الفصل 45 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
35
كلمة
3,285
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

هزت "داليا" رأسها وهي تنظر في توجس إلى "عمر". عليها أن تستفيق وتهرب من هذا الحلم المرعب الذي يهدد بضياع عقلها. فأغمضت عينيها بشدة على أمل أن تكون نائمة حقاً. لكنها متأكدة بأنها في كامل وعيها. ففتحت عينيها وحدقت بـ"عمر" وهي تود أن تعرف الحقيقة. فربما كان يمزح معها. ولكن مستحيل أن قناع الرعب هذا المرسوم على تلك القسمات اللطيفة التي تعرفها أن يكون مصطنعاً.

وكادت تنطق لولا دخول "خالد" في تلك اللحظة بوجه مكفهر أيضاً. بينما خطى "خالد" تجاههما قائلاً في توتر: -عرفتوا اللي حصل ولا لسا؟ باغته "عمر" مسرعاً: -أنا لسا عارف حالا. أنت عرفت ازاي؟ -كلموني من المطار. لسا مابلغوش الصحافة والإعلام. أجابه متوجساً. فيما أتت "ياسمين" في تلك اللحظة. وأقبلت نحوهم. فعبست مستغربة. ثم تساءلت: -في إيه يا جماعة؟ مالكوا؟ أجابها "عمر" بإيجاز. فشُهقت "ياسمين" في وجل. بينما نطقت "داليا" أخيراً.

فقالت بصوت محشرج: -مش ممكن اللي بيحصل ده. مستحيل تكون إشاعة أو بلاغ كاذب. هز "خالد" رأسه مضطرباً. ثم أجابها بثبات: -لأ يا داليا ده مش بلاغ كاذب ولا حاجة. أول ما الطيارة طلعت من ميلانو في ناس بلغوا عن قنبلة مربوطة في عجل الطيارة. -يعني إيه؟ سأله "عمر" بوجه شاحب. فأجاب "خالد": -يعني الطيارة لو حطت على أرض المطار أو في أي حتة تانية هتنفجر. ساد صمت مطبق بين الجميع. قطعه صوت "خالد" الذي أضاف:

-عشان كده الكابتن غير مسار الطيارة وهي داخلة على القاهرة. -قصدك إنهم هيفضلوا في الجو لحد ما يلاقوا القنبلة؟ سألته "ياسمين" فأجاب: -أيوه. لازم يفضلوا في الجو لحد ما يلاقوا القنبلة ويبطلوا مفعولها. بس يا ريت الوقت يسعفهم وإلا البنزين ممكن يخلص منهم. وقع كلامه على "داليا" مميتاً. فارتخت ساقاها. بينما أسرعت "ياسمين" إليها وأحاطتها بذراعها وحاولت تهدئتها. فيما قال "عمر": -طب إحنا هنفضل واقفين هنا يعني ولا إيه؟

مش المفروض نروح المطار؟ أومأ "خالد" رأسه قائلاً: -آه طبعاً. أنا كنت جاي آخدكوا وأنا رايح. يلا بينا. وبمجرد وصول عائلة الـ"نصار" إلى المطار. أحسوا بجو التوتر والمأساة. إذ أقيمت نقاط تفتيش في طرق الوصول. حيث أخذت الشرطة ترد الفضوليين والباحثين عن الإثارة لغرض سبق صحفي. فقدم "خالد" بطاقته الشخصية. فسمحوا له ولبقية أفراد العائلة بالمرور.

وفي ردهة انتظار المسافرين. أقيمت شاشات لإذاعة الأنباء. وبدأت التقارير تظهر على الشاشات وكل منها يضيف معلومة. بينما كان الخبر يذاع بواسطة إحدى المذيعات التي ظهرت على شاشات العرض قائلة بصوت عميق متزن:

"أيها السيدات والسادة. جاءنا الآن خبر هام وعاجل. لقد ورد تقرير توا لشركة مصر للطيران عن وجود قنبلة تهدد طائرة نفاثة تطير حالياً حول مدينة القاهرة بلا هدف محدد لحين العثور على المتفجرات المدسوسة بجهاز الهبوط الخاص بالطائرة. إذ تلقت الشرطة المصرية خلال الساعة الماضية رسالة جاء فيها أن قنبلة وضعت في الطائرة وإذا تم الهبوط بأي مدرج أرضي ستنفجر في الحال. الطائرة عائدة من مدينة (ميلانو)

