تحميل رواية «هيبة» PDF
بقلم مريم محمد غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تتأمل انعكاسها بذهول، كأنها ترى نفسها لأول مرة. انسدلت خصيلاتها الجديدة على كتفيها بنعومة، تتراقص تحت الضوء بلونها الأشقر الذي أضفى على ملامحها وهجًا دافئًا. مرّرت أناملها على شعرها برفقٍ، تتحسس نعومته المعهودة بلا تموّجات، ثم أمالت رأسها قليلًا تتفحص زوايا التغيير، تراقب كيف يعكس الضوء لمعان اللون الجديد المدمج بلون شعرها الكستنائي الأصلي. "إيه رأيك أنسة ليلى؟ زي ما كنتي عايزة؟" التفتت "ليلى" صوب خبير التجميل الأشهر بالمدينة، ابتسمت له قائلة: "انت بتهزر يا ريكو؟ ده تحفة. الهايلايت طلع فكرة تجنن...
رواية هيبة الفصل الأول 1 - بقلم مريم محمد غريب
تتأمل انعكاسها بذهول، كأنها ترى نفسها لأول مرة. انسدلت خصيلاتها الجديدة على كتفيها بنعومة، تتراقص تحت الضوء بلونها الأشقر الذي أضفى على ملامحها وهجًا دافئًا. مرّرت أناملها على شعرها برفقٍ، تتحسس نعومته المعهودة بلا تموّجات، ثم أمالت رأسها قليلًا تتفحص زوايا التغيير، تراقب كيف يعكس الضوء لمعان اللون الجديد المدمج بلون شعرها الكستنائي الأصلي.
"إيه رأيك أنسة ليلى؟ زي ما كنتي عايزة؟"
التفتت "ليلى" صوب خبير التجميل الأشهر بالمدينة، ابتسمت له قائلة:
"انت بتهزر يا ريكو؟ ده تحفة. الهايلايت طلع فكرة تجنن زي ما قولتلي."
وافقها الأخير مغلغلًا أصابعه بشعرها ينتثره لتراه بالمرآة:
"أنا عملت إللي تخيّلته هايكون لايق جدًا عليكي. لما قولتيلي عايزة لوك جريئ يمحي آثار فتاة المدرسة وفي نفس الوقت مايشوّهش شكلك الأصلي.. دلوقتي بقيتي Lady بجد!"
لم تستطع كبح ابتسامتها، تلك الابتسامة التي زيّنت ملامحها بثقةٍ لم تعهدها من قبل. رفعت ذقنها قليلًا، عبثت ببعض الخصيلات بيدها وكأنها تستكشف مدى تأثير هذا التغيير على حضورها، على إحساسها بذاتها. أزاحت الكرسي للخلف بخطواتٍ رشيقة، دارت نصف دائرة أمام المرآة، ثم عادت تتأمل ببطءٍ، وكأنها تود أن تحفظ هذا الوجه الجديد في ذاكرتها. لم يكن مجرد تغيير في الشعر، بل كان شيئًا أعمق، كأنه إعادة تعريف لنفسها، لمظهرها، لصورتها أمام العالم.
وقفت أمام المرآة تتأمل انعكاسها بذهول، كأنها ترى نفسها لأول مرة. انسدلت خصلاتها الجديدة على كتفيها بنعومة، تتراقص تحت الضوء بلونها الأشقر الذي أضفى على ملامحها وهجًا دافئًا. مرّرت أناملها على خصلاتها برفق، تتحسس النعومة التي لم تعهدها من قبل، ثم أمالت رأسها قليلًا تتفحص زوايا التغيير، تراقب كيف يعكس الضوء لمعان اللون الجديد.
لم تستطع كبح ابتسامتها، تلك الابتسامة التي زينت ملامحها بثقة لم تعهدها من قبل. رفعت ذقنها قليلًا، عبثت ببعض الخصلات بيدها وكأنها تستكشف مدى تأثير هذا التغيير على حضورها، على إحساسها بذاتها. أزاحت الكرسي للخلف بخطوات رشيقة، دارت نصف دائرة أمام المرآة، ثم عادت تتأمل ببطء، وكأنها تود أن تحفظ هذا الوجه الجديد في ذاكرتها. لم يكن مجرد تغيير في الشعر، بل كان شيئًا أعمق، كأنه إعادة تعريف لنفسها، لمظهرها، لصورتها أمام العالم.
وأمامه هو خاصةً. الرجل الذي كان ومازال عقدة حياتها، المتسلّط الغامض، والذي لم تستطع يومًا فهمه. لم يكن ما تفعله مجرد تغيير بسيط في مظهرها، بل كان ثورة صامتة، إعلانًا غير مباشر عن تحوّلها.
كم كان يضايقها بكلماته التي توحي بأنها طفلة، كم استهان بنضجها، حتى حين كانت تحاول أن تثبت له العكس. والآن؟ الآن لن يرى الطفلة التي طالما وضعها في قالب البراءة والصغر، بل سيجد أمامه امرأة، ربما تفوق زوجته الفاتنة إثارةً وجمالًا!
زفرَت "ليلى" ببطءٍ، تذكرت ليلة زفافه واقترانه بتلك الأخيرة. تذكرت الفترة العصيبة التي عاشتها لاحقًا، وهي تراه معها، ملاصقةً له، تستحوذ عليه وتهتم بتفاصيله، تشاركه كل شيء، ألا يحق لها؟
لقد صارت زوجته، ما يحدث بينهم غير ما ذكرت أكثر بكثير، وبمجرد تفكيرها به تشعر وكأنها على وشك البكاء، ولا تعرف السبب على وجه الدقة!!
لطالما أعجبت بـ"نديم". وربما تحرّكت مشاعرها تجاهه بالآونة الأخيرة، لكنه لم يفعل، فلو فعل ما كان ليتجاهلها بهذا الشكل، ما كان لينظر لأخرى.
ابتسمت بسخرية، وكأنها تُذَكِّر نفسها بأنها لم تعد تحتاج لمقارنات واهية. لقد تجاوزت كل ذلك منذ لحظة إعلانهما زوجًا وزوجة.
ما يهمها الآن هو كيف إنها سوف تبهره، وستكون أشدّ الناس سعادة لمحو نظرة الاستخفاف بها من عينيه، اليوم، حين يراها، سيعلم بأنها لم تعد تلك الفتاة التي تركها خلفه، بل باتت امرأة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأكثر ممّا كان يتخيل...
"ميرسي أوي يا ريكو. بجد ميرسي على كل حاجة."
حدجها الشاب الوسيم مبتسمًا بلطفٍ وقال:
"أنا ماعملتش حاجة كبيرة. انتي إللي جمالك مش عادي."
رفرفت برموشها الطويلة تشكره برقةٍ من جديد، ثم ألقت على نفسها نظرة أخيرة بالمرآة، مرّرت أصابعها على شفتيها ذات الحمرة الصارخة، رفعت ذقنها قليلًا دافعة شعرها للوراء، ثم استدارت برشاقة، وكأنها تُودّع النسخة القديمة منها، ماضية بثقة نحو حياة لن يكون "نديم الراعي" جزءًا منها بعد الآن...
"لأ !.."
تمتمت "ليلى" بتعجب ما إن صارت أمام السيارة التي بعثت في طلبها عبر الهاتف.
لم يكن تعليقها يخص أحدًا غيره بالطبع، ما إن اهتز الهاتف بيدها أنبأها حدسها مسبقًا، وتأكدت عندما ألقت نظرة على الشاشة المضاءة، لترى اسمه الذي يُكثّف خفقات قلبها بمجرد سماعه أو حتى رؤيته.
وللمرة الثانية يخبرها حدسها سبب إتصاله بها في هذا التوقيت تحديدًا، تطلق زفرة عميقة، تتمالك أعصابها جيدًا، ثم ترد عليه بثباتٍ:
"آلو!"
جائها رده الهادئ حادًا بشدة:
"100 مرة قلت لك. لما تخرجي من البيت لوحدك يكون معاكي السواق.. حصل ولا لأ؟"
تريّثت "ليلى" للثوانٍ قبل أن ترد عليه بضجرٍ:
"نديم.. من فضلك أنا مبسوطة جدًا دلوقتي. ومش في مود أسمع أي أوردر. عمومًا أنا راجعة البيت دلوقتي."
سمعت نبرة الخطر الخفيّة في صوته الخافت:
"أسمعي يا ليلى.. انتي كده كده هاتتحاسبي. ماتزوّديش فاتورتك أحسن لك. فضل السواق هاتلاقيه مستنيكي قدام المكان إللي انتي فيه. تروحي زي الشاطرة وتركبي معاه حالًا. ولينا كلام لما ترجعي."
لم تنتبه "ليلى" لآخر كلماته، إذ كانت مذهولة وهي ترفع عيناها باحثة عن أثر السيارة الفضّية التي تعرفها جيدًا، وبالفعل، وجدتها تقف على الجانب الآخر من الطريق المواجه للمركز التجميلي.
كيف عرف بحق الله؟.. كيف عرف بمكانها وهي التي رفضت اصطحاب السائق لها صباحًا وجاءت بسيارة أجرة.. أيراقبها!؟
"سمعتي يا ليلى؟"
أفاقت على صوته واعية لما يحدث، تجاهلت لهجته التحذيرية وقالت مدفوعة بحنقها بأسلوبه الأبوي الخانق:
"معلش هاتسمعني انت يا نديم.. أنا جيت هنا لوحدي وهاروّح البيت كمان لوحدي.. ولما أرجع فعلًا لينا كلام. انت بقيت بتخنقني بأوامرك وتحكماتك ومش فاهمة عشان إيه أصلًا.. بص. أنا جايّة."
صوت ما بأعماقها جمّدها قبل أن تتحامق وتغلق بوجهه، بينما قال عقب كلمتها الأخيرة مباشرةً بنبرةٍ أرجفتها:
"لو كلمتي ماتسمعتش يا ليلى وماروحتيش تركبي العربية مع فضل.. مش هاكتفي بتأديبك بشوية كلام. وهاتندمي!"
ردت باستهزاءٍ غريزيّ:
"تصدق خوّفتني فعلًا يا نديم.. ده بابي نفسه مش بيخوّف زيك.. باي عشان الكابتن مستني وأنا اتأخرت عليه."
وأغلقت الآن قبل أن تسمع منه أيّ رد، سحبت نفسًا مرتعشًا عبر شفتيها، ثم سارت صوب السيارة المستأجرة بخطواتٍ بدت واثقة، ولكن من داخلها كانت عكس كل ما حاولت التظاهر به.
***
في جناحه المَلكي الفاخر.
وقف "نديم الراعي" أمام المرآة الضخمة، يغلق أزرار قميصه الداكن بحركةٍ رتيبة، يضبط ياقته المفرودة، ويحرص على أن يكون مظهره لا تشوبه شائبة كعادته. الضوء الخافت المنبعث من الأباجورة الجانبية رسم ظلالًا ناعمة على ملامحه الحادة، لكن عينيه الخضراوين كانتا بعيدتين تمامًا عن انعكاسه في المرآة، كانتا غائصتين في بُعدٍ آخر.
وعقله في مكانٍ آخر… معها.. مع "ليلى"!
تلك الفتاة التي ربّاها بنفسه، وقد ظن بأنه يشكّلها كما يريد، لكنه الآن يدرك بأنها أفلتت من قبضته، تسلّلت بعيدًا عن الصورة التي رسمها لها، واكتسبت من شخصيته أكثر ممّا ينبغي. العناد، التمرد، الرغبة في فرض إرادتها… كلها صفات لم يكن يجب أن تكتسبها، لكنها فعلت، وبسببه هو. فهل يلومها؟
لكن الأمر لم يعد يحتمل. تجاوزت كل الحدود، وتمادت في تحدّيها له. كان عليه أن يضع حدًا لهذا العبث. هو "نديم الراعي"… وهي، من بين الجميع، هي بالذات، لا يمكن أن يسمح لها بتخطي الخطوط التي رسمها. لا يمكن أن تتحداه، أو أن تخرج عن طوعه. هي بالذات.
فجأة، شعر "نديم" بذراعين ناعمتين تلتفان حوله من الخلف، وصوت دافئ يهمس من وراء كتفه:
"بحبك!"
لم يلتفت. لم يرد حتى. مدّ يده إلى زجاجة عطره المفضّل، ورشّ منه بوفرة على عنقه ومعصميه، بينما "راندا" زوجته، تقف في مكانها خلفه، تحتضنه وتنتظر… لكن دون جدوى.
تحرّكت لتقف إلى جانبه، نظرت إليه عبر المرآة، قبل أن تمسك بذراعه برفقٍ وتقول بنبرة عتاب:
"انت مش سامعني؟ بقولك بحبك يا نديم!"
أخيرًا التفت إليها، لكن نظرته كانت باردة، وابتسامته لم تصل لعينيه.
"مالك يا راندا؟ خير. هاتي اللي عندك."
قطبت جبينها بانزعاجٍ، تركت ذراعه ونظرت إليه مباشرةً قائلة:
"هو أنا لازم أكون عايزة حاجة لما بقولك كده؟ في إيه يا نديم؟ انا مابقتش عارفة مالك. بقالك فترة طويلة مش معايا. مش حاسس بيا.. نديم.. انت حتى بطّلت تلمسني!"
ألقى نظرة سريعة على ساعته، ثم زفر بنفاذ صبر، وعاد لضبط أكمام قميصه قائلًا بصلابة:
"راندا. مش وقته الكلام ده."
ردت بنزعة عصبية:
"أمال إمتى وقته؟ كل مرة نفس الرد!"
أدار وجهه إليها أخيرًا، نبرته حملت ضيق ممزوجًا بحزمٍ واضح:
"خلاص قلت.. هانتأخر على الغدا.. زمانهم مستنيّنا تحت. يلا."
تشنجت ملامحها، وكأنها على وشك الرد بغضب، لكنها تراجعت في آخر لحظة. هزّت رأسها قليلًا، ثم استدارت بصمت، تاركةً له الإجابة التي لم تحصل عليها، والفراغ الذي بدأ يكبر بينهما دون أن يكترث.
***
في غرفة الطعام.
هناك صمت ثقيلٌ لم يقطعه سوى صوت الأطباق وهي تُوضع على الطاولة بعنايةٍ. بينما جلس "مهران الراعي" في مكانه المعتاد، عاقدًا ذراعيه وهو يراقب زوجته، السيدة "مشيرة العقّاد" التي كانت توزّع الطعام برفقة مستخدميها على الأطباق بانشغالٍ واضح. تردد قليلًا قبل أن ينطق، لكنها كانت فرصته، لم يحضر أحد بعد، وهذا الحديث ضروري خاصةً بعد الذي حدث صباحًا.
"مشيرة.. واحنا لوحدنا كده. ممكن تفهميني باختصار ليه أسلوبك بقى جاف جدًا مع ليلى مؤخرًا؟"
لم تتوقف مشيرة عن عملها، لكن حاجبيها ارتفعا قليلًا قبل أن تدير رأسها نحوه ببطءٍ لترد بنبرةٍ باردة:
"أسلوبي بقى جاف؟ لأ مش فاهمة يا مهران. جبت منين الفكرة دي. أو إيه الجديد إللي شوفتني عليه معاها؟"
قطب "مهران" وهو يقول بلمحة غاضبة:
"انتي بقيتي قاسية عليها.. بتكلّميها بجفاء عكس أي حد هنا في البيت حتى راندا مرات نديم. وكأن ليلى هي الغريبة. كأنها مش بنتك!"
وضعت الملعقة على الطاولة بقوة، ورفعت عينيها لتلتقي بعينيه مباشرةً، وكأنها تتحداه أن يقترب أكثر من هذه المنطقة.
"أديك قلت.. بنتي.. بنتي يا مهران زي ما قلت.. وأنا أدرى بمصلحتها. انت دلّعتها دلع ماسخ أوي من صغرها. ومعاملتي ليها إللي مش عاجباك دي محاولة أخيرة.. قبل ما عيارها يفلت."
صاح "مهران" بدهشة لا تخلو من الغضب الصريح:
"عيار مين إللي يفلت؟ كل ده عشان إيه؟ انتي عارفة أصلًا بتتكلمي عن مين.. دي ليلى.. ليلى يا مشيرة. دي لسا طفلة!!"
"طفلة رايحة الجامعة كمان كام يوم.. صحيح!"
ضيّق عينيه متفحصًا ملامحها، باحثًا عن إجابة خلف هذا العداء المستتر في كلماتها. وقال:
"عارفة يا مشيرة.. يارب أطلع غلطان.. وتكوني فعلًا بتتصرفي بدافع خوفك عليها. عشان لو إللي في دماغي صح.. هاتزعلي مني أوي."
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن عينيها ظلّتا باردتين وهي ترد عليه:
"انت زعلتني خلاص يا مهران.. وماظنش إن أي حاجة ممكن تعملها دلوقتي أو بعدين ممكن تزعلني."
اشتد فكه غضبًا، وهتف من بين أسنانه محتدًا:
"أنا بحذرك يا مشيرة.. وده أخر تحذير.. ليلى خط أحمر ومش هاسمح لك حتى تجيبي سيرتها بكلمة بطّالة انتي سامعة .."
"إهدى يا عمّي!"
إنتبه "مهران" لصوت "نديم" المباغت، أمسك لسانه بينما يستطرد الأخير ماشيًا صوب مائدة الطعام بجواره زوجته:
"مين يقدر يجيب سيرة ليلى بكلمة بطّالة بس؟ محدش يقدر طول ما أنا موجود طبعًا."
وجلس على رأس الطاولة متابعًا وهو يوّزع ناظريه بين عمّه وزوجته:
"إيه الحكاية بقى؟"
بادرت "مشيرة" وهي تضع له صحنه الخاص أمامه:
"ولا حاجة يا حبيبي.. عمّك كالعادة بس.. شايف ليلى ملاك مابتغلطش."
راقب "نديم" عمّه وهو يرمق زوجته بنظرة كانت لتحرقها لو أن لها تأثير. سحب نفسًا عميقًا وقال بهدوء:
"مافيش حد مابيغلطش أكيد.. وخاصةً ليلى يا عمي!"
نظر له "مهران" مشدوهًا ولم يرد، فأكمل "نديم" بصوتٍ أجش:
"ماتبصليش كده يا عمي.. بص أنا ماعرفش إيه مشكلة مشيرة مع ليلى. لكن إللي أنا واثق منه إنها واخدة وش على الكل الفترة دي ولازم يتعاد رسم حدودها."
عبس "مهران" قائلًا:
"انت هاتعوم على عوم مشيرة يا نديم. يابني ليلى لسا عيّلة. كل ده عشان سايبها تعيش سنّها؟ البنت مابتعملش حاجة غلط."
هز "نديم" رأسه وقال بمنطقه المقنع كالمعتاد:
"ما هو ده أول طريق التمرّد يا عمي.. لما إنهاردة تسمح لها تمشي على كيفها. تخرج وتدخل وقت ما تحب. تلبس إللي يعجبها. تكلّم أي حد منغير ما نعرفه على الأقل.. هاتاخد على كده ومحدش هايعرف يحاسبها بعدين.. ليلى محتاجة يتشدّ عليها شويتين وده إللي أنا ناوي أعمله."
لو كان أي أحد غيره قال هذا الكلام ربما كان "مهران" ليعارضه بقسوة، لكنه ولدهشة زوجته وزوجة ابن أخيه وافقه قائلًا وقد اقتنع بكلامه:
"جايز انت شايف حاجة أنا مش شايفها فعلًا.. خلاص يا نديم.. اتصرف معاها وأنا مش هاتدخل نهائي."
غمغمت "مشيرة" من مكانها متهكمة:
"لو ماكنش نديم قالها ماتبقاش كلمة حق صحيح!"
صوّب "مهران" نحوها نظرة محتقنة، بينما ابتسم "نديم" متسائلًا فجأة:
"أومال فين ليث ولُقى؟"
أجابت "مشيرة" وقد اشرق وجهها بالابتسام الآن:
"لُقى سافرت اسكندرية عشان تاخد قياسات فستان فرحها وليث طبعًا راح معاها.. يومين وهايرجعوا إن شاء الله."
"تمام بس ماتنسيش إن العريس اسكندراني. يعني عايش هناك. وليث لازم يفتّح عنيه على أخته كويس ومايسبهاش تتوارب عن عينه. مش هانيجي في الآخر ونخيب."
"لآ ماتقلقش.. ليث من الناحية دي طالع لك بالظبط. دي كانت هاتروح لوحدها وهو راسه وألف سيف رجله على رجلها."
"راجل!"
قالها مزهوًا بالفتى الذي كبر في كنفه وتعلّم منه الكثير على مرّ السنين.
وأمسك بالملعقة وكاد يبدأ بتناول طعامه.. إلا إن صوتها جمّد كل شيء من حوله للحظة:
"Hello Humans!"
أطلّت "ليلى" على أعتاب غرفة الطعام بغتةً، رأت الجميع كما توقّعت _ عدا شقيقاها _ والدها "مهران" في زاوية المائدة، وأمها مشيرة إلى جانبه، وعلى الجانب الآخر كانت "راندا". أما "نديم" فكعادته، في الصدارة.
متجهمًا كالمعتاد، لم تسمع لأحد صوتًا بعد ظهورها، رغم أن أصواتهم تناهت إلى سمعها قبيل دخولها، عينيها لم تفوّت أيّ تفصيلة للأجواء المشحونة.
توقفت عند المدخل للحظة، كأنها تستجمع قواها قبل أن تتقدم، تحاول أن تبقي رأسها مرفوعًا رغم التوتر الذي بدأ يزحف إلى صدرها. لم يكن التوتر نابعًا من وجود الجميع بقدر ما كان بسبب نظرات "نديم" الحادة التي التقت بعينيها للحظة واحدة فقط… لكنها كانت كفيلة بأن تعيد إلى ذاكرتها وعيده القاسي لها عبر الهاتف قبل ساعة واحدة، حين عصت أوامره ولم تعد مع سائقه.
ورغم أنها كانت مغرورة بما يكفي لعدم إظهار خوفها، فإن ارتباكها كان حقيقيًا. ومع ذلك، تماسكت، وواصلت طريقها نحو الطاولة.
"مساء الخير!"
خرج صوتها هادئًا.
لكنه لم ينجح في كسر الجليد الذي خيّم على المكان. شعرت بتشنج "نديم" بمجرد أن نطقت، وكأن وجودها في حد ذاته كان مستفزًا له. تجاهلته تمامًا واقتربت من والدها، قبّلته على خده بمحبة، فردّ عليها بابتسامة دافئة. ثم التفتت إلى والدتها، فطبعَت قبلة خفيفة على خدها، لكن "مشيرة" لم تُظهر أيّ استجابة، اكتفت بإيماءة باردة وكأنها بالكاد تتسامح مع وجودها.
أدارت "ليلى" رأسها نحو كلًا من "نديم" و"راندا". ألقت عليهما تحيّة مقتضبة، لا دفء فيها ولا عداء، مجرد كلمات رسمية خالية من أيّ مشاعر. لم تتوقع ردًا حارًا، ولم تحصل عليه، فاكتفت بأن تسحب الكرسي لتجلس…
لكن فجأة، جاءها صوته، حادًا، قاطعًا، لا يقبل الجدل:
"ماتقعديش!"
تجمّدت يدها على ظهر الكرسي، وحدّقت فيه بذهول. لأول مرة منذ دخلت، نظرت إليه مباشرةً… وإلى ذلك البرود القاسي الذي يغلّف ملامحه.
"إيه؟"
تقاطعت نظراتهما للحظاتٍ طويلة، قبل أن يتكئ إلى الخلف في مقعده، واضعًا ذراعه على الطاولة بلامبالاة مستفزة وهو يقول ببرودٍ:
"واضح إنك متخيّلة إن تصرفاتك هاتعدي ببساطة. وإنك ماعملتيش حاجة تستاهل العقاب.. كنتي فكراني بهزر؟"
شعرت بالدماء تصعد إلى وجهها، تذكّرت المكالمة بحذافيرها وهي تنظر إليه… تذكّرت لهجته القاسية فيها والتي تحاكي لهجته في هذه اللحظة بإسلوبٍ مبطن. لكنها لم تكن لتتراجع الآن. انتصبت في مكانها، تحاول أن تحافظ على هدوئها رغم غليانها الداخلي، وقالت:
"عقاب؟ انت شايفني طفلة يا نديم؟ ثم أنا عملت إيه؟ أنا خرجت روحت الكوافير زي ما بعمل كل فترة عادي. إيه المشكلة يعني؟"
"المشكلة إنك مش هاتعملي كده تاني!"
قالها بوضوحٍ، وأردف:
"أقصد ماعادش في فرص ليكي تعملي أي حاجة تيجي على بالك.. لا خروج ولا حتى نزول من أوضتك."
احتدت عيناها، واستدارت نحو والدها، متوسّلة تدخله:
"بابي انت ساكت ليه؟ مش هتقول حاجة؟!"
زفر "مهران" بخفة، قبل أن يهز رأسه بأسفٍ، ويرد عليها بحزمٍ خذلها:
"أنا آسف يا ليلى… مقدرش أتدخل بينك وبين نديم. ده أخوكي الكبير. وأكيد عارف بيعمل إيه والأهم إنه عارف مصلحتك."
أخيها!!!
تراجعت خطوة للخلف، وكأنها تلقّت صفعة. نظرت إلى والدها بذهول، ثم إلى "نديم" الذي لم تفارق ملامحه تلك البرودة المستفزة.
صاحت بوجوههم فجأةً:
"ده مش أخويا!"
خرجت الكلمات منها بعنفٍ، وكأنها تحاول بها كسر تلك السلطة التي فرضها عليها الجميع دون إرادتها. لكن "نديم" لم يتأثر، لم يغضب حتى. فقط ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، أججت غضبها، قبل أن يرد بهدوءٍ مستفز:
"فعلًا… أنا مش أخوكي. بس ده مش معناه إنك تقدري تخرجي عن طوعي. أو تعملي اللي في دماغك أيًا كان. وبالمناسبة حسابك على إللي روحتي عملتيه في شكلك ده منغير ما تستأذني أنا شايله لقدام.. بس هاتعرفيه في وقته."
كانت إشارة صريحة لمظهر شعرها الجديد، لقد لفتت نظره إذن، وكانت لتغتبط في ظرفٍ آخر.
لكنها بدلًا من ذلك قبضت يديها بقوة، تحاول أن تكبح رغبتها في الصراخ بوجهه باسلوبٍ أكثر ضراوة، إلا إن "نديم" لم يمنحها فرصة للرد، وأكمل بصوتٍ ثابت:
"بما إنك شايفة نفسك ناضجة كفاية عشان تتحديني.. يبقى تستحملي نتيجة أفعالك."
صمت للحظة، ثم أنهى قراره بصرامة:
"هاتطلعي أوضتك.. مش هاتنزلي منها غير لما أسمح لك. مفهوم؟"
اتسعت عيناها بدهشة وغضب ورددت:
"أفندم! أنت بتتكلم جد؟!"
"جد جدًا. وده آخر كلام."
تلفتت حولها، منتظرة أن يتدخل أحد… لكن الصمت كان سيد الموقف. "راندا" بدت مستمتعة بما يجري ولم تستغرب، ووالدتها لم تحرك ساكنًا، أما والدها… فقد اكتفى بالصمت، كأن الأمر لا يعنيه.
عجزت عن كبح انفعالها أكثر، فصرخت بانفعالٍ:
"مش طالعة! ومش من حقك تمنعني من الخروج أو النزول. ولا تتعامل معايا بالطريقة دي أصلًا أنا ماسمحلكش!!"
أطبق صمت مريب على الجميع، لم يجرؤ أحد على النطق، فقط حالة من الترقّب، ثم نهض "نديم" ببطءٍ.
رفع رأسه لينظر إليها نظرة ثابتة جعلت قلبها يضطرب رغمًا عنها. اقترب منها قليلًا، حتى أصبحت المسافة بينهما ضئيلة، ثم قال بصوتٍ خفيض، لكنه كان أشبه بحكمٍ نهائي:
"اطلعي أوضتك يا ليلى… دلوقتي."
وقفت "ليلى" في مكانها، أنفاسها تتسارع، وعيناها تشتعلان بالغضب والعناد. لم تكن معتادة على أن يُملى عليها شيء، لم تكن تقبل الأوامر من أحد، فكيف به؟! كيف يجرؤ على فرض سلطته عليها بهذه الطريقة المهينة؟
لكن "نديم" لم يكن في مزاج يسمح له بتقبّل مقاومتها. تقدّم خطوة أخرى، حتى بات الفارق بينهما معدومًا تقريبًا، وحدّق في عينيها بنظرة ثقيلة، كأنها تهوي بسوط على كبريائها.
"قلت لك اطلعي أوضتك!.."
صوته منخفضًا، لكنه يحمل في نبراته تهديدًا لا يمكن تجاهله.
رفعت رأسها بتحدٍّ، جمعت كل قوتها كي لا تبدو ضعيفة أمامه، بينما عقلها يُعيد استرجاع مواقفه السابقة معها… كان دائمًا يُنذر قبل أن يعاقب، لكنه اليوم، لم يكن في مزاج للإنذارات.
"ولو ماطلعتش؟ هاتعمل إيه يعني؟"
كانت تعرف أن استفزازه أكبر خطأ يمكن أن تقترفه، لكنها لم تستطع منع نفسها. أرادت أن تريه بأنها ليست فتاة ضعيفة، وأنه لا يستطيع التحكم بها كما يتحكم بالآخرين.
لكن رد فعله كان أسرع ممّا توقعت.
في لحظة، امتدت قبضته إلى وتحوّلت إلى طوق حديدي حول معصمها، شدّها نحوه بعنفٍ جعلها تترنّح قليلًا، قبل أن يهمس في أذنها بنبرةٍ باردة تقطر تهديدًا:
"مش هاتجبَريني أوريكي هاعمل إيه لو ماسمعتيش الكلام. بس لو حابة تتهاني بجد يا ليلى.. كمّلي عناد!"
تجمدت في مكانها، قلبها ينبض بعنف، ليس خوفًا، وإنما صدمة من حدة تصرفه. رفعت عينيها إليه، محاولة أن تجد أيّ أثر للين أو تراجع في ملامحه، لكنها لم تجد سوى القسوة المطلقة.
حاولت أن تسحب يدها من قبضته، لكن أصابعه ضغطت أكثر، فأدركت أن لا فائدة. نظرت حولها مستنجدة، فوجدت والدها ينظر بعيدًا كأنه غير معنيّ بالأمر، ووالدتها صامتة، و"راندا" لأول مرة ترتبك منذ رأتها، لكنها بالطبع لن تنبس بكلمة!!
شعرت بغصّة في حلقها… لا أحد سيقف بجانبها. كانت وحدها في هذه المعركة، والمعركة قد حُسمت بالفعل لصالحه.
لقد خسرت.
الرضوخ كان مُرًا، لكنه كان الخيار الوحيد الآن.
أخفضت عينيها، وأجبرت نفسها على ابتلاع عنادها، قبل أن تهمس بصوتٍ خرج مختنقًا رغمًا عنها:
"سيب إيدي!"
لم يفلتها فورًا، كأنه أراد أن يتأكد من استسلامها تمامًا، ثم بعد لحظاتٍ أطلق سراحها ببطء. تراجعت خطوة إلى الخلف، تشعر بالذل يغلي في عروقها، لكنها لم ترفع رأسها، لم ترد أن يرى في عينيها أثر الانكسار الذي نجح في زرعه داخلها.
ثم، دون أن تنطق بكلمة أخرى، استدارت واتجهت نحو الدرج.
لكن قبل أن تختفي تمامًا، جاءها صوته مرةً أخرى، بنفس الصرامة التي أنهت كل جدال معها:
"غداكي وعشاكي إنهاردة في أوضتك.. مش عايز ألمحك حواليا في أي مكان لحد ما أقرر إمتى تخرجي."
تسارعت خطواتها دون أن ترد. لم تكن تريد أن تمنحه أيّ انتصار آخر… لكنه كان يعلم، كما تعلم هي، أن انتصاره الأكبر قد تحقق بالفعل.
لقد كسرها.
أغلقت "ليلى" باب غرفتها خلفها، وأسندت ظهرها إليه، ثم انزلقت ببطءٍ حتى جلست فوق الأرض. انفجر بكاؤها في لحظة، ليس بكاء ضعف، بل قهر. قهر من كل ما تمر به، من قسوة "نديم". من إحساسها بالخذلان، من عجزها عن فهم ما الذي تغيّر، ولماذا تغيّر؟
لطالما كان "نديم" هو الرجل الذي نظرت إليه بانبهار، وكأنه خُلق ليكون فارسها. أحبّته في صمت، رسمت له في خيالها صورة البطل الذي لن يخذلها أبدًا، حتى صدمها قراره بالزواج من أخرى، فحطم أحلامها الورديّة دفعة واحدة. لكن رغم كل شيء، لم تستطع أن تكرهه، وما يؤلمها أنها لا زالت تحبّه.
تكاد تجن، لماذا تغيّرت معاملته لها؟ لم يكن هكذا معها في السابق. أجل، كان قويًا، حازمًا، لكنه كان يعرف كيف يحتويها أيضًا، كانت مدللته.. والآن؟ ماذا حدث؟ لماذا يعاملها بكل هذه القسوة؟ كيف نسى كل شيء؟
ألزوجته هذا التأثير الكبير عليه؟ هل نجحت بأخذه من الجميع حتى منها هي؟ اللئيمة. حتمًا هي من أشعلت نيران البغض في قلبه تجاهها، أجل هي لا غيرها!
