بعد ساعات الصباح الأولي التي قضتها "عبير" في دراسة منهجها، ارتدت ملابسها وتأنقت للغاية، ثم ذهبت للقاء صديقتها "ريم" في كافيتريا. كانت أول مرة تنفرد فيها بـ "ريم" منذ زواجها من "خالد"، كما كان لديها أشياء كثيرة تود محادثتها عنها. -إيه يا بنتي جبتيني على ملا وشي من الشغل لحد هنا؟ خير في إيه؟ قالت "ريم" ذلك متسائلة، فأطلقت "عبير" ضحكة صغيرة ثم أجابتها في هدوء:
-ما فيش حاجة يا ريم، وحشتيني بقالي فترة ماشوفتكيش، فقلت أجيبك هنا نقعد سوا شوية. إنفرج ثغر "ريم" بإبتسامة بسيطة، ثم أومأت رأسها متفهمة، بينما تنحنحت "عبير" ثم ازدردت ريقها في توتر، وقالت: -وكمان كنت عايزة أحكيلك على موضوع كده. -خير؟ سألتها "ريم" في ارتياب قلق، فحملقت "عبير" بعينيها في ثبات، ثم راحت تسرد عليها بآلية خطتها الشيطانية، كيف بدأت، وإلى أين وصلت. -نهارك أسود ومهبب!
صاحت "ريم" في صدمة بالغة، وقد اتسعت حدقتاها بشدة، ثم تابعت بعصبية: -يخربيتك يا عبير.. انتي اتجننتي؟ إزاي فكرتي تعملي كل ده؟ معقول! انتي مابتحرميش؟ أغمضت "عبير" عينيها لبرهة، ثم عادت تنظر إليها قائلة بصوت خفيض: -طيب.. ممكن تهدي بس؟ أنا هفهمك آاا.. -هتفهميني إيه؟ قاطعتها "ريم" بقوة، ثم صمتت لثوان، وقالت بلهجة جامدة تحذرها: -اسمعي يا عبير.. انتي بتلعبي بالنار، والمرة دي محدش هيسمي عليكي، وكله هيبقي ضدك، فاهمة؟
محدش هيرحمك. -يا ريم اسمعيني الأول طيب.. أنا لسه ماخلصتش كلامي. هتفت "عبير" في حنق، وقد علا صوتها، فصمتت "ريم" في انتظار ما ستفضي به "عبير"، بينما تنفست "عبير" بعمق، ثم عادت تقول بنبرة هادئة: -فعليًا يا ريم علاقتي بيه ما وصلتش لأي مدى فكرتي فيه، يعني ماتخطتش حدودي. -اومال اللي حكيتيهولي ده يبقى اسمه إيه؟ -أقولك. هتفت "عبير" باسمة، ثم راحت تسرد عليها باقي خطتها. وبعد أن فرغت، تطلعت إليها "ريم" في دهشة، ثم هزت
رأسها وهي تقول في تردد: -لأ يا عبير.. لأ برضه ماينفعش اللي انتي بتقوليه ده، ده كمان خطر، تخيلي النتائج كده هتكون إيه؟ لأ لأ ماينفعش لازم توقفي اللعبة دي. -أوقف إيه بس؟ هتفت "عبير" مستنكرة، ثم تابعت: -أولًا دي فرصة هتخليني أحدد أنا عايزة إيه بالظبط من غير ما أندم على أي قرار هاخده، ثانيًا بقي خلاص فات الأوان. -يعني إيه؟ سألتها "ريم" مترقبة، فابتسمت "عبير" في خبث قائلة: -كل حاجة هتتم بكرة زي ما خططتلها بالظبط.
-شاطر يا عموري.. حلقت دقنك أخيرًا مش مصدقة. قالت "ياسمين" ذلك، وهي تقف مستندة إلى ذلك اللوح الخشبي الذي حمل تلك المرآة الطويلة، بينما وقف "عمر" أمام المرآة، ينظر إلى وجهه من كل جانب، ثم وجه بصره نحوها، وقال باسمًا في عفويته المحببة: -حلقتها عشان خاطرك والله يا سو يا حبيبتي. قهقهت "ياسمين" في مرح، ثم عادت تقول ممازحة:
-أنا كنت حباك لما كنت عامل فيها متسول، كان شكلك لذيذ بصراحة، أما وانت نضيف دلوقتي شكلك بقى مش حلو خالص خالص يعني. -لا والله! هتف متهكمًا وهو يرمقها بنصف ابتسامة، ثم تابع وهو يقترب منها ببطء: -بقي أنا كنت متسول يا ياسمين؟ أخذت تتراجع إلى الخلف حتى التصق ظهرها بالحائط، فأجابته باسمة: -أيوه يا عمر كنت متسول.
كان قد وصل إليها، فوضع كلتا يديه على الحائط إلى جانبي رأسها، حيث حاصرها بين ذراعيه، ثم ابتسم، فظهرت أسنانه البيضاء الناصعة المتناسقة، وعاد يقول في خبث: -طيب طالما كده بقي فأنا أكيد هكون معذور. -معذور!! رددت "ياسمين" مستغربة، فأكد "عمر" عبارته قائلاً: -أيوه معذور.. ما المتسولين يا حبيبتي أغلبهم مجانين، والمجانين في تصرفاتهم لا عليهم لوم ولا حرج، اعتبريني مجنون. وكاد يقترب منها أكثر، فرفعت كفها إلى صدره، وأوقفته
قائلة بإبتسامة جامدة: -عندك يا عمر. -مش قوللتلك اعتبريني مجنون يا سو؟ -اتجنن على نفسك يا حبيبي. -الله.. يا حبيبي.. قوليها تاني ونبي. قال "عمر" باسمًا وبدا مستمتعًا باللعبة، فحذرته "ياسمين" بإبتسامة واثقة: -كفاية كده يا عمر. -مش سايبك إلا لما تقوليها تاني. -انت مش قدي يا عمر. -مش سايبك يعني مش سايبك هه. تنهدت "ياسمين" بنفاد صبر، ثم فجأة تحولت تعابير وجهها، فصاحت: -داليا!
