في جنوب صعيد مصر، حيث الجمال والروعة والقلوب الطيبة، حيث تقطن عائلة عاصم المكونة من الجدة كريمة، وعاصم بطل روايتنا، وإخوته التوأم سامر وقمر، وابن عمتهم شوق. وفي الصباح، نجد عاصم يستيقظ ليؤدي الفرض، ثم يذهب إلى جدته. عاصم: صباح الخير يا جده. كريمه: صباح النور عليك. عاصم: خواتي راحوا الجامعة. كريمه (تضحك) : جامعة إيه دلوقتي ده؟ لسه الشمس منزلتش.
عاصم: عشان المواصلات، ما إنتي عارفة يا جده، بينا وبين الجامعة ساعة ونص، والأتوبيس ما بيوقفش كتير. كريمه: هبقى أديهم يركبوا بيجو. عاصم: اجعدي إنتي، جلعي فيهم. كريمه: يا ولدي مش كفاية اتربوا أيتام؟ لا أب ولا أم؟ ما إنت خابر أمك ماتت وهي بتولدك، وولدي أبوك الله يرحمه حصلها على طول، ما فاتش شهر على وفاتها ورجع جارها، لكن إنت كنت كبير. عاصم: الحمد لله على كل حال. أروح أنا أشوف الزرع بتاع الناس.
كريمه: منه لله عمك، عايش في مصر سلطان زمانه ومهملك للزرع يا ولدي. حتى الأرض يا دوبك اللي بتجيبه ما بيكفيش. لولا بس حتتين الدهب بتوعي اللي ساندينا، كنا متنا من الجوع. عاصم: حدش بيموت من الجوع يا جده. جوليلي بقى هتغدينا إيه النهارده؟ كريمه: هغديك باميه ويكه ولحم ضاني متجلب في التوم لغاية مشكشك. عاصم: وجرنين فلفل حاميين. كريمه: وشوق بتخبز أهي عيش شمسي صابح. عاصم: كان نفسي شوق تتعلم، بس هي قالت كفاية الإعدادية.
كريمه: هي مخها كده، وأهي الحمد لله بتعرف تقرا وتكتب، وفلحانة وعمرانة في البيت. دي مربية طيور وأرانب غير العنزه بتاعتها وعيالها. عاصم: ربنا يكرمها. كريمه: الله يرحم عمتك ناعسة وأبوك. عاصم: أنا فاكر أبوي يا جده، كان حنين قوي. كريمه: آه يا ولدي، كان أحن واحد في الدنيا. مش عامر اللي منه لله، كوش على كل حاجة. عاصم: كده يعني؟ أديكي عطلتيني، زمان الرجالة قاعدين في الأرض. كريمه (تضحك) : أرض أرض؟
اللي يسمع كده يقول ياما هنا وياما هناك، وهما تلت فدادين يا عمي. عاصم: حلوين يا جده، الحمد لله، أحسن من غيرنا. كريمه: ربنا يكملك بعقلك. سبحان الله، كأني قاعدة مع جدك عاصم الله يرحمه. ويديك طول العمر وأفرح بيك وأعوضك. عاصم: وبعدين معاكي. جلت لما أطمن على خواتي الأول. كريمه: طاب هتروح الأرض على ريجك كده؟ شُق ريجك الأول. عاصم: مش جعان دلوقتي، وبعدين إنتي عايزاني أفطر عشان ما أعرفش آكل الويكه واللحم الضاني؟
كريمه: قبل ضهر خلي غريب يجي ياخد الأكل. عاصم: ربنا يخليكي لينا يا جده. كريمه: ويخليكم لي. ده إنتوا العوض اللي ربنا عوضني بيه عن اللي راحوا. عاصم: همشي أنا أحسن. لو قعدت جارك هتجيبي القديم والجديد وتجعدي تبكي لدمع عينك. كريمه: عاصم أهو، شوفت؟ مش جلت أنا لتمسح. (تمسح كريمه دموعها) كريمه: خلاص أهيه مش هبكي تاني. (يقبل عاصم يدها ويتركها ليذهب إلى الأرض) وهنا تدخل شوق على جدتها. شوق: أنا خلصت خبز يا جده.
