الفصل 18 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
29
كلمة
3,469
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

ظهر "عمر" في تلك اللحظة، فأقبل بتوجس على شقيقه والطبيب، بينما احتلت الصدمة أركان وجه "عز الدين" حيث اتسعت عيناه بشدة وتصلب فمه باضطراب غير مصدق. "في إيه يا عز؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ " قال "عمر" ذلك موجهاً حديثه إلى أخيه، بينما تجاهله "عز الدين" وعاد يسأل الطبيب مرة أخرى وأخيرة: "إنت.. متأكد.. متأكد يا دكتور إنها حامل؟ أومأ الطبيب رأسه قائلاً:

"طبعاً متأكد يا عز الدين بيه، دي دخلت في الشهر الرابع، الأعراض واضحة جداً، وأنا بصراحة مندهش إنكم ما عندكوش علم بالخبر! وكأن هذا الكلام هو ما كان يحتاجه "عز الدين" تماماً كي يصدق ويتدارك الأمر، بينما أعاد "عمر" سؤاله مجدداً: "عز الدين! في إيه؟ التفت "عز الدين" إلى أخيه فحدجه بصرامة قائلاً: "وصل الدكتور."

ثم استدار واتجه إلى غرفته سريعاً. دلف بعصبية وأخرج هاتفه وبحث في قائمة الاتصالات عن اسمه حتى وجده، فأجرى الاتصال به. ليأتي صوته الهادئ بعد لحظات: "أيوه يا عز! "تعالالي حالا." قال بلهجة هادئة مرعبة، بينما على الطرف الآخر سأله بقلق: "في حاجة ولا إيه؟ "لما تيجي هتعرف." أجابه بصوت صارم أجش، فصمت قليلاً ثم قال: "طيب أنا جاي، إنت في البيت يعني؟ "أيوه." "ماشي، أنا عموماً قريب من البيت."

"متتأخرش." نبهه "عز الدين" بجمود ثم أغلق الخط ونيران الغضب تتأجج بداخله، فيما دلف "عمر" فجأة صائحاً: "عز الدين.. الكلام ده حقيقي؟ الكلام اللي سمعته من الدكتور ده صحيح؟ عبير حامل؟ حول "عز الدين" نظره الغاضب إلى أخيه قائلاً: "اخرس.. اخرس إنت دلوقتي." "يعني إيه اخرس إنت دي؟ هو أنا مش أخوها برضه ولا إيه؟ " هتف "عمر" بعصبية بالغة، فصاح به "عز الدين" بغضب جامح: "أخوها!

لو كنت أخوها زي ما بتقول كنت فتحت عينك عليها، كنت خدت بالك منها، كنت عملت حساب إني شايل على كتافي مسؤولية حملها لي أبويا وهي إني أحافظ على الشغل وعلى الثروة والجاه اللي عملوه عشانكوا. لو كنت أخوها كنت اتصرفت زي الرجالة." صمت "عمر" مصدوماً أمام اتهامات شقيقه، فرمقه "عز الدين" بحقد سافر قائلاً: "اديني سبب واحد يخليني ما أقطعكش حتت." أطرق "عمر" رأسه بإنكسار، بينما دلفت الخادمة في هدوء حذر قائلة: "عز الدين بيه!

خالد بيه وصل تحت." ما أن سمع "عز الدين" ذلك حتى هرول راكضاً إلى الأسفل يتبعه "عمر". وأخيراً وصلا إلى "خالد" الذي بدا مندهشاً من الشكل الذي بدا عليه الشقيقان، بينما اقترب منه "عز الدين" ثم جذبه ثيابه صارخاً: "إنت عملت إيه في عبير؟ "عملت إيه في عبير؟ " ردد "خالد" باضطراب ذاهل ثم تابع: "ما عملتش حاجة.. ليه مالها عبير؟ صاح "عز الدين" بقوة: "إنت هتستعبط عليا يا خالد! أنزل "خالد" يدي "عز الدين" عنه بعنف ثم صاح بحدة:

"كلمني عدل يا عز الدين، أنا مش فاهم حاجة.. قولي إيه الحكاية عشان أعرف أرد عليك؟ "حقيقي مش عارف في إيه؟ " هتف "عمر" بحنق وهو يرمقه شزراً ثم تابع: "مش عارف إنك استغفلتنا وغلطت مع عبير! إيه، كنت فاكر إن الموضوع هيفضل سر وإنا مش هنعرف؟ "إيه الكلام الفارغ ده؟ " هتف "خالد" بصدمة مقطباً حاجبيه في غضب ثم تابع: "ما فيش أي حاجة من دي حصلت.. مين اللي قال كده؟ "إنت لسه هتكدب بعد ما عرفنا إنها حامل؟

