تحميل رواية «هيبة» PDF
بقلم مريم محمد غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تتأمل انعكاسها بذهول، كأنها ترى نفسها لأول مرة. انسدلت خصيلاتها الجديدة على كتفيها بنعومة، تتراقص تحت الضوء بلونها الأشقر الذي أضفى على ملامحها وهجًا دافئًا. مرّرت أناملها على شعرها برفقٍ، تتحسس نعومته المعهودة بلا تموّجات، ثم أمالت رأسها قليلًا تتفحص زوايا التغيير، تراقب كيف يعكس الضوء لمعان اللون الجديد المدمج بلون شعرها الكستنائي الأصلي. "إيه رأيك أنسة ليلى؟ زي ما كنتي عايزة؟" التفتت "ليلى" صوب خبير التجميل الأشهر بالمدينة، ابتسمت له قائلة: "انت بتهزر يا ريكو؟ ده تحفة. الهايلايت طلع فكرة تجنن...
رواية هيبة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مريم محمد غريب
الصمت يلفّ الغرفة منذ مدة طويلة.
جلست "راندا منصور" على طرف سريرها، ظهرها منحنٍ كمن يحمل على كتفيه عُمراً من الخيبة. مرّ يومان منذ أن غادرت بيت الزوجية عائدةً إلى بيت أبيها. يومان من الانتظار العقيم، من الترقب الموجع، من التمسك بالأمل المبتور.
نظرت إلى هاتفها المستلقي على المنضدة الصغيرة بجوارها، شاشته ساكنة، لم تضاء أبدًا طيلة هذا الوقت. لم يتصل، لم يبعث برسالة. إنه حتى عندما لفظت كلمة الطلاق أمامه، لم يهتز، تركها ترحل ببساطة وكأنه كان يتمنى أن تطالبه بها بلسانها.
"هو عمره حبّني أصلاً؟"
السؤال تردد في رأسها عشرات المرات كصدى لا ينتهي. تغور عيناها في الفراغ، ويعود كل شيء إلى بدايته، حيث اللقاء الأول، حيث الإعجاب الذي انقلب إعصارًا اجتاحها دون رحمة.
"نديم الراعي".. رجلٌ صُنِع من هيّبة وغموض. تقدّم لخطبتها وكان الجميع يعرف السبب، كما كانت هي تعرف. لم تكن مغفّلة، كانت صفقة مثالية لرجل مثله، العائلة، المال، الاسم، والمظهر. لكنها ورغم وعيها، أعجبت به. سحرها حضوره، لفتها صمته، شدّها جبروته الهادئ.
وفي بادئ الزواج، لم يكن عاشقًا، لكنه لم يكن بادرًا كذلك. كان يؤدي دوره بكفاءة.
وفي الفراش، لأول مرة في حياتها، شعرت بأنها امرأة حقًا. كانت نظراته، لمساته، أنفاسه، كلها تقول ما لم يقله لسانه قط. كان يقترب منها بحسم ورغبة، وكانت تسلّمه نفسها لا لأنها زوجته، بل لأنها أرادت أن تكون له، كلها، بكل شغفها، بكل انكساراتها السابقة. معه كانت تنسى من تكون، تتركه ينزع عنها أثقال الأسماء والألقاب، ويُعيد تشكيلها من أنوثتها الخالصة.
لكن ذلك لم يدم. مرّت الأشهر، وبدأت تلاحظ التحوّل. صمته أصبح أقسى، قربه تضاءل حتى تلاشى. أصبح يتجنبها في الليل، يتحجج بالتعب، بالعمل، بأيّ شيء كي لا يلامسها، كأنها أذى يخشى أن يقترب منه.
سألته مرة، مرتين، ثلاث… هل هناك أخرى؟
أنكر في كل مرة. كان صامتًا كجدار صلد وبارد، ثابتًا كتمثال لا يعبأ بعواصفها.
ومع كل رفض كانت تتآكل. إنها ليست قبيحة، ليست معدمة، ليست بلهاء. وليست أقل من نساءٍ يسعين خلفه حتى بعد زواجه. فلماذا؟ لماذا يتهرّب منه؟ لماذا ينبذها هكذا؟
لم تجد جوابًا، ولا تفسيرًا، ولا حتى شفقة منه.
عيناها امتلأتا بالدموع، ثم سالت بصمت، تتدحرج على وجنتيها كأنها تعرف طريقها مسبقًا. وانفجرت أخيرًا. شهقاتها مرتجفة، تصاعدت حتى صار بكاؤها نحيبًا حارًا يخترق السكون ويهز الجدران من الداخل. ضمّت جسدها بذراعيها، كأنها تحاول أن تحتوي نفسها الجريحة. لم تكن تبكي "نديم" الآن، كانت تبكي إحساسها بالرفض، تبكي السؤال المُرّ الذي لم تجد له إجابة: "ما الذي ينقصني؟"
طرقاتٌ خفيفة على الباب كسرت صمت الغرفة. لم تجب، كفكفت دموعها بسرعة، بينما تناهى إليها صوت والدها دافئًا كعادته وهو يناديها بهدوء:
"يا راندا.. ممكن أدخل؟"
لم تُجِب أيضًا. فانفتح الباب ليدخل "منصور". لم يكن بحاجة إلى إذن، فهذه ابنته الكبرى، والأقرب لقلبه بعد وفاة والدتها. وقف لحظة عند الباب، يتأمل المشهد، ابنته كما هي منذ يومين، بنفس الملامح المتيبسة، والعينين المحمرتين من السهر والبكاء.
اقترب منها وجلس إلى جوارها على حافة السرير، مدّ يده رابتًا على ظهرها بخفة، ثم قال بابتسامة صغيرة يطغى عليها القلق:
"مالك يا حبيبتي؟ من ساعة ما جيتي حابسة نفسك في أوضتك ليه؟ وليه زعلانة أوي كده؟"
هزّت رأسها بصمت دون أن تنظر إليه، أشاحت بوجهها كأنها تخاف أن يرى في ملامحها ما عجزت عن شرحه بالكلمات، فتابع:
"مش عايزة تتكلمي؟ طيب أنا هافضل قاعد كده. مش متحرك من مكاني إلا لما تفهميني مالك!"
ابتلعت "راندا" غصّتها، ثم تمتمت بصوت واهن:
"مافيش حاجة يا بابا… بس تعبانة شوية."
"إيه إللي تاعبك يا راندا؟ أو مين إللي تاعبك؟"
كان يعرف الجواب، لكنها محاولة أبوية لانتزاع اعترافٍ يفتح لها باب البوح.
قاومت "راندا" إلحاحه بضعف:
"بلاش يا بابا. بلاش تضغط عليا أرجوك."
"ليه؟ مش من حقي أعرف بنتي مالها؟ ولا أنا ماليش لازمة دلوقتي؟"
صمتت. امتدت لحظات الصمت بينهما، حتى كادت تخنقها، ثم قطعها صوته بنبرة أكثر حدة، ناقمة:
"هو إللي وصلك للحالة دي صح؟ نديم هو السبب يا راندا؟"
رفعت عينيها إليه بسرعة، كأنها خافت أن يكمل، لكنه أكمل بغلظة:
"الراجل ده أنا من أول يوم ماكنتش موافق عليه. مش عشان أي حاجة غير إني كنت واثق إنه مابيحبكيش ولا حتى شوفت في عينه النيّة لكده.. انتي إللي أجبرتيني أوافق عليه. كنت ساكت. ساكت على حاجات كتير. ساكت عشان خاطرك. عشان كنتي شايفاه راجل أحلامك وكنتي متعلّقة بيه حتى من قبل ما يتجوزك.. بس أنا ماقدرش أسكت لما أشوفك بتنهاري كده قدامي!!"
كان صوته يزداد غلظة، وكل كلمة منه تغرز في صدرها كالخناجر، وكأنها تعيش الانكسار مرتين: مرة بسبب "نديم".. ومرة بانكشافها أمام والدها. تدفق بكاؤها فجأة، أغزر من ذي قبل، وعلا صوت نحيبها كأن حروف أبيها مزّقت آخر سدود كتمانها.
جذبها "منصور" إليه بحنوّ، واحتواها بين ذراعيه قائلًا بجمود يماقض لمسته اللطيفة:
"بصيلي… بصّيلي يا راندا.. إللي يزعلك بالشكل ده. إللي يكسر قلبك ويخليكي تبكي بالطريقة دي. مايستاهلكيش.. ده مش الراجل إللي كنتي بتتمنيه. ده مايتقالش عليه زوج.. ده خسارة حتى إنك تفكري فيه."
تمسكت "راندا" بقميصه كأنها تغرق، ثم قالت بصوت متهدج، يملؤه القهر:
"بس أنا.. أنا بحبه.. أنا بحبه يا بابا!"
سكت. قلبه يعتصره، تنهد ببطء، وعيناه إلى الأرض، كأنها طعنته حيث لا حماية. لم يعلّق فورًا، كان يبحث عن شيء يقوله، شيء لا يُشبه الحقيقة التي قالتها. ثم قال بصوت خافت:
"أنا عارف إنك بتحبيه.. وده اللي كاسرني أكتر. بس أنا مش هاسيبك كده يا بنتي.. أنا هاعمل إللي أقدر عليه. كل إللي أقدر عليه.. عشان أشيل الحزن ده من جوّاكي. ونديم ده. أقسم بالله لأخليه يعرف قيمتك غصب عنه.. أصبري بس."
قبّل جبينها وهو يضمها، كأنه يحاول أن يمسح كل وجع تشعر به.
لحظة صمت أخرى. ثم رنّ الهاتف.