الإيطالية في رحلة عادية. وتحمل 140 راكب وطاقمها المكون من 11 فرد. ولم تذع أي تفاصيل أخرى. لكن السلطات المصرية لا تعتبر الأمر خدعة". أحست "داليا" برجفة وهي تسمع الأخبار. بينما راح الضجيج يملأ الغرفة المليئة بالأغراب الذين قربتهم معاً الرابطة المشتركة من الخوف والتوتر. ومر الوقت بطيئاً. واقترب منتصف الليل. ثم فجأة أعلنت المذيعة باسمة هذه المرة:

"أيها السيدات والسادة. جاءنا البيان التالي. لقد باتت الطائرة في مأمن الآن. وستهبط إلى مدرج مطار القاهرة الدولي خلال عدة دقائق. والآن وأخيراً. يمكن أن نطمئن الجميع على المائة وأربعون راكب على متن الطائرة التي كانت تجوب السماء منذ الساعة التاسعة والنصف مساء هذا اليوم. وأخيراً نأمل جميعاً أن تهبط الطائرة في سلام".

عند ذلك بدأ الجميع يتصايحون فرحاً. ويتعانقون. ثم تدافعوا ليشاهدوا لحظة هبوط الطائرة بقلب واجف وهم لا يزالون خائفين. بينما سارعت عربات الطوارئ تتخذ مواقعها تحسباً لأي خطر قد يقع دون سابق إنذار. فيما أرهفت "داليا" سمعها. وركزت بصرها على السماء. ثم فجأة صاح "عمر": -آآآهيه. آهيه الطيارة نازلة.

وتنهد الجميع فرحاً. بينما بدأت الطائرة تقترب. ثم هبطت رويداً رويداً. حتى نزلت عجلاتها في يسر على الأرض. وبدأت تتقدم إلى المدرج وهي تبطئ من سيرها حتى توقفت تماماً.

فيما بدأ رجال الأمن في إخراج أقرباء المسافرين إلى قاعة الانتظار. فتذرعت "داليا" بالصبر حتى خرج أخيراً طابور المسافرين أفواجاً. فراحت تبحث بعينيها عن زوجها في جنون حتى وقع بصرها عليه. كان آخر من ظهر بالطابور. ولم يتجه نحو عائلته مباشرة. بل انضم إلى رجال الأمن ووقف يتحدث إليهم لدقائق. ثم أخيراً توجه نحو عائلته. وكانت البسمة الذابلة تعلو وجهه. فقد بدا مجهداً إلى أقصى حد. فيما اندفع "عمر" مسرعاً نحوه وعانقه بقوة متمتماً

في حرارة: -حمدلله على سلامتك يا عز. الحمدلله إنك رجعتلنا بالسلامة. ابتسم "عز الدين" من قلبه. وربت على ظهر شقيقه بلطف. ثم توجه إلى "خالد" الذي باغته بعناق قوي أيضاً. ثم أخيراً توجه إلى "داليا" التي فاضت الدموع من عينيها غزيرة وهي تحدق به ملياً غير مصدقة أنه عاد سالماً. بينما منحها ابتسامة بسيطة. ومد يده جاذباً إياها إلى صدره. ثم عانقها بقوة هامساً بأذنها: -خلاص يا داليا. كفاية عياط. أنا رجعت يعني ما مت.

توقفت "داليا" عن البكاء بصعوبة. ثم ابتعدت عنه قائلة بصوت مختلج: -حمدلله على سلامتك يا عز. -حمدلله على السلامة. قالتها "ياسمين" باسمة. فمنحها "عز الدين" البسمة عينها. بينما صاح "خالد": -طب يلا يا جماعة نلحق نمشي من هنا بسرعة قبل بتوع الصحافة يتلموا علينا.

