خصره. فصوبت نظرها إليه وقد رسمت بسمة ناعمة هادئة على وجهها، فبادلها البسمة ذاتها، ثم أخذ يقترب منها والماء يقطر من شعره الأسود الغزير اللامع على صدره القوي الصلب حتى وقف أمامها. "لأ ذوقك حلو.. أنا بحب الغوامق بردو."

قال ذلك وهو يتناول البذلة من بين يديها، في حين تعلقت عيناه على تلك الورقة البيضاء التي انكمشت بكف يدها. لاحظت "داليا" نظراته فرفعت يدها ثم ابتسمت في ارتباك قائلة: "وأنا باخد البدلة من الدولاب وقعت منها الورقة دي." ثم تابعت بنظرة ثاقبة وبلهجة هادئة: "وغصب عني لمحت اسم الشارع اللي فيه بيتي!! تجهم وجهه قليلاً ولكن ملامحه ظلت جامدة، فأجابها بصوته العميق: "أنا مش قلت لك إني هشتري بيتك وهكتبه باسمك؟

اشتريته فعلاً يوم ما كتبنا الكتاب بس لسا ما سجلتوش باسمك." رمقته بغضب دفين لكذبه، بينما خطف الورقة من يدها وكذلك أخذ البذلة ثم استدار مبتعداً عنها. فتخضبت وجنتاها بحمرة الخجل حين رأته يهم بارتداء ملابسه، فبسرعة أدارت له ظهرها، ثم راحت تذكر نفسها بالقسم الذي قطعته منذ قليل.

ذات ليلة كانت جالسة باسترخاء على تلك الأريكة التي توسطت الغرفة الفسيحة، تطالع كتاباً تاريخياً على الأضواء الخافتة، بينما "عز الدين" مستلقٍ على الفراش وقد بدا واضحاً استغراقه في النوم.

حانت منها نظرة عابرة نحوه، ثم زفرت في ضيق وأخذت تقلب بذهنها الأفكار. فكرت في أن "عز الدين" يشاركها الفراش منذ أسبوع كامل، ولكنه لم يحاول يوماً أن يلمسها. بقدر ما سبب لها هذا من راحة بقدر ما أزعجها أن ينام هو قرير العين بجانبها بينما هي تقضي كل الليل متوترة، متحفزة تصارع وحدها تلك المشاعر المتضاربة داخلها.

انتابها قلق مفاجئ حول انجذابه لها، ثم تذكرت بأنه قد تزوجها لهذا السبب أساساً، تزوجها فقط لأنه يرغبها وليس أكثر. لطالما أراد الحصول عليها منذ وقت طويل، ولكن ما الذي يمنعه؟ ما سبب تأجيل هذا الفعل لكل تلك الأيام؟

رفعت يديها فجأة وصقت بهما أذنيها في محاولة لإسكات صوت عقلها دون فائدة، ثم أدركت بأن النوم هو خير وسيلة للهروب من تلك الأفكار المرهقة، فنهضت وتقدمت صوب الفراش، ولكنها قبل أن تندس بمكانها، وقفت إلى جانبه حيث مدت يدها لتطفئ نور المصباح القائم على الطاولة الصغيرة قربه. إلا أنها ودون أن تدري شعرت بذراعيه تلتف حول خصرها، فصرخت بذعر جراء المفاجأة، فيما سحبها بقوة لتجد نفسها خلال لحظة ممددة على الفراش بمكانه وهو منحني عليها بثقله مكبلاً حركتها.

خفق قلبها بسرعة جنونية وهي ترى عينيه تلمعان كعيني صقر جاثم وهو يحدق فيها بقوة وبجرأة. ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة، وقبل أن تتمكن من قول أي شيء، أطبق شفتيه على شفتيها بقبلة طويلة متسلطة، متملكة. ارتعشت كل خلية في جسدها وهي تشعر بملامس شفتيه القاسيتين، وبقبلته تزداد حرارة وتملكا، فلا شعورياً وجدت نفسها هادئة ومستسلمة تماماً، فقد كان يقبلها بطريقة أطاحت بصوابها.