قفز قلبها والتفتت نحوه بعنف، كأن كل كيانها صار أذنًا تترقب الاسم، لكن خاب أملها مجددًا. كانت "مشيرة" التي تتصل.
انطفأت شرارة الأمل التي اشتعلت للحظة في عينيها، بينما ألقى والدها نظرة على اسم المتصل، ثم ابتسم لها، ربت على كتفها برقة وقال:
"أنا هاسيبك دلوقتي يا حبيبتي.. هانزل في مشوار وراجع بالليل. هانتعشى سوا انا وانتي وعمتك.. اتفقنا؟"
أومأت له بإيجاب. نهض ببطء، ألقى عليها نظرة أخيرة، ثم خرج مغلقًا الباب وراءه في صمت.
حدّقت في شاشة الهاتف لثوانٍ، مترددة بين الرفض والقبول، ثم ضغطت على زر الإجابة، سحبت أنفاسها في صمت تغطي على آلامها وردت:
"ألو!"
جاءها صوت "مشيرة" المألوف، مفعمًا بالحياة كعادته:
"رانّود.. يا حبيبتي عاملة إيه وحشتيني أوي."
أجابت "رندا بصوت خافت بلا روح:
"أنا كويسة. انتي وحشتني أكتر يا مشيرة.. أزيك وأزيكوا كلكوا؟"
"إحنا كلنا بخير الحملله. طمنيني عليكي انتي… عاملة إيه؟ وإيه إللي مقعدك ده كله عند باباكي؟ مش هاترجعي بيتك بقى؟"
"لأ مش راجعة اليومين دول.. بابا وحشني أوي ف حابة أقعد معاه شوية. كمان عمتي زهقت من القاعدة لوحدها ومبسوطة إني رجعت."
"طب ناوية ترجعي امتى؟"
"مش عارفة.. لما أقرر هاكلمك وأقولك."
صمتت "مشيرة" لحظة، ثم عادت بسؤال يبدو عابرًا، لكنه لم يكن كذلك البتّة:
"بس إنتي ليه ما سافرتيش الغردقة مع نديم؟"
بلعت "راندا" غصتها، شعرت بالمرارة تسري في حلقها مثل سم بطيء. حاولت الحفاظ على تماسكها، وردّت بصوت هادئ:
"ماقدرتش أسافر.. وقلت لك بابا كان واحشني."
ضحكت "مشيرة" بخفة، تظن "راندا" بأنها لم تلتقط ما وراء الكلمات، ثم قالت بلهجة تطوي خبثها الأفعواني:
"بس غريبة.. يعني إزاي ليلى هي إللي سافرت معاه… وإنتي لأ!"
تجمّدت ملامح "راندا" في هذه اللحظة. لسانها انعقد للحظة، كأنها ضُربت في مقتل، ثم قالت أخيرًا وقد خرج صوتها هامسًا، مرتجفًا:
"ليلى… سافرت مع نديم؟"
ردّت "مشيرة" ببساطة، تعلم يقينًا بأنها قد فتحت باب الجحيم للتو:
"أيوة.. انتي ماتعرفيش؟ ده نديم هو إللي عرض عليها كمان وأخدها بطيارة خاصة وسافروا في نفس اليوم إللي مشيتي فيه."
لم ترد "راندا". عيناها اتسعتا ببطء، وامتلأتا بغضب صامت، مزيج مرعب من الذهول، والاشمئزاز، والانكسار. الهواء صار ثقيلًا، والضوء باهتًا، والعالم كله انكمش في لحظة واحدة إلى اسم "ليلى". "ليلى"!!!
الشكوك التي طالما راودتها… صارت حقيقة. تلك النظرات المراوغة، ضحكات خافتة في غير محلها، كلمات مبهمة لا تُقال على الملأ.. كلها عادت الآن، تتجمع كقطع زجاج تنغرز في صدرها.
لم تنطق بكلمة أخرى. حتى حين أتى صوت "مشيرة" متسائلًا بقلق:
"راندا؟… انتي كويسة؟"
لكن الخط انقطع. قطعته "راندا".
مسحت دمعة قد فرّت من عينها بغتة، بينما بداخلها، قرار قد حسم. لن تبكِ هذه المرة. لن تنهار. فهذا وقت الفعل، ولتؤجل إنهيارها، حتى تقطع الشك باليقين.
***
في اليومين الماضيين.. كانت "ليلى" أشبه بشخصٍ يسير في الضباب. لا يدرك تمامًا إن كان يحيا في الحلم أم في يقظةٍ مائعة الحدود. شيءٌ ما فيها قد تغيّر، لم يكن الألم، ولا الندم، ولا حتى تلك الغصّة العابرة في الحلق. بل ذلك الإحساس العميق، الهادئ، بأنها لم تعد كما كانت.
هناك شعور لا تستطيع تحديده بدقة. للمرة الأولى في حياتها، سلّمت قلبها وجسدها لـ"نديم". الليلة التي أخذ فيها عذريتها لم تكن عابرة، ولم تكن مجرد لحظة شهوة، كانت نقطة فاصلة، نقلتها من ضفة إلى أخرى، حملتها من كونها فتاة.. إلى امرأة تعرف تمامًا لمن تنتمي.
رغم وجعها، رغم ذلك الألم العنيف الذي قاومته بابتسامة خجولة وصمت مطبق، لم تكن حزينة لخسارتها غير المحددة. بل كانت مشغولة به، يلهيها اعتناؤه الدقيق به. لقد حممها بيديه، جلس معها في الماء الدافئ، أسندها إلى صدره، يهمس لها بكلمات لم تسمع مثلها من قبل. مسح عن جسدها آثاره وآثار خوفها كما لو أنه يغسلها من حياتها القديمة، لتستقبل حياتها الجديدة معه. قبّل جبينها أكثر مما قبّل شفتيها وهمس:
"أنا آسف… أنا آسف يا ليلى…ماكنتش عايزك تتوجعي… سامحيني."
قالها مرات كثيرة، رغم أنها لم تُظهر له ألمًا، رغم أنها لم تشتكِ، رغم أنها ابتسمت له، وغمغمت بصوت واهن:
"أنا كويسة… بجد!"
ومنذ تلك الليلة، لم يلمسها، لم يحاول الاقتراب منها مرةً ثانية. إنما قال لها بصدق لم تعهده في رجل غيره:
"خدي وقتك… ارتاحي."
وهكذا قضت وقتها بين ذراعيه، دون خوف، لكن شيئًا فيه لم يكن مستقرًا، كان حاضرًا جسديًا، غائبًا بنظراته أحيانًا. قاسيًا بلا سبب في لحظات، كأن شيئًا داخله يتخبّطه.
أطلّ عليهما نهارٌ جديد، وأصرّ "نديم" على الخروج من الجناح، من العزلة، من حرارة الذكرى. بعد الإفطار أخذها إلى الشاطئ، هناك في الهواء الطلق المشبّع برائحة البحر المسكرة، حيث تتنفس السماء بسعادة، بدأت "ليلى" تسترخي، تتخلّى عن توترها قليلًا.
الرمل أسفل قدميها ناعم، والشمس خفيفة، والماء يلمع كالألماس على مدّ البصر. جلست على الكرسي الخشبي الممدد، ورأته هو يجلس بصمتٍ إلى جوارها. تنظر هي للبحر وتتأمله، بينما ينظر هو إليها.
كانت جميلة، جميلة حدّ الذهول، وهي ترتدي فستانًا من الشيفون الأبيض، رقيقًا كأن جسدها يتنفس من خلاله، مفتوح عند الكتفين، بأزرار صغيرة ذهبية تمتد حتى خصرها، مع قبعة قشّ مائلة تغطي جزءًا من شعرها المتروك بنعومة على ظهرها. حول عنقها قلادة بسيطة، ذهبية تحمل حروف أسمها بالعربية، وعلى معصمها سوار من لؤلؤ ناعم، يُكمل ملامح أنوثتها الجديدة التي باتت تلمع في عينيه أكثر من أيّ وقتٍ مضى.
نظر إليها بتأمل عميق، إنها الآن له، تمامًا، لقد حصل عليها. مرّت في رأسه صور من الليلة الوحيدة التي جمعتهما. نظرة عينيها لحظة أن امتلكها، صوتها المرتبك، أنفاسها حين اختلطت بأنفاسه. كيف ارتجفت يداها في البداية وتشبثت به بخوف، ثم كيف استسلمت له كأنها تنتظره منذ عمر. كيف أغلق عليها ذراعيه بعد كل شيء، وهمس لها:
"أنا مش هاسيبك.. مهما حصل."
تلك الليلة محفورة في جسده، في ذاكرته، رغم إنها لم تكن مثالية، لكنها لحظات لا يقايضها بشيء في العالم.
وفجأة التفتت "ليلى" عندما شعرت بنظراته تخترقها. نظرت إليه مباشرة، رمقته بابتسامة خجلى وقالت بنعومة:
"بتبصلي كده ليه؟"
ابتسم "نديم" وقال بصوت خفيض:
"بحاول أصدق إنك بقيتي ملكي.. لحد دلوقتي حاسس إني بحلم. وخايف أصحى."
صمتت واكتفت بابتسامة صغيرة، فأردف وهو يرمقها بنظرة عميقة:
"ليلى.. البنت الصغيرة إللي جت تعيش في بيتي من وهي 3سنين.. كنت بشيلك على كتفي. وكنتي بتنامي في حضني. كنت بذاكرلك. بسرحلك شعرك.. بأكلك وأشربك وألاعبك.. ساعات كنت أوصلك المدرسة وأرجعك. أنا حبيتك إمتى وإزاي.. ماعرفش.. بس إللي متأكد منه إن حياتي ماينفعش تكمل إلا معاكي."