وأسرعوا إلى خارج المطار في الحال قبل تجمهر الصحفيون حولهم. ولكن حين وصلوا إلى القصر كان هناك قدر لا يستهان به من أفراد الصحافة ووسائل الإعلام. فترجل "خالد" من السيارة متأففاً وتولى أمرهم. ونجح في صرفهم. ثم عاد إلى السيارة من جديد وقاد في اتجاه ساحة المنزل. وعندما ترجل "عز الدين" من السيارة. أشرق وجهه بابتسامة عريضة حين رأى جميع أفراد الخدم والحرس يقفون في انتظاره أعلى الدرج المؤدي إلى باب المنزل وبسمة الفرحة تعلو وجوههم. فشكرهم "عز الدين" على محبتهم بلطف بالغ. بينما أتت "عبير" في تلك اللحظة من الداخل مهرولة. ثم ألقت بنفسها بين ذراعي شقيقها منتحبة.

فربت "عز الدين" على شعرها بحنان قائلاً: -بس يا عبير. خلاص بقي مانا كويس قدامك أهو. كفاية بقي أنا مش قادر أقف على رجلي. ربتت "عبير" على صدر أخيها. ثم ابتعدت عنه متمتمة والدموع تنهمر على وجنتيها: -يا حبيبي حمدلله على سلامتك. ده أنا كنت هجنن عليك. ما كنتش مصدقة. حمدلله على سلامتك يا عز.

مسح "عز الدين" على شعرها بحنان. ثم أخذ طريقه إلى الداخل. ثم إلى غرفة الجلوس. وألقى بثقله متعباً فوق أقرب مقعد وثير. فأغمض عينيه مرهقاً. بينما أخذ الجميع أماكنهم من حوله. والتزموا الصمت تماماً حتى استعاد هو بعضاً من قوته. فيما أتت "فاطمة" في تلك اللحظة حاملة بين يديها كأساً معبأ بالعصير الطازج وقدمته إلى "عز الدين" الذي تناوله من يدها باسماً. ثم شربه كله دفعة واحدة وأعاد لها الكأس فارغاً. فسألته إذا كان يريد شيئاً آخر. فشكرها نافياً. فاستأذنت هي وانسحبت في هدوء.

-إيه اللي حصل بالظبط بقي احكيلنا؟ قال "خالد" هذه الجملة متسائلاً. فنظر "عز الدين" إليه. ثم تنهد وأجاب:

-بعد ما الطيارة طلعت من ميلانو. وصلت مكالمة طوارئ للكابتن من مطار القاهرة. مضمونها كان إن في قنبلة مدسوسة جوه شنطة من شنط حد من الركاب. فأمر الكابتن مجموعة من طاقم الأمن بتفتيش كل الشنط كويس وبسرعة بس من غير ما يحسسوا الركاب بأي حاجة. ولما مالقوش القنبلة اضطروا يفتشوا الركاب نفسهم. وكان اللي يسأل يجوبوه دي مجرد إجراءات أمنية. لحد ما وصلت المكالمة التانية للكابتن من مطار القاهرة بردو. وبلغوه المرة دي إن القنبلة مربوطة في عجل الطيارة وده معناه إن الطيارة أكيد هتنفجر في لحظة الهبوط. وساعتها الكابتن اضطر يبلغ الركاب بكل الحقيقة.

ثم صمت للحظات وتابع: -الناس كلها ماتت فعلاً. بس من الرعب. ومن رعب الانتظار أكتر. هي كانت تجربة صعبة جداً. بس بردو كانت مفيدة. كل واحد في الطيارة اتعلم حاجة من التجربة دي. إحنا رجعنا من الموت و.. -طب والقنبلة! محدش قال عنها أي أخبار قبل ما ترجعوا؟ هتف "عمر" متسائلاً. فأجابه "عز الدين": -البلاغ كان كاذب. ما كانش في قنبلة ولا حاجة. نظر الجميع إليه مشدوهين. بينما تابع "عز الدين":

-كانوا عايزين يوصلوا رسالة لحد معين معانا على الطيارة. -هما مين دول؟ ومين اللي كانوا يقصدوه؟ قالها "خالد" متسائلاً باهتمام. فأجابه "عز الدين": -جماعة إرهابية. بتدعمها دولة أوروبية. مكلفة باغتيال نزيه التوني. ده اللي اتعرف النهارده بس. -نزيه التوني!! ردد "خالد" مقطباً. ثم صاح: -بتاع الحديد والصلب؟ أومأ "عز الدين" رأسه قائلاً: -هو. -طب هما الناس دول عايزين يقتلوه ليه؟

