الفصل 8 | من 8 فصل

رواية هي لي الفصل الثامن 8 - بقلم مروة حمدي

المشاهدات
24
كلمة
4,979
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

"أختبار عشقك من نار، فالبعد هلاك والأقتراب عذاب وبكلا الدربين، رفع القلب راية الإستسلام." بمجرد دلوفها لمنزلها، سمحت لنفسها بالانهيار، سكين تلم وجه لمنتصف قلبها ممن ظنت به سند وأمان للغد. أعادت حديثه مرة تلو أخرى، لا لؤم عليه، كيف يثق بها بعدما خانت هي ثقه أهلها وتعاليم دينها والمبادئ التي تربت عليها! لا لؤم على أحد سوا نفسها، هي من قللت قدرها لمن لا قدر له.

صوت رسالة أتت إلى هاتفها اخرجتها مما هي فيه تقرأها بعدم تصديق. "وصلتي بالسلامه يا حبيبتي؟ طمنيني" "لا، ده أكيد مجنون." قالتها ملك بهيستريا، قامت بعدها بحظره من جميع وسائل الاتصال. أتت لها إشعارات كثيرة بمحاولة اتصاله بها، حتى قلت تدريجيا ثم أنتهت. شعرت براحه نسبيه وانه اخيرا نسى أمرها ذاك المعتوه بالتملك.

وخلال هذا الأسبوع ظلت حبيسة منزلها، تعلق جروحها، تعيد تقويم نفسها من جديد، متعهدة لحالها ببدأ حياة أخرى، تكن هي أساسها "ملك". لا تنتظر شفقة او عطف من أحد، لا تتسول الحب والأهتمام بل يقدمان لها وهي بمجلسها كاميرة كما أعتادت من والديها سابقا واخاها، هي قوية وستظل وما مر صفعة قوية حتى تنتبه للغد. عادت من ذاكرتها تنظر لاعين اخاها تتمعن نظراته وقد اختلط الحزن بالخذلان قائلة:

"الاسبوع اللي بعده انت جيت من السفر يا كرم وهونت عليا كتير وبعدها.." نظرت لأسامة الصامت إلى حد مخيف: "قابلت اسامه وطلب ايدي وقتها ما اترددتش ثانية واحدة، واقسمت اني هكون مخلصه ليه حتى بافكاري وانى اعمل من عيلته عيلة كبيرة خاصة بيا." حاد سيف بعينه من الفراغ لها يتلمس صدقها وقلبه ممزق من الداخل. فاطمة بعصبية طفيفة: "واكيد البجح ده مسبكيش في حالك؟! أومأت ملك برأسها بالإيجاب. كرم بتحفز: "عمل ايه؟ ملك بدموع:

"كان عدى وقت على خطوبتنا، وانا كنت قاطعه بيه اي وسيلة اتصال، فجاءة جاتني رسايل من اكونت غريب على الفيس، فتحتها، لقيت صور ملعوب فيها ليا واسكرينات من محادثات وهمية." صكت فاطمة على صدرها بفزع: "يا نصيبتي، مين ده اللي عمل كده؟ سيف وأسامة بعدما نفرت عروق جبهتهم من الغضب: "أسامة." أومأت برأسها بالإيجاب وتابعت: "بعتلي رسالة بالمكان اللي اقابله فيه." سيف بشك: "روحتي؟ ملك بخزي:

"هددني لو مجتش هينزلهم في جروب الدفعة ويبعتهم ليكم." كرم: "وانا فين من ده كله؟ ملك بدموع وجسد مرتجف تعيش تلك اللحظات قائلة: "خفت يا كرم." كرم بعصبية: "ده كان عايز رجل يوقفه، عشان ميلعبش بيكي الكرة." سيف بوجع: "يوم ما كلمتك وانتي في الشارع وكنسلتي واتعصبتي لما سألتك رايحة فين؟ صح؟! أومأت بدموع كإجابة. سيف بصوت مكسور: "كنتي رايحاله؟! دفنت رأسها بصدر فاطمة وصوت شهقاتها يعلو تدريجيا. فاطمة بتعقل تربط على ظهرها:

"اعذروها، في موقف زي ده اي وحدة غيرها دماغها بتقف عن التفكير." كرم بوجع: "هي اعتبرتني مت مع بابا وماما واتصرفت وعاشت على الأساس ده." على صوت نواحها متلمسة نبرة القهر بصوت أخاها. سيف في محاولة للسيطرة على حاله أجلى صوته: "كملي وبعدين حصل ايه لما روحتيله؟ أخذت ثواني تبتلع ريقها، جففت فاطمة دموعها، وأعين كرم وسيف عليها متربصين لأي حركة تصدر عنها. ملك بصوت مبحوح: "اول ما شافني قال."

"يعني كان اللازم اللفة دي عشان أحني وأشوفك." "فيه ايه يا أسامة؟ "وحشتني." "انت مجنون؟ "بيكي." "انت عايز مني ايه بالظبط؟ "انتي." "وانا مش عايزاك وخلاص أنا اتخطبت وقريب أوي هتجوز." أسامة جازا على أسنانه: "عارف أومال انتي فاكرة اني الصور دي عملتها عشان ابعتهالك." ملك بريبة: "قصدك ايه؟ أسامة: "يعني لو مبعدتيش عنه انا هبعت الصور دي للمحروس واقوله شوف خطيبتك المصون." ملك: "بس دي مفبركة." أسامة بيرود:

"حلني بقا لحد ما يعرفوا، ما انا ناوي ابعت نسخة كمان لأخوكي." قالها ممسكاً بهاتفه يحركه أمامها وصورة حساب اخاها أعلى الشاشة. ملك بتوسل: "انت عايز مني ايه؟ انت مش شفت حياتك، سبني أشوف حياتي انا كمان." أسامة بنبرة هادئة ولكن حادة: "حياتك معايا، وأنا عايزك معايا لاخر العمر." ملك تكاد تجذب خصلاتها من أسفل حجابها: "انت بنفسك قولت ما أنفعكش." أسامة ببرود صقيعي:

"مش لازم تكوني معايا بجسمك في بيت واحد المهم انك ليا، لا ليكي حق تحبي حد غيري ولا حد يكون ليه عليكي حقوق غيري." ملك: "ولو قولت لا." أسامة ببساطة: "هبعت الصور." ملك بتحد واهى: "ولو قولتلك أوسع ما في خيلك أركبه، أخويا هيسامحني، خطيبي... أتاكات على حروف كلمتها الأخيرة ترى تأثيرها الظاهر على عروقه النافرة... "لو صدق، يبقى مش أمان وما يلزمنيش، ولو على الدفعة فالناس بتنسى يا أسامة." أسامة بأعين تلوح بالشر:

"حلوة النسخة الشرسة منك دي يا روحي، كل يوم بتعجبيني زيادة عن اليوم اللي قبله، عارفه لو مكنتيش كلمتيني وبلكتيني زي ما عملتي كده، ولفيت عشان أوصلك، كان زمانك انتي معايا إمبارح مش منه بختار الشبكة." ملك بإحتقار: "انت بني آدم... قاطعها قبل أن تكمل: "مش عايز غلط، ما تقلش حسابي معايا." وبوعيد أكمل: "صدقيني مش بس مجرد صور أشيرها، أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا أضمن بيها إن محدش يقرب منك غيري يا ملك هعملها."

ملك بخوف من نبرته وهيئته: "أنا عملتلك ايه عشان تعمل فيا كده؟ أسامة بصدق: "خلتيني أحبك، لا أعشقك، وأعشق تفاصيلك، كنتي كل حاجة بتمناها الا حاجة واحدة، حاجة شاب زيي شاف ولف كتير وعرف بنات كتير ميقدرش ينساها ولا يعديها." نظر لعيناها متابع:

"فتحتلي طريق ليكي، لو كان سورك عالي مكناش قاعدين القعدة دي، انتي السبب في اللي احنا فيه ده، انتي السبب في اني ارتبط بوحدة مش بحبها بس لمجرد انها في يوم كانت صاحبتك فيها حاجة من روحك، بتكمل اللي كان ناقص فيكي، وجع قلبي وانا ببصلها وبشوفك انتي قدامي." التقط أنفاسه متابع بالم: "وفي الاخر بتقوليلى عشت حياتي! لا يا ملك أنا مش عايش... قالها بتأثر واضح دام لثواني اختفى بمجرد ظهور تلك اللمعة بعينه المتوعدة لها:

"بس لو سمحتلك تمشي، واثق إنك هتعيشي، أي حد هترتبطى بيه هيحبك يا ملك." بنبرة عاشق حد النخاع تابع: "وانتي طيبة أوي يا ملوووك أقل حاجة بتفرحك وتعلقك باللي قدامك زي ما حصل معايا وعشان كده... أكمل بعصبية تنافر ما كان عليه منذ برهة: "مش هسمحلك تعيشي وانا بتعذب قصادك، لا يمكن انتي بتاعتي حقي أنا مش حق حد تاني يا ملك، فهمتي؟

حديثه، صادم، جاد وحازم ونبرة التهديد واضحة به وكل كلمة تؤكد شيئاً واحداً: إن الشخص الجالس أمامها الآن مختل من الدرجة الأولى.

صمتت وعقلها وقلبها كلاهما في حيرة، اذا خالفته سيرسل تلك الأشياء لأخاها وسيف ووقتها لن تستطيع إنكار علاقتها به وبالتالي سيصدقان تلك الصور والمقاطع، وسترى نظرات الخذلان والخزي بأعينهم، كما أنه أخبرها صريحة بأنه لن يتوقف ولا تعلم ماذا يخبئ لها، كذلك هي لا تقوى على تنفيذ رغبته كما أنها أصبحت تمقته، لا تصدق أنها بيوم من الأيام كانت تحب هذا الشخص.

مقارنة سريعة قام بها عقلها بينه وبين سيف جعلت قلبها ينزف دما على أي حال أوصلت به نفسها، فأمامها شيطان يوسوس لها بالخروج من الجنة. أسامة بلهفة ونفاذ صبر: "ها قولتي ايه؟ ملك بقوة: "قولت ده بعدك يا أسامة مش هسيبه." أسامة بعصبية: "يبقى الملف كله هيكون عندهم." ملك مغمضة العين بوجع: "لو عملت كده يبقى انت اللي اخترت؟ أسامة بريبة: "قصدك ايه؟ ملك بصدق: "انا أهون عليا أموت ولا أشوف نظرة وجع في عيون أخويا يا أسامة."

أسامة باستهزاء: "ما تقوليش كلام انتي مش قده يا ملك، انتي أجبن من إنك تعملي كده." قامت من مجلسها بعنف: "لا هعملها يا أسامة ولا إني أحط روحي بين إيديك وأعيش معاك بالطريقة اللي انتي عايزاها، هعملها وأرتاح منك للأبد ودلوقتي يا أسامة." تحركت للخارج مسرعة بينما تحرك خلفها، ينادي عليها أثناء ركضها. أسامة: "استني يا مجنونة." خرجت من المقهى للطريق حيث السيارات المسرعة بالاتجاهين.

وقفت لحظة مترددة فمنذ حادث والديها تغشى السيارات. كان قد قدم من المقهى ينادي على بعد خطوات. أسامة: "وقفي يا ملك انتي أصلاً بتخافي من العربيات." نظرت له بتصميم ارتعبت له أوصاله، أغمضت عيناها متحركة للزحام قبل أن يمسك بها، تحت صرخاته في محاولته للوصول لها غير منتبه للطريق، عيناه عليها هي فقط.

كانت تمر بسرعة مغمضة العين تتوقع اصطدامها بسيارة أو بأخرى في أي لحظة، وبمجرد وصولها للجانب الآخر دوى صوت ارتطام عالٍ، بتلقائية تحسست جسدها بيدها، وبحاجب معقود التفت للخلف، جحظت عيناها رعباً مبصرة لجسد أسامة مسجى على الأرض غارقاً بدمائه. وقفت بمكانها لبعض الوقت كتمثال لا تتحرك وأعينها عليه لا تحيد لا تصدق أنه مات، أمام عينيها في محاولة لانقاذها! "هاتوا حاجة نغطوه بيها لحد ما تيجي الاسعاف تشيله."

