الفصل 9 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل التاسع 9 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
31
كلمة
4,564
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

في صباح اليوم التالي، قامت "ياسمين" بدورة مرور عامة على المرضى بالمشفي، حتى وصلت إلى غرفة "عمر". كان جالسًا على فراشه الصغير كالعادة، وقد علت وجهه علامات الضيق والضجر. لكن لدى رؤيته إياها تقف أمامه، أشرق وجهه بابتسامة ناعمة ثم قال: -أهلًا أهلًا.. صباح الفل. لزمت شفتيها في برود ثم تقدمت صوبه بخطوات ثابتة وقالت: -صباح الخير.. هاه، عامل إيه النهارده؟ تقلص وجهه في حزن ثم أجابها: -كويس.

-قول الحمد لله.. وبعدين مالك مهموم كده ليه؟ -زهقت! زهقت من القاعدة دي، أنا مش متعود على كده.. الله يسامحه أخويا بقى.. لأ، منه لله هو السبب. -لكل فعل رد فعل.. أكيد عملت مصيبة أو غلطت غلطة، خلاه يكون السبب في الحالة اللي أنت فيها دلوقتي. نظر إليها باستكانة وضعف مصطنع ثم قال: -أنا! وربنا ده أنا غلبان، الناس هي اللي ظلماني. هزت كتفيها بلا اكتراث قائلة: -عمومًا مش موضوعنا. ثم سألته: -تحب تمشي تقوم تمشي شوية؟

أومأ رأسه بقوة، فابتسمت بخفة وقالت: -طيب، همشيك في الأوضة شوية، والمرة الجاية إن شاء الله هبقى أنزلك تتمشى في الجنينة، أكون فاضية وقتها. ثم اقتربت منه وساعدته على النهوض من الفراش، بينما استند إليها حيث تعكز على مرفقها الرقيق القوي، فخطت به في تمهل بأرجاء الغرفة، فيما سألها فجأة: -إلا قوليلي صحيح يا حلوة.. يا ترى أنتِ مصاحبة ولا لأ؟ رمقته باشمئزاز قائلة:

-أولًا، أنا مش حلوة، أنا دكتورة ياسمين.. ثانيًا، ما بردش على أسئلة مش مهذبة بالشكل ده. أطلق "عمر" ضحكة مرحة ثم قال: -آسف يا دكتورة ياسمين.. وآه، يا ترى حضرتك عمرك ما ارتبطتي بحد قبل كده؟ حلو الأسلوب ده؟ سألها في تهكم، بينما تجاهلت نبرته الساخرة ثم قالت: -أنا ما عنديش وقت للارتباط نهائي يا حضرة.. أنا بدرس طب.. عارف يعني طب؟

-آه عارف عارف.. كلية ما بيدخلهاش إلا الدحيحة المتفوقين اللي هما نفسهم برضه لما بيتخرجوا بيقعدوا على القهوة أو في البيت. رمقته باستنكار قائلة: -إيه ده، مش صحيح أبدًا.. مين اللي قال كده؟ -الواقع هو اللي بيقول كده، دي مسألة حظوظ يا حبيبتي ومش كل الناس محظوظين، عشان كده لازملك حظ كبير لحد ما توصلي للي أنتِ عايزاه ده لو وصلتي. ابتسمت بسخرية ثم أجابت بهدوء:

-مش صح يا أستاذ عمر.. الإنسان اللي عنده إرادة لو حب يحقق شيء هيحققه بالقوة.. ده غير إن الطموح مش بينتهي والنجاح كمان مش بينتهي، وكله بإيد الإنسان.. لو استمر هيتقدم، ولو وقف هيتأخر.. وعلى فكرة ما فيش حاجة اسمها حظوظ أو نصيب، اللي بيحصل في الحياة بإيد الإنسان، إنما المقدر والمكتوب بإيد ربنا، وفي فرق كبير بين الاتنين. حملق فيها لبرهة ولم يجد ما يضيفه، فأبتسم قائلاً: -أنتِ فظيعة. قهقهت بخفة ثم قالت:

-أتمنى بس أكون أفدتك وتكون اقتنعت إن الصلاح والفساد من صنع الإنسان مش من صنع ربنا أبدًا. ثم أضافت: -وأنا بقول كفاية مشي كده عشان رجلك ما تتعبكش، وعشان أنا كمان خلصت شغلي هنا والمفروض أروح بقى. -ليه بس؟ ما تخليكي قاعدة معايا شوية بدل الزهق اللي بعيش فيه ده. أجابته بحزم: -أولًا، قلتلك أنا واحدة مشغولة باستمرار.. ثانيًا، أنا دكتورة ومش هنا عشان أسليك، أنا هنا عشان أعالجك وبس.. ويلا لو سمحت ساعدني عشان أرجعك مكانك.

لكنه لم يحرك ساكنًا، فنظرت إليه مستغربة ثم قالت بلهجة حادة: -بقولك لو سمحت ساعدني عشان أرجعك مكانك، إيه، ما سمعتنيش؟ -لأ سمعتك. أجابها ثم نقل يده التي كانت تستند إلى مرفقها على خصرها، فشهقت في صدمة ثم قالت غاضبة: -شيل إيدك يا محترم.. أحسن لك. -أحسن لك! إيه أحسن لك دي؟ وراها إيه يعني؟ فقالت تحذره بحدة: -شيل إيدك بقولك.. أنا لحد دلوقتي مش عايزة آذيك. -آآذيني! هتف باسمًا بسخرية ثم تابع: -طب مش شايل. هزت

كتفيها بلا اكتراث قائلة: -أوكي، أنت حر.. بس خليك فاكر إني حذرتك. قالت ذلك بهدوء ثم رفعت يدها إلى صدره، وبحركة بسيطة جدًا دفعته، فمال جسده إلى الخلف ليسقط أرضًا، فانفجر صوته: -آآآآآه.. آآه يا بنت المؤذية، حرام عليكي ليه كده؟ -احترم نفسك يا أستاذ، وبعدين أنا حذرتك بمنتهى الذوق، بس أنت اللي مش محترم، لأ وبتتمادى في قلة الأدب أكتر كمان، تستاهل. رمقها بحنق ثم قال: -طب قوميني. فقالت بحزم:

-أنت تقدر تساعد نفسك، حاول تقوم لوحدك. -مش قادر.. مش قادر أقف. قال بألم مصطنع، فلانت قلبها وأشفقت عليه، ثم خطت تجاهه ومدت يدها لتساعده على النهوض، وهنا تكمن الخدعة! ابتسم بخبث وهو يمسك يدها ثم جذبها إليه بقوة حتى سقطت أرضًا بجانبه، فجثم عليها وكبل حركتها بذراعيه.. تألمت، فزعت، وأدركت خدعته، فصاحت به: -يا حيوان.. بتضحك عليا؟ صدقتك دي غلطتي. ضحك ملء صوته بشكل هستيري ثم قال بلهجة المنتصر:

-ده رد اعتبار يا حلوة.. وإنتي لسه قايلة من شوية لكل فعل رد فعل، مش كده؟ رمقته بغضب شديد وصممت على إيذائه مهما كلف الأمر، وفي اللحظة التي شعرت بيده تتسلل إلى خصرها، غرست أصابعها بالسجادة السميكة واستعدت للحظة المناسبة في محاولاتها لإبعاده عنها، وما أن تحرك قليلًا حتى جذبت قدمها ووجهت إليه بركبتها ضربة قوية مؤلمة دونما أي اهتمام أو وخز في الضمير..

كان صراخه عندها كوحش جريح، موسيقى جميلة لأذنيها الغاضبتين، فابتسمت بانتصار وتشفي، وحين تراخت قبضته عنها قليلًا، انسلت من بين ذراعيه بسرعة البرق وهبت واقفة، فيما تأوه بشدة قائلاً: -الله يخربيتك.. مش قادر، حرام عليكي.. منك لله. أجابته بجمود: -أتمنى تحترم نفسك بعد كده.. ياريت يعني بجد.. وعمومًا أنا همنع الممرضات إنهم يدخلولك من هنا ورايح، نظراً لأخلاقك اللي زي الزفت دي، وابقى استمتع بوقتك مع عم راضي التمرجي بقى.

