الفصل 13 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
30
كلمة
4,448
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 29%
حجم الخط: 18

اتسعت عيناها في ذعر حين اقترب ذلك الجسد الضخم أكثر فأكثر حتى سطع ضوء مصباح الرواق الخارجي على وجهه الفظ الذي علتْه ابتسامة مفزعة. فلا شعورياً أطلقت "داليا" صرخة عالية، قفزت "ياسمين" على أثرها من فراشها مذعورة، ثم أشعلت الأنوار وهي تصيح: -في إيه يا داليا مالك؟ ولكنها ما لبثت أن تكمل جملتها حتى رأت ذاك البدين "فتحي" يقف ببرودة ووقاحة على بعد خطوات قليلة من فراش شقيقتها، وقد أطلقت عيناه شرارة خبيثة.

-انت بتعمل إيه هنا يا عم انت؟ سألته "ياسمين" بعنف غاضب وهي تنهض واقفة لمواجهته، بينما ابتسم بخبث وأجابها: -إيه يا حلوة مالك؟ اهدي كده، أنا بس حبيت آجي أطمّن عليكوا. قلت يمكن تحتاجوا حاجة يعني. -لكرم أخلاق حضرتك، إحنا مش محتاجين حاجة. أجابته مستهجنة، ثم تابعت: -ولو محتاجين دي هتبقى مشكلتنا إحنا، ومش هنطلب تدخل حضرتك ولا تدخل أي حد تاني.

عند ذلك انتقلت "داليا" بسرعة البرق من فراشها إلى جانب شقيقتها حيث التصقت بها في وجل، بينما تبدلت ملامح الرجل وهو يتمعن جسد "داليا" البض من خلال رداء نومها الرقيق. فأضاءت وجهه ابتسامة شريرة، ثم قال وهو لا يزال يتأمل قوامها المتناسق: -طيب أنا عملت اللي عليا وجيت أشوفكوا لو كنتوا محتاجين حاجة. -جابته "ياسمين" في حدة قائلة: -كتر خيرك يا سيدي، قولنا مش محتاجين حاجة، يلا بقى اتكل من هنا. ابتسم "فتحي" ثم استرسل في خبث:

-طيب مش الأصول برضه تشوفوني أنا محتاج إيه؟ انطلق الشرَر من عيني "ياسمين" وهي تصيح بغضب: -نعم! تقصد إيه يا راجل انت؟ خنق قهقهته الشريرة بقوله: -أظن الموضوع مش محتاج شرح يعني يا قمر! إيه اللي ممكن يحتاجه راجل زيي في ساعة زي دي؟ رمقته "ياسمين" بحدة سافرة ثم صاحت ملء صوتها: -أما إنك راجل زبالة وقليل الأدب. -ال ال ال، طب ليه الغلط ده بس؟ -غلط؟ هو انت لسه شفت غلط! ده الغلط جاي.

-لا إن شاء الله مش هيكون في غلط ولا حاجة، إحنا بس نتفاهم براحة وكله هيبقى تمام. قال ذلك بلهجة مثيرة للاشمئزاز، ثم أخذ يقترب منهن في بطء، فقفزت "داليا" هي وشقيقتها فوق الفراش، فبما صاحت "ياسمين" محذرة: -خليك عندك يا راجل، انت عارف لو قربت... -هتعملي إيه يعني يا حلوة؟ قاطعها بفظاظة ثم تابع: -لو صرختي عادي، خدي راحتك، الناس هنا متعودين على الأصوات دي. اتسعت عيناها حنقاً وذهولاً، ثم اندفعت بغضب قائلة:

-تصدق بالله شكلي هديك حاجة كنت باستحرم أديها للعيانين بتوعي. قهقه "فتحي" بقوة ثم صفق بيديه بوقاحة قائلاً: -أموت أنا في الحرام. -والله! ماشي، يبقى أنت اللي جبته لنفسك بقى. قالت ذلك مطلقة آخر سهم بجعبتها، ثم توجهت بسرعة القصوى نحو حقيبتها الطبية وأخرجت منها حقنة حديدية، ثم التفتت إليه وهي تلوح بها أمام وجهه، فضحك بسخرية قائلاً: -بتهدديني بحقنة يا حلوة؟