زحفت "ليلى" نحو سريرها بصعوبةٍ، وكأن الحزن استنزف كل طاقتها، واستلقت عليه وهي تحضن وسادتها، تبكي حتى شعرت أن الدموع قد جفّت في عينيها. ظلّت على هذه الحال حتى اهتز هاتفها فجأة، نظرت إلى الشاشة بعينين محمرتين فرأت اسم "نوران". صديقتها المقرّبة يضيئ الشاشة.
ترددت لثوانٍ قبل أن ترد بصوتٍ مبحوح، مثقل بالبكاء:
"آلو!"
نوران بلهجةٍ قلقة:
"ليلى.. مالك في إيه؟ إنتي كويسة؟"
ليلى بصوتٍ مختنق:
"كويسة؟ آه طبعًا.. كويسة جدًا. لدرجة إني مش عارفة أنطق!"
نوران بحدة:
"إنتي بتعيطي؟! إيه اللي حصل؟"
بكت "ليلى" بمرارة وهي تصارحها باحتياجٍ للإفصاح:
"نديم.. نديم بقى حد تاني يا نوران.. أنا مش عارفة ده مين! من ساعة ما اتجوز الزفتة دي وهو بيعاملني أسوأ معاملة. ودلوقتي بيحبسني. أنا.. أنا مش مصدقة إن ده هو نديم اللي كنت أعرفه طول عمري!"
نوران بغضب:
"إيــه؟ حابسك؟ ليه إنتي عملتي إيه أصلًا؟?"
ليلى بسخرية أليمة:
"ماعملتش حاجة. بس واضح إن ده هايكون أسلوبه معايا من هنا ورايح.. سواء عملت حاجة أو ماعملتش!"
نوران بحزم:
"خلاص يا ليلى.. خلاص إهدي وماتعيّطيش. أنا جاية لك دلوقتي!"
ليلى بإسرعٍ:
"لأ يا نوران.. بلاش. ده فارض عليا عقاب.. ممكن مايخلّكيش تشوفيني أصلًا."
نوران بتصميمٍ:
"ولا تقلقي. هاجي ومش هاتحرّك إلا لما أشوفك.. أنا مش هاسيبك لوحدك الليلة دي. فاهمة؟"
رضخت "ليلى" إلى صديقتها تحت إصرارها، أغلقت الهاتف وهي تحاول كتم شهقاتها. جزء منها كان يحتاج "نوران" بشدة، والجزء الآخر كان يخشى أن تنهار تمامًا حين تراها. لكن هل هناك ما تبقى لتنهار أكثر؟
***
في غرفة المكتب.
جلس "نديم" خلف مكتبه، ينظر إلى "مشيرة" التي اتخذت مقعدًا قبالته بوجهٍ متحجّر، كما لو أنها تحمل بداخله صخورًا من مشاعر دفينة لا ترغب في كشفها. فتح درج مكتبه بهدوءٍ، أخرج علبة سجائره، مدّ يده بها نحوها، فشكرته وهي تأخذ سيجارة بإصبعين رفيعين، ثم مالت قليلًا لتشعلها من ولاعته التي كان يمسكها بثباتٍ. تراقص انعكاس اللهب على ملامحها التي لم تهتز لحظة، وكأنها اعتادت الاشتعال دون أن تحترق.
راقبها وهو يضع سيجارته بين شفتيه، يسحب نفسًا بطيئًا، ثم ينفث الدخان برويّة، وكأنه يمنحها المساحة لتبدأ الحديث، لكنها لم تفعل. فقرر هو أن يبدأ.
نديم بنبرة هادئة:
"كنتي مبسوطة أوي وأنا بقرص على ليلى يا مشيرة."
بمجرد ذكر الاسم، انقبضت ملامح "مشيرة". وتبدّلت عيناها إلى نظرة مشتعلة بعدائية مكبوتة. أخذت نفسًا من سيجارتها، ثم زفرته بعنفٍ، قبل أن ترد بلهجة باردة متحفزة:
"فعلًا يا نديم! ليلى؟ ليلى هي الموضوع المهم إللي جايبني هنا نتكلم فيه؟"
نديم بصبر:
"مشيرة.. أنا جيت في صفّك إنهاردة قدام عمي عشان كنت مقتنع ان ليلى محتاجة يتشد عليها فعلًا.. لكن ده مش معناه اني موافق على طريقتك معاها. أنا كنت مستني منك تجري وراها بعد إللي أنا عملته فيها.. كنت مستني منك تحتويها بعد الموقف ده."
مشيرة بسخرية لاذعة:
"أحتويها؟ يا سلام! على أساس إنها ناقصة احتواء. ما عمّك بسم الله ما شاء الله قايم بالواجب. لما خلاص مابقاش حد قادر عليها.. غيرك انت يعني!"
راقبها نديم، يحاول أن يسايرها، لا يريد أن يصطدم بها مباشرةً. يعلم أن "مشيرة" لطالما كانت دائمًا صارمة مع "ليلى" بالذات، لكنه لم يتخيّل أن الأمر قد يكون أعمق من مجرد الصرامة النابعة من قلق أم على ابنتها.
"مش شايفة إنك مزوّداها شوية يا مشيرة؟ على رأي عمي.. بقيتي قاسية عليها. كأنها غريبة.. كأنها مش بنتك!"
مشيرة بحدة:
"البنت دي لو ما اتربتش بالعصاية. هاتمشي في سكة مالهاش آخر. وهاتتعبنا يا نديم. عمك مبوّظها بدلعه ليها!"
نديم بإصرار:
"بس دي بنتك.."
ضحكت "مشيرة" ضحكة قصيرة، خالية من أيّ دفء، قبل أن تنظر إليه بعينين لامعتين بغضبٍ غريب، ثم ردت ببطءٍ، كأنها أفعى تلقي سُمًا:
"مش بنتي.. وانت عارف!!"
ساد الصمت لثوانٍ. لم يرد "نديم".. فقط ثبت نظراته عليها، يراقب ارتجافة عينيها، تلك اللهجة التي لم تكن لهجة أم تخاف على ابنتها، بل لهجة امرأة تحمل في قلبها شيئًا أشبه بالكراهية.. لا، بل هو الكراهية نفسها.
نديم بصوت منخفض، لكنه حاد كحد السكين:
"أنا عارف.. وعارف حاجات كتير انتي ماتعرفيهاش يا مشيرة.. بس الاتفاق اتفاق.. وانتي ملزمة بيه.. عمّي قالها زمان.. وأنا بكررها دلوقتي.. ليلى مش من دمي.. لكن هاتفضل على أسمي لحد آخر يوم في عمرها.. ماينفعش ألمح في عنيكي نظرة كره ليها."
لم تهتز "مشيرة". لم تصرخ ولم تنكر، بل على العكس، نظرت إليه مباشرةً، وعيناها تحترقان بنيران أقدم ممّا يتخيّل، ثم قالت بجمودٍ:
"الكره مش بإيدينا.. زي الحب تمام يا نديم.. مش بإيدينا!"
لم ينبس "نديم" ببنت شفة، لم يعلّق على تلميحها حتى، فقط استمع، بينما أكملت هي، كأنما نزعت قيدًا ظل يخنقها لسنوات:
"انت فاهم يعني ايه أربي بنت الست إللي حبّها مهران؟ دي حتى مش بنته. مش صلبه. ده جابها هنا عشان يربيها وسط عياله واداها اسمه بعد ما أمها ماتت.. ماخافش لما جالي وقالّي دي بنت دهب. بنت الست إللي أنا بحبها. وماحبتش غيرها. لو عايزة تعيشي وسط ولادك يا مشيرة هاتعتبريها بنتك من اللحظة دي. وهاتربّيها مع ولادك.. بس أنا. أنا عمري ما شفتها بنتي يا نديم. ولا عمري هاعملها!"
تلاشت الكلمات في صمتٍ ثقيل، بينما ظل نديم يحدق فيها، غير مصدق مدى الجفاء الذي يحمله صوتها. كان يعلم كل شيء منذ مجيئهم إلى هنا من أجل العيش معه، وعرف بأن "ليلى" لم تكن ابنة عمه منذ اليوم الأول حين جلس معه عمه وتحدّثا طويلًا حول كل شيء تقريبًا.
هذا الحديث لم ينساه أبدًا، كما لم ينسى كل موقف سابق تفوّهت فيه "مشيرة" بكلماتٍ قاسية تجاه "ليلى". كل مرة تعاملت معها بغلظة غير مبررة، كل نظرة امتعاض ألقتها نحوها دون سببٍ واضح، لعله لم يكن واضحًا للطفلة، لكنه في داخله كان يراه كوضوح الشمس.
بالطبع "مشيرة" لم تحببها، ولم تراها يومًا كإبنة لها، لكنه لن يسمح لهذا الجحيم بالاستمرار، لن يترك "ليلى" فريسة لقسوة هذه المرأة.
رفع عينيه نحو "مشيرة".. ابتسم ببرودٍ وقال بأكثر نبراته هدوءًا:
"يبقى ماينفعش الحبل يتشد من الطرفين يا مشيرة.. طالما انتي هاتشدي.. أنا هارخي.. وخلّيني أقولها لك تاني عشان تبقى وتضحة أكتر.. ليلى ماتقلش أهمية عن أي فرد من عيلتي.. وماينفعش ألمح في عنيكي نظرة كره ليها.. عشان لو حصل.. هاتزعلي مني أوي.. واضح؟"
تجمّدت ملامح "مشيرة" للحظة، لكنها سرعان ما استعادت تماسكها، كأنها تحاول استيعاب التهديد المختبئ خلف نبرة "نديم" الحاسمة. نظرت إليه بعينين ضيقتين، عينيه تلمعان ببريقٍ حاد، يشبه تمامًا ذلك البريق الذي يسبق اندلاع النيران.
لا أحد يهددها، لا أحد يجرؤ على الوقوف في وجهها، خاصة في أمر يخص "ليلى".. الطفلة التي لم تتقبلها يومًا، ولن تفعل.
لكن هذه المرة، شعرت بأن الأمور خرجت عن سيطرتها. لم يكن "نديم" مجرد شخص عابر، ولم يكن ممن يطلق كلمات فارغة. كان حازمًا، ثابتًا، ونظرته التي التقت بعينيها أخبرتها بأنه جاد.. جاد لدرجة جعلت شيئًا باردًا يتسلل إلى أطرافها، كأنما أدركت أن الحرب التي لطالما خاضتها في الخفاء، أصبحت الآن في العلن، وأن خصمها ليس بالسهل.
شدّت ظهرها، رفعت ذقنها في تحدٍّ صامت، لكن أصابعها المرتجفة وهي تطفئ السيجارة بقوة فوق المنفضة، فضحت جزءًا من اضطرابها. لم ترد.. فقط أطلقت ضحكة قصيرة، خالية من أيّ مرح، ثم نهضت، تعدل وقفتها كأنها ترتدي درعها المعتاد قائلة:
"واضح يا نديم.. واضح جدًا.. لو خلصت كلامك تسمحلي أخرج؟"
أجابها بدماثة لم تخفي شراسته الدفينة:
"اتفضلي."
ابتسمت له قبل أن تستدير وتغادر، واختفت ابتسامتها بمجرد أن أولته ظهرها.
خطواتها رغم ثباتها الظاهر، لم تكن بالثبات نفسه، لأول مرة منذ سنوات، شعرت بأن الأرض التي تقف عليها لم تعد صلبة كما كانت!
رواية هيبة الفصل الثاني 2 - بقلم مريم محمد غريب
كان الليل قد أسدل ستاره على أرجاء القصر، حين صعد "نديم" الدرج بخطواتٍ ثابتة بعد أن أنهى أعماله العالقة بمكتبه. خفتت الأضواء في الممر الطويل المؤدي إلى غرف النوم، والهدوء الذي يخيّم على المكان لم يكن سوى قناع، يخفي تحته عواصف من المشاعر التي لا تهدأ هنا بين جدران هذا البيت.
عندما اقترب من باب غرفة "ليلى"، استوقفه صوتها. كانت تبكي، ونبراتها المتحشرجة تشي بحزنٍ متراكم، لم تجد له متنفسًا سوى في حديثها مع شخص تثق به. وأيّ شخص سواها، صديقتها المقرّبة "نوران عيّاش".
توقف في مكانه، وقلبه يخفق على إيقاع أنفاسها المضطربة. ألصق راحة يده بخشب الباب مصغيًا، بينما صوتها يتسلل إلى أعماقه يوخزه بالشعور بالذنب:
- بقى حد تاني.. بقى شخص ماعرفوش يا نوران.. نديم إللي أنا طول عمري أعرفه مابقاش موجود. قبل كده ماكنش يقدر يزعلّني ولا حد كان يقدر وهو موجود.. دلوقتي مابقاش يفرق معاه احساسي.. اتحوّل مش فاهمة إيه السبب.. أوقات بكون عايزه أسأله ليه.. ليه بيحاول يخلّيني أكرهه. وأنا مش قادرة. مهما حاولت.. مهما وجعتني تصرفاته.. قلبي مش راضي يكرهه!!
استقرت كلماتها فوق صدره كصخرة ثقيلة، ألقت به في دوامة من المشاعر المتضاربة. لم يكن بحاجة إلى سماع المزيد. كل حرف نطقته كان كافيًا لإشعال نيران لم تنطفئ داخله يومًا، حتى وإن حاول إقناع نفسه بعكس ذلك.
حسم أمره، ووضع يده على مقبض الباب قبل أن يفتحه بهدوء. لم يكن بحاجة إلى إصدار أيّ صوت، فوجوده وحده كان كفيلًا بإعلان حضوره الطاغي.
التفتت "ليلى" إليه فورًا. وعلى الرغم من أن الدموع ما زالت تلمع في عينيها، إلا أنها أسرعت بمسحها في إصرار، كأنها تخشى أن يراها ضعيفة. رفعت رأسها، وعادت ترتدي قناعها المعتاد، قناع الكبرياء والعناد الذي لطالما واجهته به.
كانت جالسة فوق سريرها، مقابل صديقتها نوران، التي بدا عليها بعض الارتباك لرؤيته. لكن "ليلى" لم تمنحه سوى نظرة ثابتة، نظرة تتحدّى ضعفها أمامه، كأنها تريد أن تثبت له بأنها لا تزال صامدة، حتى وهو يحاول كسرها.
أما هو، فقد وقف عند الباب يراقبها بصمت، عينيه تلتهمان تفاصيل وجهها الذي يعرفه جيدًا، يعرف كل انفعالاته، كل محاولاتها لإخفاء ألمها خلف جدار من الصلابة. شعر بشيء يشبه الإعجاب، إعجاب بذلك التمرّد الذي لا ينكسر فيها، حتى وهي في أضعف حالاتها.
مرّر بصره نحو "نوران". قبل أن ينطق بصوتٍ هادئ لكنه يحمل أمرًا لا يقبل الجدال:
- نوران.. ممكن تسيبينا لوحدنا شوية من فضلك؟
كلماته كالسهم، أصابت جو الغرفة فأثقلت الهواء بحالة من الترقب. نظرت "نوران" إلى "ليلى"، وكأنها تنتظر منها إذنًا غير منطوق. لكن "ليلى" لم تقل شيئًا، فقط اكتفت بتشديد أصابعها حول الغطاء، وكأنها تستعد لمواجهة لا تعرف كيف ستنتهي.
ترددت "نوران" قليلًا، وكأنها كانت تخشى أن تترك "ليلى" وحدها معه. لكن في النهاية استجابت للصمت الذي فرض نفسه على الغرفة. نهضت من مكانها بخطوات مترددة، ألقت على صديقتها نظرة أخيرة تحاول طمأنتها، قبل أن تتجه إلى الباب وتفتحه بهدوء، ثم تخرج مغلقة إيّاه خلفها برفق.
حلّ السكون بينهما، ثقيلًا، ممتدًا كأنه يتحدى أيّ محاولة لكسره. لم يتحرك "نديم" من مكانه، ولم تتزحزح "ليلى" عن وضعها، لكنها كانت تشعر بتوتر غريب يتسلل إلى أوصالها، يجبرها على التظاهر بالتماسك أكثر. مرّت لحظات، قبل أن تأخذ نفسًا عميقًا، وتقرر قطع هذا الصمت بنفسها.
- شكرًا!
نطقت بصوتٍ جاف.
- على إيه؟
قال نديم بهدوء.
- كنت قلقانة أحسن تطرد نوران.. يعني. عشان انت معاقبني.. بس شكرًا إنك مأحرجتنيش و...
لم تكمّل جملتها، إذ بادرها "نديم" بردٍ هادئ لكنه قاطع:
- عقابي ليكي عمره ما يوصل إني أطرد صاحبتك.. خصوصًا وأنا عارف إنها أقرب صديقة ليكي.
نظر إليها نظرةً مباشرة، نظرة لم تستطع أن تفهمها تمامًا، لكنها شعرت بها تتغلغل تحت جلدها. بدا كأنه على وشك أن يضيف شيئًا آخر، لكنه صمت لوهلة قصيرة، ثم رفع يده بإشارة خفيفة نحو شعرها المصبوغ بالأشقر، وعاد يتحدث بصوتٍ منخفض، لكنّه لا يخلو من التلميح:
- إلا لو كانت هي السبب ورا إنك غيرتي ستايل شعرك.. ساعتها هايكون ليا تصرف تاني معاها.
رفعت حاجبيها ببطء، وكأنها تفاجأت بإدراكه للأمر. مرّت أصابعها بين خصلاتها، ثم هزّت رأسها بقليل من الحدة وهي تردد بجمودٍ:
- نوران ملهاش أي علاقة.. الفكرة كانت فكرتي أنا.
لم يعلّق "نديم" على الفور، فقط أومأ برأسه ببطء وكأنه يستوعب ردّها، ثم زفر أنفاسه في هدوء. ظلّ يحدق بها لثوانٍ أخرى، قبل أن يتحرك أخيرًا. اقترب منها بخطوات هادئة، حتى جلس على حافة السرير، في مواجهتها تمامًا.
تصلّبت "ليلى" في مكانها، لكنها لم تبتعد. فقط راقبته بعينين مليئتين بالحذر، تنتظر ما سيقوله، ما سيفعله. نظراتهما تلاقت في صمتٍ جديد، لكنه هذه المرة لم يكن صمتًا فارغًا، بل كان مزدحمًا بكل ما لم يُقال بعد.
رفع يده قليلاً، وكأنه يفكر في لمس شعرها، لكنه توقف في اللحظة الأخيرة، فقطع المسافة بينهما بالكلمات بدلًا من ذلك:
- ليه؟ ليه قررتي تغيري شكلك فجأة؟
لم ترد "ليلى" مباشرةً، وكأنها تزن كلماتها قبل أن تنطق بها. ثم، بعد لحظة قصيرة، زمت شفتيها وردت بإجابة أذهلته:
- عشان أعجبك!
لم يُزح "نديم" عينيه عنها، لقد نجحت وباغتته بجوابها، لكنه مارس على نفسه أقصى درجات ضبط النفس وقال بهدوء:
- ومين قال إن شكلك في الأول ماكنش عاجبني؟ والسؤال الأهم.. ليه عايزة تعجبيني أنا بالذات يا ليلى؟
رمشت "ليلى" باضطرابٍ للحظة، لكنّها استعادت تماسكها سريعًا، وردّت بلهجة طبيعية:
- انت طول عمرك كنت مرايتي.. من وأنا صغيرة كل حاجة عملتها كنت باخد رأيك فيها. لون التوكة. شكل الجزمة. تسريحة الشعر.. في الفترة الأخيرة لما كنت باخد رأيك كنت بشوف نظرة غريبة في عينك.. كأنك مابقتش شايفني حلوة.. كأنك مش طايق تشوفني أصلًا.. كنت موجوعة.. متغاظة!!
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، لكنها لم تكن ابتسامة مرح، بل ابتسامة تحمل معاني لا تُفهم بسهولة. مال بجسده قليلًا للأمام، ليقلّص المسافة بينهما أكثر، وعيناه ثابتتان على عينيها وهو يردّ بنبرة منخفضة:
- منّي.. ولا من نفسك؟
ارتجفت أنفاسها للحظة، لكنها لم تسمح لنفسها بالتراجع. حافظت على تماسكها قدر استطاعتها، رغم أن نظراته كانت تفكك شيئًا بداخلها دون أن تدري.
لكنها، كعادتها، لم تكن مستعدة للاعتراف.. ليس بعد.
ظلّ الصمت معلقًا بينهما، مشحونًا بما لا يُقال. "نديم" ينظر إليها بعمق، يراقب الاضطراب الذي حاولت جاهدة إخفاءه خلف عينيها، ذلك الاضطراب الذي يعرفه جيدًا، الذي لم يعد بإمكانها التستر عليه مهما ادّعت القوة.
ثم، دون أيّ مقدمات، كسر الصمت بشيء لم تتوقعه، بكلمات لم تتخيّل أنها ستسمعها منه أبدًا:
- أنا آسف يا ليلى!
اتسعت عيناها في دهشة حقيقية، وكأن أذنيها لم تستوعبا كلماته للوهلة الأولى. رمشت ببطء، وحدّقت فيه كأنها تنتظر تفسيرًا لما قاله، لكنه لم يمنحها فرصة للسؤال، بل أكمل بصوت منخفض لكنه محمّل بثقل ما يشعر به:
- اسمعي كويس الكلام ده عشان يمكن مقدرش أقوله تاني.. أنا آسف على كل حاجة.. على قسوتي. على معاملتي ليكي الفترة إللي فاتت.. عارف إني وجعتك. وعارف إنك مستحقتيش مني ده.. كنت فاكر إني لازم أبعد. لازم أخلّيكي تكرهيني.. بس حتى ده ما نجحتش فيه. صح؟
بقيت "ليلى" صامتة، لكن عينيها قالتا كل شيء. نظرتها المرتعشة، الطريقة التي شحبت بها ملامحها، الاضطراب الذي ظهر على وجهها للحظة قبل أن تسارع بإخفائه، كل ذلك كان أكثر من كافٍ ليخبره بما لا تقدر هي على قوله بصوتٍ عالٍ.
استمرّ "نديم" وكأن هناك ثقلًا جاثمًا على صدره، لن يزول إلا إن أفرغ كل ما بداخله:
- لأول مرة حاسس إني مش واقف على أرض ثابتة.. وانتي السبب.. شوفي انتي سنّك وخبرتك كلها في الدنيا كام سنة.. لكن قادرة تهزّي كيان راجل زيي.. قادرة تهزّي كيان نديم الراعي.. عرفتي ليه كنت بعاملك كده؟
في اللحظة التي انتهى فيها من كلماته، لم تستطع "ليلى" الصمود أكثر. غامت عيناها بالدموع، رغم محاولتها العنيدة لكبحها، لكنها لم تنجح. تساقطت دمعة، ثم أخرى، كأنها إفراج متأخر عن ألم ظلّ محتجزًا لفترة طويلة، أرادت أن تتكلّم، أن تعاتبه على أشياء كثيرة، لكن الكلمات التي أرادت قولها إن خرجت فستكون بمثابة كوارث، فأسرّتها في نفسها مكتفيّة بنشيجها الحار.
شعر "نديم" بشيء ينقبض داخله عندما رآها تبكي، إحساس مرير بالذنب تسلل إلى قلبه، فأبعد المسافة المتبقية بينهما، رفع يده في رفقٍ، وإصبعه يلامس وجنتها برقة، يزيل آثار دموعها التي خانتها. لم يقل شيئًا في البداية، فقط لمسها كما لو كان يحاول محو الألم نفسه، ثم همس بصوت أكثر لينًا ممّا اعتادت عليه منه:
- الأميرة ماتعيّطش.. أميرة بيت الراعي عيونها تضحك وبس.. عشان خاطري كفاية عياط!
رفعت "ليلى" وجهها إليه، نظرتها تحمل ألف شعور متناقض، عتاب لم تقله بعد، وجع لم يهدأ تمامًا، لكنها رغم ذلك لم تبعده، لم تحاول الانسحاب. بل على العكس، تركت نفسها تنظر إليه بعمق، وكأنها تحاول التأكد إن كان يعني كلماته حقًا أم لا.
وأخيرًا، بعد صمتٍ قصير، خرج صوتها مرتجفًا قليلًا لكنه يحمل شيئًا من القوة:
- كنت فاكرة إنك عايزني أكرهك. كنت فاكرة إنك بتبعدني بعيد عنك متعمد وعملت كل ده عشان أنا بالذات أبعد كأني شيء مُقزز بتهرب منه.. بس أنا..
توقفت، حبست أنفاسها، ثم أضافت بصوت أضعف:
- أنا مقدرتش أكرهك يا نديم. بالعكس.. لو ماكنتش جيت وقلت الكلام ده كله كنت كرهت نفسي لأني مش فاهمة سبب كرهك ليا!!
يشعر "نديم" بشيء داخله يتحرّك، إحساس لم يختبره منذ وقت طويل، ذلك الشعور الدافئ الذي كان يحاول الهروب منه. لم يعرف بماذا يرد، أو كيف يخفف عنها، لكنه لم يحتاج للبحث عن الكلمات، لأن ما حدث في اللحظة التالية كان كافيًا لقول كل شيء.
فجأة، ودون أيّ مقدمات، رمت "ليلى" نفسها بين ذراعيه، كما لو أن جسدها سبق عقلها في اتخاذ القرار.
تجمّد "نديم" في مكانه للحظات، وكأن عقله لم يستوعب ما يحدث. شعر بيديها تحيطان به، بأنفاسها المتلاحقة عند عنقه، بذلك الارتجاف الطفيف في جسدها وهي تلجأ إليه.
استغرق الأمر ثوانٍ فقط قبل أن يستسلم، قبل أن يتخلّى عن تردده، ويفعل الشيء الوحيد الذي كان يرغب في فعله منذ وقتٍ طويل، ضمّها إليه، بقوة، كأنه يحاول أن يحتويها كلها، أن يمحو كل المسافات التي وضعها بينهما بإرادته.
دفن وجهه في شعرها، استنشق رائحتها الطيّبة كما لو كان يلتقط أنفاسه لأول مرة منذ شهور، وهمس بصوتٍ خافت لكنه مشبع بالصدق:
- لو كرهتك.. أبقى كرهت نديم الراعي.. أبقى كرهت نفسي يا ليلى. اوعي تفكري إني ممكن أكرهك.. اوعي.. مهما عملت.. مهما شوفتي مني.
ظلّت "ليلى" بين ذراعيه، تتشبّث به كما لو كان طوق نجاتها الوحيد، بينما هو يضمّها إليه وكأنه يحاول حمايتها من كل ما ألقاه عليها من ألم في الماضي. لم يكن هناك شيء في هذه اللحظة سوى دفء احتضانها، سوى الإحساس بأنها قريبة أخيرًا بعد كل المسافات التي وضعها بنفسه بينهما.
لكن هذه اللحظة لم تدم طويلًا.
دُفع باب الغرفة فجأة، ليتبعثر الصمت في الهواء، ومعه تبعثرت اللحظة بأكملها.
ظهرت "راندا" عند العتبة، وقفت للحظة متجمّدة مكانها، وعيناها تتّسعان برؤية ما أمامها. زوجها يحتضن ابنة عمّه الصغرى، الأميرة المدللة كما يطلقون عليها، بينما "ليلى" متشبّثة بظهره بقوة، كأنها ترفض أن تتركه.
تحوّلت نظرتها في لحظة إلى صقيع قاتل، تجهمت ملامحها بشدة، ونقلت بصرها بينهما بعينين مشتعلتين بالغضب، بينما ظلّ "نديم" جامدًا في مكانه، باردًا وكأنه لم يُفاجأ بوجودها، ولم يهتز لمراقبتها وهي تراهما معًا.
من جهة أخرى "ليلى" لم تفوّت الفرصة. بل على العكس، رسمت ابتسامة صغيرة، تحمل من الشماتة والانتصار أكثر ممّا تحمل من البراءة، وهي تنظر إلى "راندا" نظرة تحدٍّ صامت، كأنها تهمس لها دون أن تنطق بكلمة واحدة: "إنه لي أنا!".
حاولت "راندا" كبح ثورة الغضب التي اجتاحتها، لكنها فشلت. اشتعل صوتها حدة وهي تخاطب زوجها:
- دوّرت عليك في البيت كله مالقتكش.. ماكنتش أعرف إنك هنا!
لم يحرّك "نديم" ساكنًا، ظلّ محتفظًا بجموده المعتاد، وكأن وجودها أو عدمه لا يفرّق لديه كثيرًا. أبعد ذراعيه عن "ليلى" بهدوء، ولم يعطِ "راندا" أكثر من نظرة جانبية قبل أن يخاطب ابنة عمّه بصوتٍ خافت لكنه قاطع:
- هاسيبك دلوقتي يا لولا.. شوفي هاتعملي إيه مع صاحبتك. تصبحي على خير.
هزّت "ليلى" رأسها وهي لا تزال محتفظة بابتسامتها، وألقت عليه نظرة هادئة، دون أن تهتم برد فعل "راندا" المتجهمة.
تقدم "نديم" نحو "راندا" بخطواتٍ هادئة، لم يبدُ عليه أيّ ارتباك أو تردد، مدّ يده وأمسك بمعصمها برفق حازم، ثم قادها للخارج دون أن ينطق بكلمة أخرى.
لم تفتح "راندا" فمها حتى وصلا إلى غرفتهما، وما إن أغلق "نديم" الباب خلفهما حتى انفجرت فيه:
- ممكن تفهمني إيه إللي أنا شوفته ده؟ انت بجد كنت حاضن بنت عمك بالشكل ده! وعملت كده قدامي وبكل برود. ما ترد عليا؟؟!!
لم يتحرّك "نديم" من مكانه، لم يبدُ عليه حتى أنه متفاجئ من نبرتها الغاضبة. فقط خلع ساعته من معصمه ووضعها على المنضدة القريبة، قبل أن يلتفت إليها أخيرًا ويرد بصوتٍ هادئ جدًا، لكنه يحمل في طياته شيئًا خطيرًا:
- راندا.. خدي بالك من كلامك.. إللي بتتكلّمي عنها دي بنت عمي الصغيرة.. يعني أختي.. ومن قبل ما تدخلي حياتي شوفتي بعينك الطريقة إللي بعامل ليلى بالذات بيها.. ليلى دي أنا إللي ربّيتها على إيدي.. ف نبرتك في الكلام عليها ماتعجبنيش وتتحاسبي عليها كمان.
اتسعت عينا راندا أكثر، وشعرت لوهلة أن شيئًا في صدرها سينفجر من شدة الغضب:
- انت بتقلب الترابيزة يا نديم.. يعني أنا إللي غلطانة؟ مش انت صح؟ أنا إللي غلطانة عشان دخلت أوضة بنت عم جوزي لاقيته ماسكها في حضنه.. ده انت مابتعملهاش معايا أنا وأنا مراااتك!!
رفع حاجبه قليلًا، وكأنه يسخر من منطقها، قبل أن يرد ببرود:
- إللي بيحصل بيني وبينك أكتر من حضن يا راندا.. معلش بتقارني إيه بإيه؟ انتي كلامك مابقاش موزون ومحتاجة وقفة تراجعي نفسك.. وإلا هاضطر أحط حد لحياتنا مع بعض.
شعرت "راندا" وكأن الهواء سُحب من رئتيها، حدقت فيه غير مصدقة، وكأنها تستوعب للتو ما لم تكن تودّ الاعتراف به منذ البداية. مدت يدها نحوه، وكأنها تحاول التشبث بشيء ما، قبل أن تقول بصوتٍ مرتجف، لكنه لا يزال غاضبًا:
- انت بتهددني يا نديم؟ عاوز توصل لإيه بالكلام ده؟
تقدم نحوها خطوة، نظراته ثابتة، باردة حدّ القسوة، ثم قال بنفس النبرة المنخفضة التي زادت من توترها:
- أنا مش بهددك يا راندا.. أنا بواجهك بالواقع إللي انتي رافضة تشوفيه.. وأظن دلوقتي. بعد اللي سمعتيه. فهمتي اللي كنت بحاول أوصلهولك من زمان.. الاختيار في إيدك انتي.
رمقها بنظرة جافّة مطوّلة، ثم ولّى من أمامها ساحبًا بيجامته في بده متجهًا بها صوب الحمام، أغلق الباب خلفه بقوة وأطبق الصمت من بعده.
بينما تشعر "راندا" بوخزة في صدرها، وكأن شيئًا ما تحطّم بداخلها. لم تكن تتوقع هذه المواجهة، لم تكن مستعدة لسماع الحقيقة منه بهذه الصراحة المؤلمة. لكن الأسوأ من ذلك كله، هو أنها لم تكن تملك أيّ رد لتواجهه به.
لم يربط بينهما الحب يومًا، على الأقل من جهته، و ها قد اعترف للتو ولو بطريقة غير مباشرة بأنه لم يرتبط بها حبًا أو حتى رغبة، بل لأنها فقط.. واجهة!
بالطبع، هذا هو السبب، وهذا ما يفسّر بُعده المتزايد عنها، إنه يزهدها، لا يراها امرأة بما يكفي ليعاملها كزوجة بينه وبينها.
ولكن ما ذنبها؟ هل لأنها أحبّته؟
وقد قال أن الخيار لها. ما يعني أنه لن يغيّر طريقته معها، يسدّ الطريق عليها، وفي نفس الوقت يدفعها لتتخذ هي القرار بدلًا عنه.