ثم فجأة استجمعت قواها متذكرة أفعاله والقسم الذي قطعته مسبقاً، فوضعت كفيها على صدره ودفعته عنها بعنف جاهدة في التخلص منه. ولوهلة قاوم محاولتها الضعيفة للهرب، ثم أفلتها، فابتعدت عنه مسرعة حيث التصقت بحائط الفراش وهي ترتجف ذعراً وقد تهدجت أنفاسها جراء هجومه غير المتوقع. بينما اعتدل جالساً ثم حدق فيها بانزعاج قائلاً: "وبعدين يا داليا؟ هتف بخشونة ثم تابع: "لحد امتى هنفضل كده؟

أنا سبتك لأيام طويلة عشان تقدري تتعودي عليا وعلى وضعك الجديد، بس أنا شايف إنك لسا زي ما انتي وإنك مش عايزة علاقتنا تطور." شعرت "داليا" بالرعب يملأ أوصالها جراء نظراته الغاضبة، لم تكن قادرة على تحديه في تلك اللحظة، فقد كان صوته مليئاً بالعنف ونفسه مليئة بالإرادة، وبدا وكأنه مشمئز من المماطلة والتسويف اللذين تمارسهما بحقه. فوجدت "داليا" أن أفضل أسلوب للتعامل معه هو اللين والدبلوماسية، فقالت بخفوت مضطرب:

"أنا آسفة يافندم.. بس أنا حاسة إني مش مناسبة ليك.. ومش قادرة.. مش قادرة أديك أي حاجة." قال بحدة: "أولاً كلمة يافندم دي مش عايز أسمعها منك تاني أبداً." ثم تابع بقسوة ساخرة: "ثانياً المسألة بسيطة جداً.. أي حاجة مش هتقدري تديهالي هاخدها أنا بنفسي." ثم أمسك بذراعها وجذبها إليه بقوة فقالت بصوت متهدج: "انت قلت إنك مابتحبش تاخد حاجة بالغصب!! "وأظن إني كنت صبور بما فيه الكفاية." أجاب بجمود ثم أضاف:

"وعلى أي حال إحنا اتنين متجوزين وأنا بطالبك بحقوقي مش أكتر، وما تنسيش إني لبيتلك كل طلباتك واحتياجاتك، فمن واجبك أنتي بقى دلوقتي إنك تلبيلي كل طلباتي واحتياجاتي." استطاعت أن تنطق بصعوبة من بين مشاعر الخوف التي اجتاحتها بعد أن لاحظت إصراره العنيف: "طيب.. اديني فرصة تانية.. أنا.. أنا مش جاهزة دلوقتي." أغمض عينيه في حنق وزفر بتفاد صبر ثم عاد ينظر إليها وقال:

"ماشي يا داليا.. هديكي فرصة تانية.. بس ماتفتكريش إني هاسيبك قد المدة اللي فاتت."

ثم أفلتها بحزم، فتنفست الصعداء وهي تراقبه يعود إلى مكانه كما كان، بينما تمددت في هدوء وحذر. شعرت بالعرق يبلل جسدها ووجهها من فرط التوتر الذي عصف بها، فيما كان الغضب يملأ كيانها.. فها هي ضعيفة مجدداً أمام الرجل الذي يملك كل شيء، وفي الواقع يملكها هي أيضاً. تصورت بأنها قادرة على تلقينه درساً لن ينساه ولكنها كانت مخطئة تماماً.. إذ تلاشت كل تصوراتها بمجرد أن نظر إليها بعينيه الحادتين، وبينما كانت تتخبط في أفكارها غفت مضطربة الأعصاب.

