دخل بها داوود المشفى حاملاً إياها على يده. اجتمع حوله المسعفون وأخذوها منه، ثم طلبوا منه أن يذهب للاستقبال لملء بياناتها. ذهب داوود للاستقبال وأكمل بياناتها من خلال بطاقتها الشخصية. إلى أن سأله الموظف عن صلة القرابة: "حضرتك قريبها ولا لقيتها واقعة في الشارع فاقدة الوعي؟ "أنا خطيبها." نطق بها داوود دون تفكير.
دون الموظف تلك البيانات وأعطاه ورقة ليعطيها للطبيب. ذهب داوود للاطمئنان على تبارك ومعرفة وضعها، فهو شعر بقلق كبير اتجاهها. خرج الدكتور من غرفة الكشف، فذهب إليه داوود مسرعاً حتى يطمئن على وضعها. "طمني يا دكتور، وضعها إيه؟ "واضح إنها اتعرضت لضغط جامد عمل لها انهيار عصبي، مع خبطة دماغها عمل لها حالة إغماء. عموماً هي شوية وهتفوق." "طيب، شكراً لحضرتك. أنا هدخل أفضل معاها لحد ما تفوق."
دلف داوود لغرفة تبارك وظل جالساً أمامها يتأمل ملامح وجهها. تبارك فتاة جميلة ذات وجه طفولي، جسدها نحيل وصغير، من يراها لا يعطيها سنها. ولها بعض خصلات شعر ظاهرة من حجاب الشعر، وواضح أنها سوداء. بدأت تفوق وتفتح عينيها بالتدريج، وهو جالس أمامها يراقبها. إلى أن فاقت، وبعدها بدأت في تذكر ما حدث لها وأخذت تبكي بكاء هستيري. اقترب منها داوود وقام بضمها إلى صدره وظل يملس عليها. تحدثت تبارك بانهيار: "اعمل إيه؟ حصلي إيه؟
أنا ضعت خلاص، صح؟ "لا والله، ما قربتش منك أصلاً. أنا لحقتها وجبتك المستشفى هنا. انتي زي ما انتي، حتى هدومك عليا زي ما هي، ما اتخدشتش." ابتعدت تبارك عنه بعد أن عادت لوعيها، ونظرت لنفسها وملابسها وتأكدت من كلامه. ثم عادت للبُكاء مرة أخرى. "بتعيطي تاني ليه يا تبارك؟ "قالي كلام وحش أوي، قالي أنا هدفعلك برضو زي اللي كنتي راكبة معاه، ويمكن أكتر. هو أنا لبسي أو شكلي يدل على كده؟ "ده راجل مريض ومش محترم، هو ماله؟
افرضي كنتي راكبة مع جوزك ولا أخوكي، هيعرف منين؟ هو اللي تفكيره وسخ. انتي كنتي راكبة معايا عشان كان عندنا شغل واتلغى. انتي مش بتعملي حاجة غلط يا تبارك عشان كلامه يأثر فيكي." ثم أعطى لها منديله الخاص. "اتفضلي امسحي دموعك دي وبلاش تعيطي تاني. مافيش حاجة تستاهل دمعة من عينك. وحقك أنا هعرف أجيبهولك تحت رجليكي، وبكرة هتتأكدي من كلامي."
أثر حديث داوود في تبارك بشكل كبير. هي حقاً لم تخطئ ولم تفعل شيئاً تخجل منه. وزاد من حديث داوود مشاعر داخلها، هي لم تستطع إخراجها من قبلها دون أن يتحدث معها، فما باله لا يعلم كيف يدخل حديثه إلى قلبها مباشرة دون فلترة. "طيب لو سمحت، أنا عايزة أروح." "هنده للدكتور يطمن عليكي وبعدين هروحك." "لأ طبعاً ماينفعش، المرة الجاية الحارة كلها هتتكلم عليها." "طيب وأنا هأمن عليكي تاني إزاي وأسيبك تروحي لواحدة؟
"منا بروح لواحدة كل يوم." "من هنا لبكرة هيكون في حل تاني." "خلاص، كلمي سالي صاحبتي تيجي تاخدني." بالفعل وافق داوود على اصطحاب سالي لها. وأتت سالي مسرعة مذعورة على صديقتها. "مالك يا تبارك؟ حصلك إيه؟ "مافيش حاجة بسيطة." "لازم أعرف إيه اللي حصل ووصلك لكده." قصت لها تبارك جميع ما حدث معها. "ابن الـ... وسبتوه يمشي كده من غير ما تعملوا له محضر؟
"المحضر هيبقى أرحمله من اللي هعمله فيه. ماتشغليش بالك، انتي المهم توصليها بالسلامة. وانتي يا تبارك أول ما توصلي، رني عليا." أتى الطبيب وسمح لها بالذهاب. وحرصت تبارك على عدم معرفة والدتها لشيء مما حدث معها، وقامت بالتنبيه على سالي بعدم إخبارها. ووافقت سالي، فهي تعلم وضع والدتها جيداً.
وصلت سالي وتبارك المنزل، وكان داوود يمشي خلفهم بالسيارة إلى أن وصلت المنزل واطمأن عليها، ثم وصل بعد ذلك للفيلا. وجدت والدته تجلس في الريسبشن وتحتسي فنجان قهوة. ابتسم لها عندما وجدها جالسة تنتظره وذهب وجلس على المقعد الذي بجانبها. "بقالي يومين مش بشوفك ولا بتعدي عليا في أوضتي ولا بتتغدى معايا. قولت لنفسي مابدهاش بقى أستناك هنا لحد ما تيجي." أمسك داوود يدها وقبلها.
"مساء الفل يا ست الكل. صدقيني كان عندي ضغط شغل جامد، حتى اسألي منير سايبه في الشركة بيخلص شغل." "طيب وهلا عامل معاها إيه؟ "ولا حاجة. سيبنا بعض." "بسببى؟ "مش بالظبط. انتي عارفة أنا بحب أمشي بدماغي ومبحبش حد يحط شروطه عليا، وأنا مش عايز أفضل عايش في مشاكل بينك وبيها." "بتحبها؟ "لو مش بحبها، هفضل معاها الوقت ده كله ليه؟ "مش يمكن محاولتش تعرف غيرها عشان كده فاكر إنك بتحبها؟ "يمكن."
"طيب أنا مستنياك عشان نتعشى سوا. هتتعشى ولا هتنام خفيف؟ "لأ يا ست الكل، مقدرش طبعاً."
جلسوا على طاولة الطعام. وكانت منيرة، والدة داوود، سرحانة تفكر في حديثها معه وهل هي محقة فيما تفعله. هي تريد زوجة لابنها وأم لأحفادها. إذا تزوج من هلا، ستنشئ أبناءها على الأنانية وحب الذات مثلها. هناك الزوجة ليست فقط لأعمال المنزل، بل هي المنزل بالكامل. الرجل ضيف مهما فعل، فالأم هي الأساس، هي من تزرع العقائد في عقول أبنائها، هي من يفعل أبناءها مثلما تفعل. كيف ستربي أبناءها وماذا ستعلمهم.
ومن جهة أخرى، تخشى من ظلم ابنها إذا كان حقاً يحبها. منيرة امرأة من عائلة متوسطة، كانت تعمل سكرتيرة لدى والد داوود. أحبها وأحبته وأنجبوا داوود الابن الأكبر، ثم أنجبت سلافة. ولكن يشاء القدر أن تولد بعيب خلقي في الرئة لولادتها مبكراً. وبعدها تفقد منيرة الرحم. "بص يا داوود، لو انت بتحب هلا وعايز ترجع لها وتتجوزوا، ارجع. بس هاتلها فيلا بره." "ماتشغليش دماغك يا ماما، أنا عايزك تاخدي بالك من صحتك وسيبى النصيب للنصيب."
انتهى من العشاء وصعد لغرفته يتذكر أحداث اليوم. أخذ هاتفه وقام بالاتصال على إحدى رجاله. "لو يا سعيد." "داوود باشا، أهلاً بمعاليك." "هبعتلك رقم وموديل عربية، عايزك بكرة تكون جايب صاحب المخزن اللي على الصحراوي." "أوامرك يا باشا." ثم قام بإرسال رقم السيارة وصورتها لسعيد. ثم اتصل على وليد السائق الخاص به وطلب منه أن يذهب غداً لاصطحاب تبارك من أمام منزلها. وأرسل له عنوان تبارك. عند تبارك، كانت تجلس تتحدث مع سالي في غرفتها.
"وبعدين يا تبارك، هو أنا بقولك خدي إجازة وابعدي عنه ولا قربي منه أكتر؟ "صدقيني، أنا معملتش حاجة. هو اللي بيكلمني وبيفتح معايا كلام." "بصي يا تبارك، اللي زي داوود ده مش سهل، وكلنا عارفين هلا. حتى لو سابوا بعض زي ما قولتي، هلا مش عبيطة تسيب واحد زي داوود. والله أعلم إيه اللي بينهما. واوعي يا تبارك تبقي مجرد محطة يقف عندها أو فاصل. وقتها انتي بس اللي هتتوجعي وهتخسري كل حاجة."
شردت تبارك في حديث سالي. هي تعلم جيداً أن حديثها صحيح، ولكن ليس على قلبها سلطان. *** في اليوم التالي، استيقظت تبارك واستعدت للذهاب للعمل. وقررت أن تأخذ إجازة لتستريح وتستطيع التفكير في مستقبلها. وصلت تبارك لمدخل العمارة ووجدت السائق الخاص بداوود منتظرها أمام إحدى السيارات التي كان يمتلكها داوود. ذهبت إليه باستغراب من وجوده أسفل منزلها. "صباح الخير يا عم داوود، زاقف هنا في حاجة؟
"صباح الخير يا أستاذة تبارك. دي أوامر داوود بيه، أخدك وأجيبك من وإلى الشركة." "بس هو ما قليش حاجة زي دي." "حضرتك تتكلمي معاه، أنا مجرد مأمور بنفذ الأوامر. اتفضلي أوصل حضرتك." وفتح لها باب السيارة واتجه للشركة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!