فهل ستفعل؟
***
بعد مرور أسبوع ...
تصل "ليلى" إلى الجامعة لأول مرة، قلبها يخفق بمزيج من الحماس والتوتر. كانت ترتدي ملابس محتشمة بسيطة، مؤلفة من تنورة صفراء واسعة، وكنزة بيضاء بأكمام قصيرة مطعّمة ببتلات زهور "دوّار الشمس". تنسدل خصيلات شعرها الناعمة بتسريحة هادئة بعيدة عن أيّ صخب.
إلتقت بـ"نوران" عند البوابة، سارت نحوها بخفة كالفراشة، بينما تتأملها الأخيرة من رأسها حتى قدميها بنظرة طويلة قبل أن ترفع حاجبيها بدهشة مصطنعة وتقول بمكر:
- يا نهار أبيض! إيه ده؟! أنا شايفة ليلى الراعي بجد؟ ولا دي واحدة شبهها وأنا مش واخدة بالي؟
نظرت إليها "ليلى" بضيقٍ، لكنها لم ترد، فاسترسلت "نوران" بمرحٍ، وهي تميل نحوها لتهمس كأنها تكشف سرًا عظيمًا:
- يُحكى أن نديم باشا رجّع الهانم قطة تاني.. مش بس خلّاها تسمع كلامه. لااااا. دي بتنفذه برضا وطيب خاطر كمان. حقيقي نديم باشا مسيطر!
زفرت "ليلى" في ضيق، توقفت عن السير والتفتت إلى صديقتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، نبرتها حازمة هذه المرة:
- محدش يقدر يسيطر عليا يا نوران.. فاهمة؟
رفعت "نوران" حاجبًا ساخرًا، لكن قبل أن تفتح فمها لترد، أكملت ليلى بنفس النبرة الواثقة:
- أنا إللي قررت ألبس واسع.. لما كنت بلبس بشكل ملفت قبل كده. ده ماكانش عشان حاجة غير إني كنت عايزة أغيظه لأنه كان بيقول عليا لسا عيّلة صغيرة. انتي عارفة إني لو عايزة أعمل حاجة لا نديم ولا عشرة زيه يمنعوني. بدليل شعري لسا ستايله زي ما هو ماغيرتوش.
رفعت "نوران" يديها باستسلام مصطنع قائلة:
- ياستي محدش قال حاجة.. أنا بضحك معاكي.
أخذت "ليلى" نفسًا عميقًا قبل أن تكمل بصوتٍ أكثر هدوءًا:
- زي ما قلت لك قبل كده. هو اعتذر لي. وخلاص. الخلافات إللي بيننا خلصت. ف مابقاش في داعي أمثل شخصية غير شخصيتي. أنا ماعرفش أكون مبتذلة أصلًا.
ساد الصمت لثانية، قبل أن تبتسم "نوران" في خبثٍ وتغمز لها بمكر:
- اممم.. وإيه كمان؟ كمّلي.. عارفة يا لولو.. أنا متعتي ماتتوصفش وأنا سامعاكي بتأفلمي عليا.. وأنا أصلًا عارفة الفولة.. نديم ده مخلّص عليكي رسمي والله. انتي متأكدة إنه متجوز؟ طيب هايخطبك إمتى بقى؟
ضحكت "ليلى" رغمًا عنها، دفعتها في كتفها بخفة وهي ترد:
- يا بنتي بلاش غلاسة. نديم ده أخويا.. إيه عمرك ما شوفتي اخوات؟؟
قهقهت "نوران" وهي تحاوط ذراع "ليلى" قائلة:
- طيب نبقى نشوف الحوار ده بعدين.. يلا بقى أحسن هاننطرد من أول يوم لو اتأخرنا أكتر من كده على أول محاضرة!
ضحكتا بخفةٍ وأسرعتا معًا نحو المبنى. تشعر "ليلى" أن هذا اليوم لن يكون مجرد بداية لدراستها الجامعية، بل بداية لمرحلة جديدة تمامًا في حياتها!
***
في المقرّ الرئيسي لمجموعة "الراعي للحديد والصلب" ...
جلس "نديم" خلف مكتبه الضخم، تتراص أمامه ملفات هامّة، بينما كان عمّه "مهران" يجلس على الجانب الآخر، يقلب في بعض الأوراق استعدادًا لعقد الاجتماع الإداري بعد قليل.
كان الجو مشحونًا بالتركيز، صوت الأوراق يُقلَّب في هدوء، و"نديم" يراجع آخر التفاصيل بعينٍ حادة لا تفوّت شيئًا. لكن فجأة، قطع "مهران" هذا التركيز بكلماته التي نزلت كالصاعقة على "نديم" رغم نبرته العادية:
- في عريس متقدِّم لليلى!
توقفت أصابع "نديم" للحظة عن تقليب الأوراق، شعر بقبضة غير مرئية تعتصر صدره، وكأن الأكسجين قد نُزع من الغرفة للحظات. لكن وجهه ظل جامدًا، لم يبدُ عليه شيء، وكأنه لم يتأثر بكلام عمه إطلاقًا. رفع عينيه ببطء، ونطق بنبرة هادئة لكنها قاطعة:
- ليلى لسا صغيرة.
ابتسم "مهران" ابتسامة خفيفة، كأنه كان يتوقع هذا الرد، وأكمل دون أن يتراجع:
- مش بس تعرف العريس مين؟
هز نديم رأسه في برود مصطنع، وعاد ينظر إلى الأوراق كأنه لم يعد مهتمًا بالحديث:
- مش مهم يا عمي.. ليلى بدري أوي عليها عشان تاخد خطوة زي دي.. ده حتى إنهاردة أول يوم ليها في الجامعة. خلّيها تركز في الدراسة. بالنسبة لي أهم من موضوع العريس ده أيًّا كان هو مين.
لم يستسلم "مهران" بسهولة، مال بجسده للأمام قليلًا، وأردف بصوتٍ يحمل نبرة إقناع:
- أنا عارف ان الدراسة مهمة. لكن الجواز مش هايضرّها ما عندك لُقى في السنة الأخيرة وهاتتجوز قريب. أسمع يا نديم. انت عارف ليلى بالنسبة لي إيه.. عايز أطمن عليها وأوصلها لبر الآمان. وبعدين. العريس مش أي حد. ده ابن فايز نصار أهم شريك لينا. والعرض ده مايترفضش بسهولة.
في تلك اللحظة، وكأن شيئًا انفجر داخل "نديم". أغلق الملف الذي بين يديه بحركةٍ حادة، ورفعه قليلًا قبل أن يضعه على المكتب بقوة، رفع عينيه إلى عمّه، نظراته هذه المرة أكثر حدة، أكثر صرامة وهو يقول بنبرةٍ قطعية لا تحتمل الجدل:
- ليلى لسا صغيرة.. والموضوع ده مقفول خلاص. سامعني يا عمّي.. من 16 سنة انت حطّيت مسؤوليتها في إيدي أنا. وأنا بقولك لأ.. فكرة جوازها دلوقتي مرفوضة.. نهائي.
توقف "مهران" عن الكلام للحظة، تأمل "نديم" الذي بدا أكثر حزمًا ممّا توقع، ثم زفر ببطء وهو يهز رأسه، بينما "نديم" لم يغيّر من وضعه، ظل محتفظًا بجموده الظاهري، رغم أن داخله كان يغلي.
لم يكن يعرف حتى الآن لماذا شعر بهذه الثورة تجتاحه، لماذا شعر بالغضب لمجرد أن هناك رجلاً آخر يفكر في "ليلى" بتلك الطريقة. لكنه لم يكن مستعدًا لمواجهة مشاعره في هذه اللحظة. كل ما كان يعرفه أنه لن يسمح بهذا الأمر أن يحدث، لا الآن، ولا في أيّ وقت قريب.
يدقّ باب المكتب، يعقبه دخول السكرتيرة الشابّة وهي تخبر "نديم" بلهجة رسمية:
- رياض نصر الدين برا يا فندم.
لم يكد الاسم يُلفظ!
حتى بدا التوتر واضحًا على وجه "مهران". التفت إلى "نديم" بسرعة، وكأنه لم يتوقع سماع هذا الاسم على الإطلاق.
أما "نديم" فقد رفع حاجبه ببطء، كأنه يحاول استيعاب الخبر للحظات. لم يكن يتوقع هذه الزيارة نهائيًا.
"رياض نصر الدين"!
رجل الأعمال الطاعن في السن، الاسم الذي ظل لعقود رمزًا للثروة والسلطة، لكنه تقاعد منذ سنوات، بعد أن سلّم مقاليد أعماله لورثته. لم يعد يظهر في المشهد كثيرًا، لذا، ما الذي جاء به إلى هنا اليوم؟ ولماذا تحديدًا يطلب مقابلته هو الآن؟
تخلّص "نديم" من أفكاره سريعًا، وبتعبير محايد أمر السكرتيرة:
- دخّليه يا مروة.
غادرت الفتاة بسرعة، ولم تمر سوى لحظاتٍ حتى فُتح الباب مجددًا، ليدخل رجل عجوز، لكن هيبته كانت كافية لفرض الصمت في الغرفة.
كان يرتدي عباءة سوداء أنيقة، باهظة الثمن، صنعت بحرفية واضحة. يعلوها مئزر من نفس القماش الداكن مُحدد بشريطٍ ذهبي.
رغم تقدّمه في العمر، إلا أن ظهره ظل مستقيمًا، يحمل في يده عصا فاخرة، منحوتة بدقة من خشب داكن، رأسها من الفضّة الخالصة، منحوت عليها رمز عائلته العريق.
تقدم الرجل في خطوات محسوبة، تنبئ عن شخص اعتاد أن يتحرك وسط الكبار دون استعجال، ورفع بصره نحو الرجلين بتحية هادئة ذات وقار:
- مساء الخير!
نهض "نديم" من مكانه ليحييه باحترامٍ، وقد حافظ على وقفته الواثقة ونظراته الثابتة وهو يرد بنفس الهدوء:
- مساء النور. رياض باشا بنفسه.. نورت الشركة.
مدّ "رياض" يده ببطء لمصافحته، استجاب "نديم" باحترامٍ، دون أن يفقد شيئًا من هيبته المعتادة. ثم انتقل نظره إلى "مهران" الذي لم يبدُ مرتاحًا على الإطلاق، بل كان متوتّرًا بطريقة لم تخفَ على أحد.
جلس "نديم" أولًا، وأشار إلى أحد المقاعد:
- اتفضل يا باشا.
جلس "رياض" ببطء، وضع عصاه إلى جانبه، ثم التفت إلى "مهران" بنظرة ذات مغزى، قبل أن يقول بنبرة محمّلة بالكثير من الإشارات غير المفهومة حتى الآن:
- أنا جيت مخصوص عشانك يا مهران.. بس لما سألت قالولي إنك في مكتب نديم بيه.
ظلّ الجو مشحونًا لثوانٍ، بينما "مهران" يحاول أن يخفي توتره، و"نديم" يراقب ما يحدث بعينيّ صقر، محاولًا أن يفهم المغزى الحقيقي من هذه الزيارة الغير المتوقعة.
ساد الصمت للحظات أخر، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان ممتلئًا بالتوتر، كأن الهواء في الغرفة أصبح أثقل.
لم يستطع "مهران" إخفاء اضطرابه، يده التي كانت تستند إلى المكتب انقبضت في توتر واضح، بينما "نديم" ظل ثابتًا في مكانه، يراقب المشهد بعينين حادتين، يحاول أن يفهم ما يجري.
"رياض نصر الدين" لم يكن رجلًا يأتي بلا سبب، ولم يكن ممّن يضيعون وقتهم في المجاملات الفارغة. لذا، حين فتح فمه أخيرًا بعد لحظات الصمت، كان صوته ثقيلاً، واضحًا، وكلماته سقطت في الغرفة كحجر ثقيل في ماء راكد:
- أنا ليا عندك أمانة يا مهران. وجاي أخدها.
كلماته كانت كافية لتجعل كل شيء يتجمّد للحظة. "مهران" بدا وكأن الدم قد انسحب من وجهه، بينما "نديم" لم يتحرك، لكن عينيه ضاقتا قليلًا في حذر.
ثم أكمل "رياض". هذه المرة بصوتٍ أشد صرامة، كأنه لا يترك مجالًا للنقاش:
- أنا عايز حفيدتي… عايز بنت دهب… عايز ليلى يا مهران!
رواية هيبة الفصل الثالث 3 - بقلم مريم محمد غريب
امتدت لحظة الصمت بين الرجال الثلاثة، مشحونة، ثقيلة، كأن الهواء نفسه صار متجمدًا بينهم.
بقى "رياض نصر الدين" ثابتًا، صلبًا في مكانه، وجهه مزيج من الصرامة والسلطة المكتسبة عبر السنوات. بينما بدا "مهران" متوترًا، أصابعه تطرق على حافة مقعده بحركة لا إرادية، لينفلت صوته فجأة، مندفعًا بنزق فيه من الغضب:
- حفيدتك إيه إللي عايزها يا رياض بيه؟ انت متخيل لما تجيلي بعد أكتر من 18 سنة تطالب ببنتي إني هاوافق بسهولة كده وأقولك اتفضل خدها؟ وبعدين انت ناسي عملت فيها إيه وفي أمها زمان؟
نظر "رياض" نحو "مهران". لم يرتفع صوته، لم يتغير حتى إيقاعه الهادئ، لكن الهواء نفسه صار أكثر كثافة بينهما وهو يقول:
- لا انت. ولا أي مخلوق في الدنيا دي يا مهران له حق يحاسبني على حاجة عملتها في حياتي. ودهب كانت بنتي. بنتي أنا.. زي ما بنتها حفيدتي. ومهما لف الزمن ولا دار. الحقيقة دي مش هاتتغير.
ارتفعت أنفاس "مهران" وهو يقول بصوت خشن، أبلغ من أي صراخ:
- الحقيقة دي ماتلزمنيش. أنا إللي ربيت وكبرت. ليلى بنتي أنا.. من أول ساعة ليها في الدنيا وهي مسؤليتي أنا بعد ما سيادتك أمرت بقتلها. هانت عليك الطفلة إللي بتقول عليها حفيدتك زي ما هانت عليك بنتك. انت موهوم لو فكرت إني ممكن أسايرك. وهاتبقى مجنون لو حاولت تفتح الموضوع ده تاني لأني مش هاتردد في إني أدافع عن بنتي حتى لو وصلت للقتل. هاقتلك يا رياض بيه!
- عمي!
أخيرًا..
طغى صوت "نديم" الحاد على الأجواء المضطربة بغتة.
نظر "مهران" إليه بأعين متأججة، كاد أن يفتح فاهه مجددًا، لكن "نديم" لم يمنحه فرصة لقول المزيد. قطع الجمود المطبق بصوته الواثق، مقاطعًا عمه قبل أن يتفوه بكلمة أخرى:
- رياض باشا.. انت في مكتبي. يعني ليك احترامك لأخر لحظة. لكن عشان أضمن لك ده 100% من فضلك وضح لي سبب الزيارة. أو بمعنى أصح.. صلح لي إللي أنا سمعته منك ومن عمي.
لم يرمش الأخير، لم يتهز حتى لنبرة التهديد في صوت خصمه. فقط اكتفى بإمالة ذقنه قليلاً وقال بصوته الثقيل:
- أظنك سمعت كويس.. وأظنك بردو عارف. زي ما أنا شايف من عنيك.. إن ليلى مش بنت عمك ولا حتى تقرب لعتيلتك!
أومأ له "نديم" قائلاً بصلابة:
- أيوه عارف.. ليلى مش بنت عمي.. لكن ده ماينفيش صلتها بيا. بالدم لأ. لكن على الورق هي فرد من عيلتي. وواجب عليا حمايتها من كل حاجة. وتحديدًا منك انت.
تجلّى الغضب في زوايا عينيه العجوز، وقال بصوت مكتوم دون أن تطلق شفتاه أي وعود بالتصعيد، بعد:
- أنا جدها.. يمكن مهران ماقالكش الحقيقة دي. لكن سواء عرفتها بدري أو متأخر ماتفرقش معايا. أنا ليا حق عندكوا. ليا حفيدتي وهاخدها. أظن محدش يقدر يمنعني ولا حد يقدر يلومني.
مال "نديم" بجسده قليلاً للأمام، مجرد بوصات بسيطة، لكنها حملت ثقل التحدي كما حملها صوته الهادئ وهو يرد عليه:
- وأنا مفروض أعمل إيه لما أسمع كلامك ده يا سيادة الباشا؟ وفاكرني هاقتنع مثلًا. إنك ظهرت فجأة بعد السنين دي كلها. لمجرد إنك عاوز تاخد ليلى؟
رفع "رياض" حاجبًا بالكاد، وكأنه يتفحص "نديم" كما يتفحص رجل أعمال شابًا مغرورًا يبالغ في تقدير نفسه. لكنه يعرف في أعماقه بأن "نديم" أكثر مما يظن.
فقد سمع وعرف عنه الكثير طوال السنوات الماضية. فهو له سمعة ذائعة الصيت في أنحاء ممتدة بوسطهم الراقي وحتى خارجه. إنه ببساطة يشكل التجسيد الحي لمعنى الهيبة والإرادة. قوته لا تقتصر على نجاحاته المالية فحسب، بل تتجلى في سلوكه المسيطر، حيث يظهر في كل تصرفاته لمسة من الفخامة الممزوجة بالوحشية، مرسخًا بذلك سمعته كرجل لا يستهان به في ميادين الحياة كافة.
لكن الأمر مقضيًا الآن، وهو لم يأتي للجدال، بل أتى ليحسمه. مهمة كانت قوة "نديم الراعي". لن تقف حائلًا بوجه كهل مصمم كـ "رياض". وخاصة إذا كان يوازيه قوة ونفوذ.
يقول "رياض" بصرامة جافة:
- أنا مش بقول عاوز. أنا بقول هاخدها. ليلى حفيدتي. ومن حقي أرجعها لبيتها. لاسمها. في أي وقت أعوزه.
في الداخل، كان قلب "نديم" ينبض ببطء، غير طبيعي، منذ بادئ الحوار كأن روحه تحاول استيعاب الصدمة رغم أنه يرفض التصديق. "ليلى"… حفيدة "رياض نصر الدين". ليست مجرد طفلة رباها، ليست مجرد حب خبأه بين ضلوعه في السر. بل حفيدة هذا الرجل. كيف لم ير هذا الاحتمال من قبل؟ كيف لم يربط الخيوط؟
لطالما علم بقصة الحب المتطرفة التي جمعت بين عمه وابنة هذا العجوز، قبل أن يتزوج "مهران الراعي" من "مشيرة". أحب "دهب نصر الدين" وكان مقررًا لهما الزواج. لكنه لم يتم لسبب لم يفصح عنه "مهران" ولم يحاول "نديم" معرفته. لكنه يرى الآن بأن عمه ملزمًا بإطلاعه على كل شيء، طوعًا أو كرهًا.
أفكاره تلك لم تصل إلى ملامحه. بل على العكس، راح يحدق في "رياض" بثبات، عينيه الخضروان قاتمتان، باردتان كالمعدن المصقول. ثم مال للأمام أكثر، مستندًا إلى مكتبه، صوته أكثر انخفاضًا لكنه أشد وقعًا وهو يقول:
- طلبك مرفوض يا رياض باشا. مافيش حاجة اسمها تاخدها. ليلى مش شيء بتملكه. ولو ليها مالك فهو أنا. لا انت ولا حتى عمي إللي مكتوبة على اسمه!
بدا العم مستنفرًا بجواره، حاول التدخل في هذه اللحظة:
- نديم. اسمع كلامي وآ ا…
لكن نظرة واحدة من ابن أخيه أسكتته. عاد "نديم" بعينيه لـ "رياض". يواجهه، يتحدّاه بصمت ثقيل.
ليقول "رياض" بهدوء أشد خطورة:
- على فكرة أنا مش جاي أتناقش معاك. ولا كل الكلام إللي اتقال ده يعتبر طلب. أنا جاي أخد حفيدتي. بالحسنى.
رد "نديم" بابتسامة جانبية باردة:
- والحسنى دي عندك معناها إنك تطلب بنت ما عرفتهاش قبل كده من شخص رباها عمرها كله. لمجرد إنك قررت إن ليك حق عليها؟ ده كمان معلوماتي الجديدة بتقول إنك حاولت تقتلها. يا رياض باشا. انت تعبت نفسك بالزيارة على الفاضي. محدش هنا ممكن يساعدك. نورتنا!
تغير وجه "رياض" قليلاً، وكأن غروره تعرض للخدش. لكنه تمالك نفسه بسرعة. وقال بثقة:
- أنا مش محتاج إذنك. خليك فاكر ده كويس.
يرد "نديم" بتحدٍ، وصوته يزداد حدة تدريجيًا:
- وأنا مش هاديك فرصة حتى تحاول. ليلى مش حفيدتك. ولا هاتكون حفيدتك. ولو قربت منها بأي شكل هاتلاقيني أنا في وشك.
يضيّق "رياض" عينيه، نبرته تتحول لتحذير صريح وهو ينطق بلهجته الصعيدية الأصلية:
- جومتي من إهنا وإحنا مش متفجين معناها إنك الخسران انت وعمك. وبتلعبوا بالنار!
ينهض "نديم" ببطء، نبرته قاطعة، وقراره بلا رجعة:
- وانت مش فاهم إن النار دي ولعت من زمان. ومش هاتطفيها بكلمتين تهديد. عيبك مسألتش عني قبل ما تيجي. نديم الراعي مابيتهددش. وليلى مش هاتعرف أي حاجة وأنت مش هاتشوفها. مش هاتحاول. ومش هاتفكر حتى. دي الحقيقة الوحيدة اللي تقدر تاخدها معاك وانت خارج من هنا.
امتد الصمت من جديد، لكن هذه المرة لم يكن ثقيلًا فحسب. كان قاطعًا، كأنه السكين الأخير في معركة غير متكافئة.
وفجأة ينهض "رياض" واقفًا، يجمع طرفي عباءته في يد، ويمسك برأس عصاه بيد أخرى. يحدق بعيني "نديم" مباشرة، متناسيًا أمر "مهران". بل مخرجًا "مهران" من حساباته، إذ تيقن بأن معركته من الآن فصاعدًا لن تكون إلا بينه وبين رجل واحد.
هو "نديم الراعي". لا غيره.
- هانتجابلو تاني يا ولد رشيد! قالها "رياض" بابتسامة جانبية:
- بالمناسبة. بوك كان يشبهلك تمام. وكان عنيد جوي كيفك. بس ماكنش غبي. سلام.
واستدار موليًا إلى الخارج.
ظل "نديم" يحدق في إثره ثائر الأعصاب، بينما يدور "مهران" حول المكتب ليقف بجواره قائلًا بتوتر:
- نديم. من فضلك. أرجوك قول لي إنك هاتقدر تساعدني أتفادى المصيبة دي. قول لي إن رياض مش هايقدر ياخد مني ليلى. أرجوك!
أدار "نديم" رأسه نحو عمه متمتمًا بصرامة:
- محدش يقدر يقرب لها طول ما أنا عايش. وعايزك تنسالي رياض ده دلوقتي خالص. عشان هاتحكيلي الحكاية من أولها. زي ما حصلت بالظبط. فاهمني يا عمي؟
أجابه "مهران" مطرقًا رأسه بانكسار واضح:
- فاهمك. هاحكيلك. هاحكيلك كل حاجة يا نديم!
خرجت كل من "ليلى" و"نوران" من قاعة المحاضرة الأولى، تعرفتا على فتاة بالمدرج واصطحبتاها معهما للخارج. النسيم يرافقهن بخفة، على وقع خطواتهن الرشيقة وصولًا إلى الوجهة المنشودة.
تجمع الضوء الخافت في الكافيتيريا حولهن، حيث جلسن على طاولة زجاجية في زاوية هادئة. في البداية، علت ضحكات "نوران" مستهجنة من تصرف المعيد الذي بدا وكأنه يرقص على إيقاع سخريته الخاصة. فقالت بنبرة مرحة:
- أهو الواد ده من إللي بيسموهم دحيحة.
هو شاطر بس يا عيني دماغه باظت من العبقرية!
ضحكت ليلى بانطلاق. وقد لفتت ضحكتها الجذابة انتباه الطلبة من حولها. أثارت أعجاب الشباب منهم وغيرة الشابات لتميّزها عنهن في الشكل والأسلوب. بينما ردّت رفيقتهما الثالثة بدعابة:
- طيب مش هاتصدقي لو قلت لك إنه كان دفعة أخويا هنا وعاد أخر سنة مرتين بسبب إنه كان مصمم على مجموع معيّن.
سألتها ليلى بفضول شديد:
- وجاب المجموع ده يا رنا؟
جاوبتها رنا مسيطرة على ضحكتها:
- لأ.. بس استسلم في الأخر وبقى زي ما شوفتي كده.
انطلقت الضحكات منهن. بينما نزلت المشروبات المرطّبة إلى طاولتهن. كانت الأجواء تزدان بخفة الحديث وتداخل ظلال الضحك مع لمسات الضوء...
- أوباااااا!
استرعت صيحة نوران الخافتة انتباه ليلى لتسألها باهتمام:
- إيه يابنتي مالك؟
نوران وهي تشير خلسة لمقدمة الكافيتيريا:
- بصي القمر إللي سقط من السما علينا ده.. الواد الحليوة إللي لابس جاكت جلد إسود.. يخربيت جمال أمه!!
ضحكت ليلى منها مستخفّة. لكنها ألقت نظرة بدافع الفضول. لترى شابًا وسيمًا بالفعل. يحمل في ملامحه الثقة وجاذبية لا تخفى. ارتدى جاكيتًا ضيقًا من الجلد اللامع وبنطلونًا من الجينز الداكن. وحذاء رياضي ناصع البياض كأسنانه التي بدت متألقة ما أن ابتسم باتساع لإحداهن في هذه اللحظة.
برز صوت رنا وهي تقول مصوّبة نظراتها نحوه بلا تحفظ:
- ماعرفوش ده للأسف.. رغم إني كنت باجي هنا كتير مع اخواتي وعارفة كل الطلبة.. بس أعرف البنت إللي ماشية جنبه.. دي شهد سليمان. كانت معايا في المدرسة. بس بت مغرورة أوي وشايفة نفسها.. محدش كان بيطقها بصراحة حتى المدرسين.. كانت بتتعامل حلو بس عشان أبوها حد مهم وكان موصّي عليها.. أعوذ بالله على الصدف.. لو كنت أعرف إنها جاية هنا كنت حوّلت!
رفعت ليلى حاجبًا قائلة بأريحية:
- ليه يا حبيبي ولا يهمك.. كأنها مش موجودة. محدش يقدر يجبر حد يتقبل أي شخص. ف انتي كأنك مش شايفاها.
وابتسمت.
لكنهما لم تبادلاها الابتسامة. كل من نوران ورنا. نظرتا إلى نقطة ما وراء ليلى. وقد انتابتهما حالة من الخرس والبلاهة.
نظرت ليلى تلقائيًا حيث تنظران. فإذا بها ترى ذاك الشاب. وقف أمامها مبتسمًا بلباقة. وكأن الزمان توقف ليستمع لصوته الذي جمع بين الحزم والنعومة وهو يخاطبها مباشرة:
- صباح الخير.. آنسة ليلى. صح؟
تراجعت ليلى قليلاً خلف حجاب تحفظها. وأجابته بخفة. لكن ببرود اكتسبته من ربيبها وحبيبها.. "نديم":
- أيوة أنا.. أفندم؟
طرف الشاب بأهدابه الطويلة قائلاً بلهجة حيادية:
- ممكن أخد من وقتك خمس دقايق.. محتاج أكلمك على إنفراد.. على فكرة أنا جاي هنا مخصوص عشانك.
حانت من ليلى إلتفاتة إلى نوران ورنا المذهولتين. ثم عاودت النظر إلى الشاب قائلة بجدية:
- فعلًا! جاي عشاني؟ بس أنا ماعرفكش!
رمقها الشاب بابتسامة واثقة. مدّ يده للمصافحة بلطف. كأنه يمد جسرًا من الثقة وقال:
- بسيطة. أنا أعرفك بنفسي… زين نصر الدين!!!
رواية هيبة الفصل الرابع 4 - بقلم مريم محمد غريب
غرفة المكتب يغمرها الهدوء التام.
بعد أن شدد "نديم" على ألا يقاطع أحد اجتماعه الخاص بعمّه.
الضوء الأصفر الدافئ تنعكس إضاءته على سطح المكتب الزجاجي.
"مهران" يجلس على الأريكة الجلدية المواجهة للمكتب على بُعد أمتار قليلة، جسده مسترخٍ لكن عيناه تحملان ثقل الماضي.
"نديم" يجلس خلف مكتبه، يراقبه في صمت، كأنه ينتظر أن يستكمل حديثه من حيث توقف.
إلا إن "مهران" لا يزال صامتًا، في عينيه شرود، كأنما يُعيد مشاهدة شريط قديم لم يُمحَ رغم مرور السنين.
التفت برأسه قليلًا، لا يريد أن يلتقي بعينيّ "نديم" مباشرةً، كأن الحكي بصيغة الماضي لا يكفي ليجعله أقل ألمًا.
"بيت العمدة!" ردد "مهران" بصوت هادئ متعب، وأردف:
"أهلها كانوا جيراننا قبل ما نسيب البلد من زمان ونيجي نعيش في القاهرة.. دهب. أصغر بنات رياض نصر الدين. أحلاهم. أقربهم لقلبه.. أو كانت أقربهم لقلبه!"
بتر جملته متنهدًا بعمقٍ، وأكمل:
"كنت أشطر طالب في البلد. والأهالي كانوا بيحبوني أوي. عشان كده لما كانوا بيجوا يطلبوا من ابويا أساعد عيالهم في المذاكرة ماكنتش بمانع وبقنعه كمان.. لحد ما دخلت بيت رياض.. كان العمدة وقتها.. دهب مادخلتش مدارس. على أيامها كان ممنوع بنت في بيت رياض نصر الدين تخرج من بيتها وتروح المدرسة.. كان واثق مني ومن أخلاقي زيه زي كل أهل البلد. فسمح لي أدرس لها.. أعلّمها تقرأ وتكتب.. كانت بتستجيب.. كانت شاطرة.. كانت جميلة ورقيقة أوي.. واحدة واحدة لاقيتني بحبها… حب مش طبيعي… حب خلّاني أعمل حاجات عمري ما فكرت إني أعملها عشانها.. زي إني أتنازلت عن حلم دخولي الجامعة وأختارت أقعد جنب ابويا أدير شغله وأراعي مصالحنا في البلد."
يلتقط "نديم" سيجارة من العلبة الفضيّة بجواره، يشعلها ببطء دون أن يقطع عليه الحديث.
لم يكن في حاجة لسؤاله، فالرجل أمامه غارق في الذكرى، ولن يتوقف حتى يصل للنهاية.
يهز "مهران" رأسه مسترجعًا:
"لما طلبت من ابويا يجي معايا عشان أخطبها مارفضش.. ولما روحنا رياض رحب جدًا.. وفعلًا. اتخطبنا.. بس بعد فترة قصيرة صدمتني بحاجة ماتوقعتهاش!"
لم يحتاج "نديم" لتفسيرٍ لما هو واضحٌ أمامه وضوح الشمس، وقال برتابة لكنه مهتم:
"كانت بتحب حد تاني."
يبتسم "مهران" بسخرية باهتة وقال:
"أيوة… واحد مش من مستواهم على حد قول أبوها… ده إللي قالته لما واجهتني بالحقيقة. أنا إللي كنت ابن عيلة كبيرة وابن أصول. لكن قلبي كان صغير قدامها.. يومها عيّطت. اتوسلِت لي أسيبها لأنها وعدت حبيبها ماتكنش لحد غيره. قالت لي إن أبوها طول عمره عنيف وشديد. وإن مهما كانت غلاوة أي حد عنده لا بيسمعها ولا بيسمع لحد. إللي في راسه بيعمله."
فجأة ينهض "مهران" من مكانه، يتقدم ببطء ناحية النافذة، يرفع الستار قليلًا وينظر إلى المدينة الممتدة أمامه، كأنما يبحث في أنوارها عن شيء من ماضيه.
ويستطرد بصوت منخفض كأنه يحدث نفسه:
"وافقت تيجي من ناحيتي… حبها كان ضارب بجدوره في قلبي وماكنش سهل أنزعه. بس خدت القرار وانسحبت. روحت لرياض وطلبت فسخ الخطوبة منغير ما أشرح أسباب."
يميل "نديم" للأمام قليلًا، أنامله تتلاعب بالسيجارة بينهما، يراقب عمه كأنه يراه للمرة الأولى.
يحدق فيه بقوة متحفزًا لمعرفة أهم جزء بالحكاية:
"وبعدين؟"
رد "مهران" بمرارة، وصوته يثقل أكثر:
"مشيت… سيبت البلد كلها ونزلت القاهرة لوحدي. وبعد فترة قصيرة سمعت إنها اتجوزت ابن عمها… وأنا. أنا اتجوزت مشيرة جواز تقليدي جدًا."
يميل بجسده للخلف، يتنهد وكأنه يطرد حملًا ثقيلًا من صدره، لكنه لا يزال يشعر به جاثمًا.