ولو عايزين يقتلوه ياخدوا في سكتهم ناس أبرياء مالهمش ذنب!! -المعروف عن الجماعات دول القوة. والقوة بتشمل الحرب. والحرب كل حاجة فيها مشروعة. -حرب مع مين؟ -مع البلد طبعاً. نزيه التوني ده درع قوي جداً للبلد. خادم الاقتصاد بصورة عالية. مش بس عشان مجموعة شركات الحديد والصلب اللي جوه مصر. لأ. عشان كمان مجموعة شركات التجارة والصناعة العالمية اللي برا مصر. -لا حول ولا قوة إلا بالله! طب ما هما كده ممكن يحاولوا يغتالوه تاني.

-الداخلية عينتله طقم حراسة أول ما طلع من المطار. وربنا يستر. لفظ عز الدين كلماته الأخيرة في تكاسل، بينما تنهد خالد في أسف. ثم قال: -طيب يا عز.. أنا هاخد عبير وهمشي دلوقتي عشان نسيبك تستريح، وإن شاء الله هنيجي الصبح نطمن عليك. جادله عز الدين بنبرة صارمة لا تقبل النقاش: -لأ، انتوا هتقعدوا هنا معانا كام يوم. -مش عايزين نزعجك، بس إحنا ممكن نيجي كل يوم نطمن عليك ونمشي تاني. -تزعجوني!

لأ، مش هاتزعجوني، بس كتر الجدال ده هو اللي هايزعجني. قهقه خالد بخفة، ثم قبل عرضه وقرر الإقامة هو وزوجته بالقصر لعدة أيام. *** -والله يا ست ياسمين حاسة إن انهاردة عيد. مش عارفة أعمل إيه ولا إيه. الدنيا مش سيعاني برجوع عز الدين بيه بالسلامة. ربنا يخلي حسه في الدنيا يا رب. قالت فاطمة ذلك مخاطبة ياسمين، فيما ابتسمت ياسمين وراحت تساعدها في طهي الطعام. ثم سألتها بلطف: -بقالك قد إيه شغالة هنا يا فاطمة؟ فأجابتها

الفتاة بعد تنهيدة طويلة: -يوووه! ده أنا تقريباً وعيت على الدنيا وأنا هنا. أمي وأبويا كانوا شغالين هنا أيام البيه الكبير ما كان عايش. ولما ماتوا عز الدين بيه مارضيش يخلي عمي ياخدني أعيش معاه. أقنعه بالفوس للأسف إنه يسبني هنا في القصر ووافق. وكنت بقي من سن الست عبير. والحق يتقال يعني، عمري ما حسيت إني خدامة أبداً في البيت ده. أهل البيت كلهم بيعاملوني كويس، إلا بس لما يكون مزاجهم مش رايق. طبيعي البني آدم بيتعصب يعني.

-ما كفاية ذكريات يا بطوط بقي. قالها عمر في مرحه المعتاد عندما دلف إلى المطبخ خلسة. ثم تابع بتذمر مصطنع: -العشا جهز ولا لسا؟ أنا واقع من الجوع. ابتسمت فاطمة بهدوء، وأجابته: -خلاص يا عمر بيه، دقايق بالظبط. -طب يلا انجزي. حول نظره إلى ياسمين وقال: -تعالي يا ياسمين عايزك في كلمتين. -عايز إيه يا عمر؟ -تعالي هقولك. قال ذلك، ثم قبض على رسغها وجذبها خلفه حتى وصلا إلى شرفة المنزل الرئيسية. فسألته: -ها؟ كنت عايز تقولي إيه؟

تنهد في غبطة، ثم أجابها باسماً، وقد لمعت عيناه حباً: -وحشتيني. -يا راجل! بذمتك ده وقته؟ -بالظبط يا روحي، هو ده وقته بالظبط. قبل ما تحصل كوارث تاني وماعرفش أقولك كل اللي في نفسي. انتي مش شايفة إن علاقتنا منظورة؟ نحس نحس يعني مش عارف ليه؟ ضربته ياسمين على صدره معاتبة، فإصطنع الألم قائلاً: -آااه بالراحة هتموتيني يا حبيبتي.. أنا بقول يعني نتجوز بسرعة بقي قبل ما النحس يمسك فينا أكتر.