بدأت ابتسامتها المتسعة في التلاشي تدريجيًا، ثم قالت بهدوء:
"رغم فرحتي بكلامك وبكل حاجة جديدة حصلت بينّا.. بس أنا مش قادرة أنسى ولا أسامحك على إنك اتجوزت واحدة غيري وانت بتحبني. مش قادرة أتخيل إنك لمست واحدة بنفس الطريقة إللي لمستني بيها.. إنك كنت معاها زي ما كنت معايا.. الأفكار دي بتنهش في قلبي يا نديم... بتوجعني بجد!"
مد يده نحو يدها وأحكم قبضته عليها وهو يقول بجدية:
"راندا كانت أكبر غلطة عملتها في حياتي يا ليلى.. أنا كنت معاها بجسمي. بس قلبي كان معاكي انتي. ومن أول لحظة بقيتي فيها ليا بقيت ليكي إنتي كمان. بقلبي وجسمي وكل كياني.. أنا بوعدك تاني.. عنيا مش هتشوف واحدة غيرك. ولا إيدي هاتلمس ست غيرك.. وعد."
علت ابتسامتها متأثرة بكلماته، ليرد لها الابتسامة ويداعب ظهر يدها بإبهامه، ثم يسمعها تقول فجأة:
"أنا نفسي أوي أنزل البحر معاك.. عمرنا ما جربنا. رغم إننا صيفنا كتير بس ماكنتش بترضى إني أنزل البحر أصلًا!"
وعبست كطفلة ضاعت منها لعبتها. ضحك "نديم" بخفة، ثم رد بحزم إلا إن صوته احتفظ بدفئه في آنٍ:
"ولا هارضى إنك تنزلي دلوقتي يا حبيبتي.. انسي قصة نزول البحر دي خالص."
نظرت له بصدمة قائلة:
"ليه يا نديم؟ أومال انت جايبني هنا ليه؟?"
أجابها بهدوء حاسم:
"جايبك عشان نغير جو ونكون على راحتنا.. نتبسط. مش عشان ألبسك مايوه وأنزلك البحر وإللي مايشتري يتفرج.. كان ممكن يحصل لو واخدين شاليه بشاطئ خاص. بس إنتي إللي قولتيلي الأوتيل هنا حلو."
زفرت "ليلى" بإنزعاج أدارت وجهها بعيدًا عنه، فابتسم قائلًا بصبر:
"طيب خلاص.. ماتزعليش أوي كده.. انتي نفسك تنزلي المايه معايا صح؟ أي مايه؟"
عاودت النظر إليه فورًا وقالت:
"أي مايه إزاي يعني مش فاهمة!"
رد بهدوء بينما ملامحه تحمل لمحة مكر طفيفة:
"الروف بتاع الأوتيل عليه بول كبير.. لو شوفتيه هايعجبك أوي. زي ما انتي عارفة شركتنا إللي منفذة الفندق. وأنا عارف جودة شغلي."
سألته بريبة:
"يعني عايز تقول إيه؟"
قلب عينيه قائلًا بضجر:
"هكون عايز أقول إيه يعني؟ هاستأذن عمر يفضي الروف ونطلع أنا وإنتي.. تنزلي البول براحتك. ها.. إيه رأيك؟"
ليلى بامتعامض طفولي:
"البول مش زي البحر يا نديم!"
نديم بحدة:
"هو ده إللي عندي يا ليليى. مش عاجبك يبقى هاتفضلي قاعدة كده تتفرجي زي الشاطرة على البحر.. وممكن أسمح لك تدلدلي رجلك بس عليه."
زفرت بنفاذ صبر وقالت بغيظ:
"خلاص.. ماشي بول بول.. بس هالبس مايوه بيكيني."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة وقال:
"إلبسي إللي يعجبك يا روحي.. طالما أنا بس إللي هشوف.. براحتك."
أحمرّ وجهها وطأطأت رأسها في خجل، بينما ضحك بتسلية، وأستلّ هاتفه ليجري الاتصال بإبن خالته.
***
امتدت ساحة التدريب بقلب الصحراء محاطة بأسوار خرسانية، تفوح منها رائحة العرق والجهد والتصميم. الشمس تسطع بقوة، تصفع الجباه العارية ولا تجرؤ على زحزحة الرجل الواقف في منتصف الساحة.
الرائد الأشهر بالجهاز الأمني قاطبة. "زين نصر الدين" منذ بُكرة الصباح يقف هكذا بصلابة كأن الأرض نبتته. كان يرتدي الأفرول الرسمي بلونه الداكن، مشدود على عضلاته البارزة حفرتها السنين فوق جسده كأنها شواهد من صخر أسفل جلده. عيناه المتقدتان تدوران بين أفراد فريقه بلا رحمة، في حين كانت قطرات العرق تتسلل فوق صدغه ببطء كأنها تهاب السقوط.
يتقدم بين صفوفهم، لا يحمل سوطًا، لكنه لا يحتاج إليه؛ صوته كان السوط بذاته.
هتف فيهم بصوت جهور مهيب:
"شد حيلك.. أنا مش شايفك بتجري.. يلا.. عايز أشوف غبار رجلك!"
رفع يده وأشار لحلقات القتال بالأيدي، ثم التحق بهم، لم يكن مشرفًا فقط، بل مقاتلاً بينهم. ركض، سدد ضرباته، وقع وأعاد النهوض، شاركهم في كل حركة، فازدادوا حماسًا، فالقائد حين ينزل الميدان تُخلق الأسطورة.
وبعد ساعة كاملة، وقف "زين" في المنتصف، أنفاسه عميقة، عيناه ثابتتان على وجوههم المرهقة، ثم قال بنبرة أهدأ ولكن مشتعلة:
"مافيش فرقة تاني هاتبقى أقوى من فرقتي. طول ما أنا بخدم الفرقة دي لازم تبقى الأفضل في الجهاز كله. انتوا مش هنا بالحظ ولا بالواسطة. لأ.. كل واحد فيكوا هنا عشان عندكم حاجة مختلفة. وأنا مش هقبل بأقل من الكفاءة في كل حاجة. التدريب مش رفاهية، ده سلاحكم الحقيقي. وإللي يكسل.. يطلع برا. ماعنديش تهاون. المهمة إللي جاية حساسة جدًا. أنا لسا ماعنديش معلومات عن الشخص اللي هنأمنه. لكن التأمين هنا مش لمجرد شخص واحد وهي دي اللعبة. انتوا صفوة فرق الأمن الوطني.. والمرة دي الاختبار صعب. كل ثانية في التدريب ده بتفرق.. كل تفصيلة بتصنع الموقف.. ولو حد هنا فاكر إن التأمين مجرد وجود يبقى غلطان. إحنا بنمنع الموت قبل ما يحصل. بثانية واحدة!"
رفع أحد الأفراد يده وسأل بتردد:
"هو احنا هنأمن مين يا قائد؟"
رد "زين" بصرامة دون أن يلتفت:
"قلت لكوا لسا ماعنديش معلومة. ومش مهم مين. المهم تركزوا.. والباقي ييجي لوحده."
في تلك اللحظة، انقطع الهواء من حولهم للحظة قصيرة، حين دخل رئيس الجهاز الساحة. وقف الجميع منتبهين، و تحرّك "زين" نحوه بخطوات حاسمة. صافحه بقوة، بحرارة الرجولة والصداقة وقال:
"نورت الساحة يافندم."
ابتسم الرئيس وقال بنبرة إعجاب صريحة:
"دي منورة بيك انت يا زين. ما شاء الله بطل من يومك. أنا فخور بيك.. من ساعة ما دخلت الجهاز وإنت رافع اسمنا لفوق."
ضحك "زين" وقال:
"بحاول على قد ما أقدر. بس حضرتك ماجيتش إنهاردة لمجرد التفتيش.. صح؟"
رد الرئيس بعد أن خطف نظرة سريعة على الفريق:
"أكيد لأ. أنا جاي أبلغك شخصيًا بهوية الشخصية اللي هتأمنوها."
اقترب "زين" خطوة، نبرة صوته خفتت وهو يقول:
"مين يافندم؟"
أجاب الرئيس وعيناه تلمعان بشيء من الجدية:
"وزير الخارجية السابق.. والسفير المصري الحالي في الأمم المتحدة... عاصم البدري!"
***
صعدا معًا إلى الجناح. دخلت "ليلى" إلى الحمام وارتدت رداء السباحة ذي القطعتين، لونه أزرق داكن، مزيّن بحواف ذهبية رفيعة تلمع تحت الضوء، يكشف من جسدها أكثر ممّا يستر. ألقت فوق كتفيها روب استحمام أبيض، طويل، لا يُخفي التفاصيل بقدر ما يزيدها إثارة.
بينما كان نديم في الجهة الأخرى من الجناح، يرتدي سرواله الأسود القصير، يُبرز جسده الرياضي المتناسق، ويغطيه بروب مماثل، أضاف له وقارًا آسرًا.
خرجا معًا، صامتين، متشابكي لأيدي، المصعد حملهما حتى أعلى طوابق الفندق، حيث القمّة. وترف لا يُوصف، أرضيات خشبية داكنة، أرائك فاخرة، نباتات استوائية تحيط بالمكان، وبركة سباحة واسعة كأنها قطعة من السماء انسكبت على الأرض.
سارت "ليلى" أمامه بخطواتٍ خفيفة، تشع طفولة وفرح. توقفت عند حافة المسبح، نزعت الروب بحركة واحدة، كأنها تنزع عنها التردد والرهبة.