يتابع بصوت أكثر هدوءًا، لكنه يضغط على كل حرف كأنه يحفره في ذاكرة ابن أخيه بدوره لكي لا ينسى مثله تمامًا:
"بعد سنتين… في يوم ماكنتش متوقعه أبدًا… دخلت دهب عليا المكتب… كانت حامل… وبتعيّط.. كانت منهارة."
يرفع "نديم" نظره ببطء، هذه المرة ملامحه مشدودة، حواسه متيقظة، عيناه تتشرّبان انفعالات عمّه كما لو أنه يعايش الوضع ذاته من خلاله.
بينما "مهران" يسكت، عيناه تغيم للحظة، يشيح بوجهه مجددًا وهو يقول بصوتٍ متحشرج:
"استنجدت بيا.. قالت لي إني الشخص الوحيد إللي فكرت تلجأ له في المصيبة دي.. ولما سألتها إيه هي المصيبة.. قالتي إنها هربانة من بيت أبوها من يوم كتب كتابها على ابن عمها.. راحت تعيش مع حبيبها بعيد.. حملت منه.. لكن مع الوقت حياتها معاه بقت مستحيلة.. اكتشفت إنه صايع.. حرامي.. بتاع ستات.. وكان بيمد إيده عليها ويعايرها إنها وسخت نفسها وحطت راس أبوها في التراب لما وافقت تهرب معاه وتعيش في الحرام.. هربت منه هو كمان.. وجت لي أنا.. أنا كنت قاعد بسمع منها ومش بنطق.. لحد ما سكتت.. لاقيت نفسي بقولها إني مش هاخذلها.. وإنها في أمان طالما لجأت لي.. أجرت لها شقة مفروشة واهتميت بيها طول الشهور إللي بقيت من حملها.. وقبل الولادة بكام يوم قررت أروح لرياض وأحكيله إللي حصل.. لما فكرت المدة دي كلها لاقيت إني لسا بحبها.. رغم كل إللي حصل.. رغم إللي عملته.. والطفل إللي شايلاه في بطنها ده.. كنت مقرر إنه يتكتب بأسمي.. عشان كده ماترددتش.. نزلت البلد.. روحت لرياض وحكيت له كل حاجة.. زي ما توقعت ثار عليا وهددني لو ماقولتلوش على مكان دهب هايدمر ويحرق في عيلتي وأملاكنا في ابلد وكل حاجة.. بس أنا ماتهزّتش.. قلت له إني مش بس هقوله على مكانها.. أنا هاخده من إيده ونروح لها.. بشرط يطلّقها من ابن اخوه ويجوزهالي.. بصراحة كنت فاكره هايوافق.. وما هايصدق عشان يستر على بنته إللي حتى ابن عمها عمره ما كان هايوافق ينسب طفل مش من صلبه لأسمه.. بس اتفاجئت إنه رفض.. وسحب سلاحه وأقسم لي إنه أول بس ما هايلمحها هايقتلها ويغسل عاره بإيده.. حتى حفيده إللي منها.. مش هايشفق عليه وهايقتله هو كمان.. مشيت من عنده وكنت عارف إني متراقب.. عشان كده ماحاولتش أرجع لدهب.. كلّمتها بس في التليفون وطمنتها إني هاجيلها في أسرع وقت.. ماعدّاش يومين وكلّمتني وهي بتصرخ.. كانت بتولد وأضطريت أجري عليها.. شيلتها على إيديا للمستشفى.. وهناك ولدت بنتها.. ساعة واحدة بعد الولادة ودخلت في غيبوبة بسبب نزيف حصل لها وهي بتولد.. وماتت في نفس اليوم.. ماتت في اللحظة إللي رياض وصل فيها المستشفى هو وسليمان ابن أخوه.. عمري ما هانسى نظرة القسوة إللي شوفتها في عينه لبنته وهو شايفها ميتة.. زي عمري ما هانسى لما سلم سلاحه لسليمان وأمره يخلص على البنت.. ساعتها أنا إللي وقفت له.. قلبت المستشفى.. طلبت البوليس وخدت عليهم تعهّد بعدم التعرّض لعيلتي كلها.. بعدها شلت البنت على إيديا وروحت لمشيرة.. والباقي انت عارفه."
أدار "مهران" رأسه ناظرًا نحو "نديم".
رآه يجلس كما هو، لا يزال متكئًا بجسده للأمام، شرايين يده أكثر بروزًا، فكّه مشدود، عيناه تضيقان كما لو أنه لم يعد يستمع إلى حديث عمّه.
رغم أنه قد سمعه كله، هذه الفتاة التي اختتم بها عمّه قصته، إنما هي "ليلى".
"ليلى" صغيرته، الفتاة التي تسللت إلى قلبه لا يعرف متى وكيف، حتى جعلته مجنونًا بها وإن لم يفصح بذلك، مجرد فكرة أن يودّ أحدهم إيذائها تجعله يكاد يفقد السيطرة على عقلانيته، لقد حماها "مهران" في طفولتها، وتسلّم هو مسؤوليتها منذ مجيئهم للعيش ببيته قبل سنوات.
إنها ليست من دمه، لا تقربه بصلة، لكنها ملكه هو، لن يأخذها أحد، لن يسمح بهذا حتى لو اضطر لمواجهة الشيطان بنفسه.
"ليلى" له هو.. لطالما كانت.. وستكون للأبد.
يدق هاتفه الآن منتزعًا إيّاه من أفكاره، إلتقطه بخفة من أمامه، مرر عيناه على اسمها وصورتها التي تصدّرت الشاشة المضاءة، فتح الخط وحاول أن يرد بصوتٍ حياديّ:
"آلو!"
أتاه صوتها الموسيقي مرددًا برقة محببة:
"ممكن أزعج نديم باشا دقيقتين.. لو عنده وقت أكلمه!؟"
لم يقاوم طيف الابتسامة التي لاحت على ثغره الدقيق، رد عليها بهدوئه المعهود:
"أكيد.. انتي بالذات إللي بتقدري تزعجيه في أي وقت ومش بيضايق بالمناسبة.. انتي فين كده الأول؟ إيه الدوشة دي؟"
"أنا بكلمك من قلب الحدث. من أول يوم جامعة ليا.. وكنت عايزة أخد أذن ساعتين بس."
انتباه انزعاجًا طفيف وهو يقول:
"ليلى.. انتي عارفة رأيي في المواضيع دي.. أنا مابحبكيش تروحي بيوت حد."
ردت باستجداءٍ:
"دي مش حد.. دي نوران انت تعرفها من سنين وتعرف أهلها."
"ولو بردو.. هاتيها وتعالي على بيتنا واقعدوا براحتكوا. لو عايزة تجيبي صحباتك كلهم ينوروا لكن مرواح ليكي عند أي حد لأ."
بدا الحزن في صوتها وهي تقول لأخر مرة:
"عشان خاطري يا نديم.. هما ساعتين بس.. عشان خاطري!!"
كان على وشك أن يقول لا بصرامة حاسمًا الأمر، لكن صدى صوتها الحزين طرق بقوة على وتره الحسّاس، الشيطانة، تعرف جيدًا كيف تؤثر عليه.
تنهد "نديم" بحرارةٍ وقال على مضضٍ:
"ماشي يا ليلى.. روحي."
ابتسم بلطفٍ وهو يستمع لصياحها المرح، ثم صوتها وهي تقول بامتنانٍ شديد:
"انت أحلى نديم في الدنيا.. شكرًا بجد.. وماتقلقش والله مش هتأخر وهاكلم فضل السواق يجي ياخدني."
حذرها قائلًا:
"أهم حاجة موبايلك يفضل في إيدك. لما أكلمك تردي فورًا.. ومش هأكد عليكي إللي انت عارفاه. مافيش سلام وكلام مع أي راجل. لا بابا صاحبتي ولا أخوها سامعة؟"
"يا نديم بابا نوران مسافر أصلًا. وأخوها عنده 10 سنين!"
"إن شالله يكون عنده سنة.. اسمعي الكلام ونفذيه بس."
"حاضر.. أنا يعمل إللي بتقول عليه كده كده.. ماتخافش انت مربي راجل."
وضحكت بانطلاقٍ مكملة:
"صحيح نسيت أقولك ده انت هاتتبسط أوي."
"قولي!"
"إنهاردة جالي واحد ظريف كده وقال إيه ظابط وحاول يكلمني بس صديته طبعًا.. قبل ما يمشي قال على فكرة احنا قرايب. شكله عبيط ده عيلتنا مافيهاش دكتور حتى. احنا عيلتنا صغيرة أوي يا نديم!"
تغيّرت تعبيرات وجهه لسماع كلماتها، وانتبه "مهران" لذلك، فاقترب وهو يصوّب نحوه نظرة متسائلة، بينما يخاطبها "نديم" مباشرةً بلهجةٍ صلدة:
"انتي لسا في الجامعة؟"
ردت بأريحية:
"أيوة بتمشى مع نوران وصاحبتنا الجديدة رنا."
ينهض "نديم" ساحبًا سترته من فوق المشجب قائلًا بصوتٍ آمر:
"خليكي عندك ماتتحرّكيش.. اوعي تخرجي من بوابة الجامعة.. أنا جاي لك."
سألته بقلقٍ:
"في إيه يا نديم؟"
كرر بصوتٍ أكثر حدة:
"قلت خليكي عندك.. سامعة؟ أنا مسافة السكة وهاتلاقيني قصادك."
وأغلق معها ملتفتًا إلى عمّه الذي تساءل من فوره:
"حصل إيه؟?"
يرتدي "نديم" سترته على عجالة جامعًا متعلّقاته الشخصية وهو يقول من بين أسنانه:
"لسا ماحصلش.. بس رياض ده مش ناويها خير معايا.. أنا رايح أجيب ليلى.. أسبقني على البيت!"
وتركه مغادرًا مبنى شركاته.. متجهًا رأسًا إلى وجهته المحددة.. إليها.
رواية هيبة الفصل الخامس 5 - بقلم مريم محمد غريب
جلست "ليلى" في ساحة الحرم الجامعي، تحت ظل شجرة معمّرة، إلى جوارها كلٌ من "رنا" و"نوران" صديقتاها.
شمس الظهيرة ترسل خيوطها الناعسة فوق المقاعد الأسمنتية، بينما تتناثر الضحكات والهمسات حولهن من الطلاب المتناثرين في المكان.
كانت "نوران" تتحدث بعجبٍ وهي تضحك كعادتها:
- أنا مش فاهمة إزاي معرفة البت رنا دي بقالها 5 ساعات بس.. دي ليلى لوحدها حكت قصة حياتها مرتين لحد دلوقتي.. وكمان إيه. فضفضت بالسر إللي أنا نفسي ماعرفتوش إلا من شهرين بس!!
ضحكت "ليلى" بخفة، تهز كتفيها كأن الأمر لا يستحق الدهشة، لكن "رنا" لم تبتسم. كانت نظراتها جادة، وصوتها منخفضًا لكنه حاد وهي تقول:
- لأ هو الموضوع مايضحكش خالص يا نوران. واهدي شوية عشان عاوزة أقول لـ ليلى كلمتين مهمين.
بالفعل صمتت "نوران" وأصغت "ليلى" عابسة، بينما تستطرد "رنا":
- بصي يا ليلى… السر ده لازم يتنسي. حتى ماتفكريش فيه في سرك. إللي بتعمليه في نفسك ده أكبر غلط.
رفعت "ليلى" حاجبيها بدهشة، لكنها ردّت بهدوء مُنهك:
- هو الحب بقى غلط يا رنا؟ ولا أنا اللي باختار أحب مين أصلاً؟
زفرت "رنا" بضيق، ثم قالت بحزم:
- أيوة غلط. لأن إللي بتحبيه مش مناسب ليكي بأي شكل… أولًا ابن عمك إللي مربيكي. وثانيًا أكبر منك بكتير.
- عشر سنين بس!
قاطعتها "ليلى" بعنادٍ طفولي.
تابعت "رنا" رغم ذلك:
- وثالثًا ودي أهم واحدة… متجوز! فاهمة يعني إيه متجوز؟ يعني مافيش أمل. حتى لو حاولتي تحققيه.
صمت خفيف خيّم بينهن. نظرت "ليلى" إلى الأرض، بينما كانت كلمات "رنا" تتردد في رأسها، تضرب مشاعرها كسهام لا تُخطئ.
إنها محقّة، تعلم ذلك جيدًا، لا أمل لها وراء عشقها لـ"نديم". ولن تجني شيئًا من حبّها له سوى المرارة والعذاب، لكنه قلبها المتعلّق به، كيف تردعه؟
ليس بيدها حيلة، إنها تحبّه، تحبّه وكأن حياتها تتوقف عليه، تحبّه رغم زواجه، رغم فرق العمر بينهما، تحبّه رغم المستحيل الذي يحول بينهما، فهل يمكنها حقًا أن تتراجع؟
لا تتخيّل مجرد المحاولة، لأنها تعتقد بأنها ستموت لو فعلت، لا يمكنها انتزاع "نديم" من قلبها، لا يمكن.
ظلّت صامتة للحظات، تنظر في اللاشيء، تغرق في دوّامة من أفكارها وحبّها المستحيل.
"نديم"...
فجأة، قطعت "نوران" شرودها بصوتٍ حماسي:
- ليلى! نديم جه!!
ارتفعت عينا "ليلى" تلقائيًا نحو البوابة الرئيسية، وهناك… لمحت السيارة الفضيّة تقف بانتظارها، ثم دق هاتفها وقد كان يناديها فعليًا.
خفّت أنفاسها، وارتسمت ابتسامة صغيرة على ثغرها رغمًا عنها، وقفت فجأة، وهي تلوّح لهما بسرعة:
- باي باي أشوفكوا بكرة.
ثم هرولت نحوه مشرقة الوجه.. كأن كل ما قيل لتوّه قد تلاشى في الهواء.
***
بلغا أبنيّ العمومة "زين طاهر نصر الدين" و "شهد سليمان نصر الدين" بوابتيّ القصر العريق الذي ورثت جدرانه وقاره من الزمن، كانت أروقته المنمّقة تنبض بهدوءٍ ثقيل، يحمل في طيّاته أسرار العائلة ومآسيها.
- اوعى تمشي قبل ما أنزل أشوفك!
قالتها "شهد" ممسكة بكفّ "زين" ونظرة اغواء بعينيها.
رمقه "زين" بنظرة فاترة، وقال ببرود ساحبًا كفّه من بين يديها:
- إن شاء الله يا شهد.. أبوكي لسا هنا ماسافرش البلد صح؟
أومأت له عابثة بخصلة شعر أفلتت أمام عينيها:
- هاتلاقيه عند جدو.. أي استفسار تاني يا حضرة الظابط؟
امتقع وجهه وهو يدير عيناه عنها قائلًا بضجر لم يحاول اخفاؤه:
- لأ شكرًا يا شهد.
وتركها متجهًا نحو غرفة مكتب الجد.
فتح "زين" باب غرفة المكتب الفسيحة ودلف بخطى واثقة. كان الضوء الخافت ينساب من المصابيح النحاسية فوق المكتب العتيق، حيث جلس جده، أمامه "طاهر" والده. و"سليمان" ابن شقيق "رياض" والرجل الذي تربّع عرش العمدة بعد أن تنازل "رياض" عنه بمحض إرادته قبل سنواتٍ طويلة.
- مساء الخير!
هتف "زين" ممرًا نظرة سريعة على وجوه الجالسين.
ثم توجّه مباشرةً إلى جده، انحنى يقبّل يده الهرمة بخشوع قائلًا:
- واحشني يا جدّي.. طمني عليك وعلى صحتك.
ابتسم "رياض" وربّت على رأس حفيده قائلاً بفخر:
- حفيدي الغالي. زين عيلة النصروية.. كيف ماكونش بخير وانت موجود يا ولدي.. يا ضهري وعكازي.. أجعد يا زين.
جلس "زين" في المقعد المقابل، ابتسم لجده بطلفٍ بينما تبادل كلًا من "طاهر" و"سليمان" النظرات، حتى قال "رياض" بنبرةٍ حازمة:
- جولّي عملت إيه.. عايز البشارة.
رد "زين" برصانته المعهودة:
- لسا شوية يا جدي.. قلت لك الموضوع ده ماينفعش يجي فجأة. واحدة واحدة.
رياض بنفاذ صبر:
- كيف واحدة واحدة بس.. أنا صبرت أكتر من 18 سنة. لساني هاصبر كمان؟
زين بهدوء:
- معلش يا جدي.. ليلى ماتعرفناش.. وماينفعش تاخد الصدمة مرة واحدة. إديني فرصة بس. أنا إنهاردة وريتها نفسي ورميت لها كلمة.. المرة الجاية الكلام هايبقى مكشوف.
لم يتسنّى الرد للجد، ارتفعت حرارة الأجواء فجأة، حين اندفع "طاهر" قائلًا بنزقٍ محتدم:
- يا حاج. أنا سايبك تعمل إللي على كيفك.. بس لازم تسمع مني الكلمتين دول. مش المفروض البت دي تكون هنا أصلاً. أمها غلطت. بتّك غلطت يابا ومرّغت شرفنا في الطين والخلج لساهم مانسيوش. دهب جابتها من الحرام…
قاطعه "سليمان" مؤيدًا:
- طاهر بيتكلم صوح يا عمي. وإللي اتعمل زمان ماينفعش نرجع نكرره تاني. العيلة دي ليها اسمها. والبت دي مش مننا من أساسه ولا تعرفنا ولا عمرنا عرفناها. ده انت المفروض تشكر ربنا إنه نجانا من عارها هي كمان.
انقبض وجه "رياض" لسماع كلماتهم، وارتعشت يده قليلاً وهو يضعها على المكتب، ثم يقول بصرامة وصوته كأنما يخترق الجدران:
- اسمع يا طاهر انت وسليمان. دهب بتّي خاطية. دهب تستاهل الحرج. بس ليلى حفيدتي. دمي ولحمي. وكفاية سمعت كلامكوا العمر إللي فات بحاله وسيبتها. ماعدتش هاسمع كلام حد غيري. ليلى راجعة. مش هاسيبها للغُرب طول العمر. دي مهما كان شرفي وعرضي.. وإللي مش عاجبه كلامي يشرب من المالح!!!
ساد صمت ثقيل، تبادلت فيه الأعين صراعًا خفيًا.
ليقترب "زين" قليلًا من جده، ويقول بصوتٍ منخفض لكنه حاسم:
- ماتقلقش يا جدي… أنا مش هاسيبها. هرجع لها تاني… وهارجّعها ليك.. ده وعد مني!
نظر إليه "رياض" مطوّلًا بعينين مملوءتين بكبرياء الرجل العجوز الذي يخوض آخر معاركه. ويأمل أن ينتصر بها، هز رأسه بصمتٍ كأنّه يسلّمه الراية.
فتنهد "زين" ناظرًا إلى "سليمان" مباشرةً كأنما هناك تحدّ قائمٌ بينهما.
***
تجلس إلى جواره في السيارة، وملامحها مزيج من الحيرة والارتباك. نظرت إلى الطريق الممتد أمامهما، وقد لاحظت أنه لا يؤدي إلى المنزل.
- إحنا رايحين فين؟
تساءلت "ليلى" بصوتٍ خافت، بينما عيناها تتبعان اللافتات والخط النيلي على يمينه.
ردّ "نديم" بهدوئه المعهود دون أن يحوّل نظره عن الطريق:
- ماتستعجليش.. هاتعرفي دلوقتي.
ساد بينهما صمتٌ ثقيل، كأن الطريق يبتلعهما. لا صوت سوى همهمة المحرك والموسيقى الخافتة المنبعثة من سمّاعات السيارة الحديثة.
وأخيرًا، توقفت السيارة أمام بناية حديثة ذات واجهة زجاجية أنيقة في أحد أحياء المدينة الراقية. التفت إليها وقال آمرًا:
- انزلي.
فتح الباب ونزل، ثم دار حول السيارة، أمسَك بيدها دون أن ينتظر إذنًا، فأمسكت بها بعفوية، كأن جسدها سبق عقلها في القرار.
دخلا البناية، وركبا المصعد حتى الطابق السادس. طابق كامل يحتوي على شقة واحدة فقط. أخرج "نديم" مفتاحًا وفتح الباب بهدوء.
- ادخلي.
إنصاعت "ليلى" مدفوعة بثقتها العمياء به، وعيناها تتجولان بدهشة داخل الشقة. كانت فسيحة، يغلب عليها اللونين الأبيض والرمادي، بقطع أثاث حديثة الطراز. السقف عالٍ تتدلّى منه ثريا زجاجية أنيقة، والجدران مزيّنة بلوحاتٍ فنية هادئة. الأرضيات لامعة، والهواء معطّر برائحة خشب فاخر ممزوجة بعطر ذكوري خافت.
تقدّمت خطوات بطيئة، ثم التفتت، فوجدته يقفل الباب ويستدير نحوها.
- إحنا فين يا نديم؟ وإيه الشقة دي؟
سألته والشك يتسلل إلى صوتها.
ابتسم "نديم" وبدأ في خلع سترته ببطءٍ، ثم فكّ ربطة عنقه، وتبعها بأزرار معصميّ قميصه، دون أن يبعد عينيه عنها.
- تعالي نقعد هنا… وهافهمك.
تقدّم نحو الصالون الجانبي، بإضاءة ناعمة وأريكتين واسعتين، فتبعته بخطى ثقيلة، بينما قلبها يتقافز من سؤال إلى سؤال دون إجابة.
جلست بجواره على الأريكة الرمادية الناعمة، بينما استرخى بكامل هدوئه، واضعًا ساق فوق الأخرى، ونظره مستقرًا عليها، يبتسم لها ببساطة.
ابتسمت له دون تفكير، كأن ابتسامته سحبتها من توترها، ثم عادت لتسأله بهدوء وعيناها تتفحصان المكان من جديد:
- الشقة دي… بتاعتك يا نديم؟
رد مبتسمًا دون أن يغيّر شيئًا من نبرة صوته الهادئة:
- أيوة يا ليلى.. بتاعتي. إيه رأيك فيها؟ عجبتك؟
هزت رأسها بإعجاب قائلة:
- جميلة جدًا… بس مش فاهمة.. ليه عندك شقة زي دي أصلاً؟
- اشتريتها من ٣ سنين!
قالها، ثم أكمل بعد لحظة صمت قصيرة:
- لسبب أكيد… هقولك عليه. بس مش وقته دلوقتي.
نظرت إليه بدهشة، لكنها لم تسأل مرةً أخرى. سكتت.
مال "نديم" بجسده قليلًا للأمام، ونبرة صوته أصبحت أكثر جدية، لكن بهدوءه الشهير قال:
- بصي يا ليلى… أنا جايبك هنا عشان في كلام مش هعرف أقوله لا في البيت ولا في أي مكان تاني. هنا… هنا بس أقدر أتكلم. وانتي تسمعيني من غير ما تقاطعيني.. فاهمة؟
نظرت إليه باهتمام، شعرت بقلبها يضرب أسرع وقالت بتوتر:
- قولي طيب.. انت قلقتني.
لم يزيح عينيه عنها. لكن نظراته تلك المرة كانت أعمق، كأنها تحمل شيئًا ثقيلًا أخيرًا أفرج عنه.
- أنا بحبك!
قالها بثباتٍ، لكن عينيه كانتا تشي بتوترٍ دفين.
كلمة واحدة… كانت كافية لتقلب داخلها كل شيء.
شهقت بصمت، كأن قلبها انكمش فجأة. لم تصدّق… رغم كل شيء، لم تتوقعها منه.
تلعثمت، عيناها تبحثان عن تفسير وهي تقول:
- بتحبني؟ قصدك يعني… بتحبني عـ عشان أنا بنت عمك؟ زي ما أنا كمان بحبك يعني…
قاطعها بهدوء حاسم وهو يقترب أكثر ممسكًا يدها فجأة دون تمهيد:
- بحبك يا ليلى!
قالها مرةً أخرى، بصوتٍ منخفض لكنه صارم:
- بحبك… ومش قادر أكتّم اللي جوايا أكتر من كده.
ضغط على يدها بخفة، وعيناه لا تزال معلّقة بعينيها وأضاف هامسًا:
- أنا بحبك.. وعايزك.. عايزك أكتر من أي حاجة في الدنيا.. معقول عمرك ما حسّيتي بده؟
صارت الغرفة ضيّقة رغم اتساعها، الهواء مثقل بأنفاسهما، والنبضات المتسارعة تدوي في أذنيها كطبول حرب. وقفت "ليلى" فجأة، لكنه اجتذبها من معصمها معيدّا إيّاها بمكانها بقوة، أفلتت منها شهقة بينما يحاصرها بين ذراعيه المفتولتين.
نظرت له مشدوهة، غير قادرة على استيعاب ما يحدث. "نديم" كان أمامها، لأول مرة، بل للمرة الثانية، أقرب ممّا ينبغي لأبن عمّها!
عيناه الخضراوين تخترقانها كأنهما تحاصرانها في زاوية لا مهرب منها، وصوته الخافت يغوص عميقًا بداخلها:
- الهروب مش هو الرد على كلامي يا ليلى.. أنا عمري ما كنت هاكلمك في حاجة زي لو كنت لامس ذرة رفض منك.. لكن أنا شايف في عنيكي.. شايف مرايا بتعكس كل إللي جوايا ناحيتك.. جواكي انتي كمان.
حاولت أن تتكلم، أن تفهم، أن تضع حدًا لهذا التوتر الخانق، لكن الكلمات خرجت ضعيفة، متعثّرة، كأنها لا تصدق نفسها.
- بس. انت متجوز!
قالتها بصوتٍ خافت، تحاول أن تُذَكِّره… أو ربما تذكّر نفسه.
لم يرمش حتى، لم يبتعد، بل ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، خطيرة، قبل أن يجيب بنبرة ناعمة لكنها تحمل في طيّاتها خشونة لا يمكن إغفالها:
- وإيه المشكلة؟ راندا مجرد صورة.. لكن انتي.. انتي عارفة مقامك عندي.
ارتجفت أنفاسها، تشوّشت أفكارها، كأن كلماته صفعتها دون أن تلمسها يداه. حاولت أن تتراجع، ولاحظ هو ذلك، فضغط جسدها بجسده أكثر ممسكًا معصمها بيد ومحيطًا خصرها بالأخرى، المسافة بينهما أصبحت معدومة تقريبًا.
- أنا مش فاهمة!
همست بها، وصوتها بدا واهيًا حتى في أذنيه.
رفع يده ببطء، ولا زال لا يمنحها فرصة للهرب وهو يرفع أصابعه إلى وجنتها، يلمسها بجرأة لم يعهدها من نفسه معها من قبل. ارتعشت، شهقت بلا وعي، لكنها لم تتحرك، لم تستطع حتى أن تتنفس بشكلٍ طبيعي.
- فاهمة. بس مش عايزة تصدقي!
قالها بثقة وهو يمرر إبهامه فوق بشرتها، لمسته كانت ناعمة، لكنها حارقة، تترك أثرًا لا يُمحى.
بلعت ريقها بصعوبة، استجمعت ما تبقى من شتات عقلها وقالت بعناد بلهجةٍ مرتعشة:
- لأ مش فاهمة يا نديم.. انت عايز إيه بالظبط؟ أنا حاسة ان في حاجة غلط.. ممكن تسيبني دلوقتي؟
أظلمت عيناه، وكأن الغضب تسرّب إليهما دون سابق إنذار، اقترب أكثر حتى كادت أن تشعر بدفء أنفاسه على وجهها وهو يتمتم ببطء، بصوتٍ أجش:
- وانتي عايزة تسيبيني؟
كانت إجابتها جاهزة، كان يجب أن تقول "أجل". أن تضع حدًا لكل هذا، لكنها لم تستطع، لم تجد الكلمة… وكأنها علقت في حلقها، وكأن شيئًا أقوى منها منعها من الكذب عليه.
رأى التردد في عينيها، رأى الحقيقة قبل أن تنطق بها، فابتسم… تلك الابتسامة الواثقة التي لطالما رأتها عليه على مر السنون، قبل أن يهمس قرب شفتيها، صوته كان أقرب لاعترافٍ خطير:
- انت ليَّا يا ليلى… من زمان. من قبل حتى ما تفهمي ده.
ارتجفت بين يديه، نظرت إليه بعينين تملؤهما الفوضى، وحين نطق بالسؤال القاتل، لم تستطع إلا أن ترنو إليه بصدقٍ موجع:
- بتحبّيني؟
تلعثمت شفتاها، حاولت أن تنكر، أن تتراجع، لكن شيئًا ما انتزع الحقيقة منها قبل أن تمنعها:
- بحبك… بحبك أوي!
أغمض "نديم" عينيه للحظة، كأنه يستوعب وقع كلماتها عليه، قبل أن يعود لينظر إليها مجددًا، عيناه تلمعان بانتصار لم يحاول حتى إخفاءه، ثم تمتم بصوتٍ خافت، لكنه تسلل إلى عظامها:
- ده هايبقى سرنا… اللي بينا ده محدش هايعرفه غيرنا!!
تجمّدت للحظة بين ذراعيه، كأن الهواء انقطع عن صدرها، وكأنها لا تصدق ما سمعته للتو. ثم ارتج جسدها فجأة، واندفعت تقاوم قبضته بيدين مرتعشتين، تدفعه بصدرها وكتفيها حتى أفلتها، لا عن عجز، بل عن رغبة في منحها فرصة للكلام.
نهضت كمن يهرب من حافة هاوية، ووقفت أمامه تتنفس بسرعة، عيناها مشتعلة، وخدّاها يغليان من الذهول.
قالت بصوتٍ مرتجف:
- انت بتقول إيه؟ يعني إيه إللي بينا سر ومحدش هايعرفه غيرنا؟؟!!
قام واقفًا بدوره تنهد مودعًا يداه بجيبيه، كأن الأمر لا يستحق الانفعال وقال:
- كلامي واضح يا ليلى.. قلت لك بحبك.. وعايزك.. وانتي كمان قولتيها.. بتحبيني.. يبقى مش ناقص غير دليل يثبت إللي بينّا. الدليل هو إنك تكوني ليا.
نظرت له بذهول وقالت بصدمة:
- وعايزني أكون ليك إزاي يا نديم؟ عايزني أعيش معاك كده. متصاحبين؟ ترضاها لي؟؟!!
عبس قائلًا بانزعاجٍ:
- إيه إللي انتي بتقوليه ده؟ أكيد لأ.. انتي بنت عمي. وأغلى إنسانة عليا في الدنيا دي كلها.. تفتكري ممكن آذيكي؟
أجفلت قائلة باضطرابٍ:
- طيب فهمني.. أنا مابقتش فاهمة حاجة من كلامك!
قطع المسافة بينهما ممسكًا وجهها بين راحتيه، وقال بخفوتٍ:
- أنا هاتجوزك يا ليلى.. هاتجوزك.. خلاص مابقتش قادر اصبر ولا أخبي مشاعري ليكي.. ده إللي لازم يحصل.
كان قلبها يرقص سعادة من كلماته، لكنها طرحت السؤال الذي يؤرّقها بشدة:
- طيب وراندا.. وبابا والناس؟
قاطعها باسلوبه المقنع الذي لا يخيب معها أو مع غيرها أبدًا:
- لا راندا ولا عمي ولا جنس مخلوق هايقدر يمنعني منك.. انتي وبس إللي حبيبتي.. انتي إللي اتمنيت تكوني شريكة حياتي وأم ولادي.. كل حاجة هاتتحل ماتشليش هم طول ما أنا موجود.. المهم دلوقتي إنك عرفتي. وإنك هاتكوني ليا.. ده الأهم بالنسبة لي يا ليلي.
حدقت فيه غير مصدقة، إنه يقول كل هذا الكلام، لا تتوّهم، لا تحلم.
حبيبها "نديم".. صرّح بحبّه لها.. بل وقد وعدها بالزواج.. ستكون له.. ستكون له وهذا ما يهمها حقًا.
رواية هيبة الفصل السادس 6 - بقلم مريم محمد غريب
في الصالون المترف.
ساد صمت ثقيل بين الحضور القليل، الأوراق مبسوطة على الطاولة الخشبية أمامهم، ونسختان من عقد الزواج تنتظران توقيعات أصحابها.
يجلس المحامي قبالتهم، عيناه تنتقلان بين الوجوه بترقُّب معتاد.
رجلان من رجال "نديم الراعي" المقرّبين كانا يجلسان في الخلف، يتبادلان النظرات دون كلام.
حين وقعت عينا "ليلى" على الأوراق مرةً أخرى، ارتجف جفنها، وحدّقت في "نديم" بتوترٍ قائلة:
ـ هو الجواز العرفي ده رسمي يا نديم؟
ابتسم بهدوء بثقة، ومدّ يده ليمسك يدها وقال بثقة:
ـ طبعًا رسمي. وهانوثّقه في المحكمة كمان.. ماتقلقيش.
صوته كان هادئًا، مطمئنًا، وفيه نبرة حنان زائدة لم تعتدها. ارتاحت نظرتها تدريجيًا، وارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها.
أمسك "نديم" بالقلم، وقام بالتوقيع على النسختين.
ثم نظر المحامي إلى "ليلى" وقال:
ـ اتفضلي يا عروسة.. امضي في خانة الطرف التاني الاسم رباعي.
ترددت لحظة، ثم تناولت القلم ووقّعت.