أنا بقول ارميها من إيدك أحسن، ملهاش لازمة، وتعالي نتفاهم زي ما قلتلك. قال ذلك وهو يهم بالإقتراب منها، إلا أن ركلة "داليا" كانت مؤثرة، حيث استدار إليها موجهاً ظهره إلى "ياسمين" التي ركضت صوبه مسرعة ثم غرزت الحقنة بأسفل قدمه. فأطلق صيحة ألم حادة، وما هي إلا ثوانٍ حتى كان طريح الأرض، جسده يتنفض بتشنجات قوية. نظرت "داليا" إلى شقيقتها في ذعر قائلة: -ياسمين.. انتي عملتيله إيه؟ ادتيه إيه؟

-متخافيش يا داليا.. دي حاجة بسيطة كده. أجابتها "ياسمين" وهي ترمق المدعو "فتحي" شزراً وازدراءً، بينما ألحت "داليا" في توتر متسائلة: -برضه قوليلي ادتيه إيه؟ حولت "ياسمين" نظرها إلى شقيقتها ثم تنهدت قائلة:

-اديته حقنة بتشنج عضلات الجسم زي ما انتي شايفة كده.. كنا بنضطر نستعملها أحياناً واحنا بنتدرب في مصحات الإدمان والعلاج النفسي عشان نقدر نسيطر على المريض، ودلوقتي برضه اضطريت أديهاله عشان أوصله للحالة دي، وكان حظه حلو والله الحقنة كانت معمّرة على آخرها. -بس ده كده ممكن يموت يا ياسمين؟ -لا ماتقلقيش.. كلها كام ساعة وهيقوم، الهي ما يقوم الحيوان. -طب هنعمل إيه دلوقتي؟ -هنلم حاجتنا وهنسيب المكان ده بسرعة طبعاً.

-و هنروح فين دلوقتي؟ انتي عارفة الساعة كام؟ -يعني لو قعدنا هنا هنبقى محمين مثلاً؟! قالت "ياسمين" متهكمة، فقطبت "داليا" حاجبيها بوهن قائلة: -طب بس هنروح فين يا ياسمين؟ هنروح فين؟ وخذلتها دموعها، فأخذت تبكي بمرارة، بينما أسرعت "ياسمين" واحتضنت أخت شقيقتها في حنان قائلة: -إيه يا داليا بتعيطي ليه بس؟ ماتعيطيش، مش المفروض انتي اللي تعيطي، ده انتي الكبيرة يعني.. وبعدين أنا معاكي، متخافيش.

استطاعت "داليا" بصعوبة أن تكف عن البكاء، فرفعت وجهها الغارق بدموعها ثم سألتها بهدوء: -طب هنروح فين؟ زاغت "ياسمين" ببصرها تفكر، ثم صاحت بعد ثوانٍ: -المستشفى.. مافيش قدامنا مكان تاني نبات فيه لحد الصبح غير المستشفى. -المستشفى!! هتفت "داليا" مستغربة، ثم تابعت سؤالها: -وحاجة زي دي مسموح بيها يا ياسمين؟ ضحكت "ياسمين" بخفة ثم أجابتها ممازحة: -جري إيه يا دودو، انتي فاكراني قليلة هناك؟

دول يتمنوا إني أعيش معاهم مش أبَات ليلة. حامت على ثغر "داليا" ابتسامة شاحبة، بينما قالت "ياسمين": -المهم دلوقتي يلا نلم حاجتنا بسرعة عشان نلحق نمشي قبل ما الحيوان ده يفوق. أومأت "داليا" رأسها ثم أسرعت وارتدت ملابسها، ثم راحت تجمع حوائجها، وكذلك فعلت "ياسمين" حتى انتهيا في زمن قصير، فغادرا المسكن الرديء معاً في روية وهدوء.

