طوال الطريق إلى القصر قاد خالد سيارته بسرعة جنونية حتى وصل بعد ما كاد يفعل أكثر من حادث. انفتحت إليه الأبواب سريعًا تحت تأثير بوق سيارته المرتفع والمستمر، فاندفع إلى الداخل وصف السيارة بساحة القصر في عشوائية، ثم ترجل راكضًا صوب باب المنزل وضغط زر الجرس في عصبية، وما هي إلا لحظات وانفتح الباب لتظهر فاطمة من خلفه بوجه مذعور، بينما تخطاها خالد مندفعًا نحو الدرج قاصدًا غرفة عبير.
وصل أمام الغرفة ودفع الباب بعنف، انتفضت عبير التي كانت تقف أمام خزانتها على أثره، بدت وكأنها عادت للتو من الخارج، فيما تقدم خالد نحوها بخطى واسعة غاضبة حتى وصل إليها، فأطبق يديه على كتفيها النحيلتين بقوة، ثم صاح بنبرة مرتفعة وقد اشتعل صوته بعنف حارق: -بعت لي واحد يطلب إيدك مني؟ بقي أنا طلقتك؟ تطلعت إليه في خوف من فرط عصبيته، لم تتوقع أنه سيصل إلى تلك الدرجة، بينما تابع في عنف وهو يهزها بلا رحمة: -إنتي إيه؟
ما تعلمتيش حاجة من اللي حصلك؟ معقول! ما تغيرتيش؟ لسه زي ما إنتي؟ جفلت عبير مضطربة، ثم خرج صوتها خائفًا مبحوحًا: -إنت.. إنت بتقول إيه يا خالد؟ أنا مـ.. -إنتي تخرسي خالص. قاطعها بقوة، ثم تابع يقول غاضبًا: -شكلي كنت غلطان لما صدقت إنك فعلاً اتغيرتي واتعلمتي من اللي حصلك. ثم أضاف في مرارة ساخرة:
-لما سبتيلي البيت ورجعتي تعيشي هنا، كنت أنا بندم كل يوم إني فضلت بعيد عنك لحد ما خليتك توصلي لكده وتسيبيني. كنت ناوي أجي لحد عندك أعتذرلك وأترجاكي كمان عشان ترجعي معايا البيت، بس اللي حصل بقي إني اتفاجئت، اتفاجئت إنهاردة لما اكتشفت إنك لسه زي ما إنتي ماتغيرتيش، وكنتي طول الوقت ده بتمثلي عليا.. كنتي ساكتة عليا بس عشان توصلي لكل ده وتخلصي مني بإرادتي وتبقي إنتي الضحية في الآخر.
حديثه أوجعها أكثر مما أوجعتها أصابعه المنغرزة في كتفيها، فكادت تتكلم لتدافع عن نفسها أو تعزز موقفها، ولكن أسرع هو قائلاً: -للأسف يا عبير صدقتك.. وبجد إنتي ما تستحقيش أبدًا الحب اللي كنت شايلهولك في قلبي طول السنين اللي فاتت دي كلها، ما تستحقيش صبري عليكي من وإنتي لسه بنت صغيرة، ربيتك على إيدي واستنيتك كتير لحد ما كبرتي، وفي الآخر تكون دي مكافأتي!
أحسها تجفل داخليًا كما لو أنه صفعها بكفه، لكنه لم يآبه لأحاسيسها المنجرحة، بل سدد إليها ضربة قاسية أخرى طعنت قلبها: -أنا فعلاً ندمان إني حبيتك. ثم احتذ صوته واكتسب نبرة حقد مكثفة وهو يتابع: -بس أيًا كان اللي حصل.. إنتي بردو ليا أنا وبس، مستحيل اسمح لحد ياخدك مني تاني، المرة دي هتبقي ليا لوحدي يا عبير.
ثم قبض على رسغها وجرها خلفه في عنف متجهًا صوب باب الغرفة، بينما لم تدرك ما يحدث إلا عندما رأته يتجه بها نحو الدرج، فناضلت من أجل إبعاده عنها دون جدوى، فصرخت به: -سيبني يا خالد.. هتوديني فين؟ بقولك سيبني.. سيبني. لم يبالي بصراخها، ولكن التفت إليها وطوق خصرها النحيل بإحدى ذراعيه، ثم رفعها عن الأرض وهبط بها الدرج في خفة مسرعًا، بينما راح يعلو صوت صياحها ونواحها وهي تهتف مستغيثة باسم شقيقها:
-يا عمـــــــــــر.. يا عمـــــــــــر.. يا عمـــــــر. *** على الطرف الآخر، فرغت داليا من حديثها، فبدت اللحظات دهرًا، وياسمين تحدق في عبس بوجه شقيقتها المليء بالتعاسة، وأخيرًا استطاعت بشق النفس أن تقول: -إنتي اتأكدتي من الكلام ده؟ هزت داليا رأسها نفيًا وهي تحدق أمامها في اللاشيء، فصاحت ياسمين في جمود قائلة: -يبقي تتصلي بيه دلوقتي حالًا وتتأكدي. رمقتها داليا في استنكار متخاذل، ثم قالت: -ما بيردش عليا.
-يعني إيه ما بيردش عليكي؟ هتفت ياسمين في عصبية بالغة، ولكنها سيطرت على انفعالها وغضبها حيث تنفست بعمق، ثم عادت تقول بنبرة أقل حدة: -طب خلاص.. لما يرجع تبقي تواجهيه بالكلام ده وتشوفي هيقولك إيه. قطبت داليا حاجبيها، ثم قالت واهنة: -مش هاينفع أعمل كده يا ياسمين على الأقل دلوقتي، إحنا لسه بينا مشاكل من ساعة ما جبناله أمه لحد هنا. تنهدت ياسمين مغتاظة من رد فعل شقيقتها، بينما سمعا صوت صراخ يزداد ارتفاعًا آتٍ من الخارج:
-إيه الصوت ده؟ هتفت داليا في تساؤل، ثم هبت واقفة واتجهت نحو باب الغرفة لتستكشف الأمر بنفسها، فتبعتها ياسمين عابسة: -في إيه يا فاطمة؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ قالت داليا ذلك متسائلة وهي تقف مستندة إلى درابزين الدرج بالطابق العلوي، فرفعت فاطمة رأسها عاليًا وأجابتها: -ده خالد بيه.. جه أخد الست عبير ومشي. -أخد عبير ومشي!! رددت داليا مقطبة، ثم عادت تسألها: -طب مين اللي كان بيصرخ؟ -الست عبير هي اللي كانت بتصرخ. -كانت بتصرخ ليه؟
هزت الفتاة كتفيها قائلة: -ماعرفش. بينما تبادلت داليا نظرات التساؤل والاستغراب هي وشقيقتها. *** عندما وصلا إلى المنزل، حملها بين ذراعيه وتوجه بها نحو الدرج، بينما لم تكف عن مقاومته بشراسة محاولة الفكاك منه، ولكن كل محاولاتها باءت بالفشل، إذ كان مصممًا على موقفه مهما كلف الأمر. فيما كانت يداه تحرقان جسدها، كما كان وجهه صارمًا للغاية وهو يصعد بها درجات السلم المؤدي إلى الطابق العلوي حيث توجد الغرف.
لم يتجه بها إلى غرفتها هذه المرة، بل توجه نحو غرفته هو، فجف حلقها وراحت ترتجف في كل أنحاء جسدها، ومن دون أن يلفظ كلمة، دخل إلى الغرفة وأغلق الباب خلفهما بركلة من قدمه، ثم وضع عبير على قدميها أمامه في هدوء. فتخلصت هي من ذراعيه في عصبية بالغة، ثم اشتبك نظرها بنظره، والتقى عيناه السوداوان كقعر بئر بعينيها الرماديتين المذعورتين، فيما انفرج ثغره بابتسامة ساخرة لدى رؤيته نظرات الرعب تتقافز من عينيها، وأخيرًا
نطق فقال في جمود خبيث: -وأخيرًا.. بقينا لوحدنا. ثم شرع في فك أزرار قميصه مؤكدًا عزمه على نيل ما يريد، فاتسعت عينا عبير في توجس حذر عندما رأته عاري الصدر بعد ما نزع قميصه وألقاه بإهمال على الفراش، فيما تابع في تهكم متسائلاً: -مالك يا عبير؟ خايفة من إيه؟ -إنت عايز إيه يا خالد؟ سألته في ارتياب، فأجابها بنظرة ثاقبة ولهجة مصممة: -عايزك إنتي يا عبير.
وفي عنف، جذبها إلى صدره وشد ذراعيه حولها، فلم تكن قادرة على التخلص من قبضته الفولاذية، بينما راح يعانقها بقوة شديدة وكأنه يريد إهانتها، لم تستسلم عبير إليه، بل ظلت تغالبه وهي تتمتم بعبارات الرفض، فأبعد خالد وجهه عنها قليلًا كي يواجهها، ثم سألها ساخرًا، بينما لا تزال مسجونة بين ذراعيه: -ليه الخوف ده كله يا عبير؟ أظن الحكاية مش جديدة عليكي، خايفة كده ليه؟ دي مش أول مرة بالنسبة لك يعني.
ارتسم على وجهها وشاح مرير أعتم قلبها، فقد أصاب منها وترًا حساسًا للغاية وأحيا جروحًا كان قد التئمت.
فتشنجت عضلاتها، كما راحت تتخبط بين ذراعيه طالبة إطلاق سراحها، فأفلتها خالد فجأة ومعالم الازدراء تكسو وجهه، بينما صوبت نظرها تجاه باب الغرفة، فحذر رغبتها في الهرب، وقبل أن تخطو خطوة واحدة، قبض على رسغها بقوة، وفي اللحظة التالية كانت تتأرجح بدوامة غريبة، إذ شعرت بسحابة فستانها الربيعي تنسحب عندما أمسك خالد بالقماش الناعم ومزقه على طوله، ثم ألقاه أرضًا في اشمئزاز، ثم راح يجردها من باقي ملابسها.
كانت عبير مصدومة من هذا العنف الرهيب، حتى أنها لم تحاول إخفاء عريها، لم تقدر على أكثر من إصدار صرخة مخنوقة، فيما أطبقت يدا خالد على كتفيها العاريتين كمخالب حيوان مفترس، ثم قال بلهجة قاتمة حازمة ونظرة تملك في عينيه: -هتكوني ليا المرة دي يا عبير مش لحد غيري، مهما عملتي هتكوني ليا وبالطريقة اللي أنا عايزها. ثم دنا بوجهه من وجهها، والتهما شفتيها بوحشية.
وبالفعل، كانت له هذه المرة كما قال، دون مقاومة أو رفض من قبلها، انتزع منها ما لم يكن من الممكن أن تمنحه إياه برضاها، كما اعتبرها مجرد آلة لإشباع رغباته! والآن، وبعد أن انتهى منها، لم تشعر بانسحابه، فقط ظلت ممدة على الفراش في صمت، دون حركة، كأنها تمثال من مرمر، فقد عراها روحًا وجسدًا، ولم تتخيل أن الأمر سيصل بها إلى تلك الحالة.
أغمضت عينيها بقوة محاولة الهرب من واقعها المرير، بينما كانت دموعها تنساب غزيرة في منتهى الهدوء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!