بعدها رفعت وجهها ونظرت لـ"نديم" قائلة ببلاهة الطفلة:
ـ طيب.. احنا مش هانبصم بالحبر الأزرق؟ زي العريس والعروسة ما بيعملوا في الفرح؟
ضحك "نديم" وقد ارتد صوته في أركان الحجرة، ثم قال بفكاهة:
ـ مشكلتك في البصمة يعني؟
ثم التفت إلى المحامي قائلًا:
ـ معاك بصّامة يا متر؟
ابتسم المحامي وأخرج بصّامة صغيرة من حقيبته الجلد وقال مبتسمًا بدوره:
ـ معايا كل حاجة يا باشا.. أوامر.
ومدها ناحية "ليلى" قائلاً:
ـ اتفضلي يا عروسة.. ابصمي.
وضعت ليلى إصبع إبهامها على البصّامة وهي تبتسم بفرحة طفولية، ثم طبعت بصمتها على النسختين.
فعل "نديم" المثل ليس إلا إرضاءًا لها، ثم نظر لها قائلًا وعيناه لا تفارقان وجهها:
ـ قوليلى نفسك في إيه تاني؟ طلباتك أوامر.
نظرت إلى الأرض دون أن ترد، وراح ظل ابتسامتها يختبئ وراء وجنتيها.
سحب منديلًا ورقيًا ليزيل آثار الحبر عن إبهامها أولًا، بينما نهض المحامي من مكانه ملتقطًا العقدين، واتجه ناحية الشاهدين، وقّع الرجلان كلٌ في دوره، دون كلمة، فقط نظرات صامتة متبادلة بين بعضهما البعض.
كانت "ليلى" ما تزال مطأطأة الرأس، وجنتاها مشرّبتان بحمرة الخجل، وعيناها تتجنبان العيون من حولها.
عاد المحامي إلى الطاولة، جمع أوراقه بعناية في حقيبته الجلدية، ثم نهض وهو يقول باحترام:
ـ عن إذنك يا باشا. لو تسمح لي ألحق أمشي عشان أوصل الأوراق دي مكتبي وإن شاء الله الصبح هاكلمك.
صافحه "نديم" بحرارة، ثم قام ليصافح الرجلين اللذين باركا له ولعروسه بابتسامةٍ واسعة:
ـ ألف مبروك يا نديم باشا.. مبروك يا عروسة.. تتهنوا يارب.
شكرهم "نديم" بابتسامته الفاترة:
ـ شكرًا يا رجالة.. ألف شكر.. نورتوا.
أوصلهم جميعًا حتى باب الشقة، ثم عاد إلى "ليلى" بخطوات هادئة.
مدّ يده إليها، فنظرت إليه بخجل قبل أن تضع كفّها الصغيرة في يده الكبيرة الدافئة.
شدّها برفقٍ، لتقف أمامه.
أمسك يدها الأخرى، ثم رفع رأسه لتتلاقى أعينهما في صمتٍ مشحونٌ بالمشاعر، ثم وقال بصوتٍ خفيض:
ـ مبروك يا حياتي… بقيتي مراتي خلاص يا ليلى.
ازداد خجلها أكثر، وابتسامة متوترة ارتسمت على محيّاها، لكنها ما لبثت أن تلاشت حين همست له بارتباكٍ:
ـ أنا خايفة يا نديم!
تبدّلت ملامحه، وسألها عابسًا:
ـ خايفة؟ وإنتي معايا؟ خايفة من إيه؟
ـ خايفة من إللي عملناه… بابا لو عرف… كنا ممكن نقوله على الأقل.
تنهد "نديم" ثم قال بهدوء:
ـ ليلى… حبيبتي… قلت لك إن الظروف دلوقتي ماتسمحش إن أي حد يعرف. حتى عمي. وبعدين لما هاجي أقوله مش هاقوله إننا اتجوزنا من وراه… أنا هاطلبك منه رسمي. وهانتجوز تاني قدام الناس وعلى إيد مأذون.
نظرت له بعينين قلقتين وسألت:
ـ نتجوز تاني؟ هو ده ينفع؟
جاوبها باسلوبه المقنع الشهير:
ـ أيوه طبعًا ينفع. إحنا إنهاردة كتبنا عقد مدني رسمي. ده بيكون موثق ومعترف بيه في الدولة. أما الجواز الشرعي إللي على إيد مأذون ده للشكليات. وأنا فهّمتك وشرحت لك… أول ما أخلص من جوازي من راندا. هانكون مع بعض قدام الدنيا كلها.. أنا اتجوزتها وكنت فاكر إني بهرب من مشاعري ناحيتك أتاريني أتوّرطت بقلبي معاكي أكتر.. لكن خلاص مابقتش قادر.. وعيشتي معاها تقريبًا انتهت.. كل إللي طالبه منك إنك تثقي فيا أكتر.. وتعرفي إني إستحالة أضرك.
كلامه دخل قلبها بسلاسة، وكدأبها صدقته، فتراجع التوتر من عينيها، وابتسمت له من جديد متمتمة:
ـ أنا بثق فيك أكتر من نفسي.. طول عمري بثق فيك.. وانت عارف.
بادَلها الابتسامة واقترب منها أكثر، وهمس:
ـ عارف.. أنا بحبك!
لم تجد "ليلى" ما تقوله. وقفت متسمّرة، مستسلمة بين يديه، حتى دنى بوجهه معانقًا وجهها بكفّيه، لامس شفتيها بشفتيه في قبلة هادئة، رقيقة في البادئ، ثم اشتدّت شيئًا فشيئًا دافعة إيّاها إلى الذهول.
هذا شيء تختبره للمرة الأولى، فضلًا عن أنها محظوظة للغاية، فهذا الرجل الذي تحب، لم ولن تعشق غيره وهي واثقة تمام الثقة من ذلك.
تثاقلا جفناها لا شعوريًا، بينما تقودها خبرة "نديم" وتتيه هي في دفئها. شفاهه تلامسها، وتتعرّف على فمها برفقٍ ثم بجُرأة، كما يداه حين أحسّت بلمساته تستكشف معالم جسدها لأول مرة بطريقة مختلفة لم يسبق لأحد أن فعلها.
ولولا إنه قد شعر بحاجتها للتنفس لما قطع القبلة الآن. أنفاسه حارة ولاهثة حين همس لها مسبلًا عيناه:
ـ تعالي أوريكي أوضة النوم.
لكن "ليلى" رفعت يدها وأمسكت بكفه وهو يتحسس خصرها ويشدّها بنفس الوقت، ثم قالت بسرعة:
ـ نديم. من فضلك… مش هاينفع.
نظر لها بدهشة:
ـ ليه؟
عضّت شفتها وقالت بترددٍ:
ـ معلش… أنا مش جاهزة.. مش المرة دي.. لو سمحت!
صمت للحظة، ثم سحب نفسًا عميقًا، تراجع بهدوء، قبضته ترتخي عن خصرها.
ثم قال بلهجته الباردة:
ـ ماشي يا ليلى… بس ياريت تجهّزي في أسرع وقت. عشان أنا… مش هقدر على كده كتير.. معاكي كام يوم مش اكتر.. فاهمة؟
أومأت برأسها.
فمدّ يده، ولمس شفتها السفلى بإبهامه، ثم انحنى عليها وقبّلها من جديد على فمها، قبلة أطول، أعمق، داخت بها كأنها تُسحب من العالم.
ثم ابتعد، التقط سترته من على الكرسي، وارتداها بسرعة.
نظر لها وقال بنبرة آمرة ناعمة:
ـ يلا بينا… هانرجع البيت.
استوقفته "ليلى" عند الباب قبل أن يفتحه، وقالت بخفوتٍ:
ـ استنى.. دقيقة بس!
اتجهت نحو مرآة معلّقة في جانب المدخل.
عدّلت بلوزتها سريعًا، فتحت حقيبتها الصغيرة، وأعادت وضع لمسة خفيفة من الحمرة على شفتيها وخدّيها.
مرّرت يدها على شعرها لتعيد ترتيب خصلاته بعناية.
ثم استدارت نحوه ثانيةً، وجدته واقفًا كما هو يراقبها بصمت، يبتسم لها بنظرة مفعمة بالحب.
مدّ يده إليها مجددًا، فابتسمت وأمسكتها.
هذه المرة تشابكت أصابعهما كأنهما يحتضنان بعضهما بأياديهما.
خرجا من الشقة، ونزلا إلى الشارع.
فتح لها باب السيارة، ثم دار إلى جهة السائق وركب.
شغّل المحرك، لكن قبل أن ينطلق، سمع ضحكة خافتة بجواره.
نظر إليها مستغربًا وسألها:
ـ بتضحكي على إيه؟
حدقت فيه بقوة وقالت بعدم تصديق:
ـ مش مصدقة إللي حصل… لحد امبارح كنا بنتعامل على إننا ولاد عم وأخوات. دلوقتي إحنا متجوزين فعلًا؟
ابتسم، أمسك يدها وقال بهدوء:
ـ لا صدقي… عشان دي الحقيقة الوحيدة في حياتي.. صدقي عشان انتي حب عمري.. أنا ماحبتش غيرك يا ليلى.. وكنت بتعذّب وأنا مش قادر أصارحك ولا عندي أمل نكون سوا.
نظرت له بجديّة وسألته:
ـ من إمتى اكتشفت إنك بتحبني يا نديم؟ وإزاي؟ إزاي حبّتني؟
ابتسم من جديد وهو يقرص وجنتها برفقٍ قائلًا:
ـ إنتي بتسألي كتير… ماتخافيش. هاجاوبك على كل الأسئلة دي وأكتر. قدامنا الوقت… العمر كله.
أنا مش هاسيبك أبدًا يا ليلى. هاتفضّلي جنبي وتحت جناحي.. لحد ما أموت.
ردّت بسرعة، بعاطفة فائرة:
ـ بعد الشر عليك!
ثم أمسكت بيده وقبّلت باطن كفّه برقة.
نظر لها بحنانٍ، ومسح على خدّها بالكف نفسه، قبل أن يبتعد قليلًا وينطلق بالسيارة نحو البيت.
حين وصلا، أوقف السيارة أمام البوابة.
ترجلا منها، وأمسك بذراعها برفقٍ وهو يوقفها في الباحة، ثم قال بلهجة تحذيرية:
ـ ليلى… مش محتاج أكرر وآكد عليكي… إللي حصل إنهاردة سر بيني وبينك. ماينفعش أي حد يعرف. حتى نوران… سامعاني؟
أومأت له بطاعة، فابتسم برضا ودلف أمامها إلى الداخل.
في غرفة الطعام، كانت العائلة مجتمعة.
حيّاهم كلٌ من "ليلى" و"نديم" فردّ الجميع التحيّة.
وخاصة "لُقى" عروس العائلة المنتظرة:
ـ نديم باشا. ابن عمي المهم إللي فاضيلي خالص ولا كأني عروسة!
تصنّعت "لُقى" الحزن، فقال "نديم" بلطفٍ زائد:
ـ أنا أفضي نفسي مخصوص عشانك يا لمضة.. وبعدين أنا قلت لك جهزي كل طلباتك وأحلامك كمان وليكي عليا أنفذ كل إللي انتي عايزاه أحسن من خيالاتك كمان.. إيه رأيك؟
نظرت له قائلة بامتنانٍ:
ـ يخليك ليا يارب.. أخويا الكبير بصحيح.
تدخل شقيقها "ليث" مشاكسًا:
ـ أيوه هي دي لُقى.. مصطلح المصلحة.. انتي مصلحجية أوي يا حبيبتي.
وكزته "لُقى" بقبضتها في كتفه، بينما تبادلت العائلة الضحكات، لكن "مهران" حدّق في "نديم" بنظرة حذرة فيها من التساؤل الدفين.
أدرك "نديم" رسالته الصامتة، فرد عليه بنظرة مطمئنة، قبل أن يسأل بعشوائية:
ـ راندا مش موجودة؟
ردّت "مشيرة" زوجة عمه، وهي تشير بيدها للأعلى:
ـ طلعت أوضتها من شوية يا حبيبي… قالت هاتستناك لما ترجع عشان تتغدوا سوا.
تنهد "نديم" وحانت منه نظرة خاطفة إلى "ليلى".
فوجدها تنظر إليه بوجوم، وكأن الغيرة قد لسعت قلبها بسؤاله عن زوجته.
ابتسم لها بلطفٍ، ثم اتجه إلى رأس الطاولة وجلس قائلاً:
ـ بصراحة أنا جعان جدًا ومش هقدر أستنى دقيقة كمان.. حد من الخدم يطلع يقول لها إني وصلت وبتغدى معاكوا. عاوزة تنزل أهلاً وسهلاً. مش عاوزة… براحتها.
جلست "ليلى" بدورها في مكانها المعتاد، تحاول أن تمنع ابتسامة صغيرة من التسلل إلى وجهها، فخاطبت أبيها وهي تتلقّى بعض الحساء من يد إحدى المسخدمات:
ـ بابا لو سمحت.. أنا هاخرج كمان شوية وهاخد فضل السواق معايا.
لم يكد "مهران" يرد، إلا وقاطعه صوت "نديم" متحدثًا إليها مباشرةً:
ـ رايحة فين يا ليلى؟
نظرت له بشيء من الارتباك مدركة سلطته الجديدة عليها، كانت لتضايقه بتمرّدها لولا الحقيقة التي حفرت بعقلها بطريقة لا يمكن نسيانها ولو لوهلةٍ.
جاوبته بلهجة غير واثقة:
ـ كنت محتاجة أروح البيوتي سنتر.. ده معادي بتاع كل شهر!
وزجرته بنظرة ذات مغزى، لم يبدو عليه أيّ تأثر، لكنه قال بنبرة حيادية واسلوبٍ حازم:
ـ الوقت متأخر يا ليلى. ولما تخلصي وترجعي هايتأخر أكتر.. كلّمي البيوتي سنتر يبعتوا لك الارتست إللي بتتعاملي معاها وأنا هحاسبها كويس.
ارتجف قلبها لأسبابٍ عدة، لم تستطع ردًا، فأومأت له وعادت لتنكب فوق صحنها، بقيت هكذا طوال الوقت على المائدة، حيث خشيت لو نظر أحدهم بوجهها فسيعرف حتمًا ما جرى.
***
تسللت نسمات المساء عبر أشجار الحديقة الغنّاء لقصر آل"نصر الدين"..
حيث كان "سليمان" يسير في الهواء الطلق إلى جوار ابن عمه "طاهر".
خطواتهما هادئة، لكن التوتر يسكن بينهما في صمتٍ ثقيل يسبق الكلام.
ليقول "سليمان" بنبرة حازمة وهو ينظر للأمام دون أن يلتفت:
ـ أبوك كنّه كبر وخرف يا طاهر.. أنا دمي فاير.. كيف العيّل الصغير إللي شبطان بلعبة.. هو نسي البت إللي عايز يئويها دي جت إزاي؟ نسي إنها بت حرام؟
ردّ "طاهر" بنبرة هادئة وممتعضة في آنٍ:
ـ أني كمان مش اموافج على إللي بيعمله… بس في لاخر ده رياض نصر الدين.. عمر ما حد كسّر له كلمة وإللي في راسه هايعمله.. أيوة عارف إنها بت حرام. بس زي ما جولت يا سليمان شبطان.. وماعرفش ليه؟ عنده بدل الحفيد 10.. رجالة وبنات!!
توقف "سليمان" بغتةً، استدار ليواجه ابن عمه، وضع يده فوق كتف الأخير وقال بنبرة أبطأ:
ـ إللي عمله أبوك إنهاردة غلط كبير. البت دي مالهاش مكان وسطينا… ولا ينفع تاخد اسمنا.. تبجى فضيحة بجلاجل يا واد عمي.. ترضاها لي؟ ده أنا عمدة البلد. وبكرة هانبجى نسايب أنا وانت بتّي شهد وولدك زين!
تنهد "طاهر" ثم قال بصوتٍ خافت فيه شيء من الانكسار:
ـ وأنا يدّي إيه بس يا سليمان.. أنا أقدر أمنعه؟ من ساعة ما دهب ماتت وهو ماشلش البت من راسه أصلًا… دلوجتي مش هايهدا إلا لما ترجع.
رمقه "سليمان" بنظرة طويلة، ثم استأنف السير وقال:
ـ بس المرة دي… إللي عاوزه عمّي مش هايحصل بالطريقة اللي هو متصوّرها.
رفع "طاهر" حاجبه متسائلًا:
ـ كيف يعني؟
ـ يعني إللي ناوي عليه… هايتعمل بس بطريقة مختلفة. وبترتيبات تانية خالص.. وأني إللي هكون مسؤول عن ده.
صمت "طاهر" وعيناه تراقبان ملامح "سليمان" التي أصبحت أكثر صلابة، كأن القرار اتخذ… ولا رجعة فيه.
***
دخلت خبيرة التجميل إلى غرفة "ليلى" التي استقبلتها بابتسامةٍ خفيفة.
كانت الغرفة مرتبة بعناية، أجواؤها تعبق بعطر زهري ناعم.
أغلقت "ليلى" الباب خلفها، وأشارت إلى الطاولة المجهزة بكل ما يلزم وقالت:
ـ بصي بقى يا دودي.. أنا عايزاكي تخلّيني زي البيبي.. عايزة أبص في المرايا ماعرفش نفسي.
ابتسمت الأخيرة قائلة بمجاملة صادقة:
ـ انتي الله أكبر مش محتاجة أصلًا.. بس يلا بينا!
وضعت حقيبتها وأمرت مساعدتها ببدء التحضيرات.
أخذت "ليلى" إلى حمامها المستقلّ، كان هناك ما يلزم لصنع حمّام بخار للجسم أراح عضلاتها المتوترة، تبعته جلسة ماسكات بروائح اللافندر والعسل، ثم عناية دقيقة بيديها وقدميها، وباديكير ناعم أنهى لمسة العناية.
ثم خرجتا وتسلّمت شعرها، صُفف بخصلات متموّجة، تنسدل على كتفيها بنعومةٍ متقنة.
رفعت الخبيرة حاجبيها وقالت ناظرة إلى "ليلى" بدهشة:
ـ إنتي عروسة ولا إيه لولو؟
ارتبكت "ليلى" ونظرت نحو الأرض لثانية، ثم رفعت رأسها سريعًا وهي ترد بصوت خافت مرتبك:
ـ لأ.. عروسة إزاي؟ وبعدين ده سكين كير يعني وعملتيلي شعري.. مافيش بنات عادية بتعمل كده؟
ابتسمت الخبيرة وردت بهدوء فيه شيء من المكر:
ـ لأ طبعًا في بنات كتير بيعملوا كده.. بس أول مرة ألاقي واحدة بالحماس ده… كأنك عروسة ورايحة لحبيبك!
لم ترد "ليلى". فقط رمشت بعينيها في صمت.
من داخلها كانت تعلم أن المرأة على حق.
هي فعلاً عروس… فعلاً تحضّر نفسها لأجل "نديم". ولابد أن يراها بأحلى شكل، أجمل من كل الفتيات اللاتي مررن بحياته.
أنهت الخبيرة عملها، رتّبت أدواتها، ثم قالت وهي تهمّ بالمغادرة:
ـ يلا يا لولو باي باي.. وبالمناسبة… الحساب واصل من زمان. نديم باشا دفع وزيادة.
ابتسمت "ليلى" لها.. وتابعتها حتى خرجت ومعها مساعدتها.
وأخيرًا. بقيت "ليلى" وحدها.
وقفت أمام المرآة وهي ترتدي بيجامة قصيرة من الساتان عاجيّ اللون، جسدها يلمع بنعومة، بشرتها صارت أكثر إشراقًا، وشعرها يسقط بانسيابية حول وجهها الذي تزيّنه ابتسامتها العريضة.
أخذت تدور حول نفسها في المرآة، تستعرض جسدها كأنها ترى نفسها لأول مرة.
أجواء الغرفة كانت مشبّعة بعطرها، أنوثة كاملة تملأ المكان.
وفجأة… انفتح باب الغرفة.
استدارت بسرعة، ووجنتاها تشتعلان.
لتتفاجأ بـ"نديم" واقفًا عند الباب، ينظر إليها نظرة مبهورة، صامتة.
وفجأة رأته يلج مغلقًا الباب خلفه، أنفاسه ثقيلة، عيناه تتفحصانها بجرأة صامتة.
ثم قال أخيرًا بصوتٍ خفيض، مشحون:
ـ أنا غيّرت رأيي… مش هاسيبك كام يوم. انتي بتاعتي الليلة دي!
وأدار المفتاح في القفل.
خطا نحوها بسرعة، بينما هي واقفة في مكانها، لم تستوعب بعد ما يحدث.
قبّلها مباشرةً، بلا مقدمات.
لم تنطق، لم تستطع… فقط تقهقرت إلى الخلف تحت ضغط حضنه، حتى اصطدمت قدماها بحافة السرير.
همست بصوتٍ لا يكاد يُسمع:
ـ نديم… ماينفعش… أرجوك.. احنا مش لوحدنا!!
لكنه لم يتوقف، كان مصرًا، صلبًا، عنيدًا.
يلتهمها بنظراته، بقبلاته، بصوته الذي تسلل إلى أعماقها:
ـ كل ده عشاني.. صح؟ انتي عملتي كل ده عشاني… قوليها!
بدأت تنهار، أنفاسها تتسارع، لم تحتمل مقاومته ولا صدقه ولا احتياجه.
نطقت بشفافية خجولة، بصوتٍ مبحوح:
ـ أيوة… عملت كل ده عشانك!
الكلمة كانت كافية لتشعل داخله نارًا عالية.
بدفعة واحدة استلقت فوق سريرها، وبلحظة كان يعتليها.
هذا جنون محض.
أحداث سريعة مذهلة.. مدهشة.. لا يصدقها عقل!!!
اقترب منها أكثر، أصابعه تمر فوق قماش بيجامتها الناعم بلمسات مشتعلة.
ارتعش صوتها من جديد، تتوسل بحياء لا يمنع اشتياقها:
ـ نديم… عشان خاطري كفاية… إللي بنعمله غلط… ماينفعش… أي حد ممكن يدخل!
ضمّها إلى صدره ومسح على شعرها بحنو وهو يهمس في أذنها:
ـ ماتخافيش… طول ما أنا هنا.. محدش يقدر يدخل… ولا يقرب.
ارتجف قلبها تحت صدره… وكانت تعرف بأنها لن تقاوم أكثر.
استسلمت "ليلى" لزوجها.. لـ"نديم".
جسدها بين ذراعيه صار هشًّا، كأن كل مقاومة سابقة تلاشت في الهواء.
كانت عيناه تمطرانها بنظرات رغبة لا لبس فيها، وملامحه مشتعلة، تنطق بكل ما أخفاه عنها لسنوات.
نهض عنها للحظة، خلع كنزته السوداء بحركة واحدة، جزعه العاري في ضوء الغرفة الكتيم بدا أكثر قربًا ممّا توقّعت حتى بأحلامها به… أكثر جاذبية.
راقبت حركاته وهي تشهق دون وعي، ولم تملك إلا أن تتبعه بعينيها، بجسدها، وحتى بأنفاسها المتقطعة.
عاد إليها بثقة رجل يملكها… لمسة، قبلة، ثم أخرى، يزيح الحواجز التي تفصل بينهما كما لو كان يزيل ما تبقّى من حذرها.
كانت بين يديه كمن ينصهر، كمن يُعاد تشكيله على مهل.
فمه اقترب من أذنها، صوته. مغمغمًا بدفء واهتمام نادرين:
ـ هدّي خالص… لحظة وهاتعدي. الألم مش هايستمر. أوعدك!
كانت كلماته مطمئنة، لكنها أربكتها، فتحت فمها لتسأله، لتفهم… عن أي ألم يتحدّث؟
لكنها لم تكد تنطق، حتى اجتاحها شعور خاطف، غريب، مباغت.
شهقة مترددة ارتجفت على شفتيها… وجسدها انتفض للحظة، كأن شيئًا غير مألوف بدأ يحدث، ضغط مؤلم ومصمم.
لكنه لم يكتمل.
إذ دق الباب.
دقّة واحدة.. لا ثلاث دقات متتابعات.
كأن الزمن تجمّد، وكأن البرودة اجتاحت الغرفة من لا مكان.
انتفضت "ليلى". قلبها خفق بقوة، وكأنها سُمعت… كأن سرها انكشف.
توسعت عيناها، وتعلّقت بـ"نديم".
رواية هيبة الفصل السابع 7 - بقلم مريم محمد غريب
كان السكون يسود الغرفة، والأنفاس المتلاحقة لا تُسمع سوى بينهما. كان جسداهما ملتحمان، و"نديم" ماضٍ في تصميمه الذي لا يقبل تراجعًا، يوشك أن يجعلها له… إليه بالكامل. لم تكن يفصل بين قراره وبين لحظة التمام إلا ثوانٍ معدودة، قبل أن يُقرَع الباب فيجمد الزمن.
تخشّب جسدها بين ذراعيه، رفعت عينيها تنظر إليه، وقد تجمّد تعبيره، وجهه واجم، مشدود، كمن بين نارين. خفض صوته دون أن يلين، وأمرها بثباتٍ:
- ردي… قولي مين.
ارتعش فكّها، وكانت نظرتها لا تزال معلّقة بعينيه، لكنها عاجزة عن النطق. فعاد يرمقها بنظرة أكثر زجرًا وهو يقول:
- ردي يا ليلى!
امتثلت "ليلى" له، وقد خرج صوتها بحشرجة لا تخلو من الرجفة:
- مين؟
جاء الرد من خلف الباب، صوت أنثوي مألوف:
- أنا لُقى يا ليلى.
وحاولت الأخيرة فتح الباب، ولكن المقبض يدور بلا فائدة، فتذمرت بشدة:
- انتي قافلة الباب ليه يابنتي؟ افتحيلي… عاوزة أشوف عملتي إيه عشان لو عجبتني الارتست أجيها قبل فرحي.
لم تتحرك "ليلى". ظلّت مشدوهة، تطالع "نديم" كأنها تستجدي منه حلاً. همس لها ببطءٍ، ونبرة هادئة في صوته تخفي تحتها نيرانًا مستعرة:
- قوليها بكرة. قولي تعبانة من نهار الجامعة وهاتنامي.
ازدردت ريقها، وترددت لحظة قبل أن تنفّذ أمره مجددًا:
- معلش يا لُقى. بكرة تشوفيني… أنا تعبانة جدًا وهانام. انتي عارفة إنهاردة كان أول يوم جامعة.
ردت "لقى" بضيق غير مقتنعة:
- يا بنتي هابص عليكي بسرعة. يلا قومي افتحي بطلي تبقي بايخة.
ردت "ليلى" هذه المرة من تلقاء نفسها، تستجمع ما بقي لها من حزم:
- معلش يا لقى. أنا حتى مش قادرة أقوم من السرير… هانام. تصبحي على خير.
جاءها صوت شقيقتها من الخارج ناقمًا، ممزوجًا بغيظٍ واضح:
- وانتي من أهله يا باردة.. طول عمرك باردة يا ليلى.
ثم ساد الصمت. بعد لحظاتٍ، أطلق "نديم" زفرة حانقة، بينما ترفع "ليلى" كفّيها تحاول إبعاده دافعة إيّاه في صدره، تتوسله بصوتٍ مرتعش:
- نديم… خلاص أرجوك. لازم تخرج حالًا. مش هاينفع.
لم يتحرك. لم يطرف له جفن، نظر إليها بعينيه المشتعلتين وقال بحِدة:
- مافيش سبب يمنعني يا ليلى… اهدي. قلت لك محدش يقدر يدخل.. حتى لو عارفين إني جوا معاكي.
تجهّمت ملامحها، وقالت بعصبية:
- يعني إيه؟ إزاي تقول كده؟ لو حد عرف إنك معايا في أوضتي والباب مقفول بالمفتاح… هاتبقى فضيحة.. لو سمحت يا نديم… عشان خاطري. اخرج… عشان خاطري.. ماينفعش هنا… أرجوك.. لو بتحبني!
امتعض وجهه، وزفر بنفاد صبر قائلًا:
- خلاص يا ليلى. أنا مش هاغصبك… طالما مش عايزاني.. براحتك.
أجفلت، ونظرت إليه باضطراب وهي تقول:
- لأ مش كده… بس.. أنا خايفة… ومش مرتاحة… انت مش فاهمني.
تبدّلت ملامحه ما إن رأى الدموع تلمع في عينيها، فتراجع قليلًا وصار أكثر لينًا، رفع كفه ليمسح دمعة سالت من حافة عينها، ثم قال بهمسٍ يشوبه الحنو:
- مين قال مش فاهمك؟.. أنا أكتر حد بيفهمك. ومايرضينيش أعمل حاجة تضايقك.. ولا يرضيني تكوني مش مرتاحة.
ودنى منها ببطءٍ، وكأن المسافة بينهما باتت عالماً كاملاً وهو يحاول محوها. طبع على شفتيها قبلة عميقة، دافئة، مشبّعة بكل ما يحمله لها من مشاعر قوية، متراكمة، تتحيّن لحظة إطلاق عنانها. لم تقاوم "ليلى". بل بادلته قبلاته، بشوقٍ خجول أولاً، ثم بانسياقٍ خالصٍ كأنها تُسلّم نفسها إليه، وتخبره بأنها تثق به، بل وتعشقه.
تعانقا، وتحرّكت أناملها بخفة فوق ظهره، كأنها تصبو لحفظ ملامحه عن ظهر قلب. لكنه توقف فجأة، وانسحب ببطءٍ، وكأن جسده يأبى الابتعاد، ومع ذلك نهض بخفة، كما لو أن لا شيء كان.
شعور بالوحدة تسلل إلى قلبها فورًا، تبعه خجل طفيف؛ فقد تركها مجرّدة من كل شيء تمامًا، فسحبت الغطاء بسرعة على جسدها، وعيناها لا تفارقان حركاته وهو يرتدي ملابسه مجددًا، يعيد ترتيب هندامه كما لو إنه لم يُمسّ.
لم تستطع كبح سؤال خرج منها رغمًا عنها وهي تنظر إليه بقوة:
- لما تخرج من عندي… هاتروح فين؟
نظر إليها باستغرابٍ لحظي، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة لم تخلُ من مراوغة، فهم قصدها دون أن تسأله صراحة، فقال بهدوء:
- كنت قاعد من شوية مع عمي تحت في المكتب بنراجع شوية حاجات وخلصنا.. ودلوقتي الساعة دخلت على ١٢ ف هاروح أوضتي أنام.. انتي عارفة بصحى بدري.
ابتسم أكثر، حين لمح الغيرة الصريحة في نظرتها، وسألها بنبرة مداعبة:
- مالك يا لولّا؟ ماتقوليش إنك غيرانة!
نظرت إليه بثباتٍ، وبصوت لم يكن متوقعًا، خرج منها الكلام واضحًا، لا خجل فيه:
- وماقولش ليه؟ مش أنا دلوقتي مراتك؟ من حقي أغير عليك!
هز رأسه قائلًا بجدية:
- طبعًا من حقك… بس هي كمان مراتي. على الأقل قدام العيلة والناس.
نظرت إليه بصدمة، فاقترب منها فجأة، واحتوى وجهها بين كفّيه هامسًا وهو ينظر إلى عينيها مباشرةً:
- راندا مراتي فعلًا… بس أنا بقالي شهور ما لمستهاش. عارفة ليه؟ عشان مش قادر أشوف واحدة غيرك. ولا ألمس ست غيرك.. صدقيني يا ليلى.. كل يوم بنام جنبها… بس مابيحصلش بينا أي حاجة.. أنا قلبي وجسمي عايزينك انتي… انتي وبس.
ظلّت تحدق فيه، لا تعرف بماذا تشعر، هل تبكي؟ أم تبتسم؟ كانت متفاجئة، مشوشة، لكن دفء عينيه وصوته وهمسه جعل قلبها يهوي أكثر إليه. طبع على شفتيها قبلة خفيفة مطوّلة، وكأنها وعدٌ صامت، ثم قال بهدوء:
- الوضع ده مش هايطول… أوعدك.
أومأت له، بثقة عمياء، كأن لا شيء في العالم بامكانه دفعها للتشكيك في كلماته. مسح على شعرها بحنانٍ وتمتم مبتسمًا:
- تصبحي على خير.
ردت وأنفاسها ما تزال مضطربة:
- وانت من أهله.
استدار مبتعدًا ببطء، سار نحو الباب، أمسك بالمفتاح وأداره بالقفل، لكن قبل أن يفتحه التفت نحوها، يشير بيده نحو البيجامة الملقاة بجوار السرير، وقال بنبرة صارمة:
- ماتناميش كده طول ما أنا مش معاكي… قومي البسي حاجة.
أومأت بصمت، فابتسم لها ابتسامة أخرى وأضاف:
- وصحيح.. بكرة ماتروحيش الجامعة.. وألاقيكي قاعدة على سفرة الفطار الصبح.
سألته بدهشة:
- ليه؟ ماروحش الجامعة ليه؟
- كده. اسمعي الكلمة.. بكرة هافهمك. اتفقنا؟
أومأت له من جديد، رمقها بابتسامة راضية وفتح الباب وخرج بمنتهى الثقة الأريحية… وكأنه لا يخشى شيئًا لو رآه أحد خارجًا من غرفتها!
ظلّت تنظر نحو الباب المغلق، نحو الفراغ الذي خلّفه وراءه، مشدوهة، مذهولة من كم المشاعر المتدفقة. لكنها رغم كل التوتر، كانت.. سعيدة. سعيدة لأنه اعترف، وأكد، وقال بصدق بإنه لا يريد سواها، وأنه لم يعد يمّس زوجته.. بسببها.. لأنه يبحبّها هي.
