من الحب ما قتل، جملة رددتها الألسن كتعليق على حال عاشق لم ينل من الدنيا هواه، فتقاذفته بين دروبها، يهيم بها على وجهه بعدما فقد الرغبة بالحياة؛ باكياً على أطلال أمس غير عائد ومستقبل غير مرغوب به وقد توقفت ساعه الزمن خاصته عند تلك اللحظه وقد افترق بها قلبه عن مناه.
ولكن الحال يختلف عند تلك الجالسة بفراشها تضم قدميها إلى صدرها، تحيطهم بيدها كمن يتلمس صحبة وسط الظلام ووجها المتخفي خلفها ولا يظهر منه سوى عيناها وهي تدور بالأرجاء من حولها برعب وقد حال بياضها إلى حمار من قلة النوم، فقد أصبح أمنية بعيدة في الآونة الأخيرة. ببطء ثقل جفناها عنوة، لتستكين بجبهتها على ركبتيها، تستدعي راحة لقلبها وعقلها وبالأخير جسدها وقد تملك منه الوهن.
ثوانٍ قليلة وبدأت معالم وجهها بالانكماش وانعقد حاجبيها تحرك رأسها يميناً ويساراً ببطء سرُع تدريجياً مع همهمات غير مفهومة خرجت من فمها لتصبح أكثر وضوحاً وهي تصرخ بخوف، استيقظت على أثره. "أساااااااااااااااااااااامه"
أخذ صدرها يعلو ويهبط برعب، نظرت حولها، أعادت يدها الممدودة في الفراغ إلى جانبها ودموعها عرفت طريقها على وجنتيها بعدما أيقنت أنه هو ذات الحلم أو بمعنى أصح، ذات الكابوس، السارق لراحتها المقلل لنومها، المؤنب لعقلها والجالد لقلبها، لا يتغير ولكن مع مرور الأيام تزداد تفاصيله وضوحاً. بهمس مسموع وقلب ملتاع تساءلت: عملت فينا كده ليه يا أسامة؟
دفعة من الهواء البارد لفحتها بمجلسها، اقشعر لها جسدها، وصوت فحيح تعرف صاحبه جيداً نفث لها بأذنها ما جعلها تنتفض من مرقدها، تنظر حولها بفزع وقد تبدد شعورها بالوحدة. حدثت نفسها تطمئنها: دي أكيد تهيؤات من قلة النوم مش أكتر، آه تهيؤات.
أكدتها لنفسها مراراً وتكراراً ولكن قشعريرة سرت بجسدها على طول عمودها الفقري وكأن أصابع شخص ما ترسم طريقها عليه جعلتها تث من مكانها لأخر أتت لها كإجابة وشعورها بأنها ما عادت وحيدة بمنزلها يقوى يوماً عن آخر، شيئاً ما يشاركها إياه، شيئاً ما يحيط بها، شيئاً لا تراه ولكنه موجود.
دارت عيناها بالأرجاء، تبتلع ريقها برعب مع تسارع دقاتها، وقع نظرها على الهاتف الموضوع على الكومود بجانب الفراش، بسرعة التقطته، وبأيد مرتعشة نقرت على شاشته، تجري اتصالاً، وضعته على أذنها وعيناها تبحث في الفراغ حولها كفريسة تستكشف موقع صيادها. ومن الجهة الأخرى أو بمعنى أدق من الطابق العلوي حيث يسكن شقيقها الوحيد مع أسرته الصغيرة، كانت زوجته تستعد للنوم بعدما اندست إلى جانبه حين صدح صوت نغمة هاتفه.
عقدت حاجبيها تنظر لزوجها المستغرق بالنوم وإلى الهاتف الموضوع على الكومود بجانبه متسائلة: ياترى مين اللي بيرن عليه دلوقتي؟ رفعت جسدها لأعلى ومدت يدها تلتقطه، نظرت إلى الاسم المتوسّط للشاشة "ملك أختي". أمسكت ذقنها بيدها وبداخلها: ويا ترى ست ملك عايزة إيه الساعة دي؟ توقف الهاتف عن الرنين، علقت بـ"أحسن"، أوشكت على إعادته لموضعه حتى عاد للرنين من جديد.
بسرعة انسلت خارج الفراش، بعدما تململ زوجها بنومه، انسحبت للخارج تجيب بحدة مقصودة. _أيوه يا ملك، ده وقت حد يتصل بحد. ملك وقد صعقها حديث زوجة أخيها الجاف، ليس لأنها لم تعتد عليه منها قبلاً ولكنه الوصف. _حد! أنا كنت برن على أخويا؟! _ويا ترى بقى إيه الكارثة اللي حصلت تخليكي ترني على أخوكي... قالتها وهي تتكئ على حروفها متابعة... في وقت زي ده؟ طريقة حديثها ألجمت لسانها عن الحديث لبرهة
والأخرى نافذة الصبر فقالت: هتفضلي ساكتة كتير، أنا عايزة أنام، هتتكلمي ولا أقفل؟ "خايفة" هكذا نطقت بها بدون تفكير، فرعبها بتلك اللحظة بلغ منتهاه سواء من المجهول أو من تنفيذها لتهديدها وقد وجدت بصحبة صوتها أمان مؤقت. بينما الأخرى ردت باستنكار: نعم! بتقولي إيه؟ بقهر أعادت حديثها: خايفة يا فاطمة ومحتاجة كرم ينزلي. فاطمة بإستهزاء: ويا ترى بقى البرنسيسة خايفة من إيه؟ ملك بصدق: مش عارفة، بس حاسة إني مش لوحدي.
فاطمة بانتباه: قصدك في حرامي؟ ملك: لا، بس... فاطمة بإستفسار: بس إيه؟ ملك: حلمت حلم مش حلو وحاسة إن في حاجة مش شايفة حاجة معايا. فاطمة بشفاه مرفوعة وقد ضاقت ذرعاً بتلك المدللة من وجهة نظرها: يعني عايزاني أصحى أخوكي اللي وراه شغل من الصبح بدري من نومه عشان السنيورة شافت كابوس وخايفة تنام؟! ملك بنفي: ها، لا أنا أنا... صمتت ثانية تابعت بعدها برجاء وطلب خرج منها لأول مرة...
أنا خايفة أقعد هنا لوحدي يا فاطمة، ممكن أطلع عندكم؟ فاطمة بعصبية وصوت منخفض: بنت انتي، محدش فاضي لدلعك ده، هو إيه اللي جد؟ مانتي ليكي تلات سنين لوحدك! ولا مش مكفياكي الشقة الطويلة العريضة اللي عايشة فيها قلتي أما أقرف مرات أخويا... ملك نافية بسرعة: لالا أنا بس خايفة ومحتاجة كرم. فاطمة بحقد: وكرم هيعملك إيه إن شاء الله؟! يقعد جنبك يحرسك لحد ما تروحي في النوم مثلاً! ده ما عملهاش مع ابنه!
ومع ذلك أنا هطول بالي عليكي للأخر، خايفة يا ماما يبقى تشغلي قرآن وتستعيذي مش تقلقي الناس في نومتها، تصبحي على خير. قالتها مغلقة الهاتف بوجهها دون إعطائها فرصة للحديث، أمسكت بعدها الهاتف وقامت بضبطه على الوضع الصامت متمتمة وهي تعود للغرفة: قال خايفة قال وعايزة كرم ينزل أو هي تطلع، أدي اللي ناقص نشتغلها بيبي سيتر.
وعلى الجهة الأخرى نظرت للهاتف بصدمة، هوت على الفراش ودموعها تتسابق على وجنتيها وقد تغلب قهرها على خوفها ومن بين شهقاتها رددت بحسرة: انتي فين يا أمي؟ مشيتي انتي وبابا وسبتوني لوحدي في الدنيا دي. "بس انتي مش لوحدك" جملة هُمس بها بأذنها، جعلتها تصرخ منتفضة للخلف حتى اصطدم ظهرها بالفراش خلفها وعيناها تدور بكل اتجاه وعقلها يسترجع تلك النبرة وبدون وعي نطق لسانها باسم صاحبها: "أسامة".
قابلها السكون من حولها ووجيب قلبها صم أذنها. أخذت تردد كل ما جال بخاطرها من أذكار، تستعيذ بسرها والصمت يحيطها وبرعب وبطء أمسكت بغطاء الفراش، تنسل أسفله، تكورت على نفسها متخذة وضع الجنين ولا يظهر منها أنش ولا يخرج عنها سوى أنفاس مرتعبه يرتفع وينخفض على أثرها الغطاء، تنتظر بفارغ الصبر قدوم الصباح.
بدد السكون حولها ارتفاع صوت هاتفها ينبئها باتصال قادم، فرح قلبها، ظناً منها أنه أخاها، وبدفعة من الأمل تغلبت على مخاوفها تزيح عنها غطاءها كمن يزيح ثقلاً يجثم فوقه، تلتقط الهاتف بلهفة وما إن وقع نظرها على الاسم تملكت منها خيبة الأمل والحسرة من جديد ومع ذلك لم تنكر تلك السعادة المتسربة لقلبها عند إبصارها لاسمه يتوسط الشاشة، هي بحاجة إليه الآن أكثر من أي وقت مضى وكأنه استمع لاستغاثتها غير المنطوقة به وقد خطر ببالها أولاً قبل أخاها تطلب مساعدته ولكنه الإحراج وكذلك تأخر الوقت.
همست بإسمه بابتسامة صغيرة "سيف". ومع آخر حرف فُتح باب الشرفة بقوة أجفلتها وبثت الزعر بداخلها من جديد. ومع رجوع هاتفها للرنين تحركت بنظرها عن الشرفة للهاتف توشك على الإجابة بسرعة وقد بلغ منها الخوف مبلغه، لتتجمد أصابعها على الشاشة وتلك النبرة الجليدية القريبة من وجهها هذه المرة تخبرها بأمر انتفضت له سائر خلايا جسدها "ما ترديش".
ببطء رفعت نظرها عن الشاشة للأمام، اصطدمت نظراتها بما جعل الدم يتجمد بعروقها، فهي الآن بمواجهة أسوأ مخاوفها ويعتبر الوحيدة بالآونة الأخيرة "عينان جاحظتان تناظرها ولا تحيد عنها" والأسوأ أنها تعلم صاحبها جيداً وما جعل الشيب يخطو برأسها، علمها بمكانه الآن وما جعل قلبها يوشك على التوقف هو الغضب النافث منها، عالمه بأنه موجه لها لا غير. بأحرف متقطعة متلجلجة بعدما ألجمتها الصدمة عن الحركة غير مصدقة. "أوأو سااا سا مه"
"وحشتيني"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!