كريمه: جدعة بت بتي. شوق: هجهز الفطور على ما عاصم ينزل. كريمه (تضحك) : عاصم خرج راح الأرض، جهزي لسامر وقمر. شوق: من عيني حاضر. (تذهب شوق إلى المطبخ وتقول وهي تفكر) شوق: آه يا سامر لو تحس بيا وبحبي ليك، ولا جلبي اللي بيفط مني ساعة ما أشوفك. ربنا يجعلك من بختي ونصيبي يا واد خالي. شوق: بس إزاي يا شوج وهو في الجامعة وإنتي ما كملتيش علمك؟
ياكن له هو دايما بيضحك معايا، وبيقول عليا أجمل من البنات اللي معاه في الجامعة. وكمان بيقول إنه بيعزني جوي. ربنا يسامحك يا عمي عامر، لولا كوشت على فلوسنا كان زماني اتعلمت. ياكن أنا جلت سامر وجمر يتعلموا وأنا مش مهم. وماله، ماهي الإعدادية بردك شهادة. (تسمع شوق صوت جدتها) كريمه: شوج! شوق: حاضر جايه. (تخرج شوق من المطبخ) كريمه: جهزتي الفطور يا شوج؟ شوق: حالا هجهزه.
كريمه: طاب طلعي كيلين لحم ضاني واسلجيهم عشان هنعملوا عليهم ويكا ورز. شوق: من عيني حاضر. كريمه: اطلعي صحي سامر وجمر عشان يلحقوا جامعتهم يا بتي. شوق (بفرحة) : حاضر يا جده. (تصعد شوق إلى غرفة سامر وتفتح الشباك) سامر (بتأفف) : إيه ده؟ مين اللي فتح الشباك؟ شوق: أنا شوج يا سامر. سامر: وإيه اللي دخلك أوضتي؟ وكمان بتفتحي الشباك؟ شوق: جدتي جالتلي أطلع أصحيك. سامر: طاب روحي، وأنا متنيل جاي وراك.
شوق: طاب بس براحة، متزعجش على الصبح كده. سامر: معلش يا ستي، صباح الخير. شوق (بفرحة) : صباح النور عليك. سامر: على ما آخد دش جهزيلي لبسي ولمعي الجزمة. شوق (بفرحة) : من عيني. سامر: تسلم عينك. إلا قوليلي معاكي فلوس؟ شوق: آه معايا خمس مية جنيه محوشاهم من المصروف اللي بيديهولي عاصم. سامر: بصراحة يعني، أنا كنت محتاج كتاب ولو قلت لعاصم هيسمعني كلمتين. شوق: له أنا هجيبهوملك.
سامر: بصراحة يعني، أنا خايف تقوللي لجدتك ولا أي حد في البيت. شوق: له طبعاً ده إنت تاخد عيوني. سامر: تسلملي عيونك. (لتفرح شوق بكلام سامر) قمر: فها هي قد استيقظت وأدت فرضها. قمر: يارب وفجني ونجحني عشان أفرح جلبي. عاصم: اخويا ده شقي وتعب علينا جوي، ويارب يهديك يا سامر يا أخوي. أقوم ألبس عشان ألحق أفطر. (أما عاصم فكان يجلس مع العم عوض) عوض: عوض، يعني إنت جاي من فجر ربنا وتعبنا معاك، إلا حتى ما شربنا بج شاي.