في الصباح التالي، استيقظت "ياسمين" على فراشها العريض المظلل، وبصعوبة استطاعت أن تنزع نفسها من الدفء المغري والارتياح الغامر اللذين شعرت بهما في موضع نومها. ثم نهضت وتوجهت إلى الباب الزجاجي الذي يطل على الشرفة ففتحته وراحت تتأمل بسحر المنظر من أمامها، حيث حديقة القصر الخضراء بأشجارها وأزهارها، وخاصة تلك الأزهار البيضاء التي عبقت المكان بشدة. لم يسبق أن رأت أزهار بهذا الجمال الكامل، ولا أن تنشقت عطراً لذيذاً كهذا، فأغمضت عينيها وتنفست بقوة مرات عديدة لتملأ رئتيها بالنسيم المنعش وبرائحة الزهور الغنية العطرة.

مرت بضع دقائق قبل أن تلاحظ أن رائحة مزعجة اختلطت برائحة الزهور، إنها رائحة تبغ محترق! نظرت إلى جانبها فرأته يقف بالشرفة المجاورة لشرفتها يدخن إحدى سجائره، وقد لاحظت بأنه كان يراقبها منذ فترة، بينما انفرج ثغره بابتسامة خفيفة وهو يمعن النظر فيها إلى أن حياها قائلاً: "صباح الخير يا دكتورة.. إيه مافيش مستشفى ولا كلية انهاردة ولا إيه؟ رمقته بهدوء ساخر ثم قالت: "صباح الخير يا أستاذ.. وجمعة مباركة، انهاردة إجازة."

ضرب جبينه بباطن كفه قائلاً: "آه صحيح.. انهاردة الجمعة.. معلش آسف." وعاد ينظر إليها ثم قال بابتسامة مرحة: "بقولك إيه يا دكتورة.. إيه رأيك لو نعقد هدنة بينا؟ رفعت أحد حاجبيها قائلة: "مش فاهمة.. قصدك إيه؟ "قصدي خير والله.. بصي أنا عارف إني بني آدم سافل ومش متربي." "عظيم كويس إنك عارف ده، غير إن الاعتراف بالحق فضيلة." صر على أسنانه بحدة خفيفة ثم عاد يقول بنبرة هادئة:

"أنا بقول يعني بما إننا بقينا عايشين تحت سقف واحد يبقى لازم نصفي كل الخلافات اللي بينا ونبدأ صفحة جديدة." قطبت حاجبيها وهي ترمقه بشك، لكنها ابتسمت فجأة ثم قالت ببساطة: "من قلبي بتمنى فعلاً إننا نبدأ صفحة جديدة.. بس ياريت تفتكر كلامك ده باستمرار وما ترجعش تتصرف بقلة احترام." ضحك بخفة ثم قال: "أوعدك إني مش هخيب ظنك يا دكتورة." بينما جلجلت بداخله تلك الضحكة الخبيثة.

بعد أن أخذت حماماً كاملاً، اتجهت صوب الخزانة الكبيرة، ثم راحت تفكر بما سترتديه. لو لم تكن زوجة "عز الدين نصار" الآن لأرتدت سروالاً وقميصاً عادياً كعادتها، لكن في قصر زوجها العزيز، تبدو هذه الملابس غير لائقة. ولكنها اختارت ذلك الثوب الوردي القصير الذي اشترته منذ عدة أعوام ولم تجربه يوماً. أمسكت به في تردد وفكرت.. هل ترتديه أم لا؟

فهو كان قصيراً بعض الشيء، بحيث يصل إلى ركبتيها على الأقل، غير أنه عاري الكتفين يتمتع بالضيق الشديد أيضاً. ودت لو تعيده إلى مكانه ولكن ما من خيارات أمامها، جميع ملابسها مهترئة لا تناسب مكانة زوجها الحياتية أو الاجتماعية حتى.

