"من أخبرك بأن هذه هي حياتك الأولى؟ نظر لي الطبيب باستخفاف وقال: -تفتكر ذكريات مش بتاعتك إزاي يعني يا أستاذ أحمد؟ = صدقني زي ما بقول لحضرتك، أنا بفتكر ناس تانية وبحس بحنين ليهم، وأنا صغير كان ممكن أتخيل مكان مروحتوش قبل كده، لكن مع الوقت بقيت أفتكر مواقف وأحداث كاملة. -طيب ممكن تديني مثال؟ صمت للحظات وقلت بحزن:
-يعني أنا مثلاً مش بخلف، لكن في بنت معينة أنا فاكرها، وفاكر تفاصيلها، البنت دي بنتي، اسمها سما، أنا بفتكر كمان يوم ولادتها! لكن كلها ذكريات مشوشة. = يا أستاذ أحمد، إللي حضرتك بتقوله مالوش أي تفسير علمي، لكن في نظرية اسمها تناسخ الأرواح بتقول إن روح الإنسان لما بتموت بتسكن جسد تاني، لكن برضه لو افترضنا أن ده حقيقي رغم إن مفيش أي إثبات علمي، مفيش أي حد حصله كده غير حضرتك!
صمت للحظات أتابع نظرات الشك في كلامي، أعلم أنه قد يظن إنني أتيت إليه بغرض التسلية، ولكن لم يكن لدي أي خيار بديل سوى تحمل نظراته تلك حتى أصل إلى أي معلومة مفيدة. قلت له: -أنا قرأت عن تناسخ الأرواح فعلاً، لكن مش مقتنع بده، خاصة وأن حتى لو ده حقيقي وده هو إللي عندي، ليه عندي كم الذكريات ده، وإللي بيزيد يوم عن يوم؟ أنت متخيل وضعي يا دكتور! أنا كل يوم بفتكر حاجات مش من حياتي! صمت الطبيب لبضعة ثوان هذه المرة، ثم قال:
-ممكن قرايتك عن تناسخ الأرواح خلتك تتخيل ده؟ إيه رأيك تروح لدكتور نفسي؟ مش عيب على فكرة. نهضت من مكاني وقلت له: -حاضر، هعمل كده.. شكرًا لوقتك. خرجت من عيادته، مشتت بشكل أكبر، ليتني لم آتي إلى هنا. هل يمكن أن تكون هذه ليست حياتي الأولى فعلاً؟ هل يمكن أن يكون لدي إبنة! سما.. كلما أنطق اسمها أشتاق إليها فعلاً! هذه ليست مشاعر عادية! ظللت أحاول تذكر المزيد من التفاصيل عنها، ولكن بلا جدوى.
ابتسمت حين أدركت بإن لو كان أمر وجود سما حقيقيًا ستكون أكبر مني عمرًا! فعمري الآن ثلاثة وعشرون عامًا، وهذا يعني إنها قد تكبرني بعام أو اثنان! ضحكت لعبثة أفكاري، وظلت هذه الأفكار تسيطر على عقلي حتى وصلت إلى المنزل، وجدت شيماء في انتظاري متحمسة وهي تقول: -هاااه لقيت حل؟ = حل لإيه يا شيماء؟ -للخلفة، انت مش كنت عند الدكتور؟ سمعتك بتكلمه في التليفون. = مش دكتور ذكورة يا شيماء، دكتور تاني. -دكتور إيه يا حبيبي إنت تعبان؟
قبلت يدها وقلت لها: -لا يا حبيبتي، أنا بخير.. متقلقيش نفسك. تابعتني بشك حتى وصلت إلى سريري، لأغوص في نوم عميق.. *** بعد أقل من ساعة نهضت من سريري، مذعورًا! المزيد من الذكريات تتسرب إلى عقلي! العنوان، عنوان منزلي القديم تذكرته! أنا أعرف الآن مكان إبنتي!! سما! ذهبت سريعًا لأرتدي ملابسي، جائت شيماء لتسألني في قلق: -في إيه يا أحمد؟ تعبت تاني؟ انت كويس يا حبيبي؟ فقلت بلا تفكير: -رايح أشوف سما يا شيماء، هشوف بنتي!
وفي خلال ثلاثة ثوان فقط، لا أعرف كيف استطاعت أن تصل إلى سكين في هذه المدة القصيرة وجدتها توجهها نحوي وتقول لي: -بنتك مين يا روح أمك! بنتك من مين يا أحمااااد! نظرت لها بسخرية وقلت لها: -يا متخلفة، مشكلة الخلفة مني أنا إزاي هخلف من غيرك! تراجعت شيماء وشعرت بحماقة ما قالت، وقالت في شك: -امال رايح فين؟ لم أجد أي إجابة مقنعة على هذا السؤال. صمت للحظات وقلت:
-مش عارف، حقيقي مش عارف، عنوان أول مرة أروحه، بصي لما آجي هحكيلك كل حاجة، وعد. وخرجت من المنزل، وبدأت رحلتي.. *** بعد ساعة وصلت إلى العنوان الذي تذكرته في الجيزة. صعدت إلى البناية، كل شيء يبدو تقليديًا بالنسبة لي! وكأنني أسكن هنا! وقفت أمام المنزل لا أدري ماذا سأفعل. طرقت الباب. ففتحت لي سيدة يقترب عمرها من الخمسين. فتوقف الكلام في حلقي لا أدري ماذا سأقول، قلت لها: -سما موجودة؟ نظرت لي في شك وقالت:
-وأنت تعرف سما منين؟ أنا أمها، اؤمر؟ ظللت أحاول أن أفكر في أي إجابة مقنعة ولم أجد فقلت: -أنا محتاج بس أشوفها، انتي والدتها!! يعني إنتي فريدة!! أكاد أجزم إنني لم أتذكر فريدة إلا وقتها. اتسعت عيني شوقًا، هذه السيدة أحببتها يومًا حبًا جنونيًا. اقتربت منها خطوتين وقلت لها: -أنا والد سما. أدركت في لحظتها إن كل ما أفعله هو حماقات متتالية، وما جعلني أدرك هذا أكثر.
الأنفاس الساخنة التي شعرت بها خلفي، حين أدرت وجهي وجدت رجلاً عملاقًا ضخم الجثة يقول لي: -أنت أبو مين يا ابن الـ... نظرت إلى فريدة في رعب وقلت لها: -هو مين ده؟ قالت بغضب واستهزاء: -أنت إللي مين؟ ده جوزي! نظرت له وكعادتي يغلبني الضحك في مثل تلك المواقف، لا أستطيع التحكم في نفسي، على الرغم من أن حياتي قد تنتهي على يد هذا الرجل، ولكن السؤال المهم، أين سما؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!