مرت ساعات وانتهت حنين من يومها الأول في عملها. خرجت من الشركة وقالت في نفسها: "أنا أروح مشي أحسن بدل ما أركب مواصلات." سارت حنين مسافة ليست بقصيرة، ولكن لمحت شيئاً جعلها تتسمر مكانها وقد ترقرق الدمع في عينيها. فقد رأت أحمد وهو يمسك طفل صغير وبجانبه زوجته نجوى، وكانت الأخرى تحمل طفل رضيع بين يديها. ظلت حنين تشاهدهم والدموع تنهمر من عينيها حتى اختفوا من أمامها.
فلم تستطع المشي أكثر من ذلك، فأوقفت تاكسي وركبته وذهبت إلى منزلها. بعد فترة قصيرة وصلت حنين إلى بيتها وفتحت الباب بمفتاحها الخاص ودخلت إلى الشقة. فوجدت جدتها أنعام جالسة على الأريكة تتابع التليفزيون بتركيز. فركضت إليها حنين واحتضنتها بشدة وهي تبكي. لتقول الجدة أنعام بذعر وخوف على حنين: "إيه يا حنين مالك؟ إيه اللي حصل؟ لم تستطع حنين التحدث من البكاء، فأخذت الجدة تهدئها حتى هدأت حنين بعد فترة. لتقول الجدة بعدها
بحنان وهي تزيل دموعها: "مالك يا حبيبتي؟ إيه اللي حصل لكل ده؟ فيه حاجة حصلت في الشغل؟ لتهز حنين رأسها بلا. فأكملت أنعام: "اومال إيه؟ حنين بشهقات: "شوفت شوفت أحمد انهارده ومراته وكان ماسك ولد في إيده ومراته كانت شايلة بيبي صغير." وأكملت بعده ببكاء: "أنا مش فارق معايا أحمد ولا بحقد عليهم والله يا تيته، بس اشمعنى أنا مجبتش أطفال؟ أنا كان نفسي في بيبي صغير كان نفسي أوي يا تيته."
أنعام وهي تربت على ظهرها: "استغفري ربنا يا حنين وبلاش تقولي الكلام ده تاني." حنين ببكاء: "استغفر الله العظيم، أنا مش قصدي حاجة والله يا تيته، أنا بس...
قاطعتها الجدة وقالت: "مفيش بس يا حنين، المفروض يا حبيبتي تكوني عارفة إن ربنا مش بيجيب حاجة وحشة أبداً. يمكن ربنا ما أرادش إنك تجيبي أطفال عشان عارف إن أحمد مش بيحبك. وكمان يمكن لو كنتي كملتي مع أحمد وجبتي أطفال كانوا جم فيهم حاجة ويتعبوكي أو ممكن يطلعوا مش كويسين أخلاقياً. قولي الحمد لله يا حنين وإن شاء الله ربنا هيرزقك بحد يحبك وتجيبي منه أطفال يا حبيبتي." حنين وهي معترضة: "لأ يا تيته أنا مش هتجوز تاني."
أنعام: "لأ إن شاء الله هتتجوزي يا روح تيته وهتتجوزي واحد يحبك بجد ويعوضك عن الأيام الوحشة اللي مرت عليكي يا حبيبتي." حنين: "لأ لأ طبعاً مستحيل، أنا مش ناوية أكرر التجربة دي تاني." أنعام: "لما نشوف يا أستاذة حنين." وأكملت بعدها لتنهي هذا الحوار: "ها عملتي إيه في الشغل انهارده؟ احكيلي." نظرت لها حنين وقصت كل ما حدث في يومها الأول بالعمل بحماس كطفلة صغيرة وقد نسيت ما حدث. وتابعت جدتها حديثها وعلى وجهها ابتسامة. ***
في المساء في قصر قاسم. كان كل من قاسم ورهف وفريدة وادم جالسون مع بعضهم في التراس. قاسم وهو ينظر لرهف: "إيه يا رهف مش ناوية تشتغلي ولا إيه؟ رهف بمرح: "لأ يا بيه أنا كده حلوة أوي مفيش أحلى من قعدة البيت والله، وأنا واخده قراري إني أول ما أخلص كلية هقعد في البيت كده 10 أو 20 سنة أريح فيهم بعد مشوار التعليم." قاسم بضحكة: "10 20 ليه يا ابنتي؟ قليل جداً." رهف بضحك: "شوفت يا بيه بضحي إزاي." قاسم بابتسامة: "شوفت."
وأكمل بعدها: "على العموم يعني لو الشيطان لعب في دماغك وحبيتي تنزلي تشتغلي فمكانك في الشركة موجود." رهف: "ماشي يا بيه." قال آدم لأبيه: "بابا هو أنا ينفع آجي معاك الشركة في يوم؟ قاسم: "آه يا حبيبي ينفع. شوف اليوم الفاضي عندك وقولي وأنا أبقى آخدك معايا." آدم بلهفة: "ينفع بعد بكرة؟ قاسم بابتسامة: "ينفع بعد بكرة يا آدم." وجلسوا بعدها يتحدثون في مواضيع مختلفة حتى قاطع حديثهم صوت رنين هاتف قاسم.
نظر قاسم للاسم وسرعان ما ارتسم على وجهه ابتسامة. فرد على المتصل وقال: "إيه يا عم؟ هي ألمانيا تنسيك أخوك كده؟ المتصل بابتسامة: "إزيك يا قاسم؟ وحشتني والله." قاسم: "انت اللي وحشتني والله يا مازن." وبمجرد ما سمعت رهف اسم مازن، دق قلبها بعنف شديد اشتياقاً له. فكم تتمنى أن تراه أمام عينيها مرة أخرى، فهو مالك فؤادها وحب طفولتها.
حاولت رهف أن تظهر بأنها غير مهتمة لكي لا يلاحظ أخاها شيئاً، ولكنها في الحقيقة كانت تتابع حديث قاسم ومازن باهتمام شديد وقلبها يدق بسرعة. قاسم: "إيه أخبارك في ألمانيا يا مازن؟ مش ناوي تنزل بقا ولا إيه؟ كفاية 3 سنين." تابعت رهف سؤال قاسم باهتمام شديد وهي تتمنى بأن ينزل قريباً حتى تراه، ولكن تحطمت آمالها حين سمعت قاسم يقول: "لسه شوية. إيه يا مازن؟ انت مش تعبت غربة يا ابني." وأكمل حينما رد عليه مازن.
قاسم: "خلاص يا مازن على راحتك، بس خلي بالك مش هسيبك على راحتك كده كتير." صمت قاسم واستمع حديث مازن، ثم قال بعدها: "الله يسلمك يا مازن. يلا مع السلامة." أنهى قاسم الحديث مع مازن فقال لوالدته: "مازن بيسلم عليكي يا أمي." فريدة: "الله يسلمه يا حبيبتي، وحشني والله. مش هينزل بقا ولا إيه؟ قاسم: "سألته وقالي لسه شوية." فريدة: "ربنا يجيبه بالسلامة يارب." *** في ألمانيا. عند مازن الذي تغير كلياً في الثلاث سنوات الأخيرة.
فقد أصبح جسمه عريض ورياضي بفعل التمارينات القاسية التي يقوم بها. ونمت لحيته كثيراً وما زاده هذا إلا جاذبية. كان يجلس على كرسي في الشرفة وهو ينفث سيجارته قائلاً بشروود: "تلات سنين يا رهف بعيد عنك. حاولت أشغل نفسي بالشغل وأحاول أنساكي، بس بردو مش قادر. ياترى غيابي ده مأثر فيكي يا رهف زي ما مأثر فيكي؟ ولا مش فارق معاكي؟
نفسي أنزل عشان أشوفك ومش عايز أنزل لأني خايف تجرحيني تاني وأنا مش هتحمل منك جرح تاني. طول الفترة دي بصبر نفسي. لما بسمع صوتك كل فترة، آه مش بنتكلم بس كفاية إني بسمع صوتك." وأكمل بسخرية: "خوفي كله إنها تكون حبت حد تاني ونسيت إن كان فيه حد في حياتها اسمه مازن. واكمل بعدها بتنهيدة: لو ده حصل فعلاً مش عارف ساعتها إيه ممكن يحصلي." *** في صباح يوم جديد. كانت حنين جالسة على مكتبها
بملل شديد وقالت بزهق: "ده الشغل اللي مفهوش شغل ده." ضحكت على جملتها بخفوت وقالت: "إيه اللي أنا بقوله ده." وأكملت بعدها: "وبعدين إيه المدير اللي بيجي شركته متأخر ده؟ أكيد طبعاً نايم في البيت ولا همه الناس اللي قاعدة منتظرة حضرته وهتموت من الملل." جاء صوت من خلفها يقول بسخرية: "لأ والله ملهوش حق." نظرت إلى مصدر الصوت ولم يكن سوى قاسم. بلعت ريقها بصعوبة شديدة وقد عقد لسانها ولم تستطع التحدث.
فقال لها قاسم بصرامة: "ورايا على المكتب." أومأت حنين برأسها. فقال قاسم بنبرة شبه عالية: "أنا قولت إيه على موضوع الإشارات ده يا أستاذة حنين؟ حنين ببعض الخوف: "أسفة يا فندم مش قصدي والله." نظر لها قاسم قليلاً ثم دخل إلى مكتبه. فقالت حنين ببكاء طفولي مصطنع: "يا صغيرة على الهم يا لوزة! أكيد هتطرد ليه كده يا رب؟ ده أنا مكلمتش تاني يوم حتى." وأكملت بعدها: "أروح أدخل بسرعة قبل ما عم هولاكو ده يزعقلي."
ذهبت حنين إلى مكتب قاسم وطرقت على الباب ثم دخلت. ووجهت نظرها إلى الأرض منتظرة حديثه. رفع قاسم رأسه من على الأوراق التي أمامه والتي كان يتفحصها. فنظر لها قاسم وقال بجمود: "فين القهوة؟ فرفعت حنين رأسها بصدمة وقالت بتلقائية: "قهوة إيه؟ هو مش حضرتك هتطردني؟ نهض قاسم من على الكرسي واتجه إليها. وعندما وجدته حنين هكذا قالت برعب في نفسها: "هياكلني، هياكلني." اقترب منها قاسم مسافة لا بأس بها وقال بصوت هادئ: "ليه يا حنين؟
وأنت عملتي حاجة غلط عشان أطردك؟ قالت حنين بسرعة وطفولة: "لأ." اقترب منها قاسم أكثر فرجعت حنين للخلف حتى التصقت بالباب. فأقام قاسم بمحاصرتها بيد واحدة وقال بنبرة رجولية: "مش عيب واحدة كبيرة كده تكذب يا حنين." حنين وقد أوشكت على البكاء: "أسفة." وأكملت: "ممكن حضرتك تبعد شوية عشان كده عيب حضرتك." ابتعد قاسم عنها وهو يمنع ابتسامته من الظهور: "أول وآخر مرة يحصل اللي حصل بره ده."
وتابع بعدها: "روحي يلا اعملي قهوة زي بتاعت امبارح." قالت حنين بسرعة: "حاضر." أنهت كلاماتها وخرجت بسرعة شديدة من المكتب. فقال قاسم بابتسامة بعد خروجها: "أنا مشغل طفلة عندي تقريباً." وأكمل بإعجاب: "بس عيونها حلوة." وسرعان ما أدرك ما تفوه به وقال وهو ينهر نفسه: "في إيه يا قاسم؟ اعقل كده." ثم ذهب إلى مكتبه وأمسك أخذاً يتفحص الأوراق التي أمامه من جديد. خرجت حنين من المكتب واتجهت إلى البوفيه
وقالت وقلبها يدق بشدة: "إيه اللي حصل ده؟ إزاي يتجرأ ويعمل كده؟ أنا لازم أوقفه عند حد. آه لازم أعمل كده عشان ميسوقش فيها." قامت حنين بعمل القهوة ثم اتجهت إلى قاسم ودخلت مكتبه ثم وضعت القهوة أمامه. وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها صارمة: "لو سمعت يا مستر قاسم متحاولش تعمل كده تاني وتتعدى الحدود اللي ما بينا." قاسم ببرود ولم يكلف نفسه حتى أن ينظر لها: "روحي يا حنين شوفي شغلك."
حنين بعصبية وصوت عالي: "إيه اللي شوفي شغلك يا مستر قاسم؟ أنا بقول لحضرتك مش عايزة اللي حصل ده يتكرر تاني يا إما هسيب الشغل." قاسم بزعيق: "صوتك يا حنين وأنا مش بتتهدد وقولتلك روحي لشغلك يبقي تروحي لشغلك مش بتكلم هندي أنا." حنين ببكاء: "متزعقليش كده." قاسم بتنهيدة: "خلاص يا حنين حاضر، اللي حصل مش هيتكرر تاني. كده كويس؟ قالت حنين وهي تمسح دموعها بظهر يديها: "آه." قالت كلامتها ثم خرجت إلى الخارج.
اتبع قاسم خروجها وهو يضحك بخفوت على تصرفاتها. مر باقي اليوم دون أحداث جديدة. في المساء عند منزل حنين. كانت حنين تجلس مع جدتها ويقومون بمتابعة إحدى البرامج التليفزيونية. فقالت حنين لجدتها بنعاس: "طب يا تيته أنا هدخل أنا بقا عشان أنا نعست خالص." أنعام: "ماشي يا حنين." حنين وهي تقبل جبهتها: "تصبيحي على جنة يا نونة." أنعام: "وإنتي من أهلها يا حبيبتي."
دخلت حنين إلى غرفتها وتسطحت على الفراش وقبل أن تغفو جاءت صورة قاسم أمامها. لتقول بغيظ: "عم هولاكو البارد! مش عارفة عشان يعني ربنا عطيله شوية طول زيادة يعمل فينا كده." وأكملت بعدها: "هو مش طول بس حقيقة هو حاجات كتير." نهرت نفسها قائلة: "يا نهار أبيض أنا بفكر في إيه؟ نامي يا حنين نامي. استغفر الله العظيم." وبالفعل لم تكمل بضع دقائق إلا وذهبت في نوم عميق. *** في صباح يوم جديد. في قصر قاسم.
كان قاسم واقف في حديقة المنزل وهو منتظر ابنه آدم لكي يذهب معه الشركة. لما ينتظر كثيراً ووجد ابنه قادم إليه. فقال له قاسم بمرح: "إيه ده يا عم آدم؟ إيه الحلاوة دي؟ نظر له آدم وقال بابتسامة: "شكراً." قاسم بابتسامة: "طيب يلا ولا إيه؟ آدم: "يلا." ركبوا معا السيارة ووصلوا إلى الشركة. فـ نزل قاسم وآدم من السيارة وأمسك قاسم يد آدم ودلفوا سوياً إلى الشركة. أخذ ينظر آدم إلى الشركة بإعجاب. ليقول قاسم: "ها إيه رأيك في الشركة؟
آدم: "حلوة." قاسم على مكتب حنين وقال: "السلام عليكم." حنين: "وعليكم السلام." قاسم: "عايز القهوة يا حنين." ونظر لآدم وقال له: "تشرب إيه يا آدم؟ آدم: "عصير برتقان." قاسم: "ماشي." وقال لحنين: "وهاتي عصير برتقان لآدم." حنين وهي تنظر لآدم: "حاضر." ذهبت حنين وأحضرت المشروبات ودخلت إلى مكتب قاسم ووضعتهم. ليقول قاسم بتساؤل لحنين: "في أي اجتماعات انهارده؟ حنين: "آه يا فندم فيه اجتماع مع الوفد الألماني كمان ربع ساعة."
قاسم: "تمام يا حنين اطلعي انتي." حنين: "حاضر." بعد خروجها قال قاسم لآدم: "معلش يا آدم أنا عندي اجتماع. فـ إيه رأيك تطلع تقعد مع حنين بره على بال ما أخلص اجتماع؟ آدم: "ماشي." قاسم: "طيب يلا اشرب العصير." بعد مرور عشر دقائق خرج آدم وقاسم. ليقول قاسم لحنين: "معلش يا حنين خلي آدم معاكي على بال ما أخلص الاجتماع." حنين: "ماشي يا مستر قاسم مفيش مشكلة." ونظرت لآدم وقالت بابتسامة: "تعالى يا حبيبي اقعد."
قاسم: "روح يلا يا آدم وأنا مش هطول يا حبيبي. ماشي؟ آدم: "ماشي." جلس آدم بالقرب من حنين. لتقول حنين بلطف: "إزيك يا آدم؟ آدم: "الحمد لله." حنين: "انت عندك كام سنة يا آدم؟ آدم: "عندي 10 سنين." حنين: "امم وانت تقرب إيه بقا لمستر قاسم؟ آدم: "يبقى بابا." لتنظر له حنين بصدمة وقالت في نفسها: "إيه؟ مستر قاسم متجوز؟ *** انتهي البارت
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!