ثم رحلت وتركته، فهتف وهو لا يزال على وضعيته: -وهتسيبيني كده طيب.. منك لله... *** دلف إلى منزله في هدوء، ثم أخذ يبحث عنها بالأرجاء حتى وجدها بحجرة نومه مستلقية بإرهاق مغمضة العينين، فاقترب منها قائلاً: -عبير! انتفضت منتبهة ونظرت إليه، بينما تابع متسائلاً وهو يجلس إلى جانبها: -إيه يا عبير مالك؟ وإيه الموضوع المهم أوي اللي أصريتي نتقابل بسرعة عشانه؟ تأوهت "عبير" بصوت خافت وهي تنتصب نصف جالسة على الفراش، ثم حدقت

فيه بعينين ذابلتين وقالت: -حسام.. أنا حامل. اتسعت حدقتاه وتجهم وجهه في ثانية ثم قال: -إيه! قلتي إيه؟ -بقولك.. أنا حامل.. حامل يا حسام. -نعم! أنتِ بتهزري؟ أنتِ أكيد بتهزري يا عبير صح؟ قولي إنك بتهزري. قال ذلك في توتر غاضب، فيما أجابته مؤكدة:

-لأ يا حسام، أنا مش بهزر.. أنا حامل فعلًا.. في الأول كنت شاكة، لكن أنا لسه راجعة من عند الدكتور وهو أكدلي الحمل.. أنا حامل في شهرين يا حسام.. وكويس إني اكتشفت المصيبة دي بدري عشان نلحق نتصرف. لم يحتمل "حسام" سماع المزيد، فهب واقفًا في غضب ثم قال بإنفعال: -لالالا مش أنا يا عبير.. مش أنا اللي تلعبي معاه لعبة رخيصة وقديمة زي دي.. انسى، مش هتورطيني غصب عني. حملقت فيه بذهول ثم سألته: -إيه اللي أنت بتقوله ده؟

أنا بلعب عليك؟ لأ وورطك كمان! أنت إزاي تقولي كده يا حسام؟ -اسمعي يا عبير! هتف بحدة ثم تابع: -لو كنتي فاكرة إنك ممكن تقدري تضغطي عليا بموضوع الحمل ده عشان أروح أطلب إيدك من أخوكي زي ما كنتي دايما بتزني عليا، تبقي غلطانة.. أنا محدش يقدر يلوي دراعي.. فاهمة؟ هزت رأسها في ذهول وهي تكاد لا تصدق ما سمعته، ثم قالت: -أنت بتقول إيه؟ بقي أنت فاكر إني ممكن أفكر بالطريقة دي؟

متخيل إني ممكن أعرض نفسي لعقبات خطيرة زي دي عشان أضغط عليك ويا صابت يا خابت! إيه.. هو أنت ماتعرفش أخويا؟ مش عارف هو ممكن يعمل فينا إيه احنا الاتنين لو اكتشف اللي بينا؟ ثم أنا اتفاجئت بخبر الحمل زيك بالظبط. فسألها في تهكم: -لا والله! اتفاجئتي؟ مش على أساس كنتي بتقوليلي دايما إنك بتعملي حسابك عشان مانقعش في الغلطة دي! أومأت رأسها بتوتر ثم قالت والدموع على خديها:

-أيوه.. أيوه فعلًا والله كنت بعمل حسابي، لكن.. لكن ده قدر.. ربنا عايز كده! -يا حبيبتي أنا ماليش في الكلام ده.. اسمعي يا بنت الناس، أنا لسه شاب في أول عمري، ظروفي زي الزفت، ولازم أشتغل كويس عشان أقدر أكون نفسي، فمش هقدر أبدًا إني أتحمل مسؤولية بيت وجواز وأطفال.. بالنسبة لي لسه بدري أوي على الخطوات دي. -يا نهار أسود! هتفت في صدمة ثم سألته: -يعني أنت كنت بتكدب عليا لما كنت بتقولي إننا هنتجوز؟ زفر بضيق ثم قال:

-أنا ماكدبتش عليكي يا عبير.. أنا قلتلك إني مش جاهز لجواز دلوقتي خالص، وأنا فاكر إنك وافقتي.. أنا ماغصبتكيش على أي حاجة، بالعكس، لو نفتكر هنلاقي إنك إنتي اللي فضلتِ مصرة على كده وشجعتيني لحد ما وصلنا للطريق ده.. ياما قلتلك بلاش، بس إنتي إلـ... -بس! قاطعته بألم ثم تابعت باكية: -بتلومني أنا دلوقتي؟ بتلومني عشان حبيتك يا حسام؟ بتلومني عشان أمنتلك وصدقتك؟

في الآخر أنا اللي بقيت غلطانة وأنا اللي لازم أتحمل النتائج كلها لوحدي؟ -آه. هتف بجمود ثم تابع: -آه إنتي اللي لازم تتحملي النتائج كلها لوحدك يا عبير، أنا ماليش دعوة بالحمل ده ومش هتحمل مسؤولية الطفل اللي في بطنك ده نهائي، ببساطة لأني ما اتفقتش معاكي على كده. شحب لونها فجأة ثم تسارع وجيب قلبها فقالت: -يعني إيه؟ هتسيبني؟ هتتخلي عني يا حسام؟ تنهد بثقل وهو يرمقها بضيق، بينما أخذت تجهش بالبكاء المر، فضم قبضتيه في نفاذ صبر،

فيما حدثها بلطف مصطنع: -عبير.. اهدي لو سمحتي.. ما تقلقيش، أنا مش هسيبك ومش هتخلي عنك.. أنا هفضل جنبك للآخر. ثم تابع بلهجة حادة: -لحد ما نخلص من موضوع الحمل ده. رفعت رأسها بسرعة وحدقت فيه قائلة: -نخلص منه إزاي يعني؟ -لازم ينزل طبعًا. -أنت بتقول إيه؟ هتفت بفزع، بينما سألها متهكمًا: -في حل تاني مثلًا؟ للأسف ما فيش، عشان كده لازم نمشي في الموضوع بسرعة ونلمه قبل ما يكبر مننا. هزت رأسها غير مصدقة، ثم رفضت بقوة قائلة:

-لأ لأ.. لأ مستحيل.. أنت عايزني أنزل البيبي؟ عايزني أنزله فعلًا؟ لأ، مش ممكن، أنا مش هعمل كده أبدًا. نفذ صبره عند ذلك، فقبض على ذراعها بعنف ثم قال بقسوة: -بقولك إيه.. إنتي أحسن لك تسمعي الكلام، الحل ده في مصلحتك قبل ما يكون في مصلحتي، وأظن إنتي فاهمة قصدي كويس أوي.. الحمل ده هينزل يعني هينزل، سامعة؟ ثم دفعها عنه بحركة مفاجأة، فسقطت على الفراش وقد اعتراها ألم شديد، بينما حذرها قائلاً:

-الأسبوع الجاي في نفس اليوم ده ألاقيكي هنا تكوني نزلتي الحمل ده وخلصتي منه نهائي.. سلام يا بيرو. ثم ذهب تاركًا إياها وحدها، والصدمة تستبد بها والخوف يكتنفها... ***

راحت "داليا" تتأمل فستان السهرة الخاص بجدتها والذي ارتدته خصيصًا من أجل حضور عشاء العمل، لم تكن قد ارتدت في حياتها كلها فستانًا فاتنًا مثله، ولذلك شعرت بالارتباك جراء المظهر الجديد الذي ظهرت فيه، خاصة عندما وضعت الإكسسوارات الشرقية التي أعارتها إياها شقيقتها "ياسمين"، كما وأنها أيضًا سمعت نصائح شقيقتها الخبيرة، فراحت تستعمل بعض مساحيق التجميل بأناملها التي تفتقد الخبرة، ولكنها دهشت من نفسها في النهاية، حين تحولت

بقدرة قادر إلى امرأة جميلة وجذابة لم يكن يتوقعها الآخرون أبدًا. فقد تركت الإكسسوارات ومساحيق التجميل والفستان أثرًا واضحًا عليها، وأدركت لأول مرة أن لها جسدًا متكاملًا فاتنًا إذا ما وضعته في الإطار الصحيح. دائمًا كانت الأخريات يفوقنها جمالًا وأناقة، ولكن ليس هذه الليلة، فبعد الذي صنعته بنفسها، لا يمكن لأحد أن يشك في جمالها الأخاذ الدفين..