وقف "نديم" خلفها، يلتهم تفاصيلها بعينيه، ردائها يكشف منحنياتها بدقة فادحة، والضوء المنعكس على بشرتها جعلها تبدو كأنها خرجت من حلم مستحيل، صدرها يعلو ويهبط من الإثارة والحماس، وخصرها المنحوت ينساب حتى فخذيها برشاقة خُلقت لإغوائه وحده. فهو لم ولن يسمح لها بالظهور هكذا أمام أيّ رجل غيره.
إلتفتت له بنظرة عابرة، فارتبكت من شدة تركيزه عليها.
"مش هاتنزل معايا؟" قالتها بخجلٍ واضح.
أومأ وهو يقترب، نزع روبه وألقاه فوق أحد الكراسي القريبة، ثم قفز في المسبح بقوة جعلت الماء يرتجّ. بعد لحظات، برز رأسه من الماء، ومدّ يده نحوها قائلًا من بين أنفاسه:
"تعالي."
مدت له يدها هي الأخرى ونزلت على الدرج على مهلٍ، حتى غمرتها المياه، وحين استقرّت بين ذراعيه شهقت بخفة من البرودة.
ابتسم وهمس وهو يتأمل وجهها المضرج بحمرة طفيفة:
"مش كان أحسن لو فضلنا في الجناح؟ لو كنت شوفتك قبل ما تلبسي الروب ماكنتش سمحت لك تخرجي كده.. جبتي المايوه ده امتى؟"
تلعثمت وردّت بتوتر:
"جالي هدية!"
عبست ملامحه فجأة، واختفى لطفه كله بلحظة وهو يسألها بلهجة هادئة خطرة:
"نعم؟ هدية من مين؟"
أجابته باضطراب واضح:
"نوران.. جابتهولي في عيد ميلادي. أصلي كنت قلت لها إن نفسي يكون عندي مايوه بيكيني!"
هدأت نظراته تدريجيًا، لكن صوته ظل مشحونًا:
"آه.. نوران دي عمرها ما ريحتني والله… لو طلبت منك تقطعي معاها… هاتسمعي كلامي؟"
هزّت رأسها نافية.
فقال بإذعان ناعم، كأنه توقّع الرد:
"كنت عارف… ماشي."
ابتعد عنها قليلًا وبدأ يسبح بطول البركة برشاقة، تبعته "ليلى" حتى وصل إلى الحافة الخرسانية وفتح لها ذراعيه، جعلها أمامه، حاصرها بجسده، والماء يحيط بهما من كل الجهات.
بدأ يُقبّلها على كتفها العاري، ثم عنقها، بشفاهه الدافئة، وهمس بين كل قُبلة وأخرى:
"انتي لسا زعلانة مني؟"
تقطّعت أنفاسها، وقالت وهي تتمسّك بكتفيه:
"زعلانة من إيه؟ ليه بتقول كده؟"
"أنا مش غبي يا ليلى.. أكيد حاسس بيكي… زعلتي مني بسبب طريقتي معاكي..وعندك حق.ما راعتش إنها أول مرة ليكي… أنا آسف!"
"أنا.. مش زعلانة. بجد… مش… مش ده العادي؟"
توقّف عن تقبيلها، رفع عينيه ونظر لها مباشرة قائلًا:
"لأ… كان لازم أكون أرقّ من كده.. بس حسيت إن القدر معاندني… وخفت تضيعي مني.. ف ماكنتش شايف غير إني لازم أخدك بأي تمن."
نظرت له بدهشة، وسألته بصوتٍ منخفض:
"ليه فكرت كده؟ أنا طول عمري معاك… وليك.. عمري ما كنت ولا هكون لحد غيرك!"
كان يحدّق في عينيها، وكأن كل ما قيل لا يكفي، أحاط خصرها بيد، ووجهها باليد الأخرى، واقترب منها بهدوء مربك، حتى التصقت أنفاسه الساخنة ببشرتها المرتجفة.
ثم قبّلها.
قبلة طويلة، عميقة، جائعة، كل ما لم يُقال، كل ما لم أحسّه تجاهها الماضي والحاضر، تفجّر فيها. شفتيه تتحركان فوق شفتيها ببطءٍ أولاً، ثم بجنون، وهي بعد لحظة ارتباك قصيرة، ردّت عليه. ضمّته مطوّقة عنقه، وغاصت في القبلة كأنها تغرق فيه ولا تريد خلاصًا. الماء يحيط بهما، وداخل هذا الحنين المنصهر، كانت "ليلى" تذوب.
ضغط بشفتيه على شفتها السفلى، يسحبها بين شفتيه بخفة، ثم يتركها ببطء ليعود يقبّلها بالكامل. قبلة أعمق هذه المرة، ولم تكن مجرد قبلة عابرة، كان هو الأستاذ وهي التلميذة، كان يعلّمها وقد كانت نجيبة وفطنة. شفتيه تتداخلان مع شفتيها، وحرارة أنفاسه تلفح وجهها، تكاد تحرقه، بينما يسحب الهواء منها ويعطيها أنفاسه كأنها تنتمي إليها منذ الأزل، وهي تدفع وتستقبل قبلاته، تهمس بلذة خرساء داخل فمه.
وتتوالى القبلات حتى آلمتها شفتاها. واحدة طويلة، واحدة خاطفة، واحدة حائرة، وأخرى جائعة. مزيج من الشوق والعطش، من الماضي والآن، من كل شيء حرما منه.
إلى أن توقّف كلاهما عن التقبيل أخيرًا، ظلا قريبين، أنفاسهما متشابكة بحرارة، وجباههما تتلامس.
همس في أذنها بصوت منخفض دافئ، وقد التصق صدره بكتفها:
"تعالي يلا… عايز أعتذر لك عن أول مرة.. عايزك تنسي أول مرة أصلًا. المرة دي هاتكون بالطريقة الصح."
عضّت شفتها السفلى بخجل، وابتسمت له بعينيها قبل شفتاها، وكالعادة منحته ثقتها العمياء. تركته يقودها خارج الماء، يلفّ حول جسدها الرطب روب الاستحمام بعناية كما لو كان يغلف هدية ثمينة، جفّف وجهها براحة كفه، وبحركات هادئة لبس روبه هو الآخر، ثم أخذ يدها وسارا معًا نحو المصعد.
لم يتحدثا خلال الطريق، لكن الأعين كانت تبوح بكل شيء، وحين وصلا إلى جناحهما، ما إن انغلق الباب خلفهما، حتى تلاقت الشفاه من جديد.
قبلة طويلة، أعمق من سابقتها، فيها وله واشتياق، شبق متبادل تخطّى كل الحدود، وفيها ما لا تصفه الكلمات. كان يُقبّلها كما لو أنه يحاول محو كل ألمٍ قديم، كل لحظة مرت دونها، وكان يُقبلها كما لو أنها الهواء الوحيد الذي يتنفسه.
بدأت أصابعه تفكّ لها عُقدة الروب ببطء، يخلعه عنها برقة وكأنها وردة لا تحتمل اللمس، ثم خلع روبه هو الآخر، واقتادها إلى السرير الذي بدا لهما ملاذًا خاصًا، كأنهما وحدهما في هذا العالم، لا وجود لشيء سواهما.
راح يُغدقها بالقبلات، واحدة على خدّها، وأخرى على جبينها، ثم نزل بأنفاسه الدافئة إلى عنقها وما تلاه من كل شبر بجسدها. كانت تتنفس بصوتٍ متقطع، تتلوّن وجنتاها، وكل خلية فيها تنتفض تحت أنامله خلال الدقائق التالية.
كم تمنّت لو أن بإمكانها السيطرة على نفسها، ولكن معه، لم يكن هذا خيارٌ متاح، لم تسيطر مطلقًا حين انتزع منها وبسهولة ما لم تتخيّل بأنه يسكنها، تفجّرت أنوثتها بين ذراعيه كما لم تعرفها من قبل، لم تصدق، ولم تعد تفكر أو تركز على أيّ شيء سواه.
وحين عاد لشفتيها، كان قد احتواها بالكامل في حركة واحدة، اختلطت أنفاسهما، وتشابكت أعينهما، وتلاشى العالم من حولهما. لم يكن كأول مرة. كان أكثر رقة، أكثر احتواء، أكثر حباً.
همسات "ليلى" ارتفعت، وأصوات تنهداتها امتزجت بصوته الرجولي بنغمات لم تسمعها منه قبل الآن، كأنهما يكتبان معًا سيمفونية لا تُعزف إلا في الظلام، لا تُفهم إلا بالشعور.
مرّ الوقت. وهدأ كل شيء.
الآن هي مستلقية فوق صدره، منهكة، لكنها غارقة في سكينة تختبرها لأول مرة بحياتها. كان يُمرر يده في شعرها، يُقبّل جبينها، يلامس خدّها بشفاهه بين الحين والآخر، ويهمس بصوتٍ غارق في حبّها:
"إنتي حياتي كلها يا لولّا… أنا مستعد أموت عشانك!"
رفعت يدها بسرعة، وضغطت على وجهه براحة كفها المرتجفة وهي بجزع:
"بعد الشر عليك… أوعى تقول كده تاني يا نديم.. انت سامع؟"
ابتسم لها، ثم أدار وجهه ليلثم جبينها بقبلة حانية مطوّلة.
لكن لحظة الدفء تلك لم تكتمل.
صوت مفاجئ… مصدوم… آتٍ من ناحية باب الجناح الذي إنفتح في غفلةٍ منهما:
"نديـــم!"
رواية هيبة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مريم محمد غريب
صوتها شقّ السكون كالسكين، وارتجّت الغرفة، وتحوّل دفء اللحظة إلى صقيع أشيب.