انتفض "عمر" على أثر صيحتها، والتفت خلفه ليرى زوجة أخيه، فيما انسلت "ياسمين" من مكانها ضاحكة، ثم قالت وهي تعدو مهرولة إلى الخارج: -قلتلك انت مش قدي يا عمر. بينما ملأت البسمة قسمات وجه "عمر" وهو يراقبها حتى توارت عن ناظريه. -يعني انت أخدت الميعاد خلاص ورايح تقابله بكرة زي ما قولتلي؟ قالت "عبير" ذلك متسائلة، وهي تخاطب الدكتور "أمجد" هاتفيًا، فأجابها في هدوء، وقد غمر السرور صوته:
-أيوه يا عبير، بكرة الساعة 10 ميعادي مع مدير الشركة على حسب ما قالت السكرتيرة. تحركت "عبير" في توتر، ثم عادت تسأله: -طيب يا ترى بقى محضر كلمتين؟ عارف هتقوله إيه يعني؟ أصل أخويا مابيحبش اللف والدوران، يعني نصيحة لازم تعمل بيها، تعالاله دوغري. -مش فاهم! قصدك يعني أطلب إيدك على طول من غير مقدمات؟ -أيوه. صاحت "عبير" موافقة، ثم تابعت: -هو ده بالظبط. -من غير حتى ما أقدم نفسي يا عبير؟ قال "أمجد" مستنكرًا، فأجابته "عبير"
متأففة: -أكيد يعني هتعرفه على نفسك الأول يا أمجد. ثم صمتت لبرهة، وأضافت: -المهم تدخل في الموضوع بسرعة زي ما قلتلك. -يعني خلاص استحليت العيشة عندك؟ قال "خالد" ذلك متذمرًا، وهو يخاطب "عز الدين" هاتفيًا، بينما على الطرف الآخر أجابه في برود: -أنا راجع بعد بكرة خلاص، المهم قولي، أخبار الشغل إيه؟ -كله تمام يا سيدي، بس انت اتأخرت أوي، كل ده بتوقع عقود الصفقة يا راجل؟
وبعدين استنى قبل أنسى، إيه اللي منشور عنك انت وجومانة خطاب في الجرايد والمجلات ده؟ -إيه المنشور؟ -مكتوب إن علاقتكوا القديمة رجعت تاني، صحيح الكلام ده؟ أجابه في غموض: -انت عارف كلام الصحافة. -يعني الكلام ده صح ولا إيه؟ -مش مهم يا خالد، أنا ماسافرتش أعمل غراميات، أنا سافرت أخلص شغلي. -ماشي يا خويا، أهم حاجة بس ترجع بسرعة لأني واقف هنا لوحدي بقالي أسبوع ومش عارف أمشيها لوحدي.
-ما خلاص بقى يا خالد كفاية زن، قلت راجع بعد بكرة. تنهد "خالد" بثقل، ثم عاد يقول في هدوء: -خلاص ماشي يا عز، ترجع بالسلامة. ثم أغلق الخط معه، ليتصاعد رنين هاتف المكتب بعد قليل، فرفع "خالد" السماعة مجيبًا، فأتاه صوت السكرتيرة الخاصة بمكتب المدير: -الأستاذ أمجد شكري وصل يا فندم. -طب دخليه يا دينا من فضلك.
ثم وضع السماعة مجددًا، بينما فتحت "دينا" باب المكتب المزدوج، وأفسحت الطريق لأمجد، الذي دلف متوجهًا بخطى ثابتة نحو ذلك المكتب الذي جلس فوقه مدير الشركة المؤقت، فيما نهض "خالد" واقفًا، ثم صافح الزائر بأدب قائلاً: -أهلًا وسهلًا. ثم تابع، وهو يشير إليه بالجلوس: -اتفضل اقعد.
امتثل "أمجد" لقوله وجلس، بينما سأله "خالد" إذا كان يريد شرابًا أو أي شيء، فاعتذر "أمجد" بلباقة، فيما انسحبت السكرتيرة في هدوء، بعد أن تلقت أمرًا بالانصراف. -حضرتك اتصلت بمكتب استعلاماتنا وطلبت مقابلة شخصية، خير؟ قال "خالد" ذلك في هدوء باسمًا، بينما تنحنح "أمجد" ثم صوب نظره إلى عينيه، ثم راح يقدم نفسه: -أنا اسمي أمجد حسين شكري، معيد في الجامعة، وأخذت الدكتوراه من سنتين. رمقه "خالد" مستغربًا، فابتسم "أمجد" وتابع:
-عندي طالبة في المدرج مجتهدة ومتفوقة جدًا، اسمها عبير فريد نصار. عند ذلك تطلع إليه "خالد" مقطبًا، بينما أضاف الأخير: -الحقيقة أنا جاي أطلب إيدها للجواز.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!