دائما ما كان القلب والعقل في صدام، ومن اتفقت حسابات عقله مع أهواء قلبه فهو لمن المحظوظين. وصديقنا الجالس على فراشه واضعًا يده أسفل رأسه، شارداً بالسقف، خير مثال على ذلك. ولكن ربما أصابت سعادته عين حاسد، فمن اختارها بعقله وتسرب هواها لقلبه رويدًا رويدًا حتى ملأه، وأصبحت تحتل تفكيره وخيالاته، متغيرة عليه. يرى الحزن ساكنًا بعينيها، وقد ظهر أثره واضحًا أسفلها.
صمتها وكأنها لا تجد ما تقوله، على الرغم من أن عيناها تحكي الكثير والكثير. حيرتها الواضحة، تشتتها، رجفة يدها، انتفاضة جسدها المستمرة، كلها أمور توحي له بأن مخطوبته وحبيبة قلبه تواجه أمرًا ما بمفردها. قام من مجلسه يلعن صديقه بداخله، متسائلاً: كيف لا يلاحظ ما تمر به شقيقته الوحيدة؟ لم يعهده هكذا قبلاً؟! أم أنها الغربة وقد أقست قلبه؟! نظر لساعة الحائط أمامه، يتنهد بثقل، يرغب بشدة في سماع صوتها، ولكن الوقت تأخر.
أطلق زفرة ملتاعة من شفتيه متمتمًا: شقلبتي حالي يا ملك. فتح النافذة المتوسطة لجدار غرفته، يجلس على حافتها، ينظر للسماء وقد افترشتها النجوم بليلة غاب عنها القمر. تحدث بصوت مسموع وعيناه على نجمة تتوسطها، جذبت أنظاره لها وكأنه يحدثها: حبيتها، مش عارف امتى وازاي بس حبيتها. طيبة قلبها، براءتها وعفويتها وقعتني فيها. نظر للمحبس المزّين لأصبعه، يمرر أنامله على حروف اسمها: حاولت أقنع نفسي إني اخترتها بعقلي بس لأ...
صمت ثوانٍ، تابع بعدها بابتسامة صغيرة حالمة: عيونها هما اللي خطفوني. عاد بظهره للوراء مغمض العينين، يتذكر أول مرة رأى بها شقيقة صديقه بعد سنوات من سفره. كان يصعد الدرج بسرعة، يعيد الهاتف إلى جيب بنطاله بعدما أنهى الاتصال مع أحد عملائه، لم ينتبه لتلك الهابطة، إلا عندما اصطدم صدره برأسها وصدرت عنها شهقة صغيرة. آه. ارتد قليلاً للخلف، ينظر لها بإحراج: أنا آسف يا آنسة. لاحظ خفضها لرأسها وازاحتها بيدها لشيء على وجهها.
وبشك تساءل: معقول تكون الخبطة وجعتها أوي كده؟ أجلى صوته: أنا حقيقي مكنتش أقصد. رفعت رأسها له، لتصطدم النظرات، وتلك المرة هو من تأوه بوجع داخله من سهام بندقيتها اللامعة من أثر الدموع. ومع احمرار أنفها، وقف كتمثال يتأملها بصمت. وشعور داخلي قوي يخبره بأنه يعرف تلك الفتاة وأنها مألوفة، وما جعل دقة تفلت منه عنوة، ابتسامتها الصغيرة وهي تجيبه بهدوء وبنبرة رقيقة تفضح بكاءها: حصل خير يا أستاذ سيف. نظر لها بدهشة يشير على نفسه:
حضرتك تعرفيني؟ اتسعت ابتسامتها، ودون أن يعلم نقلت له، لترتسم على وجهه وعيناه على خاصتها لا تحيد، وهي تجيبه بما صدق حدسه بأن تلك البندقية اصطدم بها سابقًا: أنا ملك أخت كرم. اتسع بؤبؤ عينيه بزهول يشير بيده في الهواء: معقول؟ ملك! ملك الصغيرة! هزت رأسها بإيجاب فأكمل هو بإعجاب واضح: معقول السنين عدت كده؟ والبنت الصغيرة اللي ياما شدتها من ضفيرتها، تكبر وتبقى وردة جميلة أوي كده.
شعرت بالخجل من حديثه ونظراته، تضع يدها على شعرها فوق الحجاب بتلقائية، تتمتم بتذمر طفولي راقه كثيرًا: على فكرة كانت بتوجع أوي. ضحك عليها بملء فاهه: ميبقاش قلبك أسود بقا. تابع بابتسامة: كرم موجود؟ ملك وهي تشير لأعلى: آه ومستني حضرتك من بدري، عن إذنك. تركته واقفًا مكانه وهبطت درجتين. وقبل أن تكمل الثالثة، أوقفها بسؤاله: انتي رايحة فين؟ نظرت له بعدم فهم تشير حيث الباب المقابل للدرج: شقّتي. سيف بتمني: مش هتطلعي معايا فوق؟
نظرت له باستغراب وهو لا يلومها بالأساس، ولا يعلم لما أوقفها، فقط رغبة داخلية تطالبه بإطالة الحديث معها. والآن عليه تبرير حديثه. بحرج عبث بيده بخصلات شعره الفحمي: بصراحة محرج أطلع لوحدي. ملك بدهشة: وهو حضرتك غريب؟! سيف بصدق: أصل أربع سنين مجتش هنا من وقت الحادثة، فأنا محرج بصراحة. لاحظ الحزن وقد كسى ملامحها، لعن غباءه فبسرعة: أنا آسف إني فكرتك. ملك بصوت يقطر ألمًا: أنا منستش عشان أفتكر.. سيف: ممكن بقا تطلعي معايا؟
نظرت له والحيرة على وجهها واضحة، وكأنها توزنها بعقلها. ملامحها جعلته يعقد حاجبيه بعدم فهم، فهل يستحق الأمر كل هذا التفكير! تنهدت بثقل لم يغب عن أعين ذاك التاجر المخضرم، تقول وهي تستعد للصعود تشير للدرج: اتفضل معايا. بابتسامة صغيرة: السيدات أولاً. وقفت على باب شقة أخاها وهو على بداية الدرج، طرقت بخفة. فتحت سيدة ما، تذكرها بصعوبة من حديثها بأنها زوجة كرم. إيه اللي طلعك تاني؟
هو أنا مش قولتلك كفاياكي لحد كده روحي نامي وارتاحي بعد تحضير الأكل وأنا ورنا أختي هنكمل. انكمشت ملامح وجهه لسماع حديث تلك المرأة، والآن فهم لما لم ترغب تلك المسكينة للصعود مرة أخرى. أشارت بيدها حيث الواقف: طلعت مع أستاذ سيف. رحبت فاطمة به كثيرًا وهي تنادي على زوجها، وقد أسرع هو الآخر تلقاه بين ذراعيه يسحبه للداخل. كرم: ياه يا سيف أربع سنين! سيف: انت اللي مشيت وقولت عدولي.. فاطمة
محاولة الاندماج للحديث: مفكرتش تنزل اجازة ولو شهر واحد. كرم بتبرير: وهو ده كان عشان مين؟ سيف: ومسافر تاني امتى؟ كرم: كده تمام سبع سنين غربة بكفاية ارجع بقا وشوف حالي هنا. سيف بتأييد: عين العقل، بيتك واختك محتاجين ليك. قالها ونظراته دون إرادة منه انتقلت لها، لتلك الجالسة بصمت مطبق. نظر كرم حيث ينظر رفيقه: انت قابلت ملك؟ سيف: أنا وطالع السلم كانت نازلة. وجه كرم حديثه لشقيقته:
بالحق، لما صحيت بسأل فاطمة عليكي قالتلي تعبت ونزلت؟ مالك يا حبيبتي انتي كويسة؟ نظرت لزوجة أخاها وأومات رأسها بصمت، بينما سيف فتأكد حدسه. زوجة كرم علاقتها ليست بالطيّبة مع أفراد عائلته، سواء مع والديه رحمهم الله أو مع شقيقته. وكعادة كرم لا يهتم بالتفاصيل الجانبية التي تفشي الكثير والكثير. نادت فاطمة بصوت عالٍ نسبيًا: رنا يا حبيبتي، تعالي سلمي.
دلفت عليهم رنا شقيقة فاطمة، تتهادى بخطواتها تحمل كؤوس العصير ووجهها يشتعل خجلًا، اقتربت من سيف: اتفضل. نظر سيف لكرم الجالس على يمينه ولشقيقتها وملك بالجهة المقابلة، يشير بيده: تيمنوا. شعرت رنا بالإحراج وفاطمة في محاولة لتدارك الموقف: أصل دايماً في البيت عندنا ماما تنبه إن الضيف هو اللي ياخد واجبه الأول قبل أي حد. كرم وهو يتناول كأسه: بس سيف مش ضيف يا فاطمة. فاطمة بابتسامة مصطنعة: طبعاً، طبعاً. ملك لرنا التي
تطالعها بضيق لا تعلم سبب: شكراً. أدارت ظهرها لها ولم ترد. فاطمة لشقيقتها: تعالي يا حبيبتي أقعدي. قالتها وهي تزيح سجادة الصلاة المطوية على الكرسي بجوار الأريكة الجالس عليها سيف، لتجلس رنا إلى جانبه من الجهة اليسرى وهي بعدها وتليها ملك على الطرف. فاطمة لسيف: أعرفك برنا أختي الصغيرة يا أستاذ سيف، خريجة كلية تجارة. سيف: أهلاً وسهلاً يا آنسة رنا. ابتسمت بخجل مبالغ تردد بخفوت: أهلاً بحضرتك. كرم:
هي لسه ما اشتغلتش يا سيف ابقى شوف لها وظيفة لحد ما ملك هي كمان تخلص وتشتغل هي كمان. فاطمة: لا طبعاً شغل إيه يا كرم أنت عارف عيلتنا البنت ما بتشتغلش. نظرت لسيف بقصد تابعت: البنت مالهاش غير الجواز، يعني بيتها وجوزها بس والتعليم ده تنفع بيه عيالها وتشرف جوزها قدام الناس. ابتسامة صغيرة متهمكة أخفاها سيف بداخله يتمتم: حاسس إني رايح أشوف عروسة، الله يسامحك يا أمي شكل دعاكي استجاب واهو خبطت في عروسة.
ضيق عينيه لثوانٍ وابتسامة صغيرة فلتت منه يردد "خبطت". نظر لتلك الصامتة موجهة لها الحديث متجاهلاً الرد على فاطمة والنظر لتلك الجالسة جواره وقد أخفت مساحيق التجميل ملامحها، يشعر بنظراتها تتفحصه خفية من أعلاه لأسفله ظنًا منها أنه لا يراها! حقاً حمقاء. سيف لملك: وانت بقا يا ملك بتدرسي إيه؟ كرم بفخر: ملك آخر سنة في كلية حقوق. سيف: وياترى ناويّة على شغل بعد ما تخلصي. فاطمة بكلمات غلفها حقد خفي:
ملك لسه عقلها صغير وبتسمع الستات اللي طالعة اليومين دول وبيقولوا إن الست تعتمد على نفسها وشغلها هما رقم واحد وبتتدرب من دلوقتي عند محامي مع إنها مش محتاجة معاش باباها مكفيها وزيادة ده غير إن أخوها ربنا يديمه لينا مش مخليها محتاجة حاجة. رنا: أنا مش بتفرج ولا بسمع لخرابات البيوت دول. ملك لزوجة أخاها بقوة طفيفة بكلماتها وثبات نال إعجابه:
شغل الست قوتها، تحقيقها لذاتها وإنها ما تكونش اتكالية وخصوصاً في الزمن ده، اللي عجلة زيادة الأسعار وتغير ظروف البلد دايرة ما بتقفش. دلوقتي البيت السليم بيقوم باتنين يجمعهم الود والاحترام والتفاهم يشاركوا حياتهم سوا طموحهم، وده مش معناه إنها تهمل بيتها بس توازن بينهم. ولو مقدرتش ففي الحالة دي وطول ما الظروف تسمح وجوزها بيراعي ربنا فيها فبيتها رقم واحد أكيد. سيف بابتسامة: لا كبرنا وعقلنا كمان يا ملك.
ابتسمت بخجل وتهربت من نظراته التي تربكها وبشدة، كرد على مدحه. كرم بصدق: ملك عاقلة جداً يا سيف ويمكن ده اللي بيخليني مطمئن عليها طول ما أنا مسافر. دفة الحديث لم ترق لفاطمة أو أختها رنا اللتين نظرت لها بضيق هي الأخرى. فاطمة واقفة من مجلسها: اتفضلوا يا جماعة الغداء جاهز. كرم لسيف: يالا يا سيف. سيف: غداء إيه لا يا عم اعفيني. كرم: بقولك إيه أنا جعان ووحشني الأكل في اللمة فهتاكل يعني هتاكل مفيهاش كلام دي. ملك:
عن إذنكم أنا نازلة. نظر لها كلاً من سيف وكرم بملامح متقبضة. كرم: نعم، إزاي تنزلي من قبل ما تتغدي؟! ملك: هبقى أتغدا تحت يا كرم. كرم: لوحدك؟ لا طبعاً. فاطمة بضيق: خلاص يا ملك اسمعي كلام أخوكِ بلاش طبع المناهدة ده، هي دايماً كده يا أستاذ سيف أكون مجهزة الأكل وأقولها تعالي نتغدى سوا ما تردش وتقول هأكل لوحدي. رنا بسخرية: يمكن مكسوفة. كرم باستنهاز: تتكسف من بيت أخوها، بيتها! فاطمة بضيق: خلاص يا جماعة الأكل هيبرد يالا...
اغتصبَت ابتسامة تتابع بود مزيف: ده رنا عاملة شوية محشي إنما إيه جنان.. كرم لملك: والمكرونة بشاميل اللي طلبتها منك يا ملك معملتيهاش! ملك بابتسامة: لا عملتها وكمان ملوخية. زفر كرم بارتياح أشعل النار بقلب زوجته وشقيقتها: أيوه كده قلبي كان وقع في رجليا. تابع الحديث ويده تحاوط كتف صديقه يسير به نحو طاولة الطعام: ملك بتعمل مكرونة وملوخية بنفس طريقة ماما الله يرحمها... أكمل بحزن طفيف: كل ما بيوحشني آكلها بطلب من ملك.
فاطمة بضجر وتزيف: الله يرحمها طلبت منها كتير تعلمني طريقتها مكنتش بترضى. ملك بهمس: هو انتي حد كان بيشوفك أصلاً! سيف بابتسامة: الله يرحمها نفسها كان لا يعلى عليه. نظر لملك وتابع: هدوق وأحكم بنفسي. خفضت نظرها لأسفل على احتضان صغير أخاها لها من قدميها. رفعته لأعلى تقبله من وجنته: صحيت يا قلب عمتو! أومأ برأسه: جعان يا موووكا. ملك باندماج متناسية الجميع حولها: قلبي أنا يا ناس، تعالى يا روحي أنا اللي هاكلك بنفسي.
جلس الجميع على الطاولة، كرم على رأسها تجاوره زوجته ثم شقيقته ثم الصغير وعلى الجهة الأخرى يجاوره صديقه ثم رنا. كرم للصغير: مش تسلم على عمك سيف يا أحمد الأول. فاطمة: متزعلش منه أصله كان نايم ويصحى مش مركز يقعد شوية وبعدين يقول عايز أكل. سيف بضحكة عالية: طالع لباباه. ضحك الجميع على تعليقه مصدقين على حديثه، ليستغل الصغير الفرصة يجاكر والده: طلعت شبهك أهو عشان ما تتريقش عليا تاني. سيف بتلذذ: تسلم إيدك يا ملك، حقيقي تحفة.
ابتسمت له بمجاملة تنظر لأخاها المنغمس في تناول طعامه تنتظر تعليقًا. كرم: أوعى تكوني مستنياني أقولك تسلم إيدك وكلام من ده أنا لولا إني عارف وواثق مكنتش طلبت منك يا ملوووك بس حقيقي المرة دي أعلى من كل مرة يابخته اللي هيخطفك مني. تعليق كرم أثلج قلبه، فمنذ حديثهم عن عمل المرأة وسؤال واحد يشغل عقله: هل هي مرتبطة بأحدهم؟
لم يجد محبس بيدها ومع ذلك يرغب بالتأكد، فهي فتاة متعلمة جميلة وللغاية، يعلمها منذ الصغر على خلق، طيبة القلب والدليل ذاك الصغير، وما جعلها "لقطة" على رأي والدته، إجادتها للطهي، فأين الشباب عنها؟ قامت رنا بضيق تحمل طبق المحاشي تضعه أمامهم: على فكرة بقا انتوا لسه ما أكلتوش المحشي بتاعي. زجرته فاطمة بعينيها تشير لها بالجلوس معلقة: أصلها عملته مخصوص عشانكم. كرم وسيف: تسلم إيدها. فاطمة:
وانت بقا يا أستاذ سيف مش ناوي تستقر وتتجوز يعني بسم الله ما شاء الله حضرتك من سن كرم شاب صغير وعندك شغلك الخاص وحتى إخواتك كرم قال لي إنك جوزتهم ومفيش غيرك انت ووالدتك في بيتكم يعني ألف وحدة تتمناك، فليه التأخير ده؟ كرم: ماهي والدته اليومين دول شدة عليه طوارئ كل ما تشوفه تقوله اتجوز، عايز أفرح بيك. نظر لصديقه وتابع: وبصراحة حقها يا سيف. سيف:
عارف بس حقيقي مش في دماغي وهي الفترة دي مش رحماني زي الدواء قبل وبعد الأكل مش عارف في إيه؟ فاطمة باستجواب: مش يمكن عندها عروسة معينة مثلاً بنت أختها أو بنت أخوها؟ سيف يضع ملعقة الطعام بفمه متلذذًا ونظره على ملك: الملوخية تحفة… نظر لفاطمة الجالسة على جمر مشتعل: لا متجوزين كلهم ولله الحمد، في الموضوع ده بالذات هي سيبالي حرية الاختيار... فاطمة بعينين لامعتين: وانت في حد معين في بالك؟
صمت سيف لبرهة، ترقبت خلالها رنا وشقيقتها إجابته بينما ملك منشغلة بإطعام الصغير: قبل دلوقتي لأ.. نظرت رنا لأسفل بخجل وفاطمة بابتسامة: ودلوقت؟ سيف بصدق: مش عارف لسه. فاطمة بتملق: ياريت المرة الجاية تجيب معاك الست الوالدة أتعرف عليها أنا ورنا وكمان رقمها، نكلمها من وقت للتاني برضه بدل ما الست قاعدة لوحدها كده. سيف: إخواتي مش بيسيبوها لحظة كل يوم واحدة فيهم عندنا والباقيين على التليفون ٢٤ ساعة. رنا بتذمر: كل يوم!
فاطمة تزجرها بعينيها: وماله مش مامتهُم وده حقها عليهم. ملك تشارك الحديث لأول مرة: الأهل شجرة مقطوعة، والأب والأم ما يتعوضوش، أنا لو مكانهم مضيعش ثانية واحدة بعيد عنها ربنا يبارك لكم فيها وفي عمرها. ابتسم لنبرة الصدق بحديثها مأمورًا عليه: اللهم آمين.
انتهى الطعام وعاد الجميع للجلوس بغرفة الاستقبال وأعين سيف تدور حوله، يرى كلاً من رنا وملك يحملون الأطباق والصغير لا يترك ملك والأخرى تعامله بحنو صادق تتجاهل حتى النظر لرنا، والأخيرة لا تلقي له بالاً. ووالدته تأبى تركه هو وصديقه تعدد ميزات شقيقتها أمامه وقد اتضحت له نواياها. كرم لزوجته بحدة خفيفة بعدما لاحظ ملامح الضيق وقد علت وجه صديقه: إيه يا فاطمة الراجل صدع خلاص روحوا انتو والبنات اقعدوا سوا يالا. فاطمة بحرج:
آه طبعاً، هبعتلكم القهوة مع رنا. سيف بداخله: يوووه مش هنخلص، الولية دي حالفة ما أخرج من هنا غير وأنا كاتب على أختها. ملك: أنا نازلة يا كرم عندي مذاكرة. فاطمة بابتسامة تسبقه: روحي يا حبيبتي ربنا يوفقك وخذي معاكي أحمد بالمرة عشان ما يعملش دوشة. أومأت برأسها راحلة واعين ذاك الجالس لا تتركها حتى توارت عنه خلف الباب المغلق. بعد ذهاب فاطمة ورنا للمطبخ توجه كرم لسيف بالحديث شاعرًا بالحرج:
سيف أظن أنت فاهم فاطمة قصدها إيه من ده كله، هي سمعتنا واحنا بنتكلم امبارح وإن والدتك مصدعاك على موضوع الجواز ومن الآخر كده قالت أختها أولى... بمرح تابع: شايفاك عريس لقطة يا سيدي... بجد أكمل: وأنا شايف إنك تفكر خلاص بقا العمر بيجري وطول ماهو مفيش حد معين في دماغك فليه لا، ريح قلب والدتك، أخوك الأصغر منك اتجوز وخلف.
صمت يقلب حديث رفيقه بعقله، يمعن التفكير فيه، نعم ربما حان الوقت يرضي والدته يكمل دينه ويعف نفسه حتى لا ينجرف أمام ما يعرض عليه بعمله من مغريات وتصبح له أسرة صغيرة خاصة به زوجة وأبناء كما أشقاءه وقد مّن الله عليه وأدى واجبه تجاههم بعد وفاة أبيه. ولكن من؟ نظر لتلك المتقدمة باتجاهه تحمل بين يديها القهوة، وبوادر نفور رسمت على وجهه "رنا!! " أكيد لا... هكذا همس لنفسه...
تدخل القلب في حوار العقل نابضًا، مذكراً إياه بتلك النبضة الهاربة على الدرج منذ وقوع عينيه على بندقية العينين، ابتسامة مشرقة شاركته عيناه بها وجهها يتذكر كل ما دار بينهما اليوم مسترجعا ذكريات ومواقف قديمة جمعتهما جعلت ضحكة صغيرة خافتة خرجت منه. كرم بشك ينظر له: ولا إيه اللمعة دي يااض؟ غمز بعينيه: شكل الصنارة غمزت! ضيق بين عينيه: أوعى تقول وقعوك يا تاجر في شبكتهم. سيف بابتسامة نظر له: أنا طالب القرب منك. كرم بمرح:
مين رنا؟ هنبقى عديل؟ سيف بغمزة: لا نسايب، في ملك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!