وقفت "راندا" عند مدخل الجناح متجمّدة، أنفاسها لاهثة، وعيناها اتّسعت عن آخرهما تتدفق منهما نظرات مصدومة.
رأت "ليلى" في أحضان زوجها، في أحضان "نديم". عارية تمامًا، تنتفض وتغطّي جسدها المرتجف بملاءة السرير.
كذلك "نديم" عارٍ.. بلا غطاء.. بلا تبرير.
مرّت ثوانٍ كأنها دهور، الزمن توقّف. الهواء داخل الغرفة أصبح ثقيلًا، خانقًا.
نهض "نديم" وقام عن السرير دفعة واحدة وهو يرتدي سرواله الداخلي مسرعًا، وجهه فقد لونه، لكن عينيه ظلّتا على نفس القوة والقسوة المعهودة.
صاح بخشونة وهو يتقدم نحو "راندا" بخطوات ثابتة:
- إنتي إيه إللي جابك؟ ودخلتي هنا إزاي؟
إلا إن "راندا" لم تردّ، كانت عيناها مشدودتين نحو "ليلى" المكوّرة على نفسها، تمسك بالملاءة كأنها تتشبّث بطوق النجاة.
عاودت "راندا" النظر إلى "نديم" وصاحت بصوتٍ انفجر من حنجرتها كصراخ امرأة تحترق:
- ده إللي فارق معاك؟ إيه إللي جابني ودخلت إزاي؟ ومش هامّك القرف إللي شايفاه قدامي ده؟
واندفعت كالمجنونة ناحية السرير، وجهها يشتعل بالدم، ودموعها تترقرق رغم الغضب وهي تصيح بجنون:
- إنت والسافلة دي.. إنت وبنت عمّك.. انت وهي في سرير واحد عريانيــــن.
انكمشت "ليلى" أكثر مع اشتداد صراخ "راندا". تغرق وجهها في وسادة السرير، أصابعها ترتعش وهي تحاول أن تغطي جسدها كله بالملاءة الخفيفة.
بينما "نديم" يقف في وجه "راندا". جسده العاري لا يتزحزح، كل ما يعنيه الآن أن يمنعها من الاقتراب من "ليلى" والمساس بها.
مدّ ذراعه ومنعها من التقدم، ثم أمسكها من معصمها بقسوة.
- ماتجيبيش سيرتها على لسانك. إنتي سامعة؟
قالها بصوت منخفض لكنه مزلزل، وكأن كل حرف فيه يحمل وعيدًا.
صرخت "راندا" بينما دموعها تسيل بغضب هستيري:
- بتدافع عنها؟ بتدافع عن إللي نامت معاك وهي عارفة إنك متجوز؟ آه صح. أنا ليه مستغربة؟ من أول يوم عرفتك فيه وأنا شاكة إن في حاجة بينك وبينها… بس ماكنتش أتخيل الحقارة توصل بيك انت والوسـ×× د…
قبل أن تتم جملتها كانت الصفعة قد سبقتها.
رفع "نديم" يده وصفعها صفعة صاخبة، ارتدّ لها وجهها، وتجمّدت في مكانها، تلهث وتبكي بصوت مكتوم.
- قلت لك. وحذّرتك. ماتجيبيش سيرتها على لسانك!
ثم أضاف بصوتٍ أشدّ حسمًا، كأنما يرمي عليها قنبلة مدمّرة:
- ليلى مراتي. سامعة يا راندا؟ مراتـي. وإنتي… هاتبقي طليقتي قريب جدًا.
شهقت "راندا" وقد تراجعت خطوة، تحملق فيه بقوة محاولة تصديق ما سمعت.
ورددت:
- انت.. اتجوزتها؟ اتجوزت عليا يا نديم؟
أطلق "نديم" ضحكة فجّة، ثم اقترب منها خطوة بخطوة، نظر في عينيها، وقال بصوتٍ يخلو من أيّ ذرة شفقة:
- ما اسمهاش اتجوزت عليكي. اسمها إني اتغابيت لما اتجوزتك وأنا قلبي مع واحدة تانية. انتي خدتي مكانها.. وأنا رجّعته ليها. ليلى مش بس مراتي… ليلى حبيبتي. الوحيدة إللي قلبي حبها.
لم تستطع "راندا" أن تنطق بحرف، وجهها مزيجًا من الذهول والانكسار، ودموعها تسيل بلا تحفظ.
لكنه لم ينتظر ولم تأخذه بها شفقة حتى، أمسكها من ذراعها دفعها نحو باب الجناح وفتحه وهو يدفعها للخارج، ثم قال بتحذير حاد:
- تمشي حالًا.. ترجعي بيت أبوكي. ومن هنا ورايح اسم ليلى مايطلعش من بؤك. ولا حتى بينك وبين نفسك. فاهمة؟ لو عايزة إللي بينّا يخلص باحترام.. اسكتي. وأنا هانسى اللقطة إللي عملتيها إنهاردة. اوعي تنسي أنا قلت لك إيه. إنتي عارفاني… مابهزرش!
ثم أغلق الباب خلفها بإحكام.
استدار وهو يتنفس بصعوبة، كأن جسده كله يئن من التوتر والانفجار الذي دوى منذ دقائق.
عاد إلى الداخل ونظر نحو السرير، لا زالت "ليلى" مكوّرة على نفسها، صوت بكائها مكبوت في الوسادة، تنهار بصمت، لكن جسدها كله يهتز.
اقترب منها بسرعة، جلس على طرف السرير، سحبها لحضنه رغم ارتجافها، ضمّها لصدره، يداه تغطي جسدها وشفتيه تهمسان قرب أذنها:
- ليلى… ليلى حبيبتي.. في إيه مالك؟ ماحصلش حاجة.. بس اهدي. أنا معاكي. أنا جنبك… مافيش حاجة ممكن تحصلك وأنا موجود. مستحيل اسمح لحد يلمسك.
تعلّقت "ليلى" بعنقه رافعة رأسها لتنظر إليه، لفحت أنفاسها المرتعشة ذقنه وهي تقول من بين دموعها:
- هو إللي إحنا عملناه ده غلط يا نديم؟
قطب حاجبيه بشدة قائلًا بصوت أجش:
- هو إيه ده إللي غلط؟ لأ طبعًا.. إنتي مراتي يا ليلى. وإللي عملناه ده حقنا. تفتكري لو كانت راندا مكانك كانت ممكن تقول زيك كده؟
اوعي تفكري كده تاني. مافيش حاجة غلط حصلت بينّا.. بالعكس. ده كان لازم يحصل من بدري. إنتي إللي كنتي لازم تبقي مراتي من الأول مش هي.
واصلت النظر إليه وقالت بضعف كبير:
- أنا خايفة!
- من إيه؟
هزت رأسها مرددة بصوت يخنقه النشيج:
- من كل حاجة.. من كل حاجة يا نديم!
زفر "نديم" مطوّلًا وضمّها إليه بقوة، مسح على رأسها بحنو وقال بهدوء:
- ماتخافيش يا ليلى.. طول ما إنتي في حضني ماتخافيش.. وعمرك ما هاتبعدي عن حضني يوم واحد.. ماتخافيش يا حبيبتي!
نزلت "راندا" درجات السلم واحدةً تلو الأخرى، بخطوات مرتعشة، وكأنها تفرّ من انهيارٍ أكبر ينتظرها إن استمرّت واقفة أمام الجناح الذي شهد لحظات الخزي والخيانة.
آثرت الهبوط على المصعد، ربّما لتهرب من إحساسها بالاختناق، أو لتجد في الحركة فرصة لالتقاط أنفاسها التي تسارعت كأنها تهرول داخلها دون وجهة.
كان شعرها مبلولاً بعرقٍ باردٍ التصق بجبهتها، وكحل عينيها قد سال بفعل الدموع، فترك على وجهها أثر امرأة اصطدم قلبها بجدار الحقيقة الأليمة فجأة.
نظراتها شاردة، كأنها لا ترى الدرجات التي تهبطها، بل تهوى داخل نفسها، داخل لحظة واحدة حطّمت فيها كل تصوّرها عن الحب والأمان.
وفي أسفل الدرج، كان “عمر البدري” ينتظر، جالسًا على إحدى الدرجات، كتفاه منحنيتان قليلًا، ووجهه شارد، لكنه ما إن لمحها حتى نهض على الفور، وكأن شيئًا صفعه على وجهه.
حدّق فيها. ذُهل.
تجمّدت عيناه عليها، لم يتوقّع هذا المشهد، بل لم يكن مستعدًا لأن يرى "راندا منصور" أيقونة الأنوثة والكبرياء بهذا الشكل.
الوجه الذي رآه قبل دقائق كان مشدودًا واثقًا، متماسكًا بقوةٍ حتى وإن كانت متكلّفة، لكنه قد تحوّل الآن إلى وجهٍ آخر.
وجه مكسور، متّسع العينين، تائه، وجه امرأة خرجت من قلب عاصفة لا تزال تُمزّق بقاياها.
في تلك اللحظة.. عاد ذهنه إلى الوراء.
قبل نصف ساعة تقريبًا.
وصلت "راندا" إلى فندق "عمر البدري" ابن خالة زوجها متبعة فتنة "مشيرة" التي أفشت لها تفاصيل رحلة "نديم" و"ليلى".
كانت ترتدي بذلة أنيقة بلون عاجي، شعرها مرفوع بعناية كعادتها، وملامحها مرسومة بإتقان بالقليل من مساحيق التجميل، في المجمل بدت هادئة لكن عيناها وحدهما كشفتا كل شيء.
شرودٌ، توتر، وهزيمة لا تزال تقاومها، حتى الآن.