همست لنفسها وهي تغوص في اللحاف الدافئ:
- بحبك يا نديم… بحبك أوي.. بحبـــك!
ثم قامت بعد قليل، فتحت خزانتها، أخرجت بيجامة أطول، وارتدتها على مهلٍ. ثم عادت إلى السرير. استلقت وابتسامة دافئة ترتسم على ملامحها المرهقة.. لكنها مطمئنة.. متشوّقة لحياة أخرى معه لطالما تمنّتها.
***
صباح اليوم التالي.
يخرج "نديم" من جناحه بحلّته الرسمية الثمينة، يسير بخطواتٍ ثابتة، إلى جانبه زوجته "راندا". كانت ملامح وجهها واجمة كعادتها، جامدة كأنها لم تعرف طعم الراحة يومًا.
حانت منه إلتفاتة نحوها، فانتابه الضيق وهو يسألها:
- مالك على الصبح يا راندا؟ قالبة وشّك ليه؟
نظرت إليه، ومرارة عميقة تغلي خلف عينيها، لكنها كتمت الحقيقة بين ضلوعها وقالت ببرود:
- ولا حاجة… بس بما إنك مسافر ومش محتاج لي معاك. أنا هالم هدومي واروح أقعد في بيت بابي.
هز كتفه بلا اهتمام، ورد بجفاف:
- براحتك عايزة تروحي روحي. بس لعلمك ممكن يكون أفيد لك والله تغيري جو. يمكن مشتاقة لأهلك وقعدتك معاهم كام يوم تحسّن مودك. بدل جو النكد إللي معيشة نفسك ومعيشاني في.
توقفت فجأة عن السير، ومدّت يدها تمسك بذراعه. نظر نحو يدها باستنكار مستخف، ثم رفع عينيه نحوها. بينما قالت بصوتٍ مكتوم، يكاد يختنق بين شفتيها:
- بقى أنا نكدية يا نديم؟ يعني بقيت أنا اللي منغّصة عليك حياتك؟ مش انت اللي حوّلت حياتي لجحيم؟
أبعد يدها عنه بحزم واضح، ثم قال بنبرة تحمل تحذيرًا صريحًا:
- راندا… أنا مش عايز أتخانق على الصبح. قولتي عايزة تروحي عند أبوكي؟ قلت لك ماشي. مالك بقى؟
ردّت بعينين تمتلئان بالخذلان:
- أنا مش هقعد كام يوم يا نديم.. أنا هقعد على طول.
قطّب حاجبيه وسألها:
- لا مش فاهم… يعني إيه؟
جاوبته بصوتٍ مخنوق، ودمعة خائنة انسابت على وجنتها:
- يعني طلّقني. طالما مابقيتش شايفني خالص… ولا كأني مراتك أصلاً. طلّقني.. عشان سبب جوازنا… إللي كل الناس كانوا عارفينه إلا أنا. ماصدقتهمش. خلاص… ما بقاش له قيمة.. وانت قاصد توصل لي الرسالة… وأنا خلاص فهمتها. واتأكدت منها.
ظل صامتًا للحظات، ثم رفع حاجبه وقال بهدوءٍ يحوي الكثير:
- انتي كمان بتفترضي أسباب من نفسك… وطالبة الطلاق يعني مش كده؟ عموماً أنا ليا كلام مع أبوكي لما أرجع. عشان لما جيت اتجوزك رحت له هو… ولما أجي أطلّقك برضو هاروح له هو.. بالإذن.
تركها واقفة وولّى من أمامها، صعدت تنهيدة ثقيلة من صدره وهو يهبط الدرج بخفة، كأن جبلاً يزن العالم كله قد أزيح عن كاهله.
في الأسفل، بالحديقة، كانت العائلة تستقبل الفطور في الطقس المشمس اللطيف، قلّما يأتي نهارٌ بديع كهذا بفصل الخريف. لمح "ليلى" تجلس إلى جوار شقيقتها "لُقى". يدور بينهما حوارٌ صاخب كعادتهما. ألقى تحيّة الصباح بصوته الرجولي الهادئ، رد عليه الجميع، ثم جلس على رأس المائدة كالمعتاد.
سألته "مشيرة" بنبرة فضول ناعمة:
- أومال فين راندا؟ مانزلتش معاك ليه يا حبيبي؟
رد "نديم" ببساطة وهو يأخذ لنفسه قطعة خبز محمّص:
- بتجهز شنطتها… أصلها رايحة تقعد كام يوم عند أبوها.
ثم التفت إلى "ليلى" وسألها وهو يحدّق فيها بنظرة جادة:
- إيه يا لولّا؟ مش لابسة وجاهزة ليه؟ عندك محاضرات بعد الضهر ولا إيه؟
نظرت "ليلى" إليه بارتباك خافت، وقد شعرت بنظراته تحاصرها، فخفضت عينيها قليلاً قبل أن ترد:
- أنا… أنا مش رايحة الجامعة إنهاردة.
سألها باهتمام:
- ليه؟
نظرت إليه بدهشة طفيفة، فهو نفسه من طلب منها البقاء. لكنها سرعان ما تداركت الأمر وأجابت بصوتٍ خفيض:
- أصل أول أسبوع بيبقى زحمة يعني… وتعارف وكده… الأسبوع الجاي هانزل بانتظام إن شاء الله.
أومأ لها باقتناع صامت، ثم بدأ يتناول فطوره، بينما "مشيرة" تصبّ له فنجان شاي بصمت، تتابعهم جميعاً بعين متفحصة لترى من يحتاج شيئًا فتعطيه بيدها.
وبينما أوشك أفراد العائلة على إنهاء فطورهم، انضم "مهران" ثانيةً إلى المائدة بعد مكالمة هاتفية قصيرة، إلتفت نحو "نديم" وسأله بصوته الجهوري الهادئ:
- نديم. أنا نازل إنهاردة زيارة لمصنع الواحات… هاتيجي معايا؟
رفع "نديم" عينيه نحوه ورد بهدوء:
- لا يا عمي أنا مسافر… لما أرجع إن شاء الله أبقى أبص عليه.
قطّب "مهران" حاجبيه وسأله بفضول:
- مسافر على فين كده؟
قال "نديم" وهو يضع فنجان الشاي جانباً:
- طالع الغردقة لعمر ابن خالتي… اشترى حتة أرض جنب القرية بتاعته وعايزني أروح أشوفها… يعني زيارة قصيرة أسبوع كده.. منه شغل ومنه أفصل شوية.
ثم رفع بصره فجأة ناحية "ليلى" التي كانت تنظر إليه طوال الوقت، وعيناها تتابع كلماته بشغف لم تحاول إخفاءه. خاطبها بنبرة عفوية:
- إيه رأيك يا لولّا… تيجي معايا؟ ريهام بتسأل عليكي ونفسها تشوفك أوي.
لم تصدق أذنيها، سألت وقد اتسعت عيناها:
- بجد… ممكن أروح؟
- آه طبعاً. وبعدين مش بتقولي مش نازلة الجامعة طول الأسبوع؟ دي فرصة مناسبة.
ابتسمت "ليلى" بفرح حقيقي، وهزّت رأسها بحماس قائلة:
- أوكي.. أنا موافقة طبعاً.
بادلها ابتسامتها وقال بنبرة عملية:
- طيب جهزي نفسك بقى… هعدي على الشركة ساعتين وراجع. أجي ألاقيكي جاهزة عشان هانتحرك على طول.
بقيت "مشيرة" تتابع الحوار بوجهٍ ممتعض، خالٍ من التعبير… أيّ شيء يُسعد "ليلى" كان يُثير في نفسها مرارة خفيّة لا تقدر على إخفائها. عزاؤها الوحيد هذه المرة أن "ليلى" ستبتعد عن ناظريها أيامًا، علّها تتنفس قليلًا بعيدًا عن طيف خيانة لم تتخطَّها بعد، ولن تفعل.
***
تحرّك "نديم" مع عمه "مهران" واستقلا السيارة متجهين إلى مقر الشركة.
في الطريق، خيّم صمت ثقيل قبل أن يقطعه "مهران" بنبرة قَلِقة:
- إزاي هتسافر يا نديم وتسيب المصيبة اللي إحنا فيها هنا؟
التفت له "نديم" للحظة ثم نظر إلى الطريق أمامه ثانيةً وقال:
- مصيبة إيه يا عمي؟
رد "مهران" وقد استبدّ به التوتر:
- ما انت عارف.. أهل ليلى… رياض نصر الدين… وحفيده الظابط ده… لو جم أو عملوا أي حاجة في غيابك.. أنا هاتصرف إزاي؟
أجابه "نديم" ببرودٍ شديد:
- ماتتصرفش.. ولا تعمل أي حاجة.. اقعد واتفرج بس.. وبعدين عشان كده أنا واخد ليلى معايا وأنا مسافر.. أكيد مش هابعد وأسيبها هنا بعد إللي حصل. اطمن.
هزّ "مهران" رأسه بعدم اقتناع، وقال بصوتٍ منخفض:
- طيب قولّي سبب يطمني… هاتمنعهم إزاي لو طالبوا بيها؟ ده سليمان نصر الدين مش بس عمدة… ده كمان عضو في البرلمان.. يعني عيلة واصلة… أنا مش هاستحمل ليلى تعرف… أو ياخدوها مني… دي بنتي يا نديم أنا اللي ربّيتها.
فجأة، أوقف "نديم" السيارة على جانب الطريق، التفت إلى عمه بوجه شديد الصرامة، نظراته كسكين قاطع كلهجته وهو يقول:
- ونديم الراعي مش حاجة قليلة يا عمي.. خلّي حد يقرب بس.. أنا كفيل أكبر راس فيهم. واستحالة أسمح لمخلوق ياخدها يا عمي… على جثتي.
ثم أكمل، ونبرته تغلفها عزة وقوة لا تقبل الجدال:
- أطمن… ليلى عمرها ما هاتخرج برا عيلة الراعي.. برضاهم أو غصب عنهم!
رواية هيبة الفصل الثامن 8 - بقلم مريم محمد غريب
للمرة الثانية على التوالي. يزور "زين نصر الدين" الجامعة التي تلتحق بها ابنة عمته، الهواء دافئ لكنه يحمل شيئًا من توتر المدن، كأن المدينة نفسها تحبس أنفاسها لما يحدث يوميًا بين ساكنيها.
لم يكن "زين" معتادًا على هذا النوع من الأماكن، لا طلاب ولا محاضرات ولا هذه الوجوه المتناثرة من دون هدف. لقد التحق بكلية الشرطة وتعامله منذ سنوات مع رجال فقط، وقبل ذلك تلقى تربية صارمة للغاية صنعت منه رجلًا صلبًا مجردًا من أي عواطف.
لكنه جاء، جاء اليوم أيضًا بحثًا عنها، "ليلى" اسم صار ينطقه كثيرًا بالأونة الأخيرة.
وفي الليلة الماضية ظل صوت جده يرن في رأسه بإلحاحٍ لا يرحم:
"عاوزك تروحلها تاني. كلمها وفهمها.. قولها الحقيقة.. كفاية غُربة."
كان "زين" يرفض فكرة المواجهة. يرفض أن يصدمها بماضي أمها دفعة واحدة، أن يخل بتوازنها ويخبرها بأن تلك العائلة التي شبّت وكبرت معهم ليسوا بعائلتها، وأن لها عائلة أخرى بمكانٍ آخر.
لكن… جدّه، ذلك الجبل الذي لا يهتز، لأول مرة يراه بهذا الضعف والهوان، وكأن يخوض آخر وأهم معارك حياته إن خسرها فسيموت حسرة. لقد طلب منه جدّه أن يتولى الأمر، طلب منه أن يأتي له بحفيدته، وهو لا يستطيع رفض أي طلب له، فكيف وهو يشعر وكأن هذه آخر رغباته بالحياة؟!
خطى "زين" في ممرات الكلية المزدحمة، يبحث عنها كمن يبحث عن ظلٍ في زحام. سأل، تفحّص، تجوّل بين القاعات، لكنه لم يجدها.
أخيرًا هداه تفكيره إلى الكافيتيريا، لقد أوشك موعد استراحة الطلبة، ربما تأتي مثل البارحة.
جلس في ركنٍ بعيد، عيناه تمسحان المكان بدقة الصقر. مرت دقائق… ثم دخلتا القاعة فتاتان هما نفسهما من رآهما معها اليوم السابق. ضحكتاهما سبقتهما إلى الداخل، الحديث بينهما خفيف، مشرق، لا يوحي بأن شيئًا يعكر صفوهما. لكن "ليلى".. لم تكن معهما.
اعتدل "زين" في جلسته. ثم وقف واتجه نحوهما، خطواته محسوبة. اقترب منهما، ورفع صوته بلطفٍ:
"لو سمحتي يا آنسة!"
رفعت الفتاتان رأسيهما في وقتٍ واحد، لكنه لم ينظر إلا إلى واحدة. "نوران" ..وجهٌ مألوف، بدت الأكثر قربًا "ليلى" بالأمس. ركّز عينيه عليها وسأل بنبرة رسمية:
"ممكن أسألك عن ليلى الراعي؟ انتي صاحبتها مش كده؟"
نظرت إليه "نوران" طويلًا، ولم تمر ثوانٍ حتى تذكرته، هذا هو الشخص الذي حاول مطاردة صديقتها البارحة، لكنها صدّته. ارتفع حاجبها باستغرابٍ ساخر وقالت ببرود:
"أفندم؟ حضرتك جاي تسألني على ليلى بعد ما تقريبا هزأتك امبارح؟ أكيد مش هقولك!"
ابتسم "زين" بهدوء، لم يغضب، كان يعلم بأنها كانت على مقربة بينما أمعنت "ليلى" باحتقاره، لعلها سمعت، وربما أيضًا حكت "ليلى" لصديقتاها عنه مبدية انطباعها السيئ عنه. ورغم ذلك قال "زين" بدماثة:
"يا آنسة أنا مش بعاكس والله.. ولو حبيت أعاكس مش فاضي صدقيني. أنا جاي لحد هنا مخصوص عشان أتكلم مع ليلى في موضوع مهم. بس مش لاقيها.. ف ياريت تساعديني."
اكتفت بهز رأسها وقالت بنبرة حادة:
"آسفة جدًا.. صاحبتي كان موقفها واضح منك. مش هقدر أفيدك بحاجة ولا أكون مرسال."
الكلمة ضايقته بشدة، كما لو أنها طعنت كبرياؤه. عبس وجهه، وتغيّرت نبرة صوته مكتسبة خشونة خفيفة وهو يقول:
"مرسال؟! يا آنسة أنا بقولك عايزها في موضوع مهم… أنتي شايفاني مراهق قدامك؟ أنا زين نصر الدين. أنا رائد في الداخلية. وأدي الكارنيه بتاعي."
أخرج محفظته الجلدية الفاخرة بهدوء، فتحها أمام وجهها لتقع عيناها على بطاقته الرسمية. شخصت عينا "نوران" ورفعت نظرة مرتبكة نحو "زين". تبادلت نظرة خاطفة مع "رنا" ثم قالت بنبرة أقل حدة:
"طيب حضرتك عاوزها في إيه؟ هي ليلى ممكن تكون عملت إيه عشان ظابط يمشي دور عليها كده؟"
ضيّق "زين" عينيه قليلًا، كأنّه يقاتل كي لا ينفجر وقال:
"انتي حقيقي مفكراني واحد فاضي. معلش.. بصي. الموضوع شخصي جدًا ومايتحملش تأخير.. من فضلك قوليلي ألاقيها فين؟"
صمتت "نوران" للحظة، وكأنها تزن الأمور، ثم قالت على مضضٍ:
"ليلى ماجتش الكلية النهاردة… ومش هاتيجي غير أول الأسبوع."
انعقد حاجباه، قلبه خفق فجأة وهو يسألها:
"ليه؟ خير حصل لها حاجة؟"
ردّت "نوران" باقتضاب، وهي تتجنب النظر في عينيه الحادتين:
"مافيهاش حاجة. بس سافرت مع ابن عمها."
مرّت ثانية ..ثم أخرى ..والجملة: "سافرت مع ابن عمها".. ظلت تتردد في ذهنه كالرصاص.
"سافرت مع ابن عمها؟ لوحدها؟ سافرت فين؟"
زفرت "نوران" بقوة وقالت بحدة:
"ماعرفش.. وكفاية أسئلة بقى أنا مش في تحقيق على فكرة.. عن إذنك. يلا يا رنا."
وغادرتا الكافيتيريا.. تتركان خلفهما صمتًا كثيفًا لا يُحتمل. بينما "زين" ظل واقفًا مكانه. لم يتحرك، فقط نظرته تغيّرت، احتدّت، اتسعت حدقتاه وهو يتنفس ببطء. ليس غضبًا، بل شيء أعمق، أقوى، شيء يشبه الحريق.
هذا الرجل حتمًا هو من حكى له "رياض" عنه، حتمًا هو.. "نديم الراعي". أيعجل الآن بالتصرف؟ أيظن بأنه قادرٌ على إخفائها؟
بل إنه سوف يجدها حتى ولو ذهب بها إلى أقصى الأرض، سيعثر عليها ويعيدها إلى جدّه، سيوفي بوعده هذا مهما كلّف الأمر.
***
كانت الطائرة الخاصة تُعد للإقلاع. الجو بالخارج صافٍ، والسماء مائلة إلى زرقة هادئة. الداخل أنيق للغاية، المقاعد الجلدية بلون رمادي فاخر، أضواء ناعمة تسقط على الخشب اللامع للمقصورة، صوت المكيف بالكاد يُسمع.
دخل "نديم" أولًا يجرّ حقيبته الجلدية السوداء بإحدى يديه، بينما الأخرى تمسك بحقيبة "ليلى". خطواته واثقة كالمعتاد، متزنة، كأن الأرض تمهد له الطريق أينما ذهب.
فتح باب خزانة الأمتعة بأعلى المقصورة ووضع الحقائب بعناية. أدارت "ليلى" عينيها في المكان، كان فخمًا، مريحًا، لكنه لم يُشعرها بالطمأنينة، هناك شيء يخنق أنفاسها، لعله خوفها من الطيران، فهذه هي أولى تجاربها!
أشار لها "نديم" بلطف:
"أقعدي هنا يا لولّا."
كانت نبرته دافئة، لكن عقلها كان مشوّشًا، جلست على أحد المقاعد القريبة من النافذة، خفضت رأسها قليلًا، تقلب أفكارها كما لو كانت تتوقع شيئًا مفاجئًا.
بينما هو قد اتجه إلى مقدمة الطائرة. فتح باب المقصورة، دخل يسلّم على الكابتن، ومن بعيد سمعته يضحك.. ضحكته القصيرة المشهورة. ابتسمت بمجرد سماعها وأخذت تراقبه عبر الباب الموارب.
كان الحديث يبدو وديًا، واضحٌ أنهما يعرفان بعض جيدًا، أصدقاء على ما يبدو.
وفجأة حركت "ليلى" رأسها بحذر عندما لاحظت شيئًا غريبًا، رأته يقف الآن بجوار المضيفة، أو الأحرى أنها هي من جاءت لتقف أمامه. كانت شابة، جذابة، بتنورة قصيرة وضيّقة جدًا تكشف عن ساقين طويلتين، وسترة أنيقة تبرز مفاتنها. اقتربت منه بابتسامة متلاعبة، تكلمت بثقة، وضحكت بصوتٍ ناعم، كانت تنظر إليه كأنها تحاول خطف انتباهه.
إلا إن "نديم" لم يُبدِ انفعالًا، فقط ابتسامة هادئة وثابتة على وجهه، ذلك الوقار الذي لا يتخلّى عنه، بل الهيبة التي يخطئها أي من ينظر إليه.
ظل واقفًا معها… ثوانٍ طويلة بما يكفي لتتسلل الغيرة إلى صدر "ليلى".
ثم تحرّك، تجاوزها، واتجه مباشرة عائدًا نحوها. جلس بجانبها، مالت الطائرة قليلًا استعدادًا للتحرك، نظر إليها بابتسامة خفيفة وسأل:
"لولّا.. إيه الأخبار؟ متحمسة ولا خايفة؟"
تنهدت "ليلى" ببطء، تحاول تمالك انزعاجها، وقالت بلهجة خافتة:
"تمام.. أنا كويسة."
لم يقتنع، عبس قليلًا، ومال برأسه ناحيتها قائلًا:
"مالك يا ليلى؟ انتي كويسة؟"
نظرت له طويلًا… كان صامتًا، ينتظر جوابها. فقالت بجديّة ناعمة تحمل تحتها نبرة مُحبطة:
"ممكن لو سمحت… ما تبقاش تدي فرصة لأي بنت تقرب منك؟ ولا حتى تضحك لك؟ ولا تهزر معاك؟"
ارتفع حاجبه قليلًا، وفهم على الفور مشكلتها، ابتسم في هدوء، وأشار بإبهامه ناحيّة مقصورة القيادة حيث دخلت المضيفة منذ لحظات وقال:
"انتي قصدك يعني لما وقفت 10 ثواني مع البنت دي؟"
تنهد بخفة، ثم أردف بروية:
"ليلى… أنا عايز أفهمك إن غيرتك عليّا بتفرحني أكيد.. بس في نفس الوقت عشان تكوني مرتاحة الغيرة دي ملهاش أي مبرر. لأني مش شايف غيرك. أيوه دي بنت.. وحلوة.. والدنيا مليانة بنات حلوين. بس أنا… أنا مش عايز غير بنت واحدة بس. أنتي. لا مراتي. ولا أي ست خلقها ربنا تيجي جنبك حاجة في نظري.. اطمني يا حبيبتي."
مد يده بهدوء ليمسك بيدها الصغيرة، رفعها لفمه وقبّل باطن كفها ببطءٍ.. بعمقٍ.. كأن كل مشاعره انسكبت في هذه القبلة.
شعرت "ليلى" بأنفاسها تثقل، كلماته اخترقتها، لكنها لم تكن كافية لتمحو ما في قلبها، فقالت له بتحذيرٍ ضمني:
"بردو تعمل اللي بقولك عليه. أنا كفاية عليا عشت سنة وأكتر وأنا شايفاك مع راندا.. رايح جاي معاها. جنبها. بيتقفل عليكوا باب واحد… أنا كنت بنام معيّطة كل يوم وأنا بفكر نفسي مجنونة.. بغير عليك من مراتك.. بغير على راجل عمره ما قالّي حتى إنه بيفكر فيّا.. لما انت بتحبني يا نديم ازاي اتجوزتها؟ ليه عملت فيّا كده؟"
لمعت الدموع بعيناها، لكنها تمالكت نفسها حتى لا تنهار، بينما يشد "نديم" على يدها، كانت عينه تلمع بانفعال مكبوت هو الآخر وهو يقول:
"راندا ماكنتش اختياري يا ليلى. راندا اتفرضت عليا لأسباب كتير. لكن أهم سبب… كان أنتي."
ليلى بدهشة:
"أنا؟!"
أومأ رأسه ببطء، وقال:
"أيوة.. انتي. فاكرة ليلة ما رجعت متأخر… وانتي جيتي عندي الأوضة؟"
أجفلت… قلبها هوى فجأة! تلك الليلة.. أيعقل أنه يشير إليها؟ هل يذكر؟ هل ظنّت طوال هذا الوقت بأنه ما كان يعي ما حدث وما الذي فعله حينها؟
لم ترد، لكن عينيها ضاعتا بين الخوف والارتباك، فاستطرد:
"أنا بوستك… وأنا سكران.. تعرفي إن عمري ما دوقت الخمرة؟ بس كنت قاصد أشرب ليلتها. كنت عارف إنك كل يوم بتستني رجوعي… في الفترة دي كنت بفكر فيكي وعايزك… عايزك أوي ومش عارف إزاي أوصل لك. كنتي بعيدة أوي… مهما عملت.. مش قادر ألمس حتى شعرة منك.. ف قررت إن ده مش هايحصل غير وأنا مش في وعيي.. أو أنتي تبقي فاكرة إني مش في وعيي."
نظر لها للحظة، ثم أكمل:
"زي ما حسبتها بالظبط… جيتي.. وما صدقت لاقيتك قريبة.. بوستك.. وكنت ناوي على أكتر من كده.. لولا القلم إللي نزل على وشي من إيدك.. فوقتيني.. وجريتي على أوضتك. وأنا… ما نمتش طول الليل.. كنت بفكر.. وقلت لازم أحط حد لنفسي لأني لو فضلت كده هادمر كل حاجة بيني وبينك.. ماكنش في حل.. غير إني أتجوز وأجيب واحدة تكون دايمًا جنبي.. تحوشني عنك.. تحرسك مني بس لما اتجوزتها اكتشفت ان ظنّي غلط تمامًا إللي أنا عايزه بعمله يا ليلى ومحدش يقدر يمنعني.. وأنا عايزك. لا راندا ولا غيرها يقدروا يمنعوني عنك!"
سكت ..وبقيت "ليلى" صامتة لثوانٍ، كأن صوت "نديم" وكلماته أعادت ترتيب كل ما فسد بداخلها طوال عامًا وأكثر بسبب زواجه. ربما كلماته ثقيلة، لكنها مشبعة بالمشاعر، لم تعتد أن تسمع منه شيئًا بهذه الجرأة والوضوح.
نظرت له بدهشة، مزيج من الذهول والوجع وهي تقول بعتابٍ:
"طيب كنت مخبي عني كل ده ليه؟ كان ليه من الأول يا نديم؟ كنا ممكن نكون مع بعض!"
كادت تقول شيئًا آخر، فرفع إصبعه ووضعه برقة على شفتيها، أسكتها وقال فقط بخفوتٍ:
"ششش.. خلاص. كفاية.. أوعدك غني هافهمك كل حاجة. بس مش وقته.. انتي دلوقتي معايا… وده أهم شيء بالنسبة لي.. بقيتي مراتي كمان.. ماتخافيش يا ليلى.. وخليكي واثقة إن إللي جاي لينا مش هايكون في غير الفرح.. والسعادة."
نظرت له "ليلى" بثقة لم تهتز، كأنها نسيت كل شيء إلا وجوده، ابتسمت وقد كانت نظرتها هادئة مطمئنة، وابتسامتها خجولة، لكنها حقيقية. حين قبّل جبهتها بحب، أغمضت عينيها وصدقت على حديثه بكل ذرة فيها. كيف لا تفعل؟ لطالما كان "نديم" صادقًا، لم يقل في حياته رأيًا إلا وكان الصواب، حتى في صمته يكون حكيمًا.
كان مرشدها… ودليلها… وحبيبها. وهي تصدقه.. بالتأكيد تصدقه.
جاءت المضيفة الآن، بابتسامة خفيفة على وجهها، وقفت أمامهما متنحنحة:
"من فضلك يا فندم.. ياريت تربطوا أحزمة الأمان الطيّارة هاتتحرك بعد دقايق."
قبل أن يُجيبها، كانت "ليلى" قد وجهت لها نظرة حادة وسريعة، صريحة في معناها: "ابتعدي."!
تفاجأت المضيفة وتراجعت بسرعة، بينما ضحك "نديم". لم يُعلّق.. فقط مد يده وربط لها الحزام بنفسه، ثم ربط حزامه. وبعدها مرّر ذراعه حول كتفها وجذبها ناحيته بهدوء، حتى استقرت في حضنه.
"أنا عارف إن دي أول مرة تركبي طيارة.. بس ماتخافيش.. أنا جنبك."
نظرت له بابتسامة خفيفة على شفتيها، ثم قالت:
"أنا مش خايفة."
لكنها كانت كاذبة وتعلم. في داخلها، كانت خائفة جدًا من الارتفاع، من الطيران، ومن كل شيء إلا هو. شدّت نفسها عليه، عانقته كأنها تبحث عن أمانها بين ضلوعه، ضمّها "نديم" أكثر وقال بصوته العميق:
"ساعة واحدة وهانكون في الغردقة. كده أحسن من العربية. كنا هنقعد 6 ساعات في الطريق."
وفي هذه اللحظة اهتزت الطائرة اهتزازها الخفيف الأول. ثم سارت ببطء نحو السرعة وارتفعت.. تدريجيًا.
شهقت "ليلى" بصوت مكتوم، شدّت أصابعها على قميصه، نظر لها "نديم" دون أن تفارق ابتسامته ملامحه وقال:
"خلاص.. اللحظة الصعبة عدّت.. ماتخافيش يا حبيبتي. لو عاوزة تنامي شوية أفرد لك الكرسي وأجبلك بطانية!"
هزّت رأسها ببطء، عينيها نصف مغمضة وتمتمت:
"لو نمت.. هانام كده.. في حضنك."
ضمّها إليه أكثر، وصمت بعد ذلك، لكنه يشعر بها، ويحميها من كل شيء. تثقل أجفان "ليلى" بالكامل بمرور الوقت، قلبها يهدأ لأول مرة منذ شهور ولا شيء في الخارج يهم، ما دام هو معاها، كل شيء بخير، وهي بخير.
مرّت الساعة كأنها لحظة، وصوت نديم كان أول ما تسلل إلى وعيها:
"ليلى.. اصحي يا حبيبتي. وصلنا."
فتحت عينيها ببطء، وعلى الفور التقت نظرتها بعينيه القريبتين، الدافئتين. ابتسم لها، وساعدها تفك حزام الأمان بلطف. أومأت له بخجل، وجمعت حقيبتها الصغيرة بجوارها، بينما هو أخرج حقيبتيهما الكبيرتان من الرف العلوي بسهولة، ونزلا معًا من الطائرة.
خارج المطار كانت سيارة فاخرة في انتظارهما، بسائق خمسيني استقبلهما مبتسمًا بترحيبٍ مهذب، فتح لهما الباب الخلفي، ركبا بهدوء، وانطلقت السيارة وسط شوارع المدينة الساحلية الهادئة، والشمس تلامس واجهات البيوت بألق ذهبي ناعم.
التزمت "ليلى" الصمت، تنظر من النافذة تارة، وتسرق نظرة له تارةً أخرى. أما هو، فكان بجانبها، مسترخٍ وهادئ كعادته.
خمسة عشر دقيقة وصارا عند بوابة المنتجع السياحي الفخم، توقفت السيارة أسفل لوحة أنيقة "AL BADRY GARDENS". ترجل "نديم" أولًا، مد يده لها لتخرج، فأمسكتها بقوة كأنها لم تعد تثق في الأرض تحت قدميها دونها.
دخلا بهو الفندق، وكان هادئًا أنيقًا، تفوح منه رائحة الزهور والمكيّفات الباردة، رُخام لامع، ونخيل صناعي، وعمال بهندام مميز، هذا هو "عمر البدري". رمز الدقة والتميّز.
حرّك عامل الاستقبال عربة الحقائب خلفهما بصمت. جلسا في اللوبي، بينما "نديم" يخرج هاتفه ويجري اتصالًا، صوته مرتفع وواضح:
"أيوة يا عمر. أنا وصلت.. مع ليلى.. مستنيك."
خمس دقائق فقط.. ثم ظهر "عمر البدري". كان رجلاً في أواخر الثلاثينات، يمتاز بجاذبية طاغية، بشرته سمراء، حُفّت بها تجاعيد دقيقة تعكس حياته المشبّعة بالشمس والبحر. شعره أسود، قصير، ومصفف بعناية، لكنه لا يخلو من لمسة فوضوية تدل على طبيعة شخصيته المندفعة، طوله يفوق المتوسط، وجسمه الرياضي يوحي بمجهود متواصل في صالة الرياضة، قميصه الكتّان الأبيض محلول الأزرار، وسرواله الجينز باهت قليلًا، أناقته غير المتكلفة تزيده جاذبية، كما عيناه، نظراته تحمل شحنة من الثقة التي يصعب تجاهلها، ابتسامته كانت صادقة، أشرقت على وجهه فور رؤية ابن خالته، تُظهر التواصل الحميم بينهما.
وقف "نديم" ما إن رآه وابتسم له بنفس الاتساع، تلاقيا في عناقٍ أخوي صاخب، بينما "عمر" يهتف:
"أهلاً أهلاً بابن خالتي الواطي.. إللي بقالي سنة بشحت منه الزيارة.. ما كنت وفّرتها يا عم جاي على نفسك ليه!"
ضحك "نديم" وهو يبعده عنه بعفوية:
"ياض صعبت عليا.. وعامل حساب إنك يتيم وأمك موصيانى عليك. كان لازم أجي بقى معلش."
شدّ "عمر" على كتفه بخشونة متكلّفة وهو يقول:
"انت بتعايرني ولا إيه؟ ما أنت كمان يتيم من الناحيتين. أنا أبويا لسه عايش."
رد "نديم" ساخرًا:
"عايش ومش عايش! آخر مرة سأل فيك امتى يالا؟"
تنحنح "عمر" بحرج وهو يقول:
"من 3 سنين!"
فانفجر "نديم" ضاحكًا. قال "عمر" بغيظ مصطنع:
"اضحك اضحك…انت إيه إللي جابك؟ أنا مني لله إني قلت لك تعالى!"
لم يتوقف "نديم" عن الضحك، فقلب "عمر" عيناه بضجر، ثم نظر لليسار حين لمح "ليلى" تنهض بهدوء، مد لها يده للمصافحة قائلًا:
"أهلًا إزيك يا ليلى؟ نوّرتي القرية والله!"
صافحته وهي تقول برقة:
"إزيك انت يا عمر… عامل إيه؟ وريري. إزيها دلوقتي؟"
"ريري الفرحة مش سايعها من الصبح من ساعة ما قلت لها إنك جاية!"