كان القمر شاحباً باعثاً أشعة باهتة واهنة، فيما تراصم الفضاء الشاسع المرصع بالنجوم فوق الشقيقتين صافياً، تمتزج في رحابه ألوان إلهية مبهمة، ألوان الليل الذهبية المشتعلة، في حين خيم هدوء شامل يخبئ في طياته حشرجة أغصان الأشجار وخفيف أوراقها وأسرار الليل الوليد. تابعت الشقيقتان سيرهن والخوف والقلق يستبدان بهن حتى وصلتا أخيراً إلى المستشفى، أسرعت "ياسمين" إلى الداخل تتبعها "داليا" بخطى حزينة واجمة. -دكتورة ياسمين!

التفتت "ياسمين" خلفها مسرعة ما أن سمعت اسمها، فأشرق وجهها بابتسامة ودودة، ثم اقتربت من محدثها قائلة: -دكتور أيمن.. مساء الخير، لأ أسف أقصد صباح الخير بما إننا بقينا الفجر. ساد صمت غريب، كان يتأملها "أيمن" خلاله مستغرباً، ثم أخيراً نطق فقال: -انتي إيه اللي جابك المستشفى في وقت زي ده؟ حد طلبك ولا إيه؟ ابتسمت "ياسمين" بخفة ثم أجابته: -لأ محدش طلبني يا دكتور.. هو بس في مشكلة حصلتلي أنا وأختي داليا.

ثم أشارت نحو شقيقتها التي كانت تقف شاردة في حزن على بعد خطوات منهم، ثم تابعت: -إحنا دلوقتي سيبين البيت وللأسف مافيش عندنا أي مكان تاني نقعد فيه، وبعد ما سيبنا الفندق اللي كنا قاعدين فيه من شوية فكرت مع نفسي قلت مافيش قدامي غير المستشفى، بس إن شاء الله هنمشي الصبح مش مطولين يعني. علت وجه "أيمن" علامات الدهشة والحيرة، فسألها بإلحاح: -خير يا ياسمين؟ قوليلي إيه اللي حصل بالظبط؟

رمقته "ياسمين" بتردد، إن طبيعتها قوية منذ نعومة أظافرها وتعرف كيف تضع حداً لتمادي بعض الرجال دون أن تجرح مشاعرهم، وإذا زاد التمادي فلا بأس من جرح المشاعر، ولكن "أيمن" ليس ككل الرجال، إنها تعتبره من أعز أصدقائها، لذا تنهدت بعمق ثم راحت تطلعه على كافة التفاصيل حتى انتهت، فسألها باهتمام: -طب وهتعملوا إيه دلوقتي؟ هزت كتفيها قائلة: -ولا حاجة.. هنقعد هنا لحد الصبح زي ما قلتلك وبعدين هنمشي. -هتروحوا فين يعني؟

-هندور على أي مكان نعيش فيه بقى، فندق، شقة بالإيجار، أي حاجة. ازدادت ملامح "أيمن" تجهماً، فقال باعتراض: -بس ماينفعش تقعدي انتي وأختك هنا في المستشفى يا ياسمين، وكمان بعد ما حكيتيلي اللي حصل معاكوا في الفندق الزبالة ده، مش لازم تكرري الغلطة تاني وتروحي برجلك لمكان شبهه. -طب هنروح فين دلوقتي بس؟ -هتيجوا عندي. -نعم!! تجهمت ملامحها بلحظة، فسارع "أيمن" إلى التحدث فقال في ارتباك:

-أقصد هتيجوا تقعدوا في بيتي مع أمي، وأنا مش هكون موجود، ماتقلقيش، هروح أبَات عند واحد صاحبي عايش لوحده. عارضت "ياسمين" بقوة قائلة: -لأ لأ يا دكتور أيمن.. كتر خيرك طبعاً، وإنك عايز تساعدنا، بس مش لـ... -أنا مش ممكن أسيبكوا تقعدوا هنا في المستشفى يا ياسمين. قاطعها بحزم ثم تابع: -أنا هتصل بأمي تنزل بنفسها عشان تستقبلكم قدام باب البيت، وبعدها همشي علطول. -انت بتقول إيه بس يا دكتور أيمن، أنا مش قصدي. قالت "ياسمين" بإحراج،

ثم تابعت: -أنا عارفاك كويس ومن زمان، وأكيد بثق في أخلاقك. -يبقى خلاص، لازم تسمعي كلامي. نظرت إليه في تردد، بينما عبس قائلاً: -ماهو أنا مستحيل أسيبك هنا لوحدك.. أقصد مستحيل أسيبك هنا انتي وأختك لوحدكوا. ابتسمت "ياسمين" بخجل وبساطة، فبادله "أيمن" ابتسامة دافئة.