مرّت مسرعةً عبر ردهة الفندق الفاخرة، حتى بلغت مكتب الاستقبال، وضعت حقيبتها الصغيرة على الكاونتر، وقالت دون تمهيد بلهجتها الأرستقراطية الفطرية:
- s'il te plait. عايزة أعرف رقم غرفة نديم الراعي!
رفعت الموظفة عينيها نحوها، وردّت بلطف مهني:
- حضرتك تقربيه؟
أخرجت "راندا" ورقة مطويّة من حقيبتها، فردّتها على سطح المكتب قائلة بحزم:
- أنا مراته.. ودي قسيمة الجواز.
توقّفت الموظفة للحظة، قرأت الوثيقة سريعًا، ثم ابتسمت بحذر قائلة:
- لحظات يا فندم!
ثم انسحبت إلى غرفة جانبية.
في تلك اللحظة، ظهر "عمر البدري" عرضيًا بالجوار، كان يحمل كوب قهوة بيده ويتجه للخارج عيناه تائهتان بين الوجوه.. حتى وقعتا على "راندا".
تجمّز.
الزمن توقف للحظةٍ بالنسبة له، ثم سرعان ما بدّل تعبيره، وأخفى صدمته بابتسامة متفاجئة وهو يقترب منها هاتفًا:
- معقول راندا! إيه المفاجأة دي؟
استدارت إليه، نظرت إليه كأنها بالكاد تراه، ثم ابتسمت مجاملة وقالت:
- هاي ياعمر.. إزيك!
هز "عمر" رأسه قائلًا بذات الابتسامة:
- ازيك إنتي؟ جاية لوحدك ولا إيه؟
- آه. جاية لنديم.. هو في أوضته؟ ولا خرج؟
ارتبك "عمر" لوهلة، نظر حوله، ثم ردّ وهو يحاول أن يهدّئ من ارتباكه:
- ماعرفش بصراحة. بس ما تيجي نشرب حاجة. وترتاحي شوية من السفر.. وأنا أكلمه أشوفه فين؟
عادت الموظفة الآن وهي تحمل بطاقة المفتاح الاحتياطي، دفعته إلى "راندا" قائلة بابتسامة:
- اتفضلي يافندم.. نسخة من مفتاح الجناح.
مدّت "راندا" يدها وأخذت البطاقة، وشكرتها بلطفٍ، ثم التفتت إلى "عمر" ثانيةً وقالت ببرود:
- اتبسطت إني شوفتك يا عمر. هاطلع ارتاح شوية في أوضة نديم… وبعدين هاشوفك تاني إن شاء الله.. باي باي!
ومشت من أمامه، ثابتة الخطوة، بينما "عمر" ظل واقفًا في مكانه، حائرًا، عاجزًا عن اللحاق بها أو منعها، كأن الكلمات قد تجمّدت في حلقه.
أخرج هاتفه على عجل، ضغط رقم "نديم" متصلًا به، لكنه وجده مغلقًا.
رفع الهاتف عن أذنه وتمتم بين أنفاسه بغيظٍ:
- غبي.. غبي يا نديم!
أفاق "عمر" من الذكرى القريبة، في نفس اللحظة وصلت "راندا" إلى أسفل الدرج، وقفت أمامه على الأرضية الرخامية اللامعة، تنفّست ببطء، وكأنها تكتم شهقة.
ظلّ "عمر" واقفًا، يحدّق فيها، بين الدهشة والشفقة، بين الرغبة في مواساتها.. والعجز عن التقدّم خطوة.
لم تعد كما كانت، انكسارها واضح، وصمتها أعلى من أيّ صراخ.
هل هذه هي حقًا "راندا منصور"؟
ماذا فعل ابن خالته بهذه المرأة بحق الله؟ إلى أيّ نسخة حوّلها؟
ولماذا؟
إلتقت عيناها بعينيه للحظة.. وفهم "عمر".
من نظرة واحدة فقط، فهم كل شيء، شفتيه انفرجتا قليلًا، وجفنه الأسفل ارتجف.
ارتسم على وجهه الجزع، لم يكن الألم فيها وحدها، بل امتدّ إلى قلبه هو أيضًا، فهو أعرف الناس بشعور الخيانة، ويعلم جيدًا أثرها، كما أنه لم يتمناها لأحد، خاصةً لأمرأة مثلها.
لم يكن يتخيّل أن تتحطم "راندا" بهذا الشكل، أو إنها واقعة بحب "نديم" إلى هذه الدرجة، لقد نجح بكسرها عن جدارة.
وهي في المقابل، تجنّبت النظر إليه، كأنّ عينيه تحملان اعترافًا ما لا تريد أن تراه، لا تريد أن تسمعه من أحد.
اقترب أكثر، وصوته خرج هامسًا، مجللًا بالقلق:
- راندا… إنتي كويسة؟
رفعت عينيها إليه ببطء، رمقته بنظرة واحدة، مشبّعة بالخيانة والانكسار، وقالت بصوت مبحوح:
- إنت كنت عارف؟
لم يُجب على الفور، بل ساد بينهما صمت كثيف، كأنه يفكر مرتين قبل أن يتحدّث إليها عن هذا، ثم حسم أمره وقال بصوته العميق وقد تثاقلت عليه الكلمات:
- الأعمى بس هو إللي مايقدرش يشوف حقيقة علاقة نديم وليلى يا راندا.. كل الناس كانت عارفة.. وإنتي كمان… إنتي كمان كنتي عارفة.
نظرت إليه بمرارة، بعينين أثقلتهما الخيبة، وراحت دموعها تنهمر بلا انقطاع.
لم تحتاج إلى الصراخ، ولا اللوم، كان البكاء وحده كافيًا لقول كل شيء بداخلها.
وفجأة، تأرجحت في مكانها، كأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميها.
مدّت يدها دون وعي، تتعلّق بالهواء، وجسدها بدأ يهوى ببطء، لولا "عمر" الذي اندفع نحوها في لحظة، مدّ ذراعيه وإلتقطها قبل أن ترتطم بالأرض وهو يهتف بقلق:
- راانــدااا!
ضمّها إلى صدره، وحملها دون تردّد، وسط نظرات عابرة من بعض نزلاء الفندق دون أن يلتفت لأحد.
ركض بها، جسدها ساكن، أنفاسها متقطعة، وذراعها متدلٍ على جانب كتفه.
شقّ بها الطريق سريعًا، وعيناه تتقدان بنار الاستعجال، حتى بلغ باب الاستراحة الخاصة به، فتح الباب بعجلة ودخل.
كانت هناك أريكة عريضة تصلح كسرير، أنزلها برفقٍ عليها، وأسند رأسها إلى الوسادة، ثم استقام ويداه ترتجفان وهو يخرج هاتفه.
ضغط رقم معيّن وصوته خرج حادًا قاطعًا:
- آلو! اطلبيلي الدكتور محمود فورًا. هاتيه على الريست هاوس بتاعي حالًا… دلوقتي حالًا!
ثم ألقى الهاتف على الطاولة، وعاد ينحني بجزعه فوقها، نظر إلى ملامحها الشاحبة، شعرها المبعثر، وجسدها المنهك.
امتد الحزن في صدره كأمواجٍ بلا شاطئ، لم يكن ينقصه هذا، لماذا جئتِ يا "راندا"؟
لماذا؟
المكان: مطار القاهرة الدولي – صالة كبار الزوّار –
الزمان: تمام الخامسة مساءً
أهبط الليل على المطار، فاختلط بريق الأضواء بانعكاسات الزجاج المُعقّم، وهدير الطائرات تناثر كصدى بعيد.
أمام بوابة الخروج، اصطفّ صفٌ من رجال الحرس بالزيّ الرسمي، كأنهم جدارٌ من الصمت والانضباط.
على جانب السجادة الحمراء، وقف الرائد "زين نصر الدين" بجسده المنتصب المفتول كتمثال من حديد، يرتدي زيّه الرسمي الداكن، وقبّعة رأس تغطّي نصف وجهه، عينيه تمشطان المكان في صمت مدرّب.
إلى جواره رئيس الجهاز، اللواء "صفوت نصير" بملامح قاسية ونظرة لا تُقرأ.
إنفتح باب الطائرة الخاصة وهبط منها الوافد المنتظر.. السفير المصري "عاصم البدري".
رجل جاوز الخمسين من عمره، أنيق الطلّة، ملامحه الوسيمة حيادية التعبير، وجهه دبلوماسي لا يفصح عن شيء، لكن عينيه تفحّصت كل التفاصيل في ثانية قبل أن يطوي آخر درج الطائرة.
اقترب رئيس الجهاز، مدّ يده بابتسامة محسوبة يحييه:
- حمدلله على السلامة.. نوّرت مصر يا سعادة السفير.
صافحه "عاصم" بدوره قائلًا بابتسامة دبلوماسية:
- مصر منوّرة دايمًا بأهلها يا سيادة اللوا.. يااااه.. دي وحشاني بشكل. أنا مانزلتش من سنين!
- بلدك بترحب بيك يافندم وجاهزة لإستقبالك من اللحظة دي! .. وتابع مشيرًا نحو "زين" خلفه:
- اسمحلي أقدّم لك الرائد زين نصر الدين… من إنهاردة هو المسؤول عن تأمين حضرتك في كل حركة وكل خطوة طول فترة وجودك في البلد.
ينظر "عصام" نحو "زين" باهتمام، ثم يمد يده ليصافحه قائلًا:
- أهلاً بيك يا سيادة رائد.. باين عليك بطل. ومحدش يقلق في وجودك.