-مافيش جواز يا حبيبي قبل ما أخلص دراستي، وانت كمان لازم تخلص دراستك. تأفف عمر بضيق، ثم قال متململاً، ثم قال مداعباً: -خلاص، نستني، عشان خاطر عيونك يا جميل. قضمت ياسمين شفتها، ثم قالت ضاحكة: -عمر.. ماتسبلليش. فشاركها عمر الضحك في حب. *** تنفست عبير بعمق مسرورة لوجودها بين جميع من تحب، أخويها، وزوجها، وبالقصر العائلي أيضاً. ذاك جو حميمي بعث الغبطة والدفء إلى قلبها.

فأغلقت زجاج الشرفة بغرفتها. ثم استدارت في تلك اللحظة التي دلف فيها خالد إلى الغرفة. فرمقته بابتسامة عذبة، بينما كان تعبير وجهه خاوياً. فعبست مستغربة، ثم سألته: -خالد! في حاجة؟ تطلع إليها في غموض، ثم قال بهدوء: -تعالي يا عبير.. تعالي أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم. مشت عبير إليه مقطبة، ثم وقفت أمامه مباشرة. فصمت للحظات قبل أن يقول بثبات: -أنا بقالي يومين بفكر في موضوع. -موضوع إيه؟ سألته باهتمام، فأجابها:

-أنا شايف إني زودتها معاكي فعلاً يا عبير زي ما قولتي قبل كده. غصبتك على حاجات وعاملتك معاملة سيئة جداً، وخلّيتك تحملي مني غصب عنك كمان. كادت عبير تتكلم، فأسكتها بحركة من يده، ثم تابع: -أنا قررت أحررّك مني خالص يا عبير.. أنا ما أقبلش أعيش معاكي غصب عنك بعد كده. وكمان مبقتش قادر أعاملك بقسوة من ورا قلبي. أنا اللي بتعذب مش انتي. -يعني إيه يا خالد؟ سألته بصوت مرتجف، فأجابها:

-يعني هطلقك يا عبير.. انتي طلبتي الطلاق قبل كده، وأنا هنفذلك طلبك. بس اوعديني إنك تحافظي على ابني اللي في بطنك لحد ما يتولد. ماتأذيهوش، وأنا أوعدك إني هاخده ومش هاخليكي تشوفيه أبداً لو كنتي متضايقة منه للدرجة دي يعني. تلألأت الدموع بمآقيها، فهزت رأسها قائلة: -لأ يا خالد آاا.. -انتي ما حبيتينيش يا عبير. قاطعها مسرعاً، ثم تابع بمرارة:

-انتي عمرك ما حبيتينى. أنا كنت حاسس بكده من زمان، بس كنت بكذب نفسي. الفراق أحسن ليا وليكي صدقيني. فكرت بلوعة. الفراق أفضل؟ في حين أن كل دقيقة فراق بينهما ستكون عذاباً كاوياً. فيما أجبرت نفسها على الاحتفاظ بهدوئها، وبدأت تكافح من أجل سعادتها وسلامة عقلها. فقالت بثبات: -أنا مش عايزة أتطلق يا خالد. لو كنت زعلان عشان موضوع المعيد بتاعي اللي جالك، فأنا هقولك الحقيقة.

ثم راحت تفضي إليه بالحقيقة كاملة. بينما ضيق عينيه وهو يحدق فيها. ثم قال بإيجاز وكأنه لا يرغب في إسقاط اللوم عن نفسه: -عموماً، حتى لو كان الموضوع كده مش ممكن يغير الحقيقة. انتي مابتحبينيش، وأنا ما أقدرش أجبرك تعيشي معايا غصب عنك تاني. أنا لأول مرة استعملت معاكي أسلوب مش أسلوبي يا عبير. ثم تنهد بثقل، وقال بصرامة: -هطلقك يا عبير.. هطلقك.. انتي طا... وقبل أن يكمل عبارته، وضعت كفها على فمه صارخة: -خالد!!