كان حديث أحد المارة المتجمهرين جعلها تفيق من حالة التيبس التي تملكتها. نادت بهمس لنفسها وكأنه سيسمعها: "أاوسااااامه." لا رد. جرت دموعها على وجنتيها تهمس من جديد: "أوسااامه." تجمهر العديد من الناس حوله مانعين عنها رؤيته. مما جعل الدم يسري بقدمها، فبهدوء انسلت من المكان بعد سماعها لجملة. "هو في حد كان معاه! ولا كان بيعدي الطريق."

عادت لمنزلها بسرعة الريح، يكفيها ما سقاها إياه قبل وفاته بلحظات، ولكن هيئته لا تفارقها، نظرة عينيه الدامية وشخوصها أسري الرعب بجسدها. فاطمة: "في داهية، نال جزاءه." كرم: "هو تليفونه بصمة ولا كلمة سر؟ ملك: "مش متأكدة." سيف بعصبية بعدما فهم على كرم: "ازاي يعني؟ لما بيكون معاكي مفيش مرة فتحه قدامك؟ ملك بنفضه: "الاتنين، اصل هو بطبعه حويط وشكاك."

زفرة راحة خرجت منهم، ليفتح الهاتف من جديد، سيتم مسح إعداداته، والحادث غير مدبر ولا وجود لشبهة جنائية أو تحقيقات جادة من المباحث والا كانت ملك أول المتهمين بعد تفريغ الكاميرات. فالملف أقفل على أنه حادث طريق وما أكد لهم ذلك هو مرور وقت طويل أكثر من أسبوعين. فاطمة: "طيب هو وغرق وانتي مالكيش ذنب قضاء وقدر، الرعب اللي احنا فيه ده سببه ايه؟ ملك بخوف:

"اليوم ده صورته مفرفتش خيالي وبالليل وأنا سهرانه مش عارفة أنام واللي حصل بيتكرر قدام عيني كأني لسه عيشاه، سمعت صوت خبط على الباب، أقول مين محدش يرد." "أرجع أبص في العين السحرية برضه مفيش." "افتكرت أولاد الجيران بيحبوا يعاكسوني، وبكل قلق وخوف ورعب فتحت الباب وبعصبية قولت." "احترموا نفسكم بقا." "محدش رد، الجو مسكت والوقت متأخر، قولت أكيد نايمين دلوقتي؟ اومال مين؟ معقول حد غلط في الشقة؟

"ودخلت الشقة من تاني، وبعدها بقيت أحس إني مش لوحدي في البيت، وهمس مش مفهوم جوه وداني لحد اللي حصل إنهاردة." قصت لهم ما حدث وأوصلها لتلك الحالة التي وجدوها عليها. صمت الثلاثة وجميعهم يتجنبون النظر لها، فالعقل بشتات بين الخرافة وما رأته عيناه، كما أن قصة حبها لشخص آخر اعتصرت قلبان بقوة والثالث تغلب عليه الندم تحت وطأة لو كانت بجانبها ما حدث كل هذا؟

قطع صمتهم صوت أذان الفجر، أسامة في محاولة لجلى صوته والهروب من كل هذا مؤقتاً يعيد ترتيب أفكاره. "أنا هروح أصلي الفجر." "خدني معاك." قالها كرم بثقل يجسم على صدره. نظر لزوجته: "خليكي هنا معاها ما تسبيهاش." وبعد خروجهم نظرت ملك لفاطمة التي أزارتها بعيناها. تربط على يدها. فاطمة: "كل حاجة هتبقى كويسة." ملك: "أنا مقتلتهوش." فاطمة وهي تساعدها على الاستلقاء: "عمره يا ملك، انتي مقولتلهوش اجري ورايا ولا تبت فيا لاخر لحظة." ملك

بعينين مرهقة وصوت ناعس: "هيسامحوني." فاطمة بثقة: "على قد محبتهم على قد زعلهم منك بس في الآخر هيصفوا." وكان بحديثها وضعت ماء بارد على جمر قلبها، فاستكان جسدها بثبات حرمت منه أيام طوال. تنهدت فاطمة بثقل: "يا حول الله يارب، العمل ايه في المصيبة دي، ده لو كان لسه بني آدم كان كم بوكس من كرم على قلمين من سيف يبعدوه، بس دلوقتي وهو اللهم احفظنا نتصرف فيه ازاي؟ نجيبله ايه؟ شيخ؟! صمتت لبرهة تعيد الفكرة برأسها:

"ايوه صح، ماهو مش هينفع معاه غير كده." أخرجت هاتفها تطلب زوجها، ليصدح صوت بالغرفة. فاطمة: "يووووه ده نساه هنا، استنى لما ييجي أقوله؟ نظرت حولها برعب: "افترضنا المخفي ده رجع لا مينفعش تأجيل، أنا هرن على سيف من تليفونه هما كده كده مع بعض ويجبوه وهما جايين خلينا نخلص من الرعب ده، أنا جتتي اتلبشت." وضعت الهاتف على اذنها، متمتمة لنفسها: "الواد أحمد مش طالعله صوت ليه؟

هبطت بجسدها أسفل الفراش، وجدته مستغرق بالنوم ولم يجب سيف على الاتصال. فاطمة: "يا حبيبي يا ابني،" سحبته برفق وحملته وقبل أن تضعه جوار عمته، فتح الصغير عيناه بنعاس. أحمد: "ماما، حمام." حملته من جديد والهاتف على اذنها معيدة الاتصال، نظرت لملك المستغرقة بالنوم. "يلا بينا قبل عمتك ما تصحى او حاجة تقلقها." قالتها ناظرة للارجاء حولها. تمتمت برعب قبل خروجها: "ما ترد يا سيف." "الو." فاطمة مغلقة الباب خلفها: "أخيرا."

"حصل حاجة." "أنا لاقيت الحل." بينما قبل قليل عندما هبط الاثنين لأسفل بالمصعد، توجه كرم ناحية اليمين حيث المصلى بالطابق الأرضي، نظر إلى جواره ولم يجد سيف، التف إلى ورائه، أبصره يتجه نحو الباب الرئيسي، أوشك على مناداته واخباره بأن المشفى بها مصلى ولكن توقف، فربما هو بحاجة لترتيب أفكاره أولاً وبعدها، هو لن يلومه بأي قراراً يأخذه.

بمصلى المشفى جلس كرم يعيد ما قصته شقيقته، يعلم أخطأت وهو أيضاً على عاتقه مسؤولية كبيرة تجاهها، شقيقته تحتاج إلى تأهيل نفسي وكذلك زوجته، تلك المرة سيتم الأمر بإشرافه وتحت عيناه، هو يعمل ويكد لأجلهن إن ضاعن من بين يديه وانفرط عقد أسرته فلا نفع لعمل أو مال. سجد لله ركعتين شكر على نجاة شقيقته من كارثة.

قام من مجلسه لا يرغب بتركها زقت طويل بالأخص بوجود ذاك الشيء يحوم حولها، لولا رؤيته ما حدث بنفسه ما صدق ولو بعد ١٠٠ عام، يضرب كيف بالآخر لا يعلم كيف سيتصرف بهذا الموضوع ويبعده عنها. بينما عند سيف، كان هائماً على وجه وقلبه مشقوق نصفين، شق يشعر بالخيانة وأنه غُدر به وشق آخر يشعر بالحزن لأجلها بل ويتألم أيضاً ملتمساً لها ألف عذر. عقب خروجه من المسجد رن هاتفه برقم والدته، بسرعة أجاب. "ماما.." بنبرة صوته

علمت أن ببكريه خطب ما: "ايه يا نور عيني؟ فينك؟ دخلت اصحيك الفجر مش لاقيتك؟ أخرج تنهيدة عميقة قائلاً: "أنا مع كرم." والدته بشك: "دلوقتي! هو في حاجة! بقلق تابعت: "هو في حاجة حصلت معاه او مع ملك؟ بتوتر استأنفت: "انتوا اتخانقتوا! برعب استنتجت: "اوعى تقولها، سبتوا بعض؟ بعويل:

"ليه يا ابني، دي بنت غلبانة وطيبة وبتحبك يا حبيبي، أنا شفت حبها ليك في عينيها، صدق امي وصدق قلبها، دي الدنيا جت غليها وخطفت أهلها قدامها وعملت من أهلك أهل، هتلاقي فين وحدة زيها؟ ابتسامة صغيرة حزينة رسمت على وجهه قائلاً: "للدرجة دي يا امي؟ حبيتها؟ والدته: "دي بنتي اللي مخخلفتهاش وحبي ليها من حبها فيك وحبك انت ليها." أسامة بتنهيدة: "بحبها يا أمي بحبها، بس..... والدته بحذر: "بس ايه؟ أسامة بوجع: "زعلان منها؟ والدته:

"يادني مش بنبي على طول يوم تزعلك يوم تزعلها، والخناقات دي هي اللي بتبين المعدن وحاجة من اتنين يا تزود المحبة بينكم يا تبعدكوا عن بعض طالما مفيش تفاهم." أسامة: "ولو الحاجة دي قديمة! والدته: "اللي يفتش في القديم يتعب طالما القديم مش هياثر على الجديد نرميه وننساه ونشوف بكرة وبعدين اقولك مين في قديمه مغلطش ولو حتى بكلمة يا بني." والدته بفراسة:

"المهم القديم ده مفيش حاجة من الجديد تمحيه ويشفعلها عندك، ولا خلاص ننساها وتشوفي حالك وانتي تشوفي حالك بعيد عنها." أسامة بغيره: "لا طبعاً حالها هو حالي، ايه يا ماما اللي بتقوليه ده." تابع بحديث صادق لنفسه قبل والدته: "ملك صغيرة، هتطلع على ايدي هعاتبها واعلمها زي بنتي لما تغلط، هقف جنبها ومش هسيبها لحظة لأمي حبيبتي وخطيبتي وبإذن الله مراتي." بتصميم تابع: "والحاجة اللي تخوفها أنا اللي هقفلها... والدته بارتياح:

"ربنا يريح قلبك ويقف معاك بكل خطوة." سيف براحة: "عن اذنك يا أمي مش عايز اتأخر على كرم." والدته بمزاح: "كرم برضه." سيف بابتسامة: "ربنا ما يحرمني منك ابدا." أغلق معها لفت نظره مكالمة فائتة من كرم، عقد حاجبه، أوشك على الاتصال حتى صدح الهاتف من جديد، بسرعة أجاب. "الولفت انتباهه صوت زوجة كرم بلهفة:" "حصا حاجة." ".." كرم بإستحسان: "تمام أنا هتصرف." أغلق معها، ينظر لباب المسجد خلفه:

"فعلاً هو ده الحل بس ما يمنعش إنكم محتاجين دكتور نفسي كلكم يا مدام فاطمة." دخل للمسجد جاب بعينيه حتى وجد ضالته، يجلس يقرأ بكتاب الله. بسرعة جثى أمامه وكفريق: "الحقنا يا شيخ." الشيخ سعد مصدقاً: "في ايه يابني." سيف: "مفيش وقت، حضرتك اتفضل معايا وأنا هقولك كل حاجة في السكة." الشيخ: "مش افهم الأول." سيف: "مفيش وقت حالة حياة أو موت والمكان مش بعيد المستشفى اللي ورا الجامع."

هيئته وحديثه جعل الشيخ مسعد يقوم من مجلسه بتعب واضح بسبب سنوات عمره، ساعده سيف وأمسكه من ساعده: "يالا بينا." الشيخ: "بالراحة يابني." سيف بقلق: "مفيش وقت." تقابل سيف وكرم والشيخ أمام المصعد. كرم يشير بعينيه لسيف: "مين؟ سيف: "الشيخ مسعد شيخ الجامع اللي ورا وأنا حكيتله كل حاجة خاصة بملك." نظر له كرم بلهفة: "في حل نبعده عنها؟ الشيخ بابتسامة مطمئنة: "اللي مع الله ما بيغرقش يبني."

صعدوا للطابق وبمجرد دلوفهم للممر استمعوا لصوت فاطمة تصرح تحاول فتح الباب والصغير على يدها بلا جدوى وقد التف عدد من الممرضين والأطباء في محاولة لكسر الباب، ظناً منهم أن المريضة أغلقت الباب في محاولة للانتحار أو وجود شخص يهددها بسبب صريخ فاطمة بعبارة: "هي لوحدها جوه معاه." ركض باتجاهها سيف وكرم بقلق ورعب في نفس الوقت: "حصل ايه؟ فاطمة بدموع مرتعبة: "الباب مقفول وملك مش طالع ليها صوت بخبط ومش بترد." كرم

بعصبية قارعا على الباب: "سبتيها ليه مش قولتلك خليكي معاها." فاطمة بتبرير: "أحمد كان عايز يدخل الحمام وهي كانت نايمة." كرم بصوت عالٍ: "ملك افتحي، ملك." سيف بصراخ: "هو الباب ده مالهوش مفتاح؟ أحد الممرضين: "اتكسر فيه واحنا بنحاول نفتحه." وصل لهم الشيخ مسعد بهدوء قال: "وسعوا من على الباب."

أماء سيف لكرم فازاح الآخر الجميع بيده، وضع الشيخ يده على المقبض يتلو بعد آيات الذكر فانفتح الباب أمامهم، نظر الجميع لبعضهم البعض بدهشة. فاطمة تشبثت بحضن صغيرها تدفن رأسه بصدرها تتمتم: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم." ولكن حل الرعب محل الدهشة لحظة ابصارهم لجسد فاطمة مرفوع عن الفراش وكان احدهم يمسك بها من عنقها. سيف وكرم برعب: "ملك." بصعوبة حركت رأسها لهم ودموع عيناها تتساقط تباعاً وقد اختفى صوتها.

هما بالتحرك لها أوقفهم الشيخ بيده يبعدهم عن محيط الفراش ونظره مثبت على نقطة ما ولسانه لا يتوقف عن ترتيل آيات الذكر وما وصل لهم منها بوضوح آية الكرسي ال أعادها أكثر من ١١ مرة. صوت صراخ صعقت له آذانهم، جعل جميع الواقفين ماعدا ملك التي ارتطم جسدها على الفراش بقوة أثر سقوطها، واضعين يدهم على آذانهم. اقترب منها الشيخ واضعاً يده على رأسها تحت اعتراضها الشديد. أمر بعينيه سيف وكرم بالتقدم وأشار لهم برأسه بإحكام إمساكها.

متابعا التلاوة بصوت عالٍ نسبياً تحت صراخها. أخذت فاطمة صغيرها وجلست على أحد المقاعد بالخارج بينما وقف طاقم تمريض في مشاهدة ما يحدث بأفواه مفتوحة. أحمد بخوف: "هي عمتو بتصرخ ليه يا ماما؟ فاطمة وسائر جسدها ينتفض: "بتاخد حقنة يا حبيبي." ظل الشيخ يقرأ حتى هدأت حركتها وتوقف الصراخ ليحل محله بكاء مرير تقطع له أنياط القلب وبعد قليل استكان جسدها فأمالت برأسها على ذراع أخاها، فنظر للشيخ حتى يعلم ماذا يفعل. الشيخ

مسعد بابتسامة بعدما صدق: "ريحها يابني على السرير ونادي زوجتك." قدمت فاطمة وقبل دخولها، نظرت لطاقم التمريض آخذه الهاتف من يد أحدهم تحت اعتراضه: "أنا همسح اللي اتصور ولو طلعت نفس هحسرك عليه." مغلقة الباب بعدها بوجهم صارخة: "العرض خلص." لحظات وجلس الثلاث أمام الشيخ. كرم وسيف: "طمنّي." الشيخ بابتسامة: "الحمدلله قدرنا نبعده عنها بس الموضوع عشان ينتهي محتاج كم جلسة كمان."

هز الجميع رأسه بصمت وتابع هو وتخلوا بالكم الأذكار صبح وليل وتقرأ بنفسها سورة البقرة كل يوم أول مرة صعبة وممكن تبكي بس وحدة وحدة معاها وآيات الرقية الشرعية مع الأذكار ومواظبة على الصلاة في أوقاتها ودايماً تنام على وضوء وتغطوا كل مرايات البيت الفترة دي، وما تخلوهاش لوحدها اليومين دول. فاطمة سريعاً: "هنام جنبها." الشيخ بابتسامة:

"دورك بقا تدوري معاها على أي حاجة خاصة باللي اسمه أسامة ده وتركزى عشان ممكن وهي مش في وعيها تداري حاجة خاصة بالشخص ده." فاطمة: "وبعدين." الشيخ: "تحرقهم بره البيت في مكان مفتوح وانتوا بتقروا آيات الرقية، كل حاجة حتى اللبس اللي كانت لابساه آخر يوم شافته فيه، مفهوم! أماء الجميع براسه وقف من مجلسه، أسيبكم ترتاحوا وبكرة بإذن الله أجیلها. أخرج سيف من جزلانه بعض الأوراق النقدية بيد الشيخ الذي أعادها ليده بابتسامة:

"ايه ده يابني." سيف: "تعبك يا شيخ." الشيخ: "وهو كلام ربنا هناخد عليه فلوس؟! وزع نظراته بينهم قائلاً بعدما أشار نحوها: "داووا مرضاكم بالصدقات." ابتسم له كرم يهز برأسه يجف دموعه برطف ملابسه وبتمني: "هتبقى كويسة؟ الشيخ: "الصعب عدى انتوا اعملوا اللي قلت عليه وهتبقى زي الفل، كلام ربنا أمان، وذكره حصن، وترتيله سد ودرع."

بعد مرور أربعة أشهر استعادت بهم ملك عافيتها وعادت الحياة لوجهها من جديد بعد تنفيذها لتعليمات الشيخ ومواظبتها على الصلاة والأذكار كذلك مع جلسات العلاج النفسي التي خضعت لها هي وزوجة أخاها مما وطد العلاقات بينهم أكثر. سيف بالهاتف: "ها جاهزين؟ ملك بابتسامة تهمس له: "أنا وفاطمة بنجهز الحلو وماما مع رنا في الأوضة حلفت محدش يزوقها غيرها بعد ما شافت مكياجها." فاطمة تلتصق بسماعة الهاتف: "وهو العريس كويس يا أستاذ سيف." ملك:

"بسم الله، خضتيني.... سيف بضحكه: "طيب ومحترم." فاطمة: "الحمدلله مش عايزين أكتر من كده." ملك: "ربنا يتمملها على خير يارب." فاطمة: "يارب يا حبيبتي يارب." سيف: "طب اقفلي بقا داخلين عليكم."

بعد ساعة وبغرفة الاستقبال رفع الجميع أيديهم بقراءة فاتحة رنا على صديقهم الثالث ياسر وقد راقته كثيرا لهيئتها البسيطة ووجهها الرائق بعدما أثرته لمحة الحزن بعينيها ونظرتها له بأنه طوق نجاة من شيء لا يعلم وكأنها تصب بقلبه مسؤوليتها، فتنّهد متوكلاً يطلب يدها من كرم بقلب مطمئن.

أثناء انشغال الجميع بالقراءة، نظر سيف لملك بإعجاب على هيئتها برداءها الزهري، ابتسمت هي على أثرها بخجل، وما جعل وجنتيها تشتعل خجلاً، عندما لحق نظراته بغمزة خفيفة من عينه، أخفضت نظرها لاسفل بسرعة تتمتم بسرها معهم:"الحمدلله." تمت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...