عاصم: تعالي يا غريب هات المنجد والتنكة عشان نعملوا الشاي، خلي عمك عوض يحل عني. غريب، أنا هعمل الشاي وأشرب معاكم. عاصم: بعد ما تملح الأرض وتذجيها، هنبقى قرب الضهر. تروح على بيتنا تجيب الغدا، جدتك كريمة طابخة ويكه ولحم ضاني. غريب (بفرحة) : صح كلامك؟ عاصم: آه يا أخوي صح. تجري على بطنك بالمشاوير. إنت غريب. أروح أعملكم أحلى كوبايتين شاي. عاصم: إيه يا عم عوض، مش هتحكيلي عن أبوي النهارده ولا إيه؟
على الأجل تعمل بالوكل اللي جاي. عوض: بتجلب عليا المواجع، إنت. أصل أبوك ده أغلى من أخوي عندي. كان راجل طيب وحنين ورجولة الدنيا فيه. طاب ده مرة كان جدك عاصم مشيعه يجيب طلبعوض: كنا في نص الليل وكان فيه عصابة ولاد الليل بينزلوا البلد بعد العشاء. عاصم: عصابة إيه ديه؟ عوض: عصابة الجط. عاصم: الجط وعصابة عوض زي ما بتقولك كده. عوض: طاب كمل. ومن حظ أبوك، جابله الجط بذات نفسه، كبير العصابة. وسأله: إنت مين ورايح فين؟ عوض:
قام المرحوم أبوك جاله: أنا عميرة واد عاصم الخياط. الجط ضحك وقال: ما تخافش مني. جام المرحوم عميرة جاله: واخاف من إيه؟ العمر واحد والرب واحد. هتعمل إيه يعني؟ هتاخد روحي؟ الجط جاله: أسد يا عميرة زي أبوك. أنا هبعت معاك راجل من رجالاتي يوصلك تجيب طلبك، وبعد كده يوصلك لبيتك. عميرة: جاله: له خلي رجالتك. أنا لو ما حميتش نفسي، مستاهلش أعيش. (وجاب طلباته وروح) عاصم: الله يرحمك يا أبوي. عاصم: طاب وعمي عامر؟
عوض، ليه بس السيرة العفشة ديه؟ عاصم: أحكيلي عنه. جدتي ما رضيتش تكلمني عنه. كل ما أكلمها، تجوللي: جفل على السيرة ديه. عوض: معذورة يا ولدي. أصل عامر طول عمره غدار وبيحب نفسه. عوض: أبوك وقف جاره، كان بيراعي كل حاجة. وخلّاه هو اتعلم وخد شهادة عالية. ولما أبوك اتوفى، عامر كوش على كل حاجة وباع الأراضي والبيوت. ولولا جدتك كانت وارثة الأرض ديه عن ناسها، كان خدها بردك. عاصم: هو ليه يعمل كده؟ عوض، شيطانه سايجة يا ولدي.
عاصم: ده عمره ما جه، ولا حتى سأل علينا بالتليفون. عوض: بقولك كل حجكم تجوللي يسأل عليكم. عاصم، بس بنته بتتحدث مع قمر أختي على التليفون، وكأنهم أصحاب. عوض: أصل مرة عمك ست طيبة جوي وبت ناس وأصلها كبير. عاصم: ده حتى جدتي عمره ما كلمها. عوض: جدتك قوية وواقفة زي الوتد. ربتكم وربت بت المرحومة عمتك. عوض: عاصم، عمتي خديجة كانت طيبة جوي هي وجوزها. بس ياله الحمد لله. الله يرحمهم. عوض ويرحم جدك وأبوك.
عاصم: عمتي كانت طيبة جوي هي وجوزها. لولا بس الكهربا اللي مسكت فيهم وجصفت عمرهم، كان زمانهم عايشين معانا. عوض: أمر ربنا يا ولدي. عاصم: الحمد لله على كل حال. ربنا يكرمك يا عاصم. من حمده زاده. عاصم: بس عارف يا عم عوض، أنا مستغرب من عمي جوي. يعني هو الحمد لله اللي عنده كتير جوي يكفيه ويزيد، وما محليتهوش غير بت وحيدة مخلفش غيرها، ليه يطمع في حاجتنا؟
عوض: عامر طول عمره بيحب نفسه. وكمان بيكره الصعيد. وكان عايزكم تعيشوا معاه في مصر. بس جدتك جالتله: له عيال ولدي هيعيشوا ويموتوا في الصعيد زي أبوهم وجدهم. بس عامر ما عجبهوش الحال.
عاصم: تعرف يا عم عوض، نفسي ربنا يكرمني وأخلي خواتي مش ناقصهم حاجة. وكمان البيت حيطانه شققت خالص، عايز أشوف مجاول عشان نرمم الحيطان. وله كمان قمر خيتي اللي كبرت، خايف يجيها عريس. والله ما عارف هجهزها إزاي. إن كانت هي ولا شوق، واللي زاد وغطى سامر اللي طلباته مبتخلصش. والله لو فيه متبكي العين، بس أعمل إيه. عوض: خليها على الله. إنت عايز تنكد عليا عشان تاكل اللحم والويكا لوحدك، ولا إيه؟ (ليضحك)
عاصم: ربنا يسامحك. جلبت عليا المواجع. أقوم أشوف حالي. (قاسم ملابسه، ليرتدي جلابية قديمة وينزل في وسط الأرض ليساعد غريب) عاصم: ملحت هنا يا غريب؟ غريب: آه، خلصت الناحية الجبلية خالص. عاصم: طاب ريح إنت، وأنا ها أكمل الناحية الشرقية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!