في صباح اليوم التالي، كان يجلس بحجرة الطعام، يترأس المائدة. كم اشتاق لأن يجتمع بإشقائه ولو لفترة وجيزة أثناء الفطور. انتظر كثيراً ولم يأتِ أحد، فشعر بالملل وهتف باسم إحدى الخادمات، فأتت "فاطمة" مهرولة: -أمرك يا بيه؟ أجابته باحترام، فأمرها بلطف حازم: -اطلعي يا فاطمة شوفيلي عمر وعبير لو كانوا نايمين، صحيهم وقوليلهم إني مستنيهم هنا عشان نفطر سوا. -أنا هطلع أشوف الست عبير حاضر، بس عمر بيه طلب فطاره في أوضته من شوية.

أومأ "عز الدين" رأسه ببطء ثم تنهد قائلاً: -طب شيلي الأكل ده من هنا. ثم نهض وصعد إلى حجرة شقيقه، طرق الباب ثم دلف حين أتاه صوت أخيه سامحاً لمن يطرق بالدخول. كان ممدداً على فراشه مغمض العينين في استرخاء عندما سمع صوت شقيقه العميق: -صباح الخير يا أستاذ. فتح عينيه في سرعة ثم حدق بوجه أخيه الذي جلس إلى جانبه على حافة الفراش، بينما استوى في جلسته قائلاً: -صباح الخير يا عز. حملق "عز الدين" بوجهه لبرهة ثم قال:

-إيه.. من ساعة ما رجعت وأنت قاعد في أوضتك وقافل على نفسك، بتفطر وبتتغدى وبتتعشى هنا لوحدك.. ليه؟ أنت زعلان من حد هنا في البيت ولا حاجة؟ منحه "عمر" ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيه ثم أجاب: -لا أبداً، مش زعلان من حد. -اومال مش بشوفك ليه؟ -عادي يا عز.. بكون قاعد مع نفسي زي العادة. ثم سأله: -بس من امتى يعني بتهتم بتفاصيلي كده؟ صمت "عز الدين" قليلاً ثم ضحك ملء فمه في سخرية قائلاً:

-ده على أساس إن حد غيري كان بيهتم بيك أساساً طول السنين اللي فاتت دي كلها! -مش قصدي يا عز.. أنا بس مش متعود على اهتمامك الزايد ده. أومأ "عز الدين" رأسه بتفهم، ثم جال بنظره على شقيقه وسأله: -قولي رجلك بقت عاملة إيه دلوقتي؟ وضع "عمر" يده بتلقائية على ساقه ثم أجاب: -خفت الحمد لله. -المستشفى اللي كنت قاعد فيها كانت كويسة؟ -آه.

كان يجيب "عمر" على الأسئلة بإيجاز وهو مطرق الرأس، فقد كان يتحاشى النظر بعيني أخيه الثاقبتين، بينما هتف "عز الدين" بعد صمت: -مش تباركلي؟ -أباركلك على إيه؟ سأله "عمر" وهو لا يزال على وضعيته، فابتسم "عز الدين" ثم أعلن بعد صمت: -أنا هتجوز. عند ذلك رفع "عمر" رأسه في سرعة وراح يحدق بأخيه في صدمة وذهول بالغين، حتى تمكن بعد لحظات من التحدث فسأله: -أنت قلت إنك هتتجوز؟ أومأ "عز الدين" رأسه بهدوء، فرمقه "عمر" بشك قائلاً:

-عز الدين! أنت بتتكلم جد ولا بتهزر؟ -هو في حد بيهزر في الأمور اللي زي دي؟ هز "عمر" رأسه غير مصدق، ثم سأله: -وتبقى مين اللي هتتجوزها؟ تمهل "عز الدين" قليلاً ثم أجابه: -داليا. -داليا! هتف "عمر" مقطباً جبينه، ثم طرف يفكر من تكون "داليا"؟ .. انتفض فجأة ثم عاد ينظر إلى شقيقه بقوة وسأله: -أنت قصدك داليا؟ داليا السكرتيرة بتاعتك؟ ابتسم "عز الدين" متلذذاً بدهشة أخيه، بينما تصاعد رنين هاتفه، فأخرجه من جيب سترته وأجاب:

-الو.. كل ده مستنيك عشان تجبلي الأخبار؟ .. آه.. وبعدين؟ .. مشيت وراهم امبارح لما سابوا البيت؟ .. وراحوا فين؟ .. بانسيون؟ .. ماله؟ .. بتقول إيه؟ ...

استيقظت "داليا" قلقة نحو منتصف النهار، سمحت لنفسها بعشر دقائق من الترف تقضيها تفكر مستلقية على الفراش البسيط، تذكرت تعب الليلة الماضية وزوالها، فلولا اقتراح "أيمن" زميل "ياسمين" بالمستشفى وإصراره على جلبهن إلى منزله ليقضين ليلتهن تحت سقف آمن، لكان توقف عقلها من كثرة التفكير بمصيرها هي وشقيقتها. ولألاف المرات ودون إرادة منها تراقصت صورة "عز الدين" بذهنها.

استرسلت بالتفكير فيه، إنها تحبه ولا يمكن أن تنكر ذلك، ولكن فكرة الزواج منه تثير الخوف والقلق بنفسها. صحيح أن العيش بجواره هو حلمها الوحيد الذي تتمنى بكل جوارحها أن يتحقق، ولكن ماذا لو تحول ذلك الحلم إلى كابوس حين تراه يطردها ذات يوم من حياته شر طردة بعد حصوله على هدفه المنشود الذي يتوق إلى تحقيقه بأي شكل. فكرت يجوز أن إصراره هذا مبني على العناد، فهو حتماً لا يستطيع تقبل فكرة أن هناك امرأة رفضته وبهذه القوة!

ثم فجأة تذكرت جملته التي أشغلت تفكيرها: "هتتجوزيني يا داليا.. للأسف ماعندكيش اختيار تاني". تَرى ماذا كان يقصد؟ كرهته وقتها قليلاً بسبب قسوته، وفي الوقت نفسه عجزت عن نفي صحة كلامه. لقد نجح ربما في تبديد شيء من حيرتها الذهنية، لكن ذلك لم يخفف قلقها حياله.

تململت بالفراش في ضيق واتسعت عيناها وهي تنظر حولها إلى الغرفة البسيطة. بحثت عن شقيقتها بالفراش المجاور فلم تجدها، استنتجت أنها ربما ذهبت إلى الجامعة. عند ذلك انتصبت نصف جالسة تتلفت يميناً ويساراً باحثة عن هاتفها، ثم فجأة تذكرت أين تركته. شهقت بهلع وتساءلت: ماذا الآن؟ عليها استرجاع الهاتف طبعاً، هكذا أجابت نفسها، ولكن كيف؟

لم تجد إجابة على هذا السؤال سوى أنها سوف تغامر وتذهب لإعادته، وطمأنت نفسها بأن ذهابها الآن في وضح النهار بين الناس والجموع سيكون آمناً، وبالتالي لن يجرؤ ذاك البدين على النيل منها. بعد أن توصلت إلى تلك الفكرة، نهضت من الفراش بسرعة ثم ارتدت ملابسها متعجلة وخرجت من الغرفة، لتصطدم بسيدة المنزل وهي تجتاز الرواق الصغير. -صباح الخير يا بنتي. حيتها السيدة المسنة ببشاشة، فمنحتها "داليا" ابتسامة بسيطة ثم حيتها بدورها: -يافندم.

قهقهت السيدة بخفة قائلة: -إيه يافندم دي يابنتي؟ أنا اسمي سوسن وممكن تناديني بيه كده عادي من غير ألقاب زي ما بيعمل أيمن ابني. ابتسمت "داليا" قائلة: -ربنا يخليهولك. ثم تابعت باستحياء: -وأنا بعتذر لحضرتك لو كنت أنا وأختي اتسببنا في أي إزعاج.

-كلام إيه ده يابنتي عيب ماتقوليش كده، طب والله أنا قلبي اتفتحتلكوا أول ما شفتكوا، ده غير إن أيمن طول عمري بيكملني عن أختك ياسمين لما خلاني هتجنن وأشوفها، وماتتخيليش بقى أنا مبسوطة قد إيه بوجودكوا معايا، حساكوا بناتي والله، تقوم انتي تقوليلي إزعاج! ده لو ماشالتكمش الأرض أشيلكوا في عنيا. -ربنا يخليكي.

-أنا بتكلم جد على فكرة مش بقول أي كلام، لكن خلينا في المهم دلوقتي.. بما إنك صحيتي بقى يبقى تعالي يلا افطري معايا، أنا لسه ما فطرتش. -معلش حضرتك مش هقدر، أنا عندي مشوار مهم ولازم أنزل دلوقتي. -هتنزلي من غير فطار يابنتي؟ فابتسمت بلطف قائلة: -معلش بقى.. عن إذنك. ثم تركتها وغادرت مسرعة، وفي غضون نصف ساعة كانت أمام "بانسيون السعادة".

بلعت ريقها بتوتر فيما تسارع وجيب قلبها، فكرت في أن تتراجع بآخر لحظة، لكن عقلها أجبرها على الاستمرار في حين

خاطبتها نفسها الشيطانية: "كفاياكي جبن بقى.. ادخلي". قطبت حاجبيها باستياء ثم شمخت برأسها بشجاعة شوبها ارتباك بسيط، ثم اتجهت بخطى ثابتة نحو المسكن الرديء. كم كانت فرحتها عارمة حين دلفت ولم تجد المدعو "فتحي"، تنهدت بسعادة وقد زادت شجاعتها، فصعدت الدرج الخشبي بحذر حتى وصلت إلى الطابق العلوي ثم توجهت إلى الغرفة. دلفت إليها بهدوء وتمهل، ثم تقدمت صوب الفراش وأخذت تفتش عن هاتفهها حتى وجدته بين طيات الأغطية، تناولته بسعادة بالغة ثم استدارت عازمة على الرحيل، لكنها انتفضت مذعورة وامتدت يدها إلى شفتيها تطبق عليهما وتكبت صرخة الهلع التي اندفعت من أعماقها حين رأته أمامها.

كان "فتحي" يقف على بعد خطوات منها، يحدق فيها بغضب وعداء، بينما اختنقت الكلمات بحنجرتها فلم تستطع التفوه بحرف. استبد بها الخوف وهي ترى ذاك البريق الخبيث الغاضب يتراقص بعينيه، بينما قال وهو يقترب منها ببطء: -أهلاً أهلاً يا قمر.. شرفتي. ثم تابع بلهجة حادة: -بقيت بنتين زيك انتي وأختك يعملوا فيا أنا كده؟ كنتي فاكراني هيسيبكوا! بس كويس إنك انتي اللي جيتي برجلك يا حلوة. ارتعش صوتها وهي تقول:

-بقولك إيه يا أستاذ، أحسن لك تبعد عن طريقي وتخليني أمشي، أنا مش جايه أعمل مشاكل، أنا بس نسيت حاجة هنا ورجعت عشان آخدها واديني ماشية أهو. وتقدمت صوب الباب، إلا أنه سارع يقف بوجهها، حيث بدا جسده الضخم سداً منيعاً يلغي أمامها كل المنافذ، فألحت بخوف قائلة: -لو سمحت.. خليني أعدي. -أبداً.. هو دخول الحمام زي خروجه يا قمر انتي؟

قال ذلك بابتسامة شريرة، بينما تراءى لها أن هذا الرجل الضخم خفيف الحركة سريعاً، وما أن حاولت تجاوزه حتى أمسك بها وجذبها نحوه، فأطلقت "داليا" صرخة ألم وهو يغرز أصابعه الغليظة بذراعها الرقيق. قاتلته بعنف وضراوة، لكن دون جدوى، طوقها بذراعيه بقوة حيوانية خانقة فكادت تفقد وعيها من شدة هلعها، بينما رفع وجهه ليتنشق بعض الهواء، فانتهزت "داليا" الفرصة لتلكمه على وجهه بجمع قبضتها، فأصابت أنفه، ثم رأت الشرَر

يتطاير من عينيه وهو يصيح: -هتندمي.. هندمك على اللي حصل امبارح منك انتي وأختك وعلى اللي حصل منك دلوقتي. وألقاها أرضاً بعنف وهي ترتجف ذعراً، إنه ينوي على إخضاعها عنوة. ماذا تفعل؟ هل تقاومه؟ ولكن كيف؟

دمعت عيناها بوهن وتصاعدت من أعماقها صرخة حادة، لكن لا حياة لمن تنادي. هاهو ينحني عليها، رفسته بقدمها فلم يرتدع بل ازداد عنفاً وإصراراً، ثم أخذ يمزق ثيابها، حاولت "داليا" بيأس مقاومته لكنه كان أقوى وأكبر حجماً منها، حيث ثبت جسدها جيداً محبطاً بذلك أي محاولة لها بالفرار. لكن فجأة أطلق "فتحي" صيحة عالية، ولشدة دهشتها رأت "عز الدين" يمسك به بعنف من ثيابه ويلقيه على الأرض بعيداً عنها، ثم انهمر عليها بالركلات واللكمات القاسية. أبرحه ضرباً عنيفاً، حيث بدا غضبه العارم وبنيته القوية دافعاً صلباً يضارع وزن ذاك البدين الثقيل.

ولم يتركه "عز الدين" إلا عندما انبثق الدم من وجهه وجسده المتراخي، تسارعت أنفاس "عز الدين" بقوة هائلة من فرط انفعاله، ثم استدار إلى "داليا" التي أخذت تتراجع للخلف زاحفة على مرفقها وهي تتطلع إليه باكية، بينما كانت عيناه تتفحصانها بغضب. حاولت بيأس إخفاء عريها، ولكن أعصابها المحطمة لم تسعفها على ذلك، فأحنت رأسها بخجل واهنة، فيما اقترب منها وأمسك بذراعيها بقوة حتى أوقفها أمامه. ارتجفت ساقاها وكادت تسقط عندما رفع يده عنها، إلا أنه خلع سترته بعنف غاضب ثم وضعها على كتفيها كي تخفي ذاك الشق الذي أصاب قميصها. تشبثت بسترتة وضمتها حولها بقوة، بينما أسندها إليه ثم جذبها بقسوة قائلاً:

-اتحركي قدامي! ترجلت من سيارتها بضيق، ثم استندت إليها وأخرجت هاتفها من حقيبة يدها ثم أجرت الاتصال به.. ليأتي صوته البغيض بعد لحظات: -أهلاً يا بيرو.. معلش قبل ما نتكلم في أي حاجة قوليلي.. عملتي إيه؟ نزلتي الحمل؟ ابتسمت "عبير" بمرارة ثم أجابته متجهمة: -أي حاجة من واحد واطي وندل زيك ماتلزمنيش.. أنا أنا بس بتصل بيك دلوقتي عشان أقولك إني فعلاً هنزل البيبي وعشان أقولك حاجة تانية كمان. -إيه هي؟

سألها بإصغاء، فأمطرته بعدد هائل من الشتائم المتنوعة، ولما اكتفت أغلقت الخط بوجهه وتنفسّت الصعداء وقد تصاعدت الدماء إلى وجهها الشاحب. هدأت ثورتها قليلاً بينما تصاعد رنين هاتفها بنغمته الصاخبة، نظرت إلى الهاتف لتجد المتصل صديقتها "ريم"، أجابت بلهفة: -الو.. ريم.. ها عملتي إيه؟ كلمتي قريبتك؟ و عملتي إيه؟ خدتي منها عنوان عيادة الدكتور؟ طب هنروحله امتى؟ -هتروحي لمين يا عبير؟

تجمدت بمكانها عندما سمعت صوته المستفهم آتٍ من خلفها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...