تضاعفت صدمة "خالد" بقوة عارمة، فاتسعت عيناه وكاد لا يصدق ما سمعه فقال: "هي مين دي اللي حامل؟ عبير! عبير حامل؟ إزاي؟ في تلك اللحظة كانت النظرات مشدودة إلى "عز الدين" الذي بدا وكأنه سينفجر في أي لحظة تحت تأثير غضبه، إذ أنه لم يخدع أحد بسكوته فقد كان ثائراً كالبركان بداخله، بينما أمسك "خالد" بذراعه وألح قائلاً: "قولي يا عز.. قولي الكلام ده مش صح، عبير مش حامل، إنتوا بتهزروا مش كده؟

كاد "عز الدين" يشك بانفعال "خالد" لولا أنه لمح عينيه تبرقان بوميض دامع، فقطب حاجبيه قائلاً بحدة: "إنت قصدك تقول إيه؟ يعني هي مش حامل مـ... "مش مني." هتف بصوت حاد كالسكين ثم تابع بمرارة: "إنت متأكد يا عز الدين؟ مين اللي قالك كده؟ كان كلام "خالد" ونظراته المقهورة كفيلة لتفجير بركان الغضب بنفس "عز الدين". "عبييييير." علا صوته وكأنه سوط لاهب، ثم أسرع راكضاً إلى غرفة شقيقته يتبعه "خالد" و"عمر".

دفع باب الغرفة بعنف، ارتعدت "داليا" بقوة على أثره حيث كانت تجلس على الفراش إلى جانب "عبير" التي بدا عليها السقم والانهيار. ما أن رأت أخيها أمامها حتى ضغطت بيديها بشدة على يدي "داليا" وكأنها تحاول أن تستمد القوة منها، بينما تقدم "عز الدين" صوبها بخطي واسعة غاضبة حتى وصل إليها، فقبض على خصلات شعرها ثم انتزعها من الفراش بقوة وحشية صائحاً: "قووومي.. انطقي وقوليلي مين اللي عمل فيكي كده؟

شدد قبضته على خصلات شعرها، فأخذت تتلوى من الألم صارخة بضعف. وعندما لم تجد "داليا" أي تدخل من قبل "خالد" أو "عمر" مما أدهشها، هرعت نحوه وشدت ذراعه وهي تستجديه قائلة: "حرام عليك، سيبها، بتعمل فيها كده ليه؟ "ابعدي عني." كان العنف يتدفق من عينيه وكاد يصعق كل من في الغرفة بغضبه، فانتفضت "داليا" مذعورة إلا أنها تابعت محاولاتها اليائسة لحماية "عبير" من تلقي الأسوأ من شقيقها. فيما نطقت "عبير" أخيراً فقالت بصوت متهدج

وأنفاسها تتلاحق بعنف: "سامحني.. سامحني يا عز الدين." راح يهزها بلا رحمة صارخاً: "انطقي مين اللي عمل فيكي كده؟ خالد؟

انهمرت دموعها بغزارة، ثم هزت رأسها نفياً وهي تنقل نظراتها بين "خالد" وشقيقها بمرارة. بينما ترك شعرها فجأة ثم صفعها بقوة، فترنحت وانهارت على فراشها وهي تنشج بالبكاء المر. كانت تنتحب وكأنها تحتضر، فأسرعت "داليا" وأمسكت بذراع "عز الدين" مجدداً في محاولة يائسة للحؤول دون استرساله في الغضب، فيما لمعت عيناه ببريق مخيف فانحنى صوب أخته وأنهال عليها بالصفعات صائحاً بجنون:

"هدبحك يا عبير.. هدبحك.. طلعتي سافلة زي أمك يا ***** يا *****." ولكن لمن كل هذه الكلمات والصفعات؟ فهي ما عادت تسمعه إذ فقدت وعيها تدريجياً جراء الألم النفسي والجسدي.