ارتدت الثوب القطني الرقيق الذي أظهر نحافة وجمال ساقيها الرشيقتين، وانتعلت صندلاً من الفلين ثم جلست أمام منضدة الزينة تمشط شعرها، فتركته ينسدل بحرية على كتفيها وخلف ظهرها، ثم وضعت في عنقها سلسلة ذهبية كانت لوالدتها وزينت وجهها أيضاً بقليل من مساحيق التجميل البسيطة. وقبل أن تغادر الغرفة ألقت نظرة فاحصة على نفسها في المرآة الكبيرة، إن أرادت هي أن تدفع الثمن كما أقسمت، فعليها بأن تتسلح بأقوى أسلحتها.. جسدها، جسدها هو العامل المؤثر الذي سوف يخضعه ولكن مع قليل من الحذر، فهو حاد الذكاء وليس من السهل إطلاقاً أن يتلاعب به أحدهم!

استدارت أخيراً وخرجت من الغرفة، ثم هبطت إلى الطابق الأرضي سالكة سلالم الرخام مستندة إلى الدرابزين الحديدي المصقول الذي يشكل تحفة فنية صغيرة.

راحت "داليا" تسمع صوت خطواتها على الأدراج وحفيف ثوبها فوق ساقيها الناعمتين، ثم اقتربت ببطء من البهو وهي تعي كل الروائع المحيطة بها. كانت تبحث عنه هنا وهناك في هدوء شديد، فاليوم عطلته وهو على حد علمها يقضي يوم العطلة بالمنزل. وكما توقعت عثرت عليه بحجرة المكتب حيث كان جالساً وراء مكتبه منكباً على بعض الأوراق. فلم يرفع رأسه لتوه، بل مرت لحظة مشحونة بالتوتر قبل أن تتنحنح لتنبهه لوجودها، فرفع رأسه عابساً ورأته ينظر إلى قامتها المتوسطة بعينين متفحصتين.

"صباح الخير." هتفت "داليا" بثبات متوتر، بينما اكتفى بهزة من رأسه ثم قال بهدوء آمر: "تعالي.. تعالي يا داليا." وقفت لحظة جامدة أمام مصراعي الباب وعيناها تحدقان في النوافذ العالية والأبواب الزجاجية التي تطل على ساحة القصر. جميع المنافذ مقفلة ولا مجال للهرب منه، فيما أطاعته بصمت حيث تقدمت صوبه بآلية.

حجرة المكتب مريحة ومليئة بالكتب المرصوصة على رفوف عريضة وسبق أن زارتها "داليا" مرة في الأيام السابقة. قرب النافذة يقع مكتبه الخشبي الوثير الذي اعتلت بعض المستندات والأوراق المختلفة، كراسي ومقاعد جلدية كملت أثاث الحجرة أيضاً. "أنا توقعت وجود حضرتك هنا بما إن انهاردة يوم الإجازة." قالت "داليا" ذلك وهي تجلس في أحد المقاعد الجلدية الواقعة قرب مكتبه، بينما رفع أحد حاجبيه متنهداً ثم قال متجاهلاً تحفظها الرسمي معه:

"حبيت أخلص شوية حاجات مهمة قبل بليل." ثم صمت قليلاً وأخذ يحدق فيها بهدوء قائلاً: "انهاردة مش عايزك تسيبي أوضتنا خالص.. ماتخرجيش منها لأي سبب من الأسباب.. فهماني؟ تطلعت إليه في دهشة عارمة ثم سألته: "ليه؟ إيه اللي هيحصل انهاردة؟ "فاكرة مناقصة المراكب اللي دخلنا فيها؟ أومأت رأسها شاردة وهي تتذكر التفاصيل، ثم عادت تحدق فيه قائلة: "آه فاكرة." ثم سألته باسمة: "إيه.. رسيت علينا؟ ابتسم بدوره ثم أومأ رأسه قائلاً:

"أيوه.. رسيت علينا." أطلقت ضحكة قصيرة ثم قالت مبتهجة: "هايل.. هايل جداً.. حضرتك كنت مستني الخبر ده من فترة.. مبروك." هز رأسه في هدوء ثم قال: "عشان كده بقي أنا قلت لازم أحتفل بالمناسبة دي مع العملاء والموظفين يعني الليلة دي في حفلة كبيرة هنا في القصر.. ومش عايزك تظهري نهائي." أومأت رأسها موافقة، بينما قطع حديثهما مجيء أحد الخدم: "عز الدين بيه.. مهندس الإضاءة وصل." نظر "عز الدين" إلى الحارس قائلاً:

"طيب شوفوه يشرب إيه وأنا جاي حالاً." أطاعه الحارس بتهذيب ثم انسحب فجأة كما أتى خلسة، بينما أغلق "عز الدين" ذلك المستند الذي كان يتصفحه ثم نهض من خلف مكتبه قائلاً: "زي ما اتفقنا يا داليا.. مش عايزك تخرجي من الأوضة خالص انهاردة." ثم غادر المكتب مسرعاً، بينما شردت هي وأخذت تحلل كلامه.. لماذا لم يدعوها لحضور الحفلة برفقته؟ أليست زوجته الآن؟ لماذا يريد إخفاءها عن الناس؟

ثم فجأة أطلق هاتفهه الملقى على المكتب نغمة صاخبة قصيرة معلناً عن وصول رسالة جديدة. لوهلة ترددت عن الإقبال على تلك الخطوة ولكنها أجبرت نفسها بدافع الفضول فتناولت الهاتف بسرعة ثم فتحت الرسالة، فإذا هي من "جومانة خطاب"! قرأت السطور الوجيزة بفتور: "كده بردو يا عز.. نسيتني واتجوزت؟ بس على أي حال انت ليا أنا بردو ماتفتكرش إننا خلصنا لحد كده يا بيبي.. أشوفك انهاردة بقي."

عندما انتهت من قراءة الرسالة، بدت وكأنها تلقت صفعة على وجهها، حيث تلاحقت أنفاسها وتصاعدت الدماء إلى وجهها. ثم أخذت تتساءل.. ألهذا السبب لا يريد إعلان خبر زواجه بها؟ ألهذا السبب رفض إقامة حفل زفاف؟ من أجل عبثه مع النساء! فعل كل ذلك لهذا السبب، ولتكون هي نوع جديد من الألعاب والدمى التي لم يحصل عليها من قبل، ولدي حصوله عليها سيحطمها بين يديه المدمرتين!

صرت على أسنانها بقوة، ولكنها اتخذت قرارها سريعاً، سوف تتجاوزه هذه المرة، سوف تعصي أوامره وليكن ما يكون. "لأ يا عبير انتي اتجننتي؟ أوعي تعملي كده طبعاً أوعي." قالت "ريم" ذلك مخاطبة "عبير" عبر الهاتف بينما أجابتها "عبير" باكية: "مافيش قدامي حل تاني يا ريم." "عبير! هتفت "ريم" بحدة ثم تابعت: "ماتبقيش مجنونة، كل مشكلة وليها حل، ده غير إن ماينفعش نهائي إننا نصلح غلطة بغلطة أكبر، فاهمة يا عبير؟

عشان خاطري أوعديني إنك مش هتتهوري في تصرفاتك.. أوعديني يا عبير." ارتفع صوت نشيجها وهي تقول: "حاضر.. حاضر يا ريم." ثم فجأة سمعت طرقاً خفيفاً على باب غرفتها، فأغلقت الخط مع صديقتها ثم كفكفت دموعها سريعاً وأذنت بالدخول قائلة: "ادخل." دَلفت "داليا" في هدوء وقد علت وجهها ابتسامة لطيفة: "صباح الخير.. إزيك؟ حيتها "داليا" بلطف فأبتسمت "عبير" بشحوب قائلة: "صباح الخير يا داليا.. أنا تمام الحمد لله، تعالي ادخلي."