"طيب هي فين؟ دي وحشتني أوي."
"يا ستي راحت مع الدادة بتاعتها تغيّر هدومها… أصلها وقعت البول وهي بتلعب مع الكلبة بتاعتها."
عبس "نديم" وهو يقول فجأة بصوتٍ حاد:
"إزاي سايبها من غير رقابة يا عمر؟ إزاي سايبها تلعب أصلاً؟ دي كبرت خلاص!"
مرّت نظرة حزينة على وجه "عمر" وقال بهدوء:
"مابحبش أزعلها. وبعدين هي معاها الدادة طول الوقت… أنا مش سايبها."
رد "نديم" بحزم صريح:
"ولو.. أختك عندها ظروف خاصة. وكبرت. ومش وحشة خالص.. يعني أي عيّل ابن حرام ممكن يصطادها وهي مش عارفة حاجة!"
شدّ "عمر" على فكه، وقال ونبرته قد تحوّلت لقسوة نادرة:
"ماتوصلش لكده يا نديم. محدش يقدر يقربلها. أنا موصي الكل عليها…وكل اللي شغالين هنا عارفينها وبياخدوا بالهم منها."
ثم غيّر الموضوع سريعًا:
"عملت تشيك إن؟ ولا لسا؟ أنا محضرلكوا أوضتين جنب بعض."
"لأ أوضتين إيه.. أنا عايز جناح."
رفع "عمر" حاجبه بدهشة:
"جناح؟ ليه؟"
أمسكه "نديم" من ذراعه وسحبه بهدوء ناحيّة الريسبشن وهو يخاطب "ليلى":
"خليكي هنا شوية يا ليلى… راجعلك."
عند الريسبشن، قال "عمر" بصوتٍ منخفض:
"جناح إيه اللي عايزه؟ هي ليلى مش قاعدة معاك؟ ولا أنت مش ناوي تقعد أصلاً؟ مش فاهمك!"
رد "نديم" بحسم:
"أنا وهي قاعدين أسبوع زي ما قلت لك. بس هاناخد جناح واحد. أنا وهي."
تجمّد "عمر" للحظة، ثم نظر له قائلًا بحدة:
"ازاي يعني؟ هاتناموا في مكان واحد؟!"
أومأ له "نديم" بثبات وقال بثقة:
"أيوة. إيه مشكلتك؟"
"المشكلة إن في رولز.. ما ينفعش أي اتنين ياخدوا جناح أو حتى أوضة منغير ما يكون في ارتباط رسمي. يعني قرابة من الدرجة الأولى… أو قسيمة جواز. انت مصمم ليه تقعد معاها في جناح لوحدكوا؟"
زفر "نديم" بنفاذ صبر قائلًا:
"هاتصدعني ليه يا عمر؟ قلت لك عايز جناح مش أوضتين. لو متمسك بالرولز أوي. خلاص هاخد ليلى ونشوف مكان تاني نقعد فيه!"
رفع "عمر" يده كأنه يهدئه وقال بمرونة:
"إيه يا نديم بالراحة.. ما قلتش حاجة. أنا عايز راحتكوا بس يا سيدي… إن شالله تاخد الفندق كله. خلاص.. هاعملك اللي أنت عايزه."
ثم سأله بهدوء:
"بس سؤال أخير.. هي ليلى عارفة كده؟ يعني مرتاحة؟ أحسن تفكر إن أنا اللي عامل الحركة دي!"
رد "نديم" بضيق:
"لأ يا سيدي.. أطمن.. عارفة. انجز بقى… خلقي بدأ يضيق."
أومأ "عمر" بيأس، وطلب من موظفة الاستقبال مفتاح أحد أجنحة الـ VIP وسلّمه لـ "نديم". التفت "نديم" فورًا مناديًا على "ليلى" بالإشارة. جاءت له، فأمسك بيدها وفي يده الأخرى مفتاح الجناح، قال عمر وهو يلوّح لهما:
"الشنط هاتطلع وراكوا حالًا.. وماتنسوش… الليلة دي هانتعشى سوا!"
غادرا اللوبي سويًا. بينما ظل "عمر" واقفًا ينظر في إثرهما مشغول البال، حاجبه مرفوع، ونظرة غريبة في عينيه. ثمة ما يجري بين "نديم" وابنة عمّه.. هناك أمر مريب.. وسيعلمه. إنه بطريقةٍ ما يعلم.. لكنه لن يصدق حتى يتأكد.
رواية هيبة الفصل التاسع 9 - بقلم مريم محمد غريب
دفع "نديم" باب الجناح بخفة. فانفتح بسلاسة، وكأن المكان بأكمله كان في انتظارهما. وقف لحظة عند العتبة، ثم التفت إليها وأشار لها أن تتقدّم.
ولجت "ليلى" بخطى بطيئة، يديها متشابكتان أمامها، وعيناها تجولان في أرجاء الجناح كطفلة صغيرة تطأ عالمًا لا تعرفه، وقد بدا المكان أمامها أشبه بملاذ سري، غارقٌ في سكينة مترفة.
الضوء خافت، ينبعث من مصابيح جانبية موزّعة بعناية على الجدران، فتنساب إضاءتها الناعمة على الأثاث المخملي بألوانه الترابية الدافئة. الجدران مكسوّة بخشب لامع في منتصفها، وفوقها لوحات زيتية صغيرة توحي بالهدوء والعزلة، الأرضية مغطاة بسجادة وثيرة بيضاء تميل إلى العاجي، تخفف من صوت الخطوات وتُغرق الجو بصمتٍ رقيق.
في أقصى الجناح شرفة زجاجية واسعة، خلفها بحر أزرق يمتد حتى الأفق، بدا في تلك الساعة الهادئة كمرآة تلمع تحت ضوء الغروب المتأخر. النسيم يتسلّل عبر فتحة صغيرة في الباب الجرار حاملاً برودة خفيفة ورائحة ملح خفيّة.
ولكن مركز كل هذا البذخ كان السرير!
سريرٌ ملكي، عريض بشكل مبالغ فيه، قوائمه من خشب داكن مصقول، مزخرف بنقوش دقيقة على أطرافه الأربعة. الوسائد مصفوفة بعناية، والملاءات البيضاء الناعمة تمتد عليه كما لو أنها سحابًا نزل من السماء، عند حافته بطّانية سميكة بلون خمري تتدلّى حتى الأرض.
كان السرير وحده كافيًا ليختصر فكرة الجناح بأكملها؛ هذا مكان للخصوصية… للعزلة… وربما لشيء أكثر من ذلك بكثير!
استدارت "ليلى" حين سمعت صوت الباب يُغلق خلفها. كان "نديم" قد تبعها، وأغلق الباب خلف العامل الذي وضع الحقائب وانصرف. حين التقت عيناهما، ابتسمت له بخجل، فبادلها ابتسامة أكثر هدوءًا وسأل:
- ها.. إيه رأيك في المكان؟
أجابت بنبرة خافتة، وهي ما تزال تدور بنظرها:
- حلو أوي.
اقترب منها بهدوء، خطواته لا تُسمع على السجادة الناعمة، وقال بصوته الدافئ:
- لو مش عاجبك نغيّر على طول.. ممكن نأجر بيت لوحدنا أو شاليه على البحر. إللي يريحك.
ضحكت بخفة محاولة تخفيف التوتر الذي بدأ يتسلّل إلى صدرها وقالت:
- لأ بجد الأوتيل حلو قوي.. والجناح كمان يجنن. كفاية السرير ده… كبير جدًا!
ضحك هو الآخر، مدّ يده وأمسك يدها برفق، ثم قال وهو ينظر مباشرةً في عينيها:
- عشان كده اخترت جناح. الأوض العادية سرايرها بتبقى أضيق وأصغر… لكن هنا؟ ده مكان يليق بعرسان زينا… وسرير يستحملنا الأسبوع اللي قاعدينه.
كلماته سقطت على أذنها كجرس إنذار خفيف، لكن تأثيرها في قلبها كان عنيفًا. ارتعشت يدها في قبضته، وكأن حرارة جلده أيقظت فيها شيئًا كانت تحاول كتمانه. نظر إلى يدها المرتجفة، ثم رفع عينيه إليها ثانيةً، فوجدها تحدّق فيه بخوف مبهم، ثم همست وصوتها بالكاد خرج:
- هو انت.. جبتني هنا ليه؟ يعني انت عندك شغل فعلًا مع عمر وحبيت تاخدني عشان ريري نفسها تشوفني؟ ولا في سبب تاني؟
صمت للحظة، ثم قال بنبرة ذات معنى ممزوجة بابتسامة جانبية خافتة:
- يعني معقول انتي بالسذاجة دي؟
أنا جيت هنا عشانك.. وجبتك معايا عشان نبقى لوحدنا. عشان ناخد راحتنا بجديا ليلى.. انتي شفتي لما حاولت أقرب منك في البيت إيه إللي حصل. وفوق كده حضرتك جبانة وبتخافي.. هنا احنا في هدوء ومحدش ممكن يزعجنا.
تخطّت كلماته الأخيرة بصعوبة، وقالت بتوتر واضح وعيناها لا تجرؤان على الثبات في عينيه:
- يعني… إحنا… هنعمل كده كل يوم؟ طول الأسبوع؟
انفجر ضاحكًا، ضحكة مجلجلة أربكتها أكثر، وقال:
- إحنا هانعمل كل حاجة يا حبيبتي.. انتي مش معقولة يا لولّا والله.. بصي. أنا هاريّحك. اسمعي كلامي و انتي هاتبقي تمام. إللي أقول عليه تنفذيه بالحرف اتفقنا؟
نظرت إليه بدهشة ممزوجة برهبة، وعيناها اتّسعتا بشكل واضح، ثم همست:
- طيب.. انت هاتعمل فيا إيه دلوقتي؟
رمقها بنظرة تحمل من الخبث ما يكفي لتفهمه، ثم اقترب منها أكثر، كان واقفًا أمامها تمامًا. انحنى قليلًا، ثم همس في أذنها بكلمات جعلت عيناها تشخصان في صدمة خجولة، وقد احمرّ وجهها بشدة، وكأن الدم صعد فيه دفعة واحدة.
ثم تراجع قليلًا، نظر في عينيها وابتسامة مشبّعة بكل ما يمكن أن يقال دون كلام، ثم أضاف بصوتٍ هامس تخالطه نغمة مشاعر ملتهبة:
- دلوقتي… وبكرة… وكل يوم... هعمل كده... هاخليكي ماتقدريش تمشي على رجليكي.. ولا تخرجي من الجناح ده لحد آخر يوم لينا هنا!
انسكبت الكلمات الأخيرة من فمه على مسامعها كصعقاتٍ مباغتة، فتراجعت "ليلى" بخطوة تلقائية إلى الخلف، كأنها تحتمي من المجهول المتقدّم نحوها باصرار. اتسعت عيناها وفيهما لمعة خوف لم تستطع إخفاءها، بينما صدرها يعلو ويهبط في توتر متسارع.
إلا أن "نديم" لم يتراجع، بل لم يترك لها مساحة للهرب. تقدّم منها ببطء، بخطوات ثابتة ومليئة بعزم لا يلين، حتى باتت ملتصقة بالجدار، وصدرها يكاد يذوب فيه.
مدّ يده قابضًا على ذراعها برفق فيه من القوة، منعها من التملّص أكثر، صوته خافت لكنه يحمل ثقلاً لا يُقاوَم:
- إيه يا لولّا مالك؟ انتي خوفتي مني؟
أجفلت، تنفّسها متقطع، صوتها خرج متحشرجًا بين شفتاها:
- نديم.. أنا.. أنا مش ...
قاطعها بصوته الواثق وهو يجذبها بخفة حاسمة، ويدفعها بهدوء نحو السرير الكبير خلفها:
- انتي هاتهدي خالص… وهاتسمعي الكلام بالحرف.. فاكرة قولنا إيه؟ ده لمصلحتك يا ليلى.
ارتعش جسدها وهو يقرّبها من الفراش أكثر، خطواتها تتبع دفعه لا إراديًا، حتى شعرت بظهر ساقيها يصطدم بحافة السرير. لم تنتبه إلا وقد جلست، ثم وجدت نفسها مستلقية مستجيبة لدفعه القسري. رمقته بتوتر بينما ينظر إليها من علو بعينين لا تعرفان المزاح، لكنهما محمّلتان بشغف لا لبس فيه.
دنى منها بروية، ولم يترك لها فرصة للتفكير، قبلاته جاءت حارّة، متأنية، تتنقّل بين وجهها وعنقها، تحاول فكّ أقفال الخوف المتجمّعة داخلها. وكل لمسة منه كانت تُربكها أكثر، تُسكت صوت العقل، وتوقظ شيئًا آخر، شيء غريبًا، ومربكًا، ومطلوبًا في آنٍ.
عيناها زائغتان، وصدرها يعلو ويهبط، أناملها تقبض على أطراف الملاءة كأنها تتمسّك بثباتها الأخير.
همس في أذنها، صوته منخفض لدرجة الارتجاف:
- ماتخافيش مني يا ليلى.. سيبيني أعلّمك إزاي تحسّي!
ثم تابع بهدوءٍ وجرأة وكأنه قد منحها الإنذار، ينزع عنها قطعة ملابس، تلو الأخرى، دون استعجال، دون قسوة، فقط بحضور طاغٍ يملأ الغرفة ويجعل الزمن يتباطأ.
كل نظرة منها كانت ترجوه أن يتوقّف، وكل ارتعاشة كانت تفضحها أنها لم ترد ذلك فعلاً. كانت "ليلى" تتحرك تحت جسده في ارتباكٍ صامت، كأنها تتمزّق داخليًا بين شيئين لا يلتقيان، بين قلبٍ ينبض له، وروحٍ تخاف منه، بين حبٍ اختبأ طويلًا، واشتهاءٍ جديد لم تعرفه طوال حياتها يتسلّل إليها بنعومة قاتلة.
وكل لمسة من "نديم" كانت تشعل فيها شيئًا جديدًا لا يشبهها، يداه كانتا تتحركان على جسدها بثقة من يعرف ماذا يفعل، ومتى يفعل، قبلاته باتت أعمق، أبطأ، أقرب لوعودٍ خفية تُهمَس بين الأنفاس، وكلّما ازداد اقترابه، كلما بدا وكأنه يُخدر مقاومتها رويدًا، حتى بدأت تتنهد دون أن تشعر، وأصابعها الخجولة صارت تلامسه، تتعرّف عليه، تكتشف حرارة جلده المشدود بقلبٍ متردد.
خلع قميصه أخيرًا، فظهر جسده أمامها في الضوء القوي كما لم تره من قبل، مزيجًا من الرجولة والقوة التي أربكتها أكثر ممّا أغرتها. رفع تنورتها بخفة، وباعد بين ساقيها بحذر محكوم يتيح لنفسه تمكينًا مباشرًا، وحريصًا في آن على أن يكون كل شيء محسوبًا، رغم وضوح ما يريد!
كانت نظراته تشتعل، لكنها لم تكن قاسية، فيها من الرغبة نعم.. لكن أيضًا فيها شغف رجل يُحب.
اقترب منها أكثر، وراح يوزّع قبلاته مجددًا على شفتيها بشغف متصاعد، يتفنن في لمسها وكأن كل جزء فيها له لحن مختلف لا بد أن يُعزَف. وشيئًا فشيئًا، راحت هي الأخرى تنسلخ عن حذرها، بدأت تستجيب، تهمس، تلمسه بأنامل مرتجفة، ثم أكثر، كأنها تريد أن تحفظ ملامحه بحاسة اللمس وحدها.
ما إن تأكد بأنها صارت مُهيئة له بالكامل، همس في أذنها بصوتٍ عميق فيه لمحة من اعتذار مسبق:
- معلش يا لولّا.. ده هايكون مؤلم غالبًا. في البداية بس.
خدي نفس… وركّزي معايا أنا.. اتفقنا؟
رفعت عينيها إليه، نظرتها مشوّبة برهبة واضحة، لكن في داخلها شيء وافق، شيء لم يعد يقاوم، بل يشتهي، يتوق للحبيب الذي لم يدق القلب لسواه.
أومأت له بإيجاب، ببطء، فابتسم ابتسامة دافئة، ابتسامة رجل عرف أنه ربح المعركة، لكنه لا ينوي أن يؤذي، حتى لو كان هذا في حقيقته هو الأذى بعينه!
همّ بالاقتراب مجددًا، وأفلتت من فم "ليلى" شهقة مرتعبة حين بدأت تحس ببدايات الوجع الذي وعدها به.
لكن فجأة.. دقّ الباب!
من جديد!!
تجمّد "نديم". ظلت هي تحت جسده، أنفاسها مضطربة، ونظراتها لا تزال مشوّشة.
دقّ الباب مرة ثانية، أكثر إلحاحًا. رفع "نديم" رأسه بحدة، نظر إلى الباب، ثم إلى "ليلى" وقال بصوتٍ ممتعض فيه نبرة غليظة من الضيق:
- لأ.. ده تهريج. وتهريج رخم كمان!!!
كان وجهه محتقنًا بالفعل عندما دق الباب للمرة الثالثة، وعيناه تحوّلت إلى سواد مقيّد بالغضب. نهض "نديم" وهو يزفر من الغيظ، كأن الهواء نفسه يخرج محمّلاً بانفعال مكبوت.
أدار وجهه نحوها، نظراته لا تزال متأججة، وغمغم بنبرة منخفضة لا تخفي غضبه الدفين:
- خليكي زي ما انتي.. هاروح أشوف مين. وأحط إشارة عدم الإزعاج… وراجع لك.
ثم التفت ومدّ يده إلى القميص المُلقى على طرف السرير، ارتداه بعجلة وهو يُزرّر أزراره بعنف ظاهر، لم يُصلح سوى الأزرار القريبة من منتصف صدره، تاركًا الأعلى والأسفل محلولة، كأن وقته لا يتّسع للتأنّي. مرّر كفّه بين خصلات شعره المبعثرة، يحاول أن يُعيد إليه بعض النظام، لكن غضبه من المقاطعة كان أوضح من أيّ شيء آخر.
فتح الباب بقوة، عينيه تقدحان شررًا، مستعدًا أن يُفرغ كل امتعاضه في وجه الطارق، لكن ما إن انفتح الباب… حتى تجمّد لوهلة!
أمام عينيه كان "عمر،" ابن خالته، يقف رامقًا إيّاه بنظرة متفحّصة، هادئة على السطح، لكن فيها شكٌ صامت.
نطق "نديم" محتدًا بصوت لا يُخفي انزعاجه:
- في إيه يا عمر؟ عايز إيه؟
مرر "عمر" نظرة أخرى سريعة، تفحصه من أعلى لأسفل وقد لاحظ بدقة قميصه غير مُحكم الغلق، شعره الأشعث، وجهه المحتقن.. كل شيء كان ينطق بما لا يُقال علنًا.
ابتسم عمر ابتسامة صغيرة، ثم قال بنبرة فيها مزيج من التلميح والمداهنة:
- إيه يا نديم… عامل إيه؟
ردّ "نديم" باستهجان واضح:
- يا راجل! وحشتك يعني؟ ده أنا لسا سايبك من ربع ساعة!!
صمت "عمر" لبرهة، كأنه يُعيد ترتيب كلماته، ثم قال بحزمٍ خافت:
- تعالى يا نديم.. تعالى معايا تحت شوية.. عايزك في كلمتين.
رفع "نديم" حاجبه مرددًابصوت أجش:
- مالك ياض انت.. كلمتين دلوقتي؟ حبكت؟ ماينفعش نأجلهم يعني؟
لكن "عمر" لم يتزحزح، بل زادت نبرته صلابة وهو يقول:
- لأ يا نديم ماينفعش. أنا عايز أقولك كلام مهم… ومش ماشي من هنا إلا وإنت معايا.
ظل "نديم" ينظر له لثوانٍ مشدوهًا، كأن بينهما حوارًا صامتًا لا يسمعه أحد. ثم تنهد أخيرًا وأغلق باب الجناح وراءه بهدوء. أكمل إعادة تقفيل أزرار قميصه بحركات سريعة، قبل أن يمرّر يده في شعره مرة أخيرة قائلًا باقتضاب:
- تمام.. اتفضل يا عمر.
ثم خطى بجانبه، وملامحه قد عادت للجمود، لكن داخله كان يمور بالغضب، ترى ماذا يريد منه "عمر"؟
***
في قصر "رياض نصر الدين" ...
يجلس فوق أريكته المخصوصة، أشبه بملك فقد زمام مُلكه، لكنه لا يزال يقاوم الهزيمة بكبريائه.
دبّ بعصاه الغليظة على الأرض الرخامية، فدوّى صوتها في الصالة الواسعة كصرخة غاضبة من زمن قديم، ثم هتف بصوتٍ أجشّ حادّ:
- سافرت مع ولد المحروج ده بصفة إيه؟ كيف اتسافر امعاه؟؟؟
وقف "زين" أمامه ثابتًا، هادئًا، وفي عينيه لمعة ساخرة كعادته، قال ببرودٍ لاذع يخفي خلفه نفاد صبرٍ متنامي:
- أنا مش فاهم يا جدي.. انت مندهش ليه؟ ليلى عايشة عمرها كله معاهم.. وأكيد دي مش أول مرة تسافر مع حد فيهم أو كلهم. إيه مشكلتك دلوقتي تحديدًا؟
لم يخفت الغضب في ملامح الجد، لكنه بدا أقل حدّة، كأن نظره قد لامس شيئًا من المعقول في كلام حفيده.
أطلق تنهيدة ثقيلة، وأشاح بعينيه للحظة قبل أن يعاود التحديق في وجه "زين" ثم قال بنبرة أكثر توجسًا منها غضبًا:
- نديم ده مش مريحني يا زين.. أنا شوفت نظرة في عينه مش ناسيها واصل. الراجل ده ناوي على نية… وأنا خايف على البت!
جلس "زين" أخيرًا على الكرسي المقابل له، وبدت عليه علامات الإرهاق، كأن الهم أثقل منكبيه أكثر ممّا يحتمل. تنهد وهو يمرر كفّه فوق صفحة وجهه قائلًا:
- هايعمل إيه يعني يا جدي؟ إللي واضح قدامي إن عيلة الراعي بيحبوا ليلى أوي.. من كبيرهم لصغيرهم. بس أنا وعدتك إني هارجّعها. رغم إن ده هايكون صعب… بس هانفذ وعدي يا جدي.
راقب الجد حفيده، ولم يقل شيئًا للحظات، كأن شيئًا خفيًا كان يعتمل في صدره، لا يجد له مخرجًا. ثم قال بصوت منخفض، ممزوج بألمٍ دفين:
- أنا جلبي مش مرتاح.. البت دي ماكنش لازمن أسيبها للغرب أبدًا يا زين. البِت دي حفيدتي من دمي.. كيف همّلتها؟ كيف سمعت كلام سليمان وطاهر؟
ردّ "زين" بهدوء يشوبه الحسم وهو يعتدل في جلسته:
- يا جدي.. إللي حصل حصل خلاص.. وأنا قلت لك ليلى هاترجع. والموضوع ده هايخلص في أقرب وقت. انتهى!
ساد صمت ثقيل، لم يقطعه إلا صوت الهواء المتسلل من النوافذ العالية، وكان وجه "رياض نصر الدين" يزداد غموضًا. لم يكن يشك في حفيده ولا بقدرته على تنفيذ وعده.. لكنه كان يعرف الرجال أمثال "نديم الراعي".. ويخشى أن "ليلى" لا تعرفهم. يخشى أن ترث أمها.
***
في زاية من زوايا الكافيه الفخم الملحق بالفندق، جلَسَ "نديم" إلى إحدى الطاولات المطلة على البهو، ملامحه مشدودة، والصمت يلفه كستار كثيف.
لحقه عمر بعد لحظات، جلس قبالته وأشار للنادل الذي مر بجواره هاتفًا:
- هاتلي قهوة سادة يا ميجو.
نظر النادل نحو "نديم" وسأله مبتسمًا:
- وحضرتك يافندم!
رفع "نديم" عينيه إليه بنظرة فاترة تحتهما نار لا تهدأ، أصرفه بتلويحة من يده، ثم نظر صوب ابن خالته مرددًابنبرة هادئة ظاهريًا:
- ممكن تنجز يا عمر وتقول عايزني في إيه.. أنا مش فاضي لك!
رفع "عمر" حاجبه في تحدٍ ساخر، وخاطبه دون أن يشيح ببصره عنه:
- مش فاضي لي وراك إيه يعني يا نديم؟ ليلى صح؟
لم يتغيّر وجه "نديم". بقي متماسكًا، واثقًا كعادته، ثم قال ببرود:
- لآخر مرة بقولك.. هات إللي عندك. عاوز إيه؟
انحنى "عمر" قليلًا للأمام، وصوته قد اكتسب جديّة لم يعهدها "نديم" فيه:
- عاوز أعرف.. إيه الحكاية؟انت وليلى جايين لوحدكوا وعدت عليا ماشي. لكن إنك تاخدها في سويت وتقضوا أسبوع كامل وباب مقفول عليكوا؟ لا.. دي مافهماش. ومحتاج تفهمني… إيه اللي بيحصل بينك وبين ليلى يا نديم؟
حدجه "نديم" بابتسامة باردة، لكنها لم تكن ساخرة.. كانت إنذارًا من استمراره بالتدخلُ ثم قال:
- إللي بيني وبين ليلى مايخصكش يا عمر ولا يخص حد.. لكن بما إن دماغك ماشية في سكة غلط.. وأنا ماقبلش حتى مجرد التفكير ده عن ليلى فـ هاقولك معلومة واحدة بس لو طلعت برانا. اعتبر إن مالكش أي علاقة بنديم الراعي.. سامعني؟
تجمّد "عمر" مكانه، نظراته متوترة، لكنه لم يقاطع. انتظر.
استطرد "نديم" بثبات، نبرة صوته لا تحمل أيّ تردد وهو يخبره بثقة:
- ليلى مراتي يا عمر.
صُعق "عمر" بلحظتها، وشخصت عيناه وهو يسأله مذهولًا:
- نــعــم؟ ليلى مراتك؟ إزاي؟
إتجوزتها إمتى؟
أجاب "نديم" دون أن يحيد بعينيه عن وجه الأخير:
- إمبارح.. اتجوزتها عرفي امبارح.
تدلّى فك "عمر" من قوة الصدمة، وردد:
- انت بتقول إيه؟ إيه اللي أنا سمعته ده؟ اتجوزت بنت عمك عرفي يا نديم؟ انت اتجننت؟؟؟!!
رفع "نديم" سبابته أمامه بتحذير صارم، عينيه تلمعان بشراسة وهو يقول:
- قسماً بالله لو نطقت بكلمة يا عمر. ولا لو حد عرف عن طريقك.. مش هاعرفك تاني.
محدش هايعرف القصة دي. ولا حتى بعد ما نتجوز رسمي أنا وليلى.
قطب "عمر" حاجبيه وهو يقول:
- وانت ليه عملت كده أصلًا؟ مش انت متجوز راندا منصور؟ واشمعنا ليلى؟
ليلى بنت عمك؟!
ردّ "نديم" من بين أسنانه:
- مش بنت عمي!!
تسمّرت نظرات "عمر" عليه، كأن عقله توقف عن الفهم وقال:
- أفندم؟ ليلى مش بنت عمك؟
أجاب "نديم" بثقل وهو ينطق بالحقيقة التي دُفنت طويلًا:
- لأ.. ليلى مش بنت عمي.. ليلى ولا تقرب لي حتى.. ليها عيلة كاملة غير عيلة الراعي..ومحدش يعرف السر ده غير عمي ومشيرة وأنا.. وأهلها الحقيقيين.. وسيادتك دلوقتي.
وقف الزمن بالنسبة لـ"عمر" لبرهة، نظر إلى ابن خالته وأخيه الروحي بدهشة خرساء، ثم قال:
- انت.. انت بتتكلم جد يا نديم؟ أنا مش مصدق وداني. إيه الكلام ده؟!
أطلق "نديم" زفرة طويلة، أسند ظهره إلى المقعد، نظر إلى السقف للحظة ثم أعاد عينيه إلى "عمر" قائلًا:
- هاحكي لك.. بس زي ما قلت لك.. الكلام ده ماينفعش مخلوق يسمعه منك. فاهمني يا عمر؟
أومأ "عمر" ببطء، لا تزال عيناه متسعتين، وعقله يلهث خلف الأسرار الثقيلة التي بدأت تتكشف إليه. وما لبث أن غرق في صمتٍ ثقيل بعد أن سمع من "نديم" قصةً فاقت حدود تصديقه، عيناه تائهتان، نظراته زائغة كأن الأرض فقدت معناها تحت قدميه. ثم قال، صوته منخفض يشوبه الذهول:
- معقول اللي سمعته ده؟ أنا مش مصدق.. طيب ليه ماقولتليش من بدري القصة دي؟ خبيت عني السنين دي كلها سر بالأهمية دي؟ احنا مش اخوات يابني انت؟
شدّ "نديم" أنفاسه بقوة، كأن الكلام يخنقه، وردّ بنبرة حادة فيها من الألم ما يفيض عن الغضب:
- مافيهاش إخوات دي يا عمر. كنت عاوزني أقولك إيه؟ أقولك ليلى مش بنت عمي؟ بنت حرام؟ وإني بحبها… وعايزها… ومش قادر أطولها؟ كنت عايزني أقولك ده؟
صمت "عمر" لحظات، ترك له المساحة ليهدأ، ثم قال بنبرة أكثر رزانة:
- طيب فهمتك.. بس دلوقتي انت عملت مصيبة يا نديم.. سيبك من كل اللي حكيته.
جوازك العرفي من ليلى ده غلط.. ومن ورا عمك.. وكمان مراتك لو عرفت.
قاطعه "نديم" بلهجة تحدٍ خالص في صوته:
- راندا دي آخر اهتماماتي.. وجوازي منها مسيره ينتهي.. هي نفسها عارفة أنا اتجوزتها ليه. أنا عمري ما حبيتها.. أنا ماحبتش غير ليلى.. ويا ويله إللي يفكر ياخدها مني… أو يبعدها عني.
عبس "عمر" قائلًا:
- انت مش قادر تفكر غير في نفسك ليه يا نديم؟ ليه مابتفكرش في ليلى؟
ما سألتش نفسك لو جه يوم وعرفت تحت أي ظرف هايبقى موقفها منك إيه؟ فكّر شوية.. انت مصمم تعمل منها نسخة أمها الخاطية في نظر أهلها.
هز "نديم" رأسه بإصرار، وابتسم ابتسامة خبيثة، ثم ردّ بثقة فجّة:
- وده إللي أنا عايزه بالظبط.
نظر إليه "عمر" بذهول، فتنهّد "نديم" وأكمل بصوتٍ مفعم بالتحدي:
- جدها جالي لحد عندي وطلبها.. قلت له لأ مالكش عندي حاجة.. اتحداني وبعت حفيده ليها الجامعة. مفكر إنه ممكن ياخدها مني؟ أنا هاخليه من نفسه لو حاول يمد إيده يرجع يسيبها فورًا.. ومايجرؤش يطلبها مني تاني.
أضاف "عمر" عنه مدركًا خطة ابن خالته المظلمة:
- ولو رجع لك وصمّم ياخدها.. هتقول إنك متجوزها عرفي. ساعتها جدها هايشوفها زي أمها… ويتبرّا منها.
أومأ "نديم" قائلًا بابتسامة مكرٍ خفيفة:
- بالظبط.. أنا مش هاسيب حاجة للصدفة ولا هاسيبها لها اختيار لو ظهر جدها وحبت تروح له. ليلى ملكي أنا. أنا بحبها وهي كمان بتحبني. ومستحيل أسيبها أو أسمح لحد يفرّق بيني وبينها.
ابتسم "عمر" وهو يقول ساخرًا:
- للأسف يا نديم.. انت بنفسك إللي هاتفرّق بينك وبينها. ليلى صغيرة.. بس مسيرها تكبر.
ضاق وجه "نديم" وهو يقول بخشونة:
- هاتكبر تحت جناحي. وهاتعرف إن مالهاش في الدنيا غيري.. قريب هطلّق راندا وهاتجوز ليلى يا عمر. وكل ظنونك دي هاتخيب لما تشوف بعينك إنها تحت إيدي. وبتسمع كلمتي وبتصدقها أول ما أقولها من غير مجهود.
ثم قام من مكانه دون أن يمنح "عمر" فرصة للرد، وقال ببرود:
- عن إذنك.. لازم أرجع لمراتي.. مايصحش أسيبها وهي عروسة جديدة. ولا إيه؟
تركه وغادر بخطى واثقة نحو المصعد، والشرر يتطاير من عينيه، كمن قرر ألا يخسر الحرب مهما كانت التضحيات.
دلف "نديم" ثانيةً إلى الجناح، كل شيء كان كما تركه، حتى "ليلى". وجدها ممددة فوق السرير كما تركها، غفت في هدوء، ملامحها تفيض براءة وطمأنينة نادرة.
اقترب منها، ابتسامة دافئة ارتسمت على وجهه، جلس بجوارها على طرف السرير ومد يده بحنان، يلامس كتفها العاري، شعر برجفة خفيفة في جسدها.
- بردانة؟.. تمتم بصوت خافت، لكنها غارقة بالنوم ولم ترد.
