بعد الانتهاء من صلاة التراويح، يجلس الجميع في شقة "عمران وعزيزة" يتابعون أولى حلقات المسلسل الرمضاني. "صبا" وهي تعطي الجميع أطباقًا بها وحدات قطايف وقطع كنافة: أحلى كنافة في الدنيا لأحلى ناس، عمايل إيديا وحياة عنيا. "عمران" بتلذذ وهو يتذوقها بسعادة: يااااااا سلااااااام يا ولاد، الكنافة دي ليها طعم مختلف وسط اللمة والعيلة وفي الشهر المفترج ده. تسلم إيدك يا حبيبة جدك، طعمها جميل زي عيونك. "صبا" وهي تنحني
على يديه مقبلة إياها بحب: بألف هنا وشفا على قلبك يا حبيبي. "كريم" وهو يقطم من قطعة الكنافة خاصته: إلا مين اللي قاعد تحت في المخبز يا ولاد؟ "زينب" بتهذيب: "عمر" يا عمي هو و"يونس". "عزيزة" بنبرة عطوفة مليئة بالحنان: طب شيل لهم يا بنتي مع "ليلى" ولا "ريم" منابهم، لأحسن العيال بيحبوها وهي سخنة. "زينب" بتهذيب: بعتلهم من بدري يا تيتة، متقلقيش. "عزيزة" بحنو: اللهي يسعدك يا بنتي ويسترك يارب! فابتسمت لها "زينب"
ومن ثم تمتمت بحب: ربنا يبارك في عمرك يا تيتة ويخليكي لينا يارب. "عزيزة" بتساؤل: هي فين "دنانير" مش باينة ليه يا ولاد؟ "حمزة" بابتسامة: خالتي جوه مع "فرحة" بتاكلها. "عمران" بسعادة: قعدتكم حلوة أوي يا ولاد، ربنا يديم علينا اللمة. "عامر" بحزن: بس ناقصنا "سليم" يا حاج، الواد ده واحشني أوي بقاله سنين غايب مالمحناش طيفه حتى. "عمران" وهو يرتشف من كوب الشاي خاصته محدثًا صوتًا عالٍ:
ومن سمعك يا ابني والله، بس هنعمل إيه، أكل العيش مر، وأديك شايف حال البلد من بعد الثورة مال أزاي. ربنا يرجعه بألف سلامة يارب. فتمتم الجميع بدعاء: يااااارب. فنظرت كل من "زينب" و"صبا" إلى بعضهما البعض نظرات ذات مغزى، إلى أن صاحت "عزيزة" بحنان: أما أقوم أعلق لـ "فرحة" على كوباية مغات سخنة تشربها عشان تعرف ترضع الواد، لأحسن زمانها خلصت أكل وهترضعه. "صبا" بحب وهي تهم بالوقوف: خليكي مرتاحة أنتي يا تيتة، هسخنه أنا وهصبهولها.
وما كادت أن تتحرك حتى انفتح الباب ودلفت منه "ريم" وهي تصيح بسعادة وحماس: ألحقوا يا جماعة ألحقوا، "سليم" رجع! فهب الجميع واقفًا في مكانه بصدمة من عودته، فهم لم يتوقعوا مجيئه الآن ولم يدري أي أحد من أفراد العائلة بخبر قدومه إطلاقاً. "مجيدة" بلهفة ودموع فرحة: مش معقول، ابني رجع.
فركض الجميع باتجاه الباب في تلهف، ومن ثم اصطدموا بـ "سليم" بابتسامته الساحرة الواقف أمامهم بشحمه ولحمه في تلك اللحظة بالتحديد بعد سنوات وسنوات من الغربة والاشتياق. "مجيدة" بلهفة وعبراتها تتساقط بإشتياق وعدم تصديق وهي تقترب منه ساحبة إياه إلى أحضانها مقبلة كل شبر به بسعادة لا توصف: يا قلب أمك يا قلب أمك، حمد الله على سلامتك يا ضي العين، حمد الله على سلامتك يا نور عيوني. فأحتضنها "سليم" بحب وعيون
دامعة وهو يردد بإشتياق: وحشتيني أوي يا أمي ووحشني حضنك يا حبيبتي. "عزيزة" بدموع وهي تقترب منه ساحبة إياه إلى أحضانها مرددة بمرح: أوعي يا ولية كده، مالك اتشعلقتي في رقبة الواد ومش عطياه لحد فرصة يسلم عليه. "سليم" وهو ينحني على يديها مقبلاً إياها بحب ومن ثم سحبها إلى أحضانه بلهفة: وحشتيني أوي يا ست الكل ووحشني صوتك. "عزيزة" بمرح وهي تشده بلطف من أذنه:
وحشك يا بكاش، لو كنت وحشتك كنت نزلت شوفتني وكلمتني تسأل عليا. عشر سنين يا ابني، عشر سنين وأنت غايب وكنت هموت عليك يا حبيب ستك. "سليم" وهو يقبل يديها بحب: أديني رجعت أهو يا ست الكل ومش هسيبكم ولو لحظة واحدة بعد كده. "عمران" وهو يتكئ على عصاه الأبانوس بحنان وأبتسامة صافية: حمد الله على سلامتك يا غالي. "سليم": جدّي، الله يسلمك يا حبيبي!
قالها "سليم" وهو ينحني مقبلاً يديه بإشتياق. ومن ثم صافحه الجميع معانقين إياه بسعادة لا توصف، فهم قد اشتاقوا إليه حقاً. كل ذلك ولم يلاحظ أحد تلك المرأة التي تقف إلى جواره منذ أن وصل، التي يظهر من هيئتها بأنها في النصف الأخير من عقدها الثاني كما يبدو أيضًا أنها ذات أصل مرموق وعائلة ثرية للغاية. و"صبا" واقفة تتابعه بحب ولهفة وأعينها يملؤها الاشتياق، ولكنها لم تلاحظ هي الأخرى وجود تلك المرأة بعد.
"سليم" بسعادة وهو يمسك بيد زوجته معرفاً لهم بها: أقدم لكم "فريدة". "فريدة نصار" زوجتي! نطق بها بفخر شديد وتباهٍ، فهي حقًا جميلة للغاية ويبدو عليها الوقار والثراء. الجميع في صدمة لا رد، فأين تزوج؟ ومتى؟ ومن تلك التي تزوج بها؟ ألم يتفق جده مع والده وعمه على تزويجه من ابنة عمه "صبا"؟
ففي تلك اللحظة شعرت "صبا" وكأن هناك خنجر سام قد طعن قلبها طعنًا وسقطت منها دمعة حارقة أسرعت بمدارتها سريعًا بعد أن استدرجت موقفها وقامت برسم ابتسامة زائفة على شفاها. ولكن الجد هو أول من استدرك الموقف وخرج من صدمته سريعًا مرحبًا بتلك المرأة قائلاً بابتسامة متحفظة: أهلاً بيكي يا مرات الغالي، نورتي بيتك. "فريدة" بابتسامة متحفظة هي الأخرى لم تصل لعيناها: أهلاً بحضرتك يا أونكل.
فقهقه الجميع على كلمتها الأخيرة تلك وهتف "عمران" بعد أن تمالك ضحكته: ضحكتيني يا غالية ههههه، أنتي تقوليلي جدّي زي ما كلهم بينادولي هنا. مش أنتي مرات حفيدي يعني حفيدتي أنا كمان. "عزيزة" وهي تتفحصها من أعلى رأسها حتى قدميها: أهلاً.. أهلاً يا حبيبتشي، نورتي. "سليم" ملطفًا للأجواء من حوله وهو يقترب من "عزيزة" محتضنًا إياها من الخلف: دي بقى يا "فريدة" جدتي وست الكل والبيت ده كله، هي وجدي بركة البيت ده.
فابتسمت "فريدة" ابتسامة باردة وهي تردد باقتضاب: أهلاً تشرفت بيكم. "مجيدة" بنبرة متبرمة: نورتي يا مرات ابني. "فريدة" بابتسامة: بنورك يا طنط شكراً.
كل ذلك و"عامر" يقف وكأن وعاء من الماء البارد المثلج قد سكب فوق رأسه سكبًا، فهو الآن قد وصل إلى قمة خجله من شقيقه ووالده بعد فعله ابنه المحرجة تلك. و"كريم" يقف بصدمة ناقلاً بصره بين ابنته التي تقف تضع وجهها بالأرض تحاول الابتسام عنوة حتى لا يشعر أحد بوجعها قط، ولكنه يشعر الآن بوجعها وكأنه هو من يتألم ويتوجع وليست هي. فهي أقرب أبنائه إلى قلبه ويشعر بها دون حديث يذكر، وهو يعلم بأنها تحب "سليم" كثيرًا منذ صغرها وأنها قد رفضت الكثير من الرجال من أجله، ولكن الآن هو يعرف أن ابتسامتها تلك مزيفة وبمجرد اختلائها بحالها ستنهار وتبكي بكاءً حارًا.
"عزيزة" بنبرة ذات مغزى: مش هتسلمي على بنات عمك ولا إيه يا بشمهندس؟ "سليم" بابتسامة: أزيك يا "زينة" عاملة إيه؟ "زينة" بابتسامة باردة لم تصل إلى عينيها: كويسة. كويسة يا بشمهندس، حمد الله على سلامتك.. أهلاً يا مدام نورتي. "فريدة" بابتسامة باردة: أهلاً.
ومن ثم سار باتجاه "صبا" التي شعرت بالارتباك وأن قلبها قد هوى بين قدميها وهي تقف وعباءتها الجميلة ملطخة بالطحين، ونطق بابتسامة وهو يمد يديه مصافحًا إياها بانبهار، فهي قد تغيرت حقًا عن ذي قبل: أزيك يا "صبا"، كبرتي ما شاء الله. "صبا" وهي تصافحه بطرف أناملها سريعًا: حمد الله على سلامتك يا بشمهندس، نورت بيتك. ثم تابعت بقوة وهي توجه حديثها إلى جدتها بابتسامة مزيفة خلفها الكثير والكثير من الألم:
أنا هدخل أسب المغات لفرحة يا تيتة زي ما قولتي عن إذنكم. ومن ثم هتف بتساؤل: أومال فين "فرحة" صحيح مش شايفها؟ "دنانير" بتهكم واقتضاب: أصلها لسه والده من ساعتين، عقبال عندك. فانصدم "سليم" من ردها هذا وقهقه الجميع ضاحكًا، ومن ثم تابعت "دنانير" سريعًا مصححة ما تفوهت به: قصدي يعني عقبال مراتك وعوضك إن شاء الله. "سليم" مغيراً مجرى الحديث:
مبروك.. طيب معلش يا ماما، كنت عاوز مفتاح الشقة بتاعتي لأننا تعبانين من السفر ومحتاجين نريح شوية. "مجيدة" بابتسامة تحاول إغصابها على معالم وجهها: وماله يا حبيبي حاضر، عبال ما أخواتك ما يطلعه لك الشنط هكون جبتلك المفتاح من فوق وأجي.
وبعد مرور دقائق قليلة للغاية، دلف "سليم" برفقة زوجته ووالدته إلى داخل شقته متأملاً كل شبر بها بإنبهار من جمالها، فهي وكأنها شقة في أرقى حي بمصر وليست شقة في بناية متهالكة بحي شعبي فقير. وتلك "فريدة" تتابع المكان بعدم اكتراث. "مجيدة" بحب: إيه رأيك يا حبيبي في شقتك وتوضيبها؟ "سليم" بإنبهار: خرافة.. خرافة يا ماما. "مجيدة" بنبرة ذات مغزى تعمدت في إخراجها:
دي كلها على ذوق "صبا" بنت خالتك، هي اللي عاملة تصميم كل حاجة فيها، حتى العفش وألوان الحيطان هي اللي مختاراهم. "سليم" بابتسامة باهتة على أثر ذكر والدته لإسم ابنة خالته: جميلة جدًا ما شاء الله. "مجيدة" على نفس نبرتها السابقة: عن إذنكم أنا بقى هنزل لـ "صبا" في المخبز. نورتي بيتك يا حلوة. فابتسمت لها "فريدة" ببرود، وما أن همت "مجيدة" بالخروج حتى استدارت ثانيًا مرددة بتساؤل:
صحيح هتنزلوا تحت للسحور ولا أبعتلكم السحور النهارده مع "دهب"؟ فنظر "سليم" إلى زوجته وجد منها عدم استحسان للحديث، فتابع بحرج لوالدته: معلش يا ماما، أحنا راجعين النهارده تعبانين من السفر، بكرا إن شاء الله هنتجمع كلنا عال فطار وهنتسحر سوا. "مجيدة" باقتضاب، فهي ترى أن زوجته منذ أول وهلة لم تحب الاختلاط بهم ولا تريد حتى التجمع معهم: على راحتك يا حبيبي! ومن ثم خرجت وأغلقت الباب من خلفها. "سليم" بابتسامة محببة إلى زوجته:
إيه يا حبيبتي إيه رأيك في الشقة والحي. مش قولتلك رمضان هنا غير وسط الأهل واللمة. شوفتي الشقة حلوة وشيك إزاي. "فريدة" بلامبالاة: ذوقها بلدي أوي ودمها يلطش. "سليم" باستغراب: ولو إني شايفها تحفة، بس شوفي إيه اللي مش عاجبك فيها ونغيّره. "فريدة": على كده أنت هتغيّر حاجات كتير أوي يا "سليم". قالتها بدلال. فأردف "سليم" بابتسامة محببة: اللي حبيبتي تعوزه كله تحت أمرها، قولي إيه اللي مش عاجبك وفي أقرب وقت هيكون اتغيّر. "فريدة"
بنبرة ذات مغزى: إيه رأيك لو نسيب الشقة والمنطقة دي ونروح نسكن في الزمالك أو التجمع جنب بابي ومامي. "سليم" بصدمة من حديثها هذا: أنتي إزاي فكرتي أني ممكن أسيب أهلي وناسي وبيتي وأروح أسكن في مكان تاني. "فريدة" بدلال وهي تحيط بيديها عنقه: أنا أهلك وناسك والدنيا كلها، مش أنت دايماً تقول لي كده. "سليم" وهو يزيل يديها الملتفة حول عنقه:
أيوه يا "فريدة"، بس أنا كنت في غربة عشت فيها سنين بعيد عن أهلي ومش مستعد إني أبعد عنهم تاني دلوقتي على الأقل. "فريدة" بزعل مصطنع: بس أنا مش هعرف أعيش هنا يا "سليم" وأنت عارف كده كويس، المكان والناس، كل ده غريب عليا وأنا مش هعرف أعيش وسطكم. "سليم" باستغراب: بس ده مكانش رأيك وإحنا في الإمارات، أنتي كنتي موافقة على إننا نرجع ونعيش هنا. "فريدة" بلجلجة في حديثها: بس أنا.. أناااااا... "سليم" وهو يقضب جبينه في غرابة من
أمرها وترقب لما ستتفوه به: أنتي إيه يا "فريدة" في إيه؟ "فريدة" بحذر: أنا مش هعرف أعيش وسطكم يا "سليم"، الناس هنا غير ما كنت متصورهم، وكمان البيت والمنطقة، كل ده مختلف تمامًا عن اللي كان في دماغي ومش حاسة إني هعرف أ تأقلم وأعيش هنا. "سليم" بحزم وعصبية حاول التحكم بها: دي حياتي ودا عيشتي، وأنتي من البداية عارفة ظروفي وراضيتي بيها، متجيش تلوميني دلوقتي أو تقولي مش هقدر. "فريدة" وهي تحاول امتصاص انفعاله:
بليز يا حبيبي متزعلش مني، بس أنا مش متعودة على كده ولا على العيشة دي. "سليم" وهو يجذبها من يديها جالسًا بها على تلك الأريكة المودرن ذو اللون البذنجاني وهو يتلمس أناملها بحنان وحب:
حبيبتي أنتي أهو بتقولي مش متعودة، يعني مع الوقت والمواقف والاختلاط بأهلي أكتر هتتعودي شوية بشوية، وأنا أهلي ناس طيبين جدًا وأكيد هيراعيوا كويس إنك غريبة عن العالم ده، بس الصبر والوقت، وصدقيني لو متأقلمتيش أنا بنفسي اللي هشتري مكان تاني بعيد عن هنا ونعيش فيه، بس مينفعش نقول على حاجة لأ من غير ما نجربها ولا إيه؟ "فريدة" بابتسامة باهتة: عندك حق. "سليم" وهو يربت على خصلاتها واضعًا قبلة حانية أعلى جبهتها بحب:
يبقى اتفقنا. يلا بيناااا نفضي الشنط ونريح شوية لحد السحور! قالها بابتسامة سعيدة وهو يهم بالوقوف ساحبًا يديها ذاهبًا بها باتجاه الغرفة ليفرغ كل منهم حقيبته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!