فصرخت "داليا" بذعر عندما شاهدت الدماء تدفق من داخل "عبير" وتلوث ثيابها وأغطية فراشها. وكأن تلك الصرخة هي الصفعة التي تلقاها "خالد" ليتحرك من موضعه، فهرع نحو "عبير" في لهفة مضطربة مانعاً أخاه من إلحاق مزيد من الأذى بها، بينما أسرعت "داليا" وأمسكت بهاتفها لتطلب مساعدة شقيقتها. مر أسبوع كامل على تلك الحادثة وكأنه دهر.

فقدت "عبير" طفلها نتيجة الضغط العصبي الشديد الذي تعرضت إليه والذي أثر على سائر أعضائها سلباً، فلازمت المكوث بالمشفى حتى الآن، بينما ساءت الأوضاع وانقلبت الأحوال رأساً على عقب على الجميع. فقد خيم جو من الكآبة والحرد والنكد على قصر الـ"نصار" بحيث لا مجال للكلام مع أي فرد بالمنزل، ولا حتى هناك مجال لتناول وجبة طعام جماعية على طاولة واحدة.

أما بالنسبة إلى "داليا"، لم تتمكن في الأيام الماضية من محو آثار الصدمة التي تركتها "عبير"، ومع مرور الأيام وجدت "داليا" نفسها تميل إلى التعاطف تجاه "عز الدين" فقد صدم كثيراً بحياته، وتلك الصدمة الأخيرة كانت بمثابة الضربة القاضية التي كان يحتاج إليها كي تقتل بداخله باقي المشاعر الحية وليصبح أخيراً بلا قلب.

لطالما أجفلت "داليا" عن التصرفات القاسية التي تلقتها طوال هذا الأسبوع من "عز الدين"، حيث غفرت له وقدمت إلى قلبها الأعذار، فهي تعلم كم هو مجروح ومكسور. لقد انعكس الحادث بمجمله سلباً في أعماقه وتركه غير قادر على إقصائه من ذهنه، يقلق نهاره وليله حتى توهن وفقد شهيته تجاه كل شيء وقد انزوى وجهه المكسور العابس خلف ستار من العزلة والوحدة، فتأثرت "داليا" بشدة وحزنت لحزنه، حتى اختفت البسمة عن وجهها وغمرتها الكآبة لأجله.

كانت "عبير" قد نُقلت إلى غرفة خاصة للعناية بها، فيها كل مستلزمات الراحة، وكان "خالد" الوحيد الذي وقف إلى جانبها، ولكن معاملته لها لم تكن مثل سابق عهدها، إذ شابتها جفاء وقسوة بالغين، لكنه جاهد كي يعاملها بلطف فقط حتى لا تسوء حالتها.

رغم أنه لم يتركها وحدها بالمشفى يوماً، إلا أنه كان دائم الجلوس بقاعة الاستقبال، إذ وجد صعوبة في النظر إلى عينيها. كلما تخيل الأمر يعتريه ألم قوي. عندما تلقى الخبر ذلك اليوم شعر وكأن موجة عاتية صدمته بلا رحمة ثم تركته بارد الأطراف. أخذ يتساءل في نفسه مراراً.. لماذا؟

لم يجد جواباً مقنعاً على سؤاله، فهو كان يغمرها بحبه، لطالما أغدق عليها بمشاعره الجياشة، لم يتوقف عن ذلك يوماً، كان يخشي عليها من أقل ضرر قد يصيبها، غير أنه انتظرها لسنوات طويلة حتى تنضج لتصبح ملكاً له، لتصبح امرأته وأم أطفاله، لم يخطر بباله ولا حتى بأحلامه أن أحداً غيره سوف يتخذها أو يتسلل إلى مخدعها بهذه السهولة!

رغم كل ما حدث، رغم أنها قضت على مشاعره، لم يستطع منع نفسه عن حمايتها من بين براثن أخيه، لولاه لكانت انتهت لا محالة. ثم تذكر فجأة رد "عز الدين" على طلبه حين ذهب إليه وطالبه بتعجيل إجراءات الزواج: "فاكر يا خالد لما قلتلك قبل كده إن عبير دي لو عيارها فلت مش هيبقالها عندي دية؟ أنا كنت عامل حساب كده وحذرتك.. نبهتك إن لو حصل أي حاجة هتكون إنت وهي المسؤولين قدامي."

بعد حديثهم العقيم استطاع "خالد" أن يقنع "عز الدين" بالموافقة على إتمام الزواج، لكنه لم يستطع أو يجرؤ حتى أن يقنعه بمسامحة أخته، إذ أنه أساساً يجد صعوبة في ذلك، لكنه فعل كل هذا دون تفكير كي يحميها من غضب أخيه وانفعاله المدمر. أفاق من شروده فجأة، ثم تنهد بثقل ونهض تاركاً قاعة الاستقبال، واتجه إلى غرفتها كي يطمئن عليها وهو يتمنى من صميم قلبه أن تكون نائمة تجنباً لأي مواجهة أو صدام قد يحدث بينهما.

وبالفعل كانت نائمة في هدوء فوق الفراش الأبيض الصغير، ومع أن عينيها كانتا مغلقتين، إلا أنها سمعت وقع خطواته فهمست على الفور: "خالد!

فتحت عينيها ببطء وزاغت ببصرها قليلاً حتى استقرت عينيها على وجهه، فابتسمت بضعف، بينما رمقه بجفاء ثم تقدم نحوها بهدوء ساحباً مقعداً صغيراً وجلس فوقه. كان يتحاشى النظر إليها، ففاجئته عندما مدت يدها بجهد وأمسكت بيده، عند ذلك رفع نظره إليها وكان وجهه خالياً من أي تعبير، فشدت على أصابعه وجذبت يده إلى خدها وقد برقت بعينيها الدموع. علم أنها تتوسل بعض العطف منه، ولكن لم يتأثر لذلك مثقال ذرة بل أنه سحب يده من قبضتها

بقسوة ثم سألها بجمود: "عاملة إيه دلوقتي؟ بقيتي كويسة؟ أومأت رأسها مؤكدة ذلك، ثم سألته بصوت محشرج شابه البكاء: "عز الدين وعمر مسألوش عليا لحد دلوقتي؟ صمت للحظات ثم هز رأسه نفياً، فأغمضت عينيها بوهن لتجري الدموع على خديها غزيرة ثم همست: "وحشوني.. نفسي أشوفهم." ثم فتحت عينيها وحدقّت فيه قائلة: "خالد.. أنا بجد مش عارفة أقولك إيه أو أشكرك إزاي على اللي عملته معايا ا... قاطعها بلهجة جامدة صارمة:

"أنا عملت كل ده بس عشان أحميكي من أذى أخوكي.. أنا وإنتي عارفين هو بيبقى عامل إزاي لما بيكون عصبي أو غضبان." تألمت "عبير" للغاية لتحوله الكبير، لكنها تعلم أنها تستحق ذلك بل وأكثر من ذلك، لذا صمتت وشعرت بالامتنان لمجرد وجوده إلى جانبها، فابتسمت هامسة: "سامحني يا خالد.. على أي حال حاول تسامحني.. أنا غلطت بس أنا فعلاً آسفة.. عرفت غلطتي متأخر بس برضو على أي حال أنا آسفة." بينما لم يستطع منع نفسه فقطب حاجبيه بكسرة وسألها:

"مين اللي عمل فيكي كده؟ مين يا عبير؟ هزت رأسها ثم أشاحت بنظرها عنه إلى الجهة الأخرى، فهب واقفا على قدميه ثم انحنى على الفراش وأمسك بكتفيها بقوة ثم أعاد سؤاله بانفعال: "قوليلي.. قوليلي مين اللي عمل فيكي كده؟ هزت رأسها بمرارة قائلة: "مش هقولك.. مش هقولك يا خالد." "لازم تقوليلي ولازم أعرف.. ماتفتكريش إن الموضوع انتهى، أنا مش هرتاح إلا لما أعرف مين اللي عمل فيكي كده ولا هرتاح إلا لما أطلع روحه في إيدي." أجابته باكية:

"عشان كده أنا عمري ما هقولك هو مين لآني مش هقدر أسامح نفسي لو حصلك أي حاجة بسببي." رمقها بغضب قائلاً: "يسلام! خايفة عليا أنا ولا خايفة عليه؟ أجابته بقوة: "خايفة عليك إنت.. إنت اللي تهمني دلوقتي مش هو ولا أي حد تاني." هز رأسه بعدم تصديق وهو يحدقها بسخرية، ثم تركها فجأة وغادر الغرفة، فراحت تجهش بالبكاء المر. "يا ياسمين ارجوكي سيبيني في حالي دلوقتي." قال "عمر" ذلك في لطف محاولاً إصراف "ياسمين" عنه، بينما عنّدت "ياسمين"