يصافحه "زين" بثبات، وعينه في عينه قائلًا:
- حضرتك في رقبتنا يافندم.. أطمن. أنا مش بسيب حاجة للصدف.
أومأ له "عاصم".. بينما قال اللواء "صفوت" بهدوء:
- حضرتك هاتتفضل دلوقتي مع الرائد زين. في موكب خاص برا الصالة هاينقل حضرتك من المطار لمقر إقامتك. وأنا هاطلع من البوابة الرئيسية.
استوقفه "عاصم" قائلًا بجدية:
- أنا محتاج طيّارة تانية قبل ما اتنقل مقر إقامتي.. لازم أسافر الغردقة عشان أجيب بنتي.
عبس "صفوت" وهو يرد مجفلًا:
- أيوه يافندم بس احنا لازم نرتب للرحلة قبلها بفترة.. سيادتك مستهدف!
عاصم بصرامة:
- أنا ماشوفتش بنتي من 3 سنين.. والرحلة مش مالهاش أيّ ضرر غير عليا وأنا موافق. بس هشوف بنتي إنهاردة!
رفع "صفوت" حاجبيه حائرًا، بينما تدخل "زين" قائلًا بهدوء:
- بعد إذن معاليك.. ممكن تقولّي مكان بنت حضرتك وأنا بنفسي هاروح أجيبها. بس بعد ما أنقلك مقر إقامتك.
نظر له "عاصم" مطوّلًا كأنه يفكر، ثم قال بثبات:
- تمام.. ماعنديش مانع.. بس هي مع أخوها وممكن مايرضاش يسيبها لك بسهولة.
ابتسم "زين" بثقة وقال:
- حضرتك إديني الإذن وسيب الباقي عليا.. وإن شاء الله بنتك هاتكون في حضنك الليلة!
رواية هيبة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريم محمد غريب
لا تزال "راندا" ممددة على الأريكة، جفناها مغمضان، وجسدها ساكن، إلا من أنفاس متقطعة بدأت تعود إلى انتظامها.
بينما الطبيب يباشر فحصه الروتيني عليها، فابتعد عمر قليلًا ليمنحه مساحته الكاملة، اكتفى بمراقبة المشهد بصمتٍ والقلق يعلو ملامحه.
وبعد دقائق من الفحص السريع، فتحت "راندا" عينيها ببطء، رمشت مرة، ثم الثانية، ثم نظرت حولها في ارتباكٍ، ارتسمت علامات التيّقظ على وجهها، ووضعت يدها على جبينها كما لو كانت تستعيد توازن ذاكرتها قبل أن تنطق.
"أنا فين؟" تمتمت "راندا" بصوتٍ غائم.
اقترب "عمر" منها قليلًا، ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
"حمد لله على السلامة.. ماتقلقيش انتي بخير.. صح يا دكتور؟"
وإلتفت نحو الطبيب الأربعيني، ليرد الأخير ببشاشة:
"صح طبعًا يا مستر عمر.. المدام زي الفل وشوية وتقدر تقوم عادي جدًا."
لكنها أرادت أن تجلس في الحال، إلا إن "عمر" أسرع وأشار لها وهو يدفع بكتفها برفق:
"استني شوية. خليكي مرتاحة!"
أومأت برأسها دون رد وأراحت ظهره إلى الوسادة ثانيةً، بينما الطبيب انحنى يلتقط حقيبته ثم أشار لـ"عمر" بالعروج إلى زاوية جانبية من الغرفة.
تبع "عمر" الإشارة، وقف معه على بُعد خطوات من الأريكة، ثم سأله:
"طمني يا دكتور.. فيها حاجة؟"
جاوبه الطبيب بابتسامة خفيفة:
"مافيش حاجة تقلق أطمن.. بس واضح إنها كانت تحت ضغط عصبي شديد. إللي حصل ده أقرب لانهيار مؤقت نتيجة توتر نفسي حاد. محتاجة راحة وهدوء. ويفضل تبعد شوية عن أي صدمة أو مواجهة الفترة دي."
أومأ "عمر" بامتنان، وصافحه قائلًا:
"متشكر يا دكتور محمود.. تعبتك معايا."
"لا شكر على واجب يا عمر.. وبعدين احنا اصحاب مافيش بينا الكلام ده. يلا بالإذن بقى."
وغادر الطبيب، ليعود "عمر" إلى "راندا" التي كانت قد جلست الآن وتمدّ يدها لتعدل ثيابها.
ابتسم لها بهدوء، لكنها بادرت بتحريك جسدها وكأنها تهمّ بالنهوض، ليقول بسرعة:
"هاتقومى ليه دلوقتي؟ خليكي مرتاحة شوية كمان."
ردّت بصوت متعب يحمل عزيمة مكسورة:
"أنا ماقلتش لبابا إني جاية هنا.. لازم أرجع. ولازم يعرف إللي حصل."
عبست ملامحه، وحدّق فيها بقلق قائلًا:
"وهو إيه إللي حصل يا راندا؟ وهاتقوليله إيه؟ احنا مش عايزين فضايح… أرجوكي!"
نظرت إليه بحدّة، عيناها لا تزالان تلمعان بالدموع، ثم ردّت بانفعال:
"نديم خانّي يا عمر! ومش بس كده.. ده وقف قصادي بمنتهى البجاحة وقال إنه هايطلقني."
"وأنا فعلاً عايزاه يطلقني. خلاص.. مستحيل أعيش أصلًا معاه بعد إللي شوفته بعيني."
أطرق "عمر" رأسه لثوانٍ، ثم رفع رأسه لها ثانيةً وقال بهدوء:
"أنا معاكي إن نديم غلط. غلط كبير كمان.. بس الغلط مايقعش على ليلى معاه يا راندا. ليلى لسا صغيرة. اللوم كله على نديم. أرجوكي. لو عايزة تنهي علاقتك بيه. ده حقك.."
"لكن ماتحاوليش تبوّظي سمعة ليلى.. أرجوكي!"
نظرت إليه بدهشة وقالت باستنكارٍ:
"إنت كمان بتدافع عنها يا عمر؟"
هزّ رأسه نافيًا، وقال مبررًا:
"مش بدافع صدقيني. قلت لك ليلى غلطت. بس في نفس الوقت مش هاعلّق لها المشَنقة لأني عارف ابن خالتي وفاهم دماغه. يا راندا افهمي.. ليلى مش بس بتحب نديم. دي اتربّت على إيده. كبرت معاه. بتثق فيه أكتر من أي حد.. يعني نديم مسيطر على عقلها. لما أقنعها بإللي بينهم ما فكرتش لأنها واثقة إنه بيعمل الصح ايمًا.. ليلى ضحيّة… زيك يا راندا."
كادت "راندا" تفقد عقلها، قفزت من مكانها واقفة وقد ترنّحت للحظة، عيناها متسعتان بالغضب والذهول وهي تصيح:
"مين دي إللي ضحيّة؟ إنت ماشوفتش إللي أنا شوفته يا عمر! دي كانت.. كانت في حضنه.. وكانت ..."
بترت عبارتها، الكلمات اختنقت في حلقها، بينما الصورة التي رآتها لا تزال تنهش قلبها وتحرق عقلها.
اقترب "عمر" منها خطوة، وقال بصوتٍ هادئ متألم:
"أنا فاهمك… فاهمك يا راندا. بس صدقيني. صدقيني لما أقولك.. ليلى ضحيّة.. ونديم نفسه هايندم على إللي عمله ده. هو لسا مش مدرك المصيبة بس."
رمقته بنظرة باردة مشبّعة بالخذلان، ثم قالت:
"وأنا مش ملزمة أُسهّل عليه أو عليها أي حاجة. الخاين يتحمل عملته. وأنا هاطّلق. وهقول أسبابي يا عمر.. عن إذنك!"
استدارت لتغادر، فمدّ يده سريعًا وأمسك بمعصمها قائلًا:
"راحة فين؟ أنا مش هاسيبك تمشي لوحدك وإنتي كده!"
انتزعت يدها من قبضته بلطف وقالت بصلابة:
"لازم أرجع القاهرة دلوقتي حالًا. ماينفعش أستنى هنا أكتر من كده."
نظر إليها لحظة كأنه يفكر في أمرٍ ما، ثم هزّ رأسه وقال بحزم:
"طيب… هاوصلك.. هاوصلك لحد بيتك كمان.. مش هاسيبك تمشي لوحدك!"
***
تزامنًا مع خروجهما، عبر "زين نصر الدين" بوابة الفندق الداخلية بجوار "عمر البدري" مباشرةً، لكن كلاهما لا يعرفان.
اتجه "زين" من فوره تجاه مكتب الاستقبال بخطى واثقة، حذاؤه الجلدي يقرع الأرض الرخامية بإيقاعٍ ثابت، عينيه الصارمتين تمسحان المكان بنظرة رجلٍ لا يُفوّت تفصيلة.
اقترب من مكتب الاستقبال، حيث وقفت موظفة في أواخر العشرينات، ترتدي بذلة أنيقة بلون خمري، وابتسامة مهنية لا تنكسر.
"مساء الخير.. بسأل عن الآنسة ريهام عاصم البدري. ألاقيها فين من فضلك؟"
رفعت الموظفة رأسها، لم تُجبه على الفور، بل تأملت هيئته لحظة قبل أن تسأل بتحفظ:
"حضرتك مين يا فندم؟"
أخرج "زين" بطاقته الميري في الحال ووضعها أمامها بهدوء، ثم قال بنبرة ثابتة:
"أنا الرائد زين نصر الدين.. من الداخلية!"
تغيّر وجهها فورًا، عدلت وقفتها بانضباط أكير وانحنت برأسها باحترام قائلة:
"أهلاً وسهلاً بسيادتك.. لحظة واحدة بس."