شدّ الغطاء عليها برفق، ثم انحنى وقبّل خدّها قبلة هادئة لا توقظ، وهمس في أذنها:
- وبعدين يا ست لولّا؟ هاتغلّبيني كتير لحد ما أوصلك؟ولو.. أنا مش سايبك.. ده أنا مستني اليوم ده من زمان أوي.
ضمّها بحنان إلى صدره، دون أن يزعج نومها، وعيناه تطوفان على وجهها كمن يحتفظ بكنزه الثمين. لن يفرّط فيه، مهما كان الثمن!
رواية هيبة الفصل العاشر 10 - بقلم مريم محمد غريب
في ساعة لاحقة من المساء ..
أفاقت "ليلى" على صوت خافت يهمس باسمها. فتحت عينيها ببطء، لترى "نديم" جالسًا على طرف السرير. نظراته تلتهم ملامحها بشوقٍ لا تخطئه العين.
ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وهو يهمس أمام شفتيها دافعًا إيّاها للنهوض:
- لو ما قومتيش دلوقتي حالًا مش هاضمن لك تخرجي من هنا الليلة دي. قدامك 5 ثواني تقومي من السرير!
لم يلبث العد لثاني ثانية إلا وقفزت "ليلى" من الفراش ضاحكة. دلفت إلى الحمام واغتسلت بسرعة. عادت إلى الغرفة لتجده جاهزًا وقد ارتدى قميصًا من الكتّان الأبيض تفصيله دقيق، يبرز عرض كتفيه وعضلات صدره وذراعيه، مع سروال شينو بلون خردلي أنيق، وحذاء رياضي مريح، وساعة فاخرة تلمه على معصمه.
ارتدت "ليلى" تحت أنظاره فستانًا طويلًا بلون رملي ناعم، بكتفٍ واحد، ينحت تفاصيل جسدها بدقة. ما دفعه أن يناولها وشاح ساتر لتضعه حول كتفيها. فعلت ما أراد، ثم صففت شعرها تاركة إيّاه ينسدل بحرية على ظهرها، تتلألأ خصلاته الذهبية بلمعةٍ خفيفة. ارتدت زوجيّ حذائها المكشوف وهي جالسة، بينما أحضر لها "نديم" حقيبتها الصغيرة وأمسك بيدها لتقوم معه.
خرج الاثنان من الجناح بخطى متوازنة. أنوار الممر الطويل انعكست على الأرضية الرخامية مبرزة ظلالهما. كل شيء من حولهما بدا صامتًا كأن الفندق بأكمله يحبس أنفاسه لرؤيتهما معًا، إذ بديا أكثر من مثاليان لبعضهما البعض.
دفعها "نديم" برفق داخل المصعد وتبعها. كانا وحيدان ولفّ ذراعه حول خصرها يجذبها إليه برقة، ثم قال بصوت منخفض قرب أذنها:
- نمتي وسبتيني إنهاردة. مع إني قلت لك خليكي زي ما أنتي.
احمرت وجنتاها، ونكست عينيها وهي ترد بخجل:
- انت اتأخرت عليا… ومش عارفة إزاي نعست!
ضحك بخفوت ونبرته تحمل مكرًا رقيقًا وهو يمرر أطراف أصابعه على بشرتها العارية من عند الكتف:
- المهم تعرفي إن دي تاني مرة ما تظبطش معانا. بس التالتة تبتة يا لولّا. أوعدك لو مصر كلها وقفت على باب الأوضة.. الليلة هاندخل يعني هاندخل.
لم تستطع الرد، شعرت بالكلمات تحترق على لسانها من شدة الخجل فلم تنطق، بينما التمعت عيناه بمرح، ومال مقبّلًا خدّها بعمق، ثم همس بحب عند حافة فمها:
- بحبك.. بموت فيكي يا ليلى.
انفتح باب المصعد في هذه اللحظة. وتعلّقت عيناها بعينيه الخضراوين ذات البريق اللامع، وقالت بنبرة عاشقة:
- وأنا بعشقك يا نديم.
خرجا متشابكي الأيدي. خطواتهما تسير بتناغمٍ واحد. في ردهة الفندق الرئيسية شاهدا "عمر البدري" وشقيقته بانتظارهما في زاوية قريبة من حائط الرخام. لكن صوت "عمر" كان مرتفعًا بنفاد صبر، ويده ترتفع وتنخفض بعصبية وهو يوجه الحديث لأخته التي وقفت أمامه كطفلةٍ تتلّقى توبيخًا قاسيًا من والدها.
توقفت خطوات "نديم" و"ليلى" للحظة. نظرة سريعة مرّت بينهما، ثم تابعا السير نحوهما.
- إيه ده يا عمر؟ في إيه؟ مالك بتزعق لريهام كده ليه؟.. قالها "نديم" وهو يقف حائلًا بين "عمر" وأخته، وقد جاء صوته هادئًا بنبرة فيها جديّة كافية لتهدئة ابن خالته المنفعل بوضوح.
أدار "عمر" وجهه بانزعاج، نظراته مشتعلة، وأصابعه تضغط على جانب رأسه كأن الصداع يداهمه للتو. أشار برأسه ناحية "ريهام" دون أن ينظر إليها وقال بعصبية مكتومة:
- الهانم.. مطلعة عيني كالعادة. وبالذات الفترة دي… مابقتش بتسمع الكلام نهائي.
كانت "ريهام" واقفة على بعد خطوات قليلة، ذراعاها معقودتان بقوة، وفمها مشدود كأنها تحبس الدموع بأسنانها. حاجباها معقودان بطفولية غاضبة، وعيناها تحومان بين الثلاثة بحدة طفلة تشعر بالظلم، طفلة في جسد فتاة شابّة أوشكت على بلوغ العشرين من عمرها.
نظر "نديم" إليها للحظة، ثم عاد ببصره إلى "عمر" وقال بلطف متماسك:
- طيب بالراحة بس.. حصل إيه؟
أشار "عمر" بإصبعه نحو بوابة الفندق الزجاجية، حيث كانت أسرة صغيرة تخرج الآن، وصبي صغير ينزلق بحذاء تزلج على الرخام اللامع، ضاحكًا لا يدري عن الفتنة التي أشعلها على الجانب الآخر.
- أول ما شافت الولد إللي هناك ده بيلعب بالـskates.. شبطانة! جريت ناحيته عايزة تلعب معاه. وأنا قولتلها لأ. كسرت كلامي وجريت بردو ناحيته. لولا بس مسكتها على آخر لحظة!
وما كاد يُنهي جملته حتى انفجرت "ريهام" بصوت طفولي مليء بالانفعال:
- قلت لك عايزة واحدة ومش جبتلي زيها!
ارتفع صوتها إلى حد جذب أنظار رواد المكان. فرفع "عمر" سبابته بسرعة يحذّرها وصوته قد ازداد خشونة مخيفة:
- ريــهام! صوتك ده مايعلاش انتي فاهمة؟.. و اسمعي بقى لما أقولك. قسماً بالله إن ما سمعتيش الكلام لأكون حابسك في أوضتك أسبوع. ولا هاديكي تاب أو موبايل. ولا هاسيب معاكي ميمي!!
وهنا زمجرت الكلبة "الجولدن" الرابضة أسفل قدميّ شقيقته وكأنها فهمت تهديده. بينما ظهر القهر في عينيّ "ريهام" وبدأت تهتز في مكانها، ليتدخل "نديم" بسرعة، هذه المرة نبرته صلبة وقاطعة فيها حسم لا يحتمل جدالًا:
- الله! ما قلت لك بالراحة يا عمر.. ريري شاطرة وبتسمع الكلام. مالكش دعوة بيها لو سمحت.
ثم غمز له بطرف عينه محاولًا خفض التوتر، قبل أن يلتفت إلى "ريهام" وهو يقول بابتسامة واسعة مرحة:
- إيه يا ريري.. انتي مش شايفاني ولا إيه؟ أنا ماوحشتكيش؟ أومال فين تعالي يا نديم.. نفسي أشوفك انت وليلى يا نديم.. أهو. أهو جيت وجبت لك ليلى معايا!
وأشار بيده نحو "ليلى" التي ابتسمت بمحبة حقيقية، وانحنت قليلًا نحو ريهام:
- ريري حبيبتي.. وحشتيني أوي يا روحي. عاملة إيه؟
لكن "ريهام" ظلّت صامتة، شفتاها مزمومتان ووجهها متيبّس بشدة.
زفر "عمر" بضيق وهو يشيح بوجهه بعيدًا، أما "نديم" فاخترق الجمود وتقدم نحوها خطوة، طوّق كتفيها بذراعه في حنو، وقال برقة فيها كثير من الأبوة:
- طيب يا حبيبتي. ما تزعليش.. انتي مضايقة يعني عشان عمر ماجبلكيش سكيت؟ ولا يهمك ياستي. بكرة الصبح يكون عندك. ولا تزعلي نفسك.
شهقت "ريهام" بقوة غير مصدقة، نظرت له بعينين واسعتين وهي تسأله:
- صحيح يا نديم؟؟
ابتسم وهو يهز رأسه بإيجاب قائلًا:
- صحيح يا روح نديم.. أنا عمري وعدتك بحاجة وخلفتها؟
قفزت عليه فورًا، ضحكة صاخبة خرجت منها ممزوجة بصراخها المرح، أحتضنه بقوة وهي تقبّله في خده، بينما هو يضمّها بين أحضانه الدافئة، يمسح على شعرها بحنان وكأنه يحضن الطفولة ذاتها، النقاء الحقيقي. ثم تركها ومررها ناحية "ليلى"، ابتسمت لها هذه المرة لأول مرة وقالت بصوت أنعم:
- إزيك يا ليلى.. انتي وحشتيني أوي.
ضحكت "ليلى" وهي تصافحها، ثم جذبتها لحضنها قائلة:
- انتي وحشتيني أكتر يا قلبي.. إيه القمر ده؟ بقيتي قمر يا ريري!
ضحكت "ريهام" بخجلٍ طفولي، وانخرطت في حديث عشوائي مع "ليلى". تثرثر بكلمات غير مرتبة، تحكي وتعيد التفاصيل بينما "ليلى" تسمعها وتردّ بصبر ومحبة كأخت أكبر.
سار "نديم" للأمام ممسكًا بيد "ليلى" التي أمسكت يد "ريهام" بدورها، بينما "عمر" يسير إلى جوارهم، وجهه لا يزال محتقنًا بالعصبية.
خاطبه "نديم" بصوت منخفض، لكن نبرته لم تخلُ من العتاب:
- إيه يا بني الأسلوب ده؟ بالراحة على أختك شوية.. أومال إيه أنا ما بحبش أزعلها!
تنهد "عمر" وهو يرد بنبرة مُتعَبة:
- بقت عنيدة أوي يا نديم.. بمعنى أصح رزلة. وأنا ما بقاش عندي طولة بال زي زمان.. مش عارف أعمل معاها إيه أكتر من إللي بعمله!!
رمقه "نديم" بغضب وقال بحدة:
- هاتعمل إيه يعني؟ هاترميها؟ مالك يا عمر بجد. لو مابقتش مستحملها سيبهالي. هاخدها تعيش معايا وأوفر لها كل احتياجاتها كمان.
أدار "عمر" رأسه نحو ابن خالته، حدجه بنظرة مستنكرة وهو يقول بغلظة:
- أسيب مين يا نديم؟ ريهام دي أختي. لا مش بس أختي. دي بنتي أنا اللي ربيتها.. ومش بقول إني مابقتش مستحملها. أنا بس تعبت.. وزعلان عليها.. هو وضعها ده يعجب حد؟ يعجبك انت يا نديم؟
ساد صمت قصير، تبادل فيه الرجلان النظرات، ثم قال "نديم" بصوت أهدأ، وعيناه تلمعان بالتعاطف:
- أنا فاهم يا عمر.. أنا حاسس بيك.
هزّ "عمر" كتفه قائلًا في تعب حقيقي:
- لأ انت مش حاسس بيا. ومحدش هايحس بيا.. أنا بكبر. وهي لسا صغيرة.. خايف عليها لو جرالي حاجة في أي وقت هاتعمل إيه منغيري؟ هاتعيش إزاي ومين هاياخد باله منها!!
ربت "نديم" على كتفه بلطف وقال بلهجة لوم صلبة:
- طيب روّق… روّق وماتشلش هم حاجة.. وأنا مش هاحسبك على الكلام إللي قولته ده.. ولا هافكرك إن انت وريهام ليكوا ضهر في الدنيا دي. ومن دمكوا. زي ما انتوا ضهري ومن دمي.
ثم تنهد بعمق وهو ينظر حوله وقد خرجوا من بواية الفندق، عاود النظر إلى "عمر" ثانيةً وقال:
- احنا جايين نتبسط كام يوم معاكم.. فك كده يلا. شوف هاتودينا فين الليلة دي.. وبكرة الصبح لينا كلام تاني وكل حاجة هاتتحل.. ماتقلقش.
في فيلا عائلة "الراعي" ..
الجو مزيجًا من السكون الفخم وأصوات فناجين الشاي على الطاولات المصقولة. في "الترّاس" الخارجي المطل على الحديقة، جلس "مهران الراعي" متصدرًا المجلس، تحيط به أسرته، زوجته "مشيرة" بجوارها "ليث" الابن الأوسط، وعلى الطرف الآخر جلس "حازم مدكور" رجل الأعمال الشاب، شريك المستقبل في العائلة وخطيب الابنة الكبرى "لُقى الراعي".
تجلس "لُقى" بجواره، تهتم به على أكمل وجه، تضع في طبقه بعض أصناف الحلوى، بينما يتنصت الأخير باهتمامٍ إلى "مهران":
- الخطوبة ماطوّلتش ولا حاجة يا زوما.. بس معلش نديم حدد معاد يناسب الكل. انت عارف انه اكتر واحد حريص على مصلحة العيلة دي مش بيأخرها رخامة يعني.
يبتسم "حازم" قائلًا بدماثة:
- لا يا عمي ومقدرش أقول عليه كده.. أنا فاهم طبعًا ومحترم تصرفات نديم. لكن معلش بقى.. أعذر حماس الشاب إللي جوايا ما أنا مش بزنس مان طول الوقت.
ضج المجلس بالضحك، لتواري "لُقى" وجهها بكفّها بخجل، بينما تقول "مشيرة" بسعادة:
- ربنا يسعدكوا يا حازم يا حبيبي.. ماتقلقش لما يرجع نديم من الغردقة مش هاسيبه إلا لما نحدد معاد الفرح في أسرع وقت. وانت يا مهران نفسك معايا بردو.
ابتسم "مهران" لها واضعًا فنجانه جانبًا، وقبل أن يرد، اقترب منهم أحد الخدم هاتفًا بلهجة مهذبة:
- مهران بيه.. في ظابط برا طالب يقابل حضرتك!
توقف الحديث فجأة، كأن الهواء انسحب من "الترّاس". النظرات إلتفتت كلها نحو "مهران" الذي ظل للحظة صامتًا، قبل أن يدير رأسه نحو الخادم قائلًا:
- دخله وخليه يستناني في أوضة المكتب… أنا جاي حالًا.
انحنى احترامًا الخادم وابتعد، بينما العيون لم تفارق "مهران". خاصة "ليث" الذي عقد حاجبيه وسأل بصوت فيه نبرة استغراب:
- مين الظابط ده يا بابا؟
أجاب "مهران" بابتسامة مراوغة ضاعت وسط قلق ظهر للحظة في عينيه:
- ماعرفش يابني… أديني هقوم أشوف مين!
تدخل "حازم" بكياسة:
- تحب أجي معاك يا عمي؟
بوّح له "مهران" بكفه وهو يقول هازًا رأسه ببرود مصطنع:
- لا لا خليك زي ما انت يا حازم.. أنا هشوف بس إيه الحكاية. وإن شاء الله مش هطوّل.. راجع علطول.
ثم اتجه إلى الداخل، خطواته بطيئة، وظهره المتصلّب يشي بتوتره المكتوم، فتح باب غرفة المكتب، فوجد فيها رجلاً شابًا واقفًا ينتظره وقد أولاه ظهره. استدار ناحيته ما إن فتح الباب، ليراه "مهران" جيدًا، بالتأكد هو.. هو لا غيره.
"زين نصر الدين".. بدا شابًا في أواسط العشرينات، بنيته ضخمة، أكتافه عريضة وصدره مفرود، بشرته قمحية، عيناه ضيقتان لكن حادتان كأنهما تلتهمان المكان في ثوانٍ بحدة نظر صقر.
- مساء الخير يا مهران بيه!.. ألقى "زين" التحيّة بلطف.
رد "مهران" بحذر وهو يغلق الباب خلفه:
- أهلاً وسهلاً.. اتفضل يا حضرة الظابط.
وأشار له ليجلس في إحدى كرسيّ المكتب، ثم جلس هو أمامه، تنهد "زين" وهو يجلس بهدوء، أستلّ محفظته ومدّ له بطاقته الرسمية قائلًا:
- زين نصر الدين.. رائد في وزارة الداخلية.
تناول "مهران" البطاقة، قرأها بسرعة وأعادها، ثم جلس خلف المكتب بتأني من جديد وقال:
- خير؟
أومأ "زين" مرةً واحدة وقال، نبرته واثقة لكنها خالية من الاستعراض:
- خير يا مهران بيه.. أكيد خير طالما أنا جيت بصفة غير رسمية. بس أظن الأول إنك عارف أنا مين… وجاي ليه.. صح؟
مال "مهران" بجسده قليلًا، وصوته صار أكثر جفافًا وهو يقول:
- مش متأكد.. بس قول اللي عندك. طلباتك؟
ابتسم "زين" ابتسامة دقيقة، وخفض صوته وهو يرد عليه بهدوء:
- أنا جاي بشكل ودّي. وبالذوق.. عشان نحل الموضوع إللي بينا منغير ما نوصل لنقطة مانحبش نوصل لها.
زم "مهران" فمه وقال:
- أمم.. والموضوع ده هايتحل إزاي في رأيك يا حضرة الظابط؟
- ببساطة.. ليلى لازم تعرف مين أهلها الحقيقيين.. ولازم ترجع. ترجع لعيلتها. ودي مش دعوة أو طلب.. دي خطوة جاية جاية سواء حصل تفاهم ودّي أو ماحصلش.
رمش "مهران" بعينيه، كأن الكلمة خدشته، فرد بجفاف حاد:
- بس أنا شايف إن ده كلام مالوش أي لزوم ونبش على الفاضي هايقلق الكل.. ليلى دلوقتي بخير ومرتاحة. وليها بيت وعيلة فعلًا.. ليه نهد كل حاجة فوق دماغها ونصدمها؟ هل ده في مصلحتها؟
رد زين بنظرة صلبة ونبرته قد بدأت تنفد منها المجاملة:
- مصلحتها مش انت إللي تقررها. أيًّا كان دورك في حياة ليلى زمان أو دلوقتي ده مش هايديك سلطة عليها بمجرد ما أهلها يقولوا هاترجع. حضرتك نسيت هي مين؟ لو نسيت افكرك. ليلى حفيدة رياض نصر الدين. حفيدة راجل عمره ما اتنازل عن حقه. ومش هايتنازل المرة دي بردو جدي كان عندكوا امبارح. وأنا جيت إنهارده بقول نفس كلامه.. عشان نختصر وقت مش أكتر.. وإلا ماوعدكش إن إللي جاي هايكون بسيط.
نظر "مهران" له طويلًا، ثم تراجع في مقعده قليلًا ويده تمسك بحافة المكتب، وقال باقتضاب:
- يعني بتهددني؟
زين بحزم:
- أنا بوصف لك إللي هايحصل لو الموضوع اتكتم عليه أكتر من كده.. انت راجل فاهم وعارف كويس إننا مش جايين نساوم ولا نلعب في الضلمة. ليلى لازم ترجع لأهلها.. ونديم ده كمان لازم يفهم إن اللي بيعمله ده مش في مصلحتها. لما ياخدها ويسافر ويفكر إنه ممكن يخبّيها.. فهمه إني لو عوزت أجيبها هاجيبها. وإني ساكت كل ده عشانها هي.. عشان ماتتصدمش زي ما حضرتك قلت.. ف لو قلبك عليها فعلًا فكر إزاي ممكن تفتح معاها الموضوع. عشان لما أشوفها المرة الجاية هاتكون هي المرة إللي هاخدها من إيدها وأوصلها بيت جدها وأكون أدّيت واجبي ناحيتها وناحية عيلتي كلها.
سكت لحظة، ثم أضاف للمرة الخيرة بصوت به لهجة حادة:
- وصدقني يا مهران بيه لو حاولتوا تبعدوها أو تخفوها. أنا هاخد موقف محدش فيكم هايعرف يتخيله.
نظر "مهران" له طويلًا، ثم تراجع في مقعده قليلًا ويده تمسك بحافة المكتب، وقال باقتضاب:
- يعني بتهددني؟
زين بحزم:
- أنا بوصف لك إللي هايحصل لو الموضوع اتكتم عليه أكتر من كده.. انت راجل فاهم وعارف كويس إننا مش جايين نساوم ولا نلعب في الضلمة. ليلى لازم ترجع لأهلها.. ونديم ده كمان لازم يفهم إن اللي بيعمله ده مش في مصلحتها. لما ياخدها ويسافر ويفكر إنه ممكن يخبّيها.. فهمه إني لو عوزت أجيبها هاجيبها. وإني ساكت كل ده عشانها هي.. عشان ماتتصدمش زي ما حضرتك قلت.. ف لو قلبك عليها فعلًا فكر إزاي ممكن تفتح معاها الموضوع. عشان لما أشوفها المرة الجاية هاتكون هي المرة إللي هاخدها من إيدها وأوصلها بيت جدها وأكون أدّيت واجبي ناحيتها وناحية عيلتي كلها.
سكت لحظة، ثم أضاف للمرة الخيرة بصوت به لهجة حادة:
- وصدقني يا مهران بيه لو حاولتوا تبعدوها أو تخفوها. أنا هاخد موقف محدش فيكم هايعرف يتخيله.
نهض "مهران" من كرسيه ببطء، نبرة صوته الآن جامدة، لكنها متماسكة:
- كلامك واضح ورسالتك وصلتني.. هارد عليك قريب يا حضرة الظابط.
ابتسم "زين" برصانة ووقف بهدوء قائلًا:
- وأنا واثق إنك هاتتصرف صح.. لأنك راجل عاقل. وفاهم... عن إذنك!
ثم غادر الغرفة، تاركًا خلفه هواءً مشبعًا بالتهديد ووقع كلمات لم يحمل "مهران" مثل ثقلها بحياته قط!!
في المطعم المكشوف الذي يطل على البحر مباشرةً.
الأمسية هادئة، الهواء مشبعًا برائحة الملح والنسيم، والمكان مضاء بفوانيس صغيرة المعلّقة في كل الزوايا.
جلس كلٌ من "نديم" و"ليلى" متجاورين، قبالتهما "عمر" و"ريهام". جميعهم حول طاولة دائرية أنيقة، على مقاعد واطئة من الخيزران، يتبادلون الضحكات، وأصواتهم تتناغم مع خرير البحر في الخلفية.
كانت "ليلى" تميل برأسها قليلًا نحو "ريهام". تتابع حديثها العبثي بانتباه ووجهها يتوهّج بابتسامة حانية.
بينما "نديم" قد انشغل بحديث جانبي مع "عمر". أصواتهما بدأت تنخفض تدريجيًا حتى صارت أكثر جدية.
- بص يا نديم.. إللي حصل ده مينفعش بكل المقاييس.
لم يتبدّل تعبير "نديم" الفاتر وهو يرد عليه:
- أنا ماعملتش حاجة غلط.. أنا بحبها يا عمر. وهي كمان بتحبني. انت متخيّل إني أقدر أقنعها بكل ده لو ماكنتش بتحبني؟
هز عمر رأسه قائلًا:
- أنا مصدقك.. وعارف إنك بتحبها على فكرة ومن زمان. كان باين عليك… بس المهم دلوقتي. خليني أسألك بصراحة. قربت منها؟ يعني… حصل حاجة بينكوا؟
زفر "نديم" وهو يقول بضيق:
- لأ.. لسا ماقربتلهاش.
رفع "عمر" عينيه للسماء في لحظة راحة، ثم مدّ يده إلى كتف "نديم" قائلًا برجاء:
- طيب بالله عليك اصبر… ماتعملش كده. استنى شوية لما تحل الموضوع.
رمقه "نديم" بنظرة حانقة وقال بصوت مكتوم:
- الموضوع ده مش هايتحل إلا كده. انا فكرت له كتير وماوصلتش لحل غير ده.
- إزاي بس يا نديم.. أكيد في حل تاني.
- بقولك جدها جالي. وفي نفس اللحظة إللي كان عندي فيها كان باعت لها حفيده الجامعة. شوفت بنفسك بيحاولوا يرجعوها إزاي وبيلوا دراعي.. هي نفسها… أنا مش ضامن هاتفكر إزاي لو عرفت الحقيقة.. ممكن كل حاجة تتغيّر في لحظة.. وأنا ماعنديش أيّ نيّة أسيبها تشرد من دايرتي.
- مش هايحصل حاجة صدقني. انت مكبّر الموضوع. ويمكن لو عرفت ماتحبش تروح لأهلها أصلًا.. بس لو حصل وعملت إللي في دماغك وبعدين عرفت هاتكون انت السبب في وجعها. بلاش تبوّظ الدنيا. سيبها زي ما هي. اصبر لحد ما تحل العقد دي كلها.. لحد ما تتجوزها رسمي. صدقني يا نديم هو ده الصح… وأنت عارف إن ده الصح!
سكت "نديم" للحظات مطوّلة، اتكأ في مكانه، بصره سارح ناحية البحر، بينما كلمات "عمر" بدأت ترن في أذنيه، جزء منه يقاوم صحتها، وجزء آخر يدرك أنه لابد أن ينفذ خطته إن أراد حقًا ضمان "ليلى" إلى الأبد.
وقبل أن يحسم أمره إلى أيّ الجهتين سيميل، اهتز هاتفه على الطاولة، نظر للشاشة، فإذا باسم عمّه يضيئها.
ضيّق "نديم" عينيه وقام بهدوء قائلًا:
- ثواني وراجع!
ابتعد قليلاً، وفتح الخط:
- أيوه يا عمي!
أتى صوت "مهران" على الطرف الآخر جاد ومضغوط بشدة:
- زين نصر الدين لسا ماشي من عندي. كان جاي يهددني يا نديم تخيّل؟ قال لو ليلى ماظهرتش خلال يومين هايتصرف تصرف مايعجبناش!
شدّ "نديم" قبضته، صوت أنفاسه علا فجأة وهو يقول من بين أسنانه:
- وماله… يخبط دماغه في الحيط.. هو وأهله نفر نفر. محدش هايقرب من ليلى. ولا حد يقدر يلمسها طول ما أنا عايش.
- الواد ده مش سهل يا نديم ومركزه مقوّيه. انت ماشوفتش كان بيكلمني إزاي.. لو مش أدها ماكنش جده صدّره بالذات في وجود سليمان العمدة وطاهر.
اخشوشنت لهجة "نديم" وقد تحوّلت تعابير وجهه إلى علائم وحشية صِرف:
- خلّيه يجرب.. وعزة الله ما هايلحق يعمل حاجة.. أنا هاخلّيه هو وجدّه إللي يبوسوا إيدي عشان أخلّي ليلى عندي وعايشة تحت سقف بيتي طول عمرها.. ماتقلقش يا عمي. روح نام وأطمن.. ليلى مش هاتخرج من بيتنا!
وأنهى المكالمة، ورجع للطاولة، لكنه لم يجلس. وقف وراء "ليلى" هاتفًا بلهجة آمرة:
- يلا يا ليلى!
رفعت عينيها بدهشة نحوه، وابتسمت بخفة قائلة:
- على فين؟ العشا لسا ماجاش!
تدخل "عمر" مستغربًا:
- إيه يا نديم؟ مستعجل على إيه؟
أجاب "نديم" بصرامة وعينيه لم تترك "ليلى" لحظة:
- هانتعشّى في الجناح.. جاتلي مكالمة شغل مهمة ولازم أتابعها دلوقتي.
مدّ لها يدًا ثابتة وملحّة، نظرت "ليلى" ليده، ثم لعينيه، وفي صمت مدت يدها بخفة لتستقر براحته، فشدّها بقوة محسوبة، حرص ألا تتعثر، لكنه لم يتح لها التراجع.
سحبها من المكان بهدوء ومشوا في ممرات الفندق بخطى متسارعة، لم يتحدث، خطواته سريعة، مشدودة، وكفه قابض على يدها كأنما يخشى أن تتبدّد.
تتبعه "ليلى" في صمت، أنفاسها متقطعة، ونبضها يطرق أذنها بصخب، لم تنطق، لم تسأله أيّ شيء. حتى وصلا إلى الجناح.
فتح الباب بقوة، ثم أدخلها قبله وأغلقه خلفهما بإحكام، سكن كل شيء، حتى الهواء بدا ساكنًا، متوتّرًا كوتر مشدود على وشك أن ينفجر.
استدارت "ليلى" نحوه، وفتحت فمها لتسأله، لكن نظراته سبقتها. وفجأة رفع يديه ممسكًا وجهها بين كفيه، نظر في عينيها نظرة طويلة، لا تُفهم، لا تُفسّر، ثم همس بصوت أجش، خفيض، مخنوق:
- ماينفعش أستنى أكتر من كده!
ثم دنى بلحظة، واجتاح فمها بقبلة جائعة، بشغف انفجر بعد كبح طويل. وما كان ليقطع قبلته لولا أن شعر بحاجتها للتنفس، شهقت "ليلى" باضطرابٍ شديد، تراجعت خطوة، وهي تلهث متمتمة:
- نديم… في إيه؟
” جاوبها وقد تغيرت نبرته، صارت أكثر خشونة، أكثر رغبة وهو يقول:
- في إني عايزك… عايز مراتي.. خلاص زهقت وأنا شايفك كل يوم قدامي ومش قادر أطولك.. الليلة دي هاحسم القصة دي يا ليلى.. مافيش حاجة ممكن تبعدك عني.
اقترب منها من جديد، دون أن يترك لها فرصة للتراجع أو التفكير، لف يده على خصرها وسحبها إليه. لم تهرب ولم تحاول، كانت تريده كما يريدها، لكن قلبها كان يخبط كطبل صغير في صدرها، هناك أمر غريب، لم يكن هو "نديم" الذي تعرفه!
همس قرب أذنها، وشفتاه تمرّان على عنقها بقبلات رطبة:
- أنا مش بخوفك.. بس أنا صبري نفد.. سيبي لي نفسك يا ليلى.
لم تكن تعرف ما الذي يخيفها! هو؟ نفسها؟ اللحظة؟ التيه؟
حاولت التراجع، همست وهي تضع يدها المرتجفة على صدره:
- طيب استنى… دقيقة واحدة.. أنا.. أصبر بس...
لكنه لم ينصت، ولم تخف قبضته عليها ولو قليلًا، قبّلها من جديد ويداه تزيحان عنها ملابسها قطعة قطعة، وكأنه لا يريد أن ييترك بينها وبين جسده حائلًا. ثم رفعها بين ذراعيه، ومشى بها نحو الفراش، أنزلها بحذر، لكن سرعته كانت تخونه، لم يكن متزنًا كعادته، كان كمن يحاول الإمساك بشيء يتسرّب من بين أصابعه.
تجرّد من ثيابه وتسلل فوقها يحدّق في عينيها، ثم قال بهمس غليظ:
- اثبتي وخليكي هادية.. الموضوع بسيط. اسمعي الكلام.. انا مش هآذيكي.. أنا عارف بعمل إيه.
شهقت "ليلى" حين شعرت بجسده يثقل فوقها، يقيّدها. حاولت أن تتنفس، لكن أنفاسها تعثرت، فهمست بتلعثمٍ:
- نديم.. ده.. انت..
لكن الكلمات خرجت بلا صوت تقريبًا. لحظة. فلحظة أخرى. ثم شعرت بالألم. ألم اخترقها كالسيف. كتمت صرخة حادة وهي تعضّ شفتها السفلى بقوة، ودمعة ساخنة انسلت من زاوية عينها، بينما الألم في تواصل، مستمر. أمسكت بذراعه بقوة، كأنها تستنجد بثباته، تناشده أن يتوقف. لكن "نديم" لم يتوقف، همس لها من بين أنفاسه:
- أنا آسف… استحملي.. أنا معاكي... أنا بحبك يا ليلى.. بحبك!
كان صوته يهمس، وشفاهه تمر على جبينها، وعنقها، يحاول أن يهدّئها. لكن الألم كان أقوى من كلماته، وكانت تبكي في صمت، تصدر منها أنات قصيرة، متقطعة، لا تُشبه تلك التي انتزعها منها برضا وانتشاء نهار اليوم وليلة الأمس. ماذا حدث؟ لماذا؟
وبعد وقت خالته دهرًا. رفع رأسه، نظر في وجهها، كانت عيناها مفتوحتين، لكنها لا تنظران إليه. همس لها من جديد:
- ليلى!
نظرت إليه الآن، عيناها ملؤهما الدموع، لم تُجبه، فقط نشيجها علا بصدرها دون بكاء.
زفر "نديم" مطوّلًا وتمدد بجانبها، ضمّها إلى صدره بحنان، جسدها باردًا رغم دفء حضنه. وارتعشت وهي تسمعه يقول بخفوتٍ:
- بحبك… ماكنتش عايز أوجعك… أنا آسف!
همسها الوحيد، جاء بعد دقائق طويلة:
- أنا كمان بحبك!