قائلة: "ماهو بص يا برنس أنا مستحيل هاسيبك في الكآبة دي، مش كفاية البيت كله كئيب!! "يا برنس!! " علّق "عمر" باستغراب جدي، فقالت بحدة مصطنعة: "آه يا برنس، إيه؟ مش عاجبك كلامي؟ "بقي في دكتورة حلوة زيك تقول يا برنس! دي لغة بين الشباب وبس." "بغض النظر عن كلمة حلوة، أولاً ده أسلوبي، ثانياً إنت لازم تخرج من الجو ده، ماينفعش كده، بكلمك بجد." أومأ رأسه قائلاً:

"حاضر حاضر هخرج، بس ادخلي إنتِ بقي جوه وسيبيني أقعد مع نفسي في هدوء شوية." همهمت قائلة: "هممم، لهجتك بتقول العكس، عشان كده هفضل هنا وأحرمك من الهدوء يا سيد عمر." عض على شفتيه بغيظ ثم نظر إليها ملياً، فلم يستطع منع نفسه من الابتسام، فابتسمت "ياسمين" بدورها وقالت: "أيوه كده.. عارفة إني غيظتك ورزلت عليك بس طلعت بنتيجة إيجابية في الآخر وهي إنك ابتسمت." ثم تنهدت وتابعت:

"كده بقي أقدر أسيبك تقعد مع نفسك في هدوء زي ما كنت عايز." ثم التفتت وكادت تذهب فاستوقفها قائلاً: "استنى." استدارت إليه مجدداً ورمقته في تساؤل، بينما ظل ينظر إليها باسمًا وكاد يتكلم، فقاطعه صوت رنين هاتفها. أخرجت هاتفها ثم قالت قبل أن تستدير وتتركه: "يلا تصبح على خير." ثم فتحت الخط ومضت في سبيلها إلى الداخل، لكنه سمعها تدعو المتصل بـ"أيمن". فقطب حاجبيه عابساً ثم تساءل.. من هذا أيمن؟

كان باب المكتب مفتوحاً، وأنوار المصابيح تضيء أغلفة الكتب الجلدية المرتبة على الرفوف الخشبية العالية التي كانت تصل إلى سقف الحجرة، حين دلفت "داليا" حاملة كوباً من القهوة ونظرت إلى وجه "عز الدين" الجالس وراء مكتبه. كانت ملامحه راكدة تكسوها مسحة ألم غاضبة دفعت "داليا" إلى الابتسام علّها تخفف عنه. تقدمت صوبه فانتبه لوقع خطواتها ونظر إليها عابساً، فابتسمت وهي تضع أمامه كوب القهوة قائلة:

"حضرتك بتشتغل من الصبح فقلت أعملك قهوة تساعدك على التركيز." قالت ذلك ثم اتجهت صوب أريكة جلدية توسطت حجرة المكتب فجلست فوقها قائلة: "تضايق لو قعدت؟ رمقها باستهزاء ساخر ثم نهض وترك لها المكتب بأكمله! فتنهدت بثقل، ولكنها أصرت على إثارة أي حديث معه فقط لابد أن يتكلم ولا يظل صامتاً هكذا. نهضت وتبعته إلى الغرفة، لكنها لم تجده حين دخلت!

ثم فجأة سمعت صوت هدير المياه بالحمام، فعلمت أنه يتحمم، مما أراحها قليلاً وجعلها تبتسم. يبدو أنه يجاهد في التخلص من كآبته. ازدادت ابتسامتها اتساعاً فاتجهت إلى الخزانة وراحت تعد له ملابس، إلا أنها توقفت فجأة عندما سمعت صوت هاتفه يطلق نغمته الصاخبة معلناً عن وصول رسالة جديدة. احتقن وجهها بغضب، فعين تعلم أن لا أحد يرسل إليه الرسائل في هذا الوقت سواها. وبكل الكره الذي تحمله لها بداخلها تقدمت صوب الفراش وتناولت الهاتف، ثم فتحت الرسالة لتقرأ كلمتين

أثارتا غيرتها وغيظها: "وحشتني أوي". لم تعلم كم مر عليها من الوقت وهي ممسكة بالهاتف تتأمل الرسالة الوجيزة والغيرة تنهش قلبها، حتى أفاقت على صوته: "بتعملي إيه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...