ثم غصت بريقها وترددت في الكلام. فأجابها بصوت مرهق جعل خفقات قلبها تتعثر: -خلاص يا عبير.. انتي مش مضطرة تضغطي على نفسك وتستحمليني بعد كده.. خلاص هطلقك. أحست بعقدة كبت متينة تنفجر في صدرها. فضربت بكرامتها عرض الحائط وركعت على ركبتيها تحت قدميه. ثم طفقت تردد كالمحمومة وهي تحدق في عينيه المذهولتين تناشدهما الرحمة أو الاستجابة: -أنا بحبك.. سامحني. مش عايزة أتطلق. والله بحبك. والله بحبك. والله بحبك.

بدا أنها لن تكف عن تكرار الكلمات كما لو أنها أسطوانة عالقة. فأطلق خالد لعنة مبحوحة. ثم ركع على ركبتيه أمامها بدوره، وأخذها بين أحضانه في لهفة حنونة. وأسكتها بعناق طويل. فشعرت ببهجة وهو يفتح لها عواطفه الكامنة. بينما شد ذراعيه حولها وهو يهمس بأذنها: -ششش بس. كفاية يا عبير. كفاية. أنا كمان بحبك أوي والله. -يعني مش هاتسيبني؟ سألته باكية، فأبتسم وأجابها: -لأ.. مش هاسيبك يا عبير. فضحكت بخفة وغرقت بأحضانه أكثر فأكثر. ***

كان الظلام قد أوغل في انتشاره بعد منتصف الليل في الخارج. عندما دلفت داليا إلى الغرفة ووجدت زوجها يمضي بعض الوقت مع ابنه. فابتسمت ببساطة وهي تراقبهم. ثم فكرت بالأمر الذي حسمته مع نفسها. وهو أن عليها مغادرة هذا القصر. ستعود إلى منزلها القديم وتترك كل شيء هنا. فهي أدركت بذعر منذ قليل أن قصتها مشابهة لقصة السيدة كاميليا فهمي مع بعض الاختلاف البسيط.

فالسيدة كاميليا كانت قوية الشخصية بعكس داليا التي أحبت فمحت شخصيتها من أجل الحفاظ على حبها. ولكن لا تنازل بعد الآن. سينتهي كل شيء في بضع دقائق. إنه أصبح جافاً معها وغير مبالٍ بها منذ أمد طويل.

لن يعارضها إذا قالت له "هيا لنفترق". بل سيرحب. وهذا أمر آلمها بشدة. أصابها في الصميم. الآن الوقت أضيق من أن يتيح المجال لأي تفسير. ومهما كان الثمن. يجب أن تتصرف بمنتهى الاختصار. لأن وضعها العاطفي الحالي الشديد الانفعال. قد يجعلها تقول أشياء تندم عليها فيما بعد. -انتي كنتي فين؟ أفاقت من شرودها على صوته. فنظرت إليه لتجده يقف أمامها مباشرة. فراحت تحدق فيه بقوة دون كلام. -داليا!!

هتافه المختصر أجفلها ثم جمدها. حين احتوى ببصره وجهها الشاحب. ثم عبس مستغرباً من الحالة التي بدت عليها. فمد يديه وقبض على كتفيها مما جعل كل قراراتها الجديدة تتهاوى. ولم تشعر بنفسها إلا ودموعها تنسكب على خديها. -داليا! مالك؟ عند ذلك. أطلقت العنان لدموعها. وراحت تنتحب بمرارة. فجذبها إلى صدره وأخذ يمسد شعرها بيده قائلاً بهدوء: -انتي لسا بتعيطي؟ معقول! ما أنا رجعت أهو وبقيت كويس. كفاية عياط بقي. بللت قماش قميصه بدموعها.

ثم همست بانكسار: -طلقني!! وفي الحال. تقلصت عضلات جسده. وتوقفت يده عن تمسيد شعرها. ثم أبعدها قليلاً. حيث أدرك أن كلمتها لم تكن لها علاقة بهمساته التحببية. فسألها باقتضاب: -قلتي إيه؟ عادت تقول بصوت مخنوق: -قلت طلقني. ثم تابعت بمرارة: -عايزة أسيبك من غير مشاكل. عشان على الأقل ماتحرمنيش من ابني زي ما أبوك عمل مع أمك وحرمها منك انت وإخواتك. وعشان ماتقولوش كلام وحش عني برضه. -إيه اللي انتي بتقوليه ده!! هتف عابساً.