كل شيء تغير من حولها، قوامها الرشيق يشع فتنة ودلال، شعرها الكستنائي الفوضوي تجمع في خصل حريرية الملمس، والمرآة التي تنظر إليها بغرفتها تعكس شكلًا لابد وأن يدير رؤوس معظم الرجال لها.. سمعت "داليا" طرقًا على باب غرفتها فأذنت بالدخول، ثم رأت الباب يُفتح فالتفتت نحو شقيقتها التي دخلت مبتسمة في اندهاش وقالت: -إيه ده إيه ده إيه ده! إيه يا دودو الجمال ده كله؟ من أين لكِ هذا؟ أجابتها "داليا" بمرح قائلة: -هذا من فضل ربي!

بينما راحت عينا "ياسمين" تقيسان "داليا" من أسفل إلى أعلى وكأنها تراها للمرة الأولى، ثم وجدت الكلمات المناسبة فقالت: -يخربيتك! ما كنت أعرف إنك حلوة أوي كده.. أول مرة أشوفك بفستان يا دودو، بجد جميلة ما شاء الله، خايفة أحسدك وربنا. ضحكت "داليا" بخفة ثم قالت: -مش للدرجة دي يا ياسمين، بس عمومًا ده مؤشر كويس، طالما شكلي عجبك كده يبقى أكيد هيعجبه هو كمان. -هو مين ده؟ تنهدت "داليا" بعمق ثم أجابت:

-مستر عز الدين.. مستر عز الدين نصار. أومأت "ياسمين" رأسها بتهكم ثم قالت: -ممم مستر عز الدين نصار.. يعني انتي بقى رايحة مشوار الشغل ده مع مستر هتلر بتاعك؟ رمقتها "داليا" بحدة قائلة: -ياسمين! -خلاص خلاص.. هقفل بؤي ومش هتكلم خالص. ثم تابعت متسائلة: -بس إنتي هتتأخري يا داليا؟ -مش عارفة يا ياسمين، حسب الشغل، أول ما نخلص اللي ورانا أكيد هرجع بسرعة، ماتقلقيش. فزمت "ياسمين" شفتيها بحزن مصطنع ثم قالت:

-يعني هتعشي لوحدي الليلة دي؟ أومأت "داليا" رأسها بأسف ثم قالت: -معلش يا حبيبتي.. ده شيء ضروري متعلق بشغلي.. وبعدين دي أول مرة يعني يا ياسمين وإحنا مع بعض دايما. ابتسمت "ياسمين" ببساطة ثم مدت يدها ورتبت على كتف شقيقتها قائلة: -ولا يهمك يا حبيبتي.. المهم شغلك، وقبل شغلك راحتك. ثم تابعت منبهة: -بس خدي بالك من نفسك ماشي؟

وأي حد يجي جنبك اسكعيه قلم على طول، ما يهمكيش أصلًا، ما تعرفيش نوعية الناس اللي زي دول، فاكرين إن كل حاجة متاحة ليهم. قهقهت "داليا" بقوة من أسلوب شقيقتها ثم قالت: -أوعدك يا ياسمين إن ما فيش حاجة من دي هتحصل إن شاء الله، ماتقلقيش، الناس اللي هكون في وسطهم راقيين وعقولهم متزنة. -متزنة! ده إنتي طيبة خالص يا أختي، عمومًا خدي بالك من نفسك برضه.

ثم تركتها وحدها لتنتهي من إعداد نفسها، بينما عادت تنظر إلى المرآة مرة أخرى، فخفق قلبها بسرعة جنونية ما أن تخيلت عيني "عز الدين" تحدقان بها، تري ماذا ستكون ردة فعله لدى رؤيته إياها على تلك الهيئة الجذابة؟

من معلوماتها أنه حذر حيال الجميلات، وأحيانًا ما ينفر منهن رغم استمتاعه بهن في بعض الأوقات، ربما لأن والدته جميلة، أصبح يمقت الجميلات إلى جانبها ولا يجد لذته إلا عندما يخضعهن ويشعرهن بالإذلال بين يديه. أشعرتها هذه الأفكار بالخوف، فلا شغورًا راحت ترتجف دون إرادة، متذكرة هيئته القاسية الرائعة التي تجذب كل أنثى نحوه رغما عنها كما تجذب النار الفراشة. كانت تعتقد في البداية أن ما تشعر به تجاهه ليس سوى افتتان وإعجاب بجماله

الخارجي، فهو فعلًا رجل جذاب، يكفي أن ينظر إليها ليجعل قلبها يخفق بسرعة جنونية، ودائمًا كان هناك صوت باطني في داخلها يهمس بأنه الحب، ولم تستطع "داليا" إسكات هذا الصوت بل رضخت إليه في النهاية. أجل، إنها تحبه، تعرف ذلك جيدًا، ولكنها تأبى الاستسلام لهذه الفكرة، تخشى مغبة الاستمرار في تلك المشاعر كثيرًا..

وفكرت ربما ولد حبها له حين أنقذها يوم وفاة والدتها، أو عندما رأته لأول مرة حين أجرت معه المقابلة الشخصية، ربما انجذبت إليه بطريقة ما أو بأخرى، ولكن مهما كان الأمر فلا أمل لها بالنجاة منه، فالطرق مقفلة أمام حبها... *** كان يجلس بالبهو الفسيح على أحد المقاعد الوثيرة، عندما وصلت إلى المنزل. هرع عليها ما أن رآها أمامه، ثم أمسك ذراعيها بقوة وقال بقلق: -إنتي كنتي فين كل ده يا عبير؟ وما بترديش على موبايلك ليه؟

قلقتيني عليكي، جيت مالقيتكيش وما حبتش أتصل بـ"عز" وأسأله، وفي نفس الوقت كنت هتجنن وأعرف إنتِ فين وما بترديش ليه.. اتكلمي يا عبير، قوليلي كنتي فين؟ ساد الصمت قليلًا فشاهد خلاله سيل دموعها الذي هبط ببطء وهدوء، فهتف بعنف قلق: -مالك؟ فيه إيه؟ .. حصلك حاجة؟ حد عملك حاجة؟ اتكلمي يا عبير؟ راقبها جيدًا بنظرة ثاقبة حين نظرت إليه، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، بينما كبتت تنهيدة من الألم والحسرة، ثم قالت بصوت مبحوح:

-ما فيش.. ما فيش حاجة يا خالد. -إنتي بتهزري؟ فاكرني عبيط يا عبير! عايزاني أصدق إن ما فيش حاجة فعلًا وأنا شايفك قدامي منهارة بالشكل ده؟ ثم تابع بإنفعال: -لو سمحتي اتكلمي حالًا وقوليلي مالك؟ إيه اللي حصل بالظبط خلاكي وصلتي للحالة دي؟ فكرت لثوانٍ قليلة، فاختلقت كذبة ثم قالت: -كنت في النادي. -وبعدين؟ سألها بترقب فتابعت: -كنت بتكلم مع واحدة صاحبتي في موضوع يخصها، كلامي ما كانش عاجبها، فشدينا مع بعض وقمت سبتها. -يسلام!

هو ده اللي مزعلك أوي كده؟ -لأ. -طب إيه الحكاية، فهمني!! -أصلها كانت صاحبتي أوي وتقريبًا قطعت علاقتي بيها. ثم راحت تجهش بالبكاء، فمد أصبعه برشاقة وأزال دموعها عن وجنتيها قائلاً: -يا حبيبتي.. إنتي حساسة أوي.. بس معلش ماتزعليش، طالما إنتوا صحاب أوي زي ما بتقولي، أكيد في أول فرصة هتتصالحوا.. المهم اهدي إنتي دلوقتي وكفاية عياط.. اهدي بقى عشان خاطري، مش عارف أعملك إيه؟

ولكن دون جدوى، ظلت تبكي بقوة، فتألم من أجلها، فتلك هي أول مرة يراها تبكي بهذا الشكل، فتناولها بسرعة في أحضانه مطبقًا عليها بذراعيه بشدة، ثم راح يتمتم بنعومة في أذنها عبارات صافية مهدئة، حتى نجح الأمر وسكتت عن البكاء وهدأت تمامًا، إلا من صوت اضطراب أنفاسها وشهقاتها المتتالية... *** لم تقصد "داليا" مثل هذه المطاعم من قبل أبدًا، فقد أدهشتها أناقة المكان وحسن الذوق والأثاث، إنه بلا شك باهظ الثمن..

وبما أن "عز الدين" كان حريصًا كل الحرص على الإتيان في الموعد المحدد، كان هو الحاضر الأول برفقة سكرتيرته الأنيقة التي جذبت انتباهه لها الليلة. نعم، ظل يرمقها بين الحين والآخر بنظرات غامضة، ولكن على الأقل نظراته أسعدتها نوعًا ما، شعرت أن إطلالتها الجديدة راقته من خلال هدوئه وقلة ظهور عبسه وسخريته.. جلسا إلى جانب بعضهما على الطاولة التي حجزتها "داليا" بنفسها في زاوية منعزلة بعيدًا عن الأنظار تبعًا لأوامر "عز الدين"..

كان الصمت سائدًا تحت وطأة نظرات "عز الدين" الفاحصة، حتى قطعته "داليا" قائلة: -واضح إننا جينا بدري شوية يافندم؟ فأجابها بلطف: -لا أبدًا يا داليا.. ده الميعاد المتفق عليه.. وما تنسيش أهم حاجة إننا ناس مظبوطين في كل حاجة، حتى في مواعيدنا، ودي سمعة كويسة لينا، مش كده؟ رفعت "داليا" حاجبيها بذهول قائلة: -حضرتك بتكلمني بلطف على غير العادة يافندم!! فضحك بخفة وأجابها:

-بصراحة فستانك الجميل هو السبب.. هو جميل آه، بس لو كان مفتوح حبتين كنت أكيد هسمعك كلام يبسطك أكتر. اشتعلت وجنتاها بحرارة شديدة وهي تنظر إليه، قاطبة حاجبيها بغضب، ثم قالت: -لعلمك يافندم.. أنا مش مبسوطة من كلام حضرتك.. ولا هبقى مبسوطة. -بجد! هتف ساخرًا ثم تابع: -لأ، إنتي كده قلقتيني، شكلي بدأت أفقد مهارتي في الأمور دي، رغم إن ليا شهرتي اللي أكيد سمعتي عنها.. عمومًا مش هخيب ظنك لو جربتيني، ويمكن طريقتي تعجبك.

وكأنه يريد إثارة حنقها بأي طريقة، ولكنها أدركت بالنهاية أن الاعتصام بالصمت هو خير وسيلة تتبعها مع ذاك الرجل المتعجرف!

كم قاس هو.. أهانها مرة أخرى عوضًا عن أن يمدحها برقي.. على أي حال، هذا هو، لن يتغير، وهي تعلم ذلك جيدًا، لذا نفضت كل الأفكار الاستفزازية عن ذهنها، وراحت عيناها تتفحصانه بهدوء، تنقل نظرها فوق وجهه البرونزي الفاتن وحاجبيه السواديين الكثيفين، وعينيه الذهبيتين الغامضتين، متذكرة عطاءه الدافق السخي وعناقه الذي لم ولن تنساه أبدًا رغم معارضتها ذلك بشدة!

وفي تلك اللحظة أدركت "داليا" بفخر واعتزاز أنها برفقة أوسم وأفضل رجل موجود بقاعة المطعم، بل بالعالم كله على الإطلاق، ثم فجأة عادت إلى ذهنها حقيقة شعورها نحوه، فهي تحبه كما لم تحب أي رجل آخر في حياتها، فهو أول رجل أيقظ فيها شوقًا لأن تكون امرأة بكل ما في الكلمة من معنى، وستحبه إلى الأبد حتى لو لم تتزوج منه أبدًا، فذلك لن يقضي على حبها له، ولن تستطيع أن تتزوج أبدًا من غيره، مستحيل أن تقبل بمشاركة حياة رجل آخر في حين أنها تحب "عز الدين" ولا ينبض قلبها إلا لأجله...

ثم فجأة أفاقت من شرودها على صوت أنثوي يقول: -..............

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...