أغلقت "داليا" الباب من خلفها، ثم تقدمت صوب "عبير" حيث جلست إلى جانبها على الفراش، ثم حدقت بملامحها لبرهة وسألتها: "عيونك حمرا أوي كده ليه يا حبيبتي؟ انتي كنتي بتعيطي؟ ارتبكت "عبير" قليلاً ثم أجابت متلعثمة: "لأ.. لأ أبداً ماكنتش بعيط، أنا بس لسه صاحية من النوم." أومأت "داليا" رأسها بتفهم، بينما سألتها "عبير" باسمة: "أول مرة من ساعة ما جيتي تزوريني في أوضتي! يا ترى في سبب؟ ضحكت "داليا" بخفة ثم قالت: "بصراحة آه."

"في إيه؟ سألتها في إصغاء، فأطلعتها "داليا" على تفاصيل الحفلة التي ستقام الليلة بالقصر. "حفلة!! هتفت "عبير" مستغربة ثم أضافت: "عز الدين بقاله سنين ماعملش حفلة زي دي هنا في البيت." ثم صمتت قليلاً وقالت: "المهم يعني فيه مشكلة بالنسبة لك ولا حاجة؟ تخضبت وجنتا "داليا" وهي تقول: "أيوه فيه مشكلة صغيرة." "إيه هي؟ كم وجدت صعوبة في ذلك ولكنها استطاعت النطق أخيراً فقالت بثبات:

"أنا ماعنديش فستان مناسب لحفلة زي دي.. وفكرت في إنك ممكن تساعديني يعني! رحبت "عبير" بحرارة قائلة: "أكيد طبعاً أساعدك أوي، انتي بتهزري؟ بصي دولابي قدامك أهو اختاري اللي يعجبك." ابتسمت "داليا" بامتنان وشكرتها ثم نهضت متجهة صوب خزانة "عبير" المكتظة بأثمن الملابس الغالية. في المساء، وعندما أسدل الليل ستاره على قصر الـ"نصار"..

كانت "داليا" بالغرفة تقف قرب النافذة المطلة على الحديقة، تراقب ما يحدث بعصبية داخلية. كانت الموسيقى الصاخبة هي أول شيء لاحظته، ثم ذلك الجمع الهائل من الناس، بينما أدركت بأن الوقت قد حان لتنفيذ مخطتها، فهي كانت حريصة حيث انتظرت خروجه من الغرفة أولاً بعد انتهائه من تجهيز نفسه لكي تبدأ هي بتجهيز نفسها.

تركت موضعها مسرعة ثم تقدمت صوب الخزانة الكبيرة وأخرجت منها الثوب الذي أعارتها إياه "عبير". كان فستاناً أسود قصيراً جداً وقد تعمدت "داليا" اختياره كنوع من أنواع العناد الذي لابد وأن يثير غضب "عز الدين"، بل أنه سيتحول إلى وحش كاسر لدى رؤيته إياها على تلك الشاكلة. نظرت إلى المرآة لترى النتيجة النهائية، وبالكاد تعرفت على نفسها، فقد مشطت شعرها بطريقة غجرية حيث جعلته متموجاً في خصل حريرية، ووضعت مكياجاً جريئاً وطلت شفتاها بلون أحمر داكن كلون الدماء. كانت تبدو أكثر إغراءً من أي وقت مضى بحياتها.

وأخيراً نزلت إلى الحديقة وهي تتمايل بخطى رشيقة، وكم ذهلت من نفسها وتساءلت.. من أين أتت بتلك القوة المدمرة؟ ماذا سيفعل بها الليلة يا ترى؟ ارتعش بدنها وهي تفكر في النتائج ولكنها انتفضت بلا اكتراث، ثم ابتسمت بثقة وتابعت سيرها وسط الجموع الغفيرة.

أخذت تتجول ببصرها هنا وهناك، بينما ازدادت قاعة الرقص بأفخر الزينات من أجل استقبال المدعوين الكثر، ذوات الطراز الذي يرتاح إليه سيد المنزل، فهم من علية القوم والعوائل العريقة باستثناء الموظفين الذين اتخذوا جانب فاصل عن الضيوف الأساسيين للحفلة.

كانت الموسيقى الكلاسيكية تصدح وكان المدعوون منتشرين على طول الحديقة، يتحدثون، ويضحكون، ويشربون مما أضفى على المكان جواً من المرح، بينما حاولت "داليا" إيجاد "عز الدين" بين هذا السيل البشري، فبقيت تمرر عينيها حتى رأته، رأته في وضع مخزٍ جرح قلبها وجمد الدماء بعروقها، فقد كانت المفاجأة الكبرى والمذهلة أنه كان يرقص مع "جومانة خطاب" على نغمات موسيقية هادئة، كانا يرقصان بحميمية شديدة، حيث كانا يحتضنان بعضهما البعض بقوة وكأنهما لا يشعران بوجود أحد!

كادت "داليا" تقرص جلدها كي تتأكد بأن هذا حلم أو كابوس مزعج، ولكن لا.. كل شيء حولها أكد لها أنها الحقيقة. بقيت واقفة بمكانها حتى انتهت الرقصة، بينما كان يضحك بوقار كعادته حين استدار ورآها أمامه، تجهم وجهه واتسعت عيناه لدى رؤيته إياها. ترك ضيوفه فجأة وسار نحوها بخطى واسعة، غاضبة حتى اقترب منها ووقف أمامها وجهاً لوجه: "إيه اللي انتي عملاه في نفسك ده؟ قال بغضب جامح ثم تابع بحدة:

"أنا مش قلتلك تترزعي في الأوضة وما تسيبيهاش خالص؟ بتكسري كلامي؟ رمقته بمرارة شديدة بينما أضاف بعنف ليزيد من خوفها المعدوم أساساً: "أوعدك بعد الحفلة ولما أفضالك.. حسابك معايا هيكون عسير.. الحركة دي مش هتعدي على خير أبداً يا داليا." ثم أمرها بحدة: "ارجعي البيت فوراً.. حسابنا بعدين زي ما قلتلك." عند ذلك ضحكت "داليا" بقوة ثم قالت: "أنا نزلت بس عشان أتأكد من حاجة صغيرة يافندم.. وخلاص اتأكدت."

قطب حاجبيه مستغرباً، بينما اقترب منها نادل فابتسمت لأنها وجدت الفرصة المناسبة للانتقام منه، فأخذت من الطبق الذي يحمله كأساً معبأ بالشراب، ثم اقتربت من "عز الدين" بخطوات ثابتة، وفجأة رمت محتوي الكأس بوجهه. تجمد بمكانه من الصدمة فاستغلت هي الفرصة وصرخت به باكية: "آه يا ظالم يا مفتري.. إزاي تعمل فيا وفي بنات الناس كده؟ توقفت الموسيقى فجأة وساد الصمت المطلق، ثم أخذ الجميع ينقل نظراته بينهما فرفعت نحيبها قائلة:

"بعد ما صدقتك وقبلت إني أتزوجك اكتشف إنك خاين وبتعرف عليا ستات وبنات كتير!! سمعت همهمات المدعوين تتعالى من كل اتجاه، فاختلست النظر إليه، لتجد وجهه متجمداً من الغضب. هذه علامة سيئة ولكنها لا تأبه فقد نال ما يستحقه! بينما اقترب منها بخطوة واحدة وأمسك بذراعها وهو يقول للحضور: "آسف.. راجع حالاً." ثم جذبها بعنف حتى وصل إلى داخل المنزل، فحملها على كتفه حيث كانت رأسها خلف ظهره وقدمها أمام صدره بينما أخذت تصرخ بقوة:

"نزلني.. نزلني يافندم.. نزلني." ولكنه ظل صامتاً حتى وصل بها إلى الغرفة، فأغلق الباب بقدمه ثم توجه بها نحو الفراش وألقاها بعنف قائلاً بهدوء مرعب: "من الواضح يا حبيبتي إنك محتاجة لجلسة تأديب وهكون سعيد جداً وأنا بقوم بيها."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...