ومدت يدها إلى سماعة الهاتف، ضغطت زرًا، وانتظرت، بينما راح "زين" ينظر إلى بهو الفندق في صمتٍ ثقيل، يتابع بعيناه حركة العاملين والضيوف، والهدوء المصطنع الذي يغلّف كل شيء.
تحدثت الموظفة لدقائق قليلة بصوتٍ خافت، ثم أنهت المكالمة وأعادت السماعة إلى مكانها، التفتت إليه من جديد وقالت بلباقةٍ:
"الآنسة ريري فـ آ..."
زين مقاطعًا: "ريري!!"
حاجباه ينعقدان في دهشة لغرابة الاسم.
أومأت الموظفة بثقة وقالت:
"أيوه يا فندم… إحنا هنا كلنا بنناديها كده. الآنسة ريري موجودة حالًا في الـ Adventure Zone مع الناني بتاعتها.. بتشارك في Color Festival للأطفال. تحب أبعت مع حضرتك حد يوصلك عندها؟"
رد "زين" ولا يزال مأخوذًا بغرابة ما يسمع:
"آه… ياريت."
أشارت الموظفة بيدها إلى أحد العاملين بالجوار، شاب يرتدي زيّ الفندق الأسود ويحمل بطاقة تعريف فضية فوق سترته، أمرته بلطفٍ:
"وصّل سيادة الرائد عند الآنسة ريري.. حالًا."
انحنى الشاب قليلًا، وأشار بيده مرددًا باحترامٍ:
"من هنا يافندم. اتفضل معايا!"
تحرك "زين" خلفه، خطواته الثقيلة الواسعة تسير فوق سجادة سميكة لا تمتص صرامة حضوره، وملامحه التي ما زالت متوجسة لما يجري هنا، الرجل قال له بأن ابنته بالغة، فلماذا يؤكد من هنا بأنها محض طفلة؟
سيرى الآن!
***
أفضل وسيلة للدفاع.. الهجوم!
هذا المبدأ الذي سار عليه منذ حداثته، لا يبدله حتى في خضم مرحلته الرجولية المكتملة، لأجل حبّه سيفعل أيّ شيء، سيدافع، بل سيهاجم كل من تسوّل له نفسه الاقتراب من حرم ذلك العشق، حتى لو اضطر لتدنيسه عن آخره، لأنه لا يستطيع تخيّل الباقي من عمره دونها.
الآن ارتأى أن الهروب بعقلها من التفكير في ما حدث هو الحل الأمثل لتخفيف وقع الصدمات عليها، أخذها "نديم" إلى الحمام دون تفكير، البخار يملأ الفراغ حولهما، يعتم المرايا، ويطمس الملامح، كأنّه يحاول ستر ما هتك بالفعل.
صوت رذاذ الماء المنهمر فوق المغطس بدا كأنّه إيقاع داخلي، إيقاع لقلوبٍ مضطربة، لعقلين أحدهما يسأل “ماذا فعلنا؟”.. والآخر يهمس “لا تفكري”.
كانت "ليلى" واقفة تحت الدش مباشرةً، الماء ينساب فوق جسدها كما لو أنه يحاول غسل عارها.
عيناها ساكنتان، تحدّقان في اللا شيء، جسدها يتحرّك فقط بضغط الماء، أما روحها فكانت عالقة هناك، في اللحظة التي ضُبطت فيها بين أحضان "نديم". في اللحظة التي سمعت أحطّ النعوت توّجه لها، كما لو أنها ليست زوجته، كما لو أنها.. عاهرته!
يلج "نديم" إلى المغطس في هذه اللحظة، لم يكن فيه ذرة تردّد، كان يعرف تمامًا ما يفعل، أو على الأقل.. يقنع نفسه بذلك.
اقترب منها، وقف خلفها دون أن يلمسها في البادئ، عينيه مرّتا على تقاطيع ظهرها المرتجف، على خيوط شعرها المبتل، على عنقها المشدود كوترٍ على وشك الانفجار.
ردد بصوتٍ خافت أقشعر بدنها له:
"لسا بتفكري في اللي حصل؟"
لم تجب، لكن شهقة صغيرة أفلتت من صدرها، تشبه البكاء، الندم.
اقترب أكثر، ورفع يده ببطء، ثم وضعها على كتفها، لمسة خفيفة، لكنها كانت كافية لتجعل جسدها كله ينتفض.
بينما يغمغم "نديم" بصوتٍ مكتوم:
"إحنا ماعملناش حاجة غلط يا ليلى.. سامعة؟ بقولك ماعلمناش حاجة غلط. راندا غيرانة منك. راندا حاسة من أول يوم بإللي جوايا ناحيتك.. ماتخليهاش تلعب بعقلك.. إنتي مراتي.. كل حاجة حصلت بيني وبينك من حقي. ومن حقك إنتي كمان.. وهاثبت لك تاني!"
أنفاسه لامست أذنها، ونبرته كانت خليطًا بين الذنب والعناد لكنها لم تميّز، قبّلها هناك، قبلة خفيفة، ناعمة، لكن وراءها نارٌ خامدة تنتظر شرارة لتندلع.
ثم انسابت شفتاه على عنقها، كتفها، ظهرها. كل قبلة كانت وعدًا، وكل لمسة كانت محاولة لتشتيتها، لخلط الخوف بالرغبة، للحفاظ على سطوة العلاقة وسط العاصفة.
لم تتكلم "ليلى"، لكنّها لم تتراجع أيضًا.
كان استسلامها لا يشبه الرضا، بل يشبه الغرق، الغرق في شخصٍ تعرف أنّه خطر، لكنها لا تملك النجاة منه، لأنه يمثل لها النجاة بعينها، حتى لو كان هو بذاته حتفها، لا يمكنها إلا أن تسير نحوه.
يهمس لها "نديم" بغلظة من بين قبلاته:
"إنتي مش هاتصدقي حد غيري.. مش هاتسمعي كلام حد غيري.. عشان أنا لوحدي إللي بملكك.. أنا إللي بحبك.. أنا يا ليلى!!"
ثم شدّها نحوه بغتةً حتى التصقت به وشهقت، عانقها من الخلف بقوة، صدره يسند ظهرها، كأنه يخلق لها عالمًا جديدًا، بلا أبواب، بلا نظرات، بلا قبح أو ذنب.
لمساته صارت أجرأ، لكنها ظلّت ناعمة، تعرف طريقها إلى النقطة التي تذوّب فيها شكوكها.
ومرّت اللحظات، تليها دقائق طويلة، صوتها خرج متقطعًا، شهيق خافت، وارتعاشه تنبئ بانهيارٍ وشيك.
تلاحمت أنفاسهما كما جسديهما، أصوات خافتة انبعثت من بين الشفاه، آهات متبادلة، ارتجافات متلاحقة، كلّها كانت تقول إن الجسد سبق العقل، وإن العقل أُسكت عن عمد.
نظرت له "ليلى" من خلال جفونها المتثاقلة، وردتدت بهمس متعب:
"نديم.. أنا تعبت!"
تألقت عيناه بعكسها وهو يلتهم تفاصيلها المغرية غير مصدقًا حتى الآن بأنها صارت له، كلّها، ثم قال بعنادٍ:
"لسا بدري.. لسا بدري على الكلمة دي."
واستمر، رغم ارتجاف نبراتها، رغم ما في عينيها من توسّل صامت.
تشبّثت "ليلى" بحافة المغطس ببيدٍ، ولفّت الأخرى حول عنقه تحاول إلتماس شيء من قوته بلا جدوى، تضعف وتُستنزف بمرور الوقت، بينما يرأف قلبه لأجلها عندما لمح دمعة كبيرة تسيل على جانب عينها، استعجل اللحظة، كأنّه يخشى أن تنهار قبل أن يُنهي ما بدأ.
صوت الماء أصبح أسرع، وأكثر فوضى، كأنّه يترجم ما بين جسديهما من تصعيد.
وفجأة… دقّ الهاتف في الغرفة وتمكن من سماعه للمرة الثالثة.
لكنه تجاهله مجددًا، شدّ ذراعيه حولها، كأنّه يثبتها، لم يتوقّف حتى إلتهبت اللحظة بكل ما فيها من عنفٍ هادئ، ورغبةٍ مرتبكة، واحتياجٍ مشوّه.
ثم.. أخيرًا.. سكون.
فتح عينيه بعد لحظة مطوّلة، ونظر إليها.
أنفاسه العميقة تلفح بشرتها، بينما هي مغلقة العينين، ذراعاها متراخيتان، وجسدها ساكن كمن أنهكته معركة غير متكافئة.
رفع رأس الدُش بتكاسل متوقع، وبدأ يغسلها بيديه، حركاته بطيئة، حنونة، نظّفها جيدًا كأنه يحمم طفلته أو ما شابه.
ثم لفّها بروب الاستحمام الأبيض، رفعها بين ذراعيه وسار بها خارج الحمّام عائدًا للغرفة، وضعها فوق السرير بلطفٍ أبويّ مرعب التناقض.
نامت على الفور.
ثم التفت نحو الهاتف الذي ما زال يرنّ.
التقطه، ثم ضغط زر الرد وأجاب بصوتٍ أجش:
"آلو!"
أتاه صوت إحدى موظفات الفندق:
"نديم بيه.. بحاول أوصل لمستر عمر ومش عارفة موبايله مغلق.. آسفة بس حضرتك الأقرب لينا لازم تنزل حالًا يافندم."
نديم عابسًا:
"في إيه؟"
"في ظابط جه وسأل على الأنسة ريري. وهو حاليًا وصل عندها.. ماