كان "عز الدين" يتحدث في هاتفه، عندما دلفت "داليا" إلى الحجرة وأغلقت الباب من خلفها في هدوء. ثم اتجهت مسرعة إلى "عدنان" الذي استيقظ لتوه، وقد بدت على ملامحه معالم العبس والضجر. فابتسمت "داليا" تلقائياً، وأخذته من فراشه الصغير بين ذراعيها، ثم راحت تتحدث إليه بخفوت ولطف. بينما كان "عز الدين" يزرع الحجرة ذهاباً وإياباً وهو يخاطب محدثه على الهاتف، تارة بصرامة وتارة بلطف، حتى أنهى الاتصال. فصوّب نظره إلى "داليا" قائلاً
بصوته القوي: "أنا خارج، ومش هرجع على الغدا، محدش يستناني." ضيّقت "داليا" عينيها، وعادت تضع "عدنان" في مهده مجدداً، ثم استدارت متوجهة نحو "عز الدين" وقالت عندما وصلت إليه: "إزاي مش هترجع على الغدا؟ هتتغدا فين طيب؟ "هتصرف." أجابها في لامبالاة وهو يعبث بهاتفه. فتطلعت إليه في فضول، ثم سألته مترددة: "هتروح فين؟ رفع "عز الدين" وجهه على الفور، فاصطدمت بنظراته الحادة، وازددرت ريقها في توتر، بينما قال بلهجة حادة:
"مشوار شغل، وعشان أرضي فضولك، رايح المينا أخلص شوية ورق في الجمرك." ثم رفع يده وأشار لها بسبابته محذراً: "بس بعد كده يا ريت تخفي الأسئلة اللي من النوع ده شوية، انتي عارفة إني مابحبش كده." أومأت رأسها في هدوء. وكاد يرحل من أمامها، فمدت يديها وقبضت على ذراعه صائحة في اضطراب: "استنى." "في إيه؟ سألها مقطباً. فأجابته في تردد: "انت لسه زعلان مني؟ تنهد "عز الدين" بنفاذ صبر، ثم حدجها بنظرة ثاقبة، وقال بصوته العميق:
"زي ما قلتلك امبارح، أنا عمري ما هنسى اللي عملتيه، عمري ما هنسى إنك كدبتي عليا واستغفلتيني، كان ممكن أتصرف معاكي بشكل عمرك تخيلتيه، بس في الآخر منعتني." تطلعت إليه "داليا" في تأمل ذاهل، امتنّت لعباراته الجامدة والرقيقة في آن، وسرعان ما ساورها شعور الندم على ما حدث منها وعلى ما سوف يحدث لاحقاً. بينما عاد يقول بلهجة منخفضة قليلاً:
"بعد كده قبل ما تعملي أي حاجة عارفة إني مش هكون راضي عنها، ابقي فكري الأول في اللي بينا، زي ما أنا فكرت." قضمت "داليا" شفتها بقوة وهي تشعر بالندم، في حين كانت تبحث في وجه "عز الدين" عن تعابير غامضة لسبر غورها. فاندفعت قائلة: "ليه انت قاسي كده يا عز الدين، على عكس الطيبة اللي أنا متأكدة إنها جوه قلبك؟ ليه أمك ما صعبتش عليك؟ تجمدت نظرات "عز الدين" فجأة، ثم قال بحدة محذراً: "أنا مابحبش أتكلم عنها."
تجاهلت "داليا" تحذيره، وتابعت: "أنا سمعت القصة أيام ما كنت موظفة عندك، بس ده في النهاية مجرد كلام ومافيش أدلة تثبته، انت متأكد من الكلام ده؟ سألته مترقبة. فأجابها بقوة شاخصاً ببصره: "أيوه متأكد." "جبت منين التأكيد ده؟ من أبوك؟ سمعت بردو إن أبوك كان طاغية ومستبد، ما فكرتش للحظة إن أمك سابته لأنها ما كانتش قادرة تتحمل حياتها معاه؟ قال "عز الدين" بنزق وهو يكاد يصعقها بنظراته: "انتي ممكن تقبلي إنك تتخلي عن عدنان؟
لم تستطع الإجابة على سؤاله. فتابع: "هي قبلت إنها تتخلى عني أنا وأخواتي لأسباب معينة أياً كانت ما تهمنيش." ثم صمت قليلاً، وتابع: "هي اختارت تسيبنا، وأنا كمان اخترت أنساها للأبد." "بس أنا سمعت إنها حاولت تقرب منكوا تاني بعد موت أبوك." "اديكي قولتيها بنفسك، بعد موت أبويا، هي سابته بإرادتها بعد ما رفعت عليه قضية طلاق، متخيلة بقى إني كنت هسمحلها تحط رجليها في بيته بعد ما مات؟
نظر لها "عز الدين" بعينين صارمتين، وقد ضاقت حدقتاهما من الغضب. فتنهدت "داليا" ثم قالت يائسة: "انت مش زي أبوك يا عز الدين، انت قلبك مليان عطف وحنان أكتر.. ماتقدرش تسامح؟ "لأ ما أقدرش." هتف بقوة، وتابع في حزم: "ومش عايز أسمع كلمة زيادة في الموضوع ده." ثم تركها وغادر الغرفة صافقاً الباب خلفه بعنف. انتفض "عدنان" وبكى على أثره، فأسرعت "داليا" إليه لتهدئ من روعه. ***
أصرت "كامليا" بإلحاح خلال الطريق إلى القصر، أن تتوقف عند أحد فروع الأسواق التجارية كي تشتري ألعاباً لـ"عدنان" بنفسها. فلبّى "عمر" طلبها على مضض، خاشياً عليها من أي ضرر قد يصيبها. ولكنها بدت سعيدة للغاية عندما كانت تمشي إلى جانبه، متأبطة ذراعه. كانا رائعين معاً، وقاما بجولة ممتعة. واشترت "كامليا" لعبة عتيقة للغاية جذبت نظرها واستحوذت على انتباهها بشدة، كانت عبارة عن مجسم إسفنجي لحصان يمتطيه خيال ذو قبعة كبيرة.
فسألها "عمر" مستفسراً: "اشمعنى اللعبة دي اللي عجباكي قوي كده يا كوكو؟ تطلعت "كامليا" إليه باسمة، ثم قالت بعاطفة أمومية: "أبوه كان بيحبها قوي لما كان في سنه." منحها "عمر" ابتسامة دافئة. ومن ثم راحا يشتريان مزيداً من الألعاب المميزة. ولم تنس "كامليا" أن تشتري الهدايا لجميع أفراد الأسرة، كنوع من أنواع التذكار بما إنها راحلة.
عندما وصلا إلى القصر، وعبر "عمر" البوابة الحديدية الضخمة بسيارته، أخذت "كامليا" تتطلع إلى المكان من حولها، فتداهمت الذكريات بعقلها. منذ أكثر من سبعة عشر عاماً، لم تشهد عيناها ذلك القصر الفاخر المترف، الذي تكاد أحجاره تنطق بالرغد والثراء. توقفت سيارة "عمر" بصورة تدريجية بساحة المنزل الكبير، فترجل هو أولاً برشاقة، وذهب ليساعد أمه على الخروج من السيارة، ثم توجه نحو صندوقها، حيث كدس الهدايا والألعاب.
فيما صعدت أمه الدرجات الثلاث المؤدية إلى باب المنزل، ثم ضغطت زر الجرس. وما هي إلا لحظات حتى جاءت إحدى الخادمات، وفتحت الباب على مصراعيه. رسمت "كامليا" ابتسامة خفيفة على وجهها. فيما رمقتها الفتاة بتساؤل وهي تتمعن بملامحها المألوفة. ولكن لم يطل الأمر، إذ أتى صوت "عمر" من خلف أمه قائلاً بلهجة آمرة: "تعالي يا فاطمة شيلي معايا الحاجات دي." هرولت إليه الفتاة، وهي تنقل نظراتها بينه وبين السيدة الغريبة. فلاحظ "عمر" نظراتها،
فقال: "سلمتي على الهانم؟ دي تبقى أمي." أشرق وجه الفتاة، وأفتر ثغرها عن ابتسامة عريضة، ثم صاحت بفرح: "أيوه والله كنت بشبه عليها، الست كاميليا فهمي الممثلة." ابتسمت "كامليا" في هدوء وهي لا تزال تقف على أعتاب المنزل. بينما قال "عمر" ممازحاً في لطف حازم: "طيب خلاص كفاية تعارف بقى، وبحذرك ما ترغيش كتير مع الست عشان ما تطرقيش منها." رمقته "فاطمة" بنظرة متذمرة، ثم انصاعت لأوامره، وحملت معه بعض الأغراض إلى الداخل.
بينما كانت "كامليا" تدور بقاعة البهو الفسيح، وهي تتفحص المكان بعينيها الزرقاوين الواسعتين. لم يتغير شيء في هذا البيت، تركته لسنوات طويلة، ثم عادت لتجده كما هو، فشعرت وكأن الماضي البعيد كما لو كان البارحة. أتت "عبير" في تلك اللحظة مهرولة، وما أن رأت والدتها أمامها، حتى تلألأت الدموع بمآقيها رغماً عنها. فمنحتها أمها ابتسامة دافئة، وقد كست وجهها غلالة من السقم والحزن.
وأخذت تقترب منها بخطى وئيدة، حتى وصلت إليها، ثم مدت ذراعيها نحوها، وجذبتها إلى صدرها. لم تحرك "عبير" ساكناً، وظلت صامتة، أخذت دموعها فقط تتساقط في هدوء، بينما راحت "كامليا" تنعم بتلك اللحظات الفريدة. *** "ما تشد شوية يابني." قالها "عز الدين" وهو يجلس بالسيارة إلى جانب "خالد". فصاح "خالد" مقطباً: "أشد أكتر من كده إزاي يعني؟ عايزنا نموت؟ طب كنت قولي إنها رحلة انتحارية من الأول."
"بطل الظرف ده شوية واسمع الكلام، عايزين نرجع بدري، وبعدين الطريق فاضي قدامك." "لا يا عم مش سامع كلامك، المثل بيقول امشي سنة ولا تخطي قنا." حدجه "عز الدين" بابتسامة ساخرة، وقال: "أمثالك بقت بيئة قوي." ثم صاح متذكراً: "آه نسيت أقولك، أنا حجزتلك تذكرة السفر، كمان 3 أيام هتسافر." "ماشي." هتف "خالد" متنهداً، ثم عاد يصوب تركيزه على الطريق أمامه. *** زحف الليل سريعاً على قصر الـ"نصار". في قاعة الجلوس الفسيحة، اجتمع الجميع.
ساد جو من المرح والحميمية الأسرية، بفضل السيد "عدنان" الصغير، الذي راح يزقزق ويطلق صياحه الطفولي بفرح. وكم شعرت "كامليا" بالدفء والامتنان، كان هذا كل ما كانت تحتاج إليه فعلاً. ولكن لم تدم اللحظات السعيدة طويلاً، إذ دق جرس الباب فجأة، فساد صمت مطبق. وما زاد من الرعب بقلوب الجميع، عندما تردد صدى صوت سيد المنزل الكبير بالإرجاء. فلاشعورياً انتصبت "كامليا" واقفة، تستعد لملاقاة ابنها.
فاندفع "عمر" نحوها مسرعاً، ثم أمسك بيدها، وضغط عليها برفق ليطمئنها. فشعر بالاضطراب يهز المرآة النحيلة الواقفة إلى جواره لا حول لها ولا قوة. فيما ترقب الجميع لحظة دخول "عز الدين" بقلب واجف. فكانت "داليا" أشدهم خوفاً وقلقاً، فشدت ذراعيها حول ابنها كما لو أنها تلوذ به. بينما كانت تقف "عبير" إلى جانب "ياسمين" وهي تشعر بالتوتر يعصف بها.
ثم فجأة ظهر "عز الدين" في تلك اللحظة، فصوبت أمه نظرها تجاهه بلهفة وهي تشاهده يتخطى أعتاب المنزل إلى الداخل. وكم بدا جذاباً وواثقاً من نفسه، كان صورة صادقة عن أبيه. وكانت يدا "كاميليا" تضغطان بشدة على يدي "عمر" وكأنها تحاول أن تستمد القوة منه. فيما تسمر "عز الدين" بمكانه فجأة، وكأنه تمثال أصم. ولكنه سرعان ما رفع رأسه الأكحن الأرستقراطي، وقد تطاير الغضب من عينيه، وكاد يصعق كل من بالمكان.
فعلى بعد خطوات منه وقفت أمه مذعورة، وقد غاص كل لون من وجهها الشاحب الذابل. كان الجميع يتوسلون منه بعض اللطف بنظراتهم، ولكن كان اللطف أبعد الأشياء عنه في تلك اللحظة. كان وجهه مغموراً بهالة رائعة تتفجر منه القسوة، فيما ارتسمت على شفتيه معالم الازدراء والغطرسة. ثم ... يتبع ...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!