فقضمت شفتها بقوة وأجابته: -اللي انت ماتعرفوش. إن أمك ماخانتش أبوك ولا حاجة. هي بس اختارت تبقى حرة مش مسجونة. حتى لو كان سجنها ده حيطانه من دهب وواسعة. بس الفرق بيني وبين أمك إني حبيتك. عشان كده ماهتمتش بأي حاجة تانية غير بيك. فضلتك على كل حاجة وقررت أعيش جنبك طول العمر. بس للأسف انت ما حبيتينيش قد ما أنا حبيتك. ثم تابعت باكية:

-ارجوك ماتبقاش تشوه صورتي في عيون ابني. وابقي اسمحلي أشوفه من وقت للتاني. أنا هاسيبك عشانه. فخد بالك منه كويس وماتقولوش عليا حاجة وحشة. -بس يا داليا. هدأها بلطف. ثم تابع: -اهدي.. لن تخرجي من البيت هذا أبداً، أنا لن أطلقك. عدنان ما يقدر يستغني عنك، ولا أبو عدنان كمان يقدر يستغني عنك. نظرت إليه في تشكك، فابتسم في هدوء وأضاف:

-النهاردة لما كنت على الطيارة وسمعت بخبر القنبلة، ما فكرتش في أي حاجة غير فيكي إنتي وعدنان. قعدت أسأل نفسي، أنا لو مت إنتوا هتعملوا إيه من بعدي؟ إنتي هتربي الواد إزاي؟ وهتكملي إزاي؟ لو ماكنتوش إنتوا الاتنين في حياتي ماكانش هيفرق معايا الموت خالص، لكن وجودكوا فارق معايا في حاجات كتير أوي يا داليا. هزت رأسها مضطربة، ثم قالت: -بس إنت لسه بتحب جومانا. -جومانا! صاح ذاهلاً، ثم تابع: -تاني؟ تاني يا داليا؟

إحنا مش سبق واتكلمنا في الموضوع ده وقفلناه؟ -بس الناس لسه بتقول آآ.. -الناس! هتف مقاطعاً، وأضاف: -مش أي حاجة الناس بتقولها بتبقى حقيقة موثقة يا داليا. -يعني إنت ما بتحبهاش؟ ولا عمرك خونتني بعد الجواز؟ -عمري ما حبيتها، وعمري ما فكرت أخونك بعد الجواز، ببساطة لأني بحبك. لو ماكنتش حبيتك ماكنتش اتجوزتك أصلاً. -ممكن تكون اتجوزتني عشان تنول رغباتك مني؟ متنساش إنك عرضت عليا علاقة غير شرعية أيام ما كنت بشتغل عندك.

قهقه عالياً، ثم أجابها: -تفتكري ده سبب ممكن يخليني أتعلق بواحدة لدرجة إني اتجوزها؟ أنا كنت ممكن بإشارة لو عايز أجيب دستة بنات أحلى منك كمان تحت رجليا ومن غير جواز، بس أنا اخترتك إنتِ، وحبيتك إنتِ. -طب ليه عاملتني بجفا وقسوة طول الفترة اللي فاتت دي؟ -عشان عارضتيني وكسرتي كلامي. ثم مرر أصابعه في شعرها وأزاحه في رفق عن جبينها الناعم قائلاً بصوت مرتجٍ عميق: -وكمان أنا قلتلك قبل كده إن الحياة صعبة معايا.

فلمعت عينيها حباً، وأجابته: -وأنا برضه قلتلك إنها مستحيلة من غيرك. ثم ألقت رأسها على كتفه متنعمة بدفء حبه، فصاح "عدنان" مزقزقاً بفرح في تلك اللحظة وهو يقف مستنداً إلى أسوار فراشه الخشبية، بينما قالت "داليا" في شيء من الحزن: -ما عملناش عيد ميلاد لعدنان برضه. فأحاطها "عز الدين" بذراعيه في حنان قائلاً: -بكرة هنعمله. فأغمضت عينيها في سرور عارم، متأملة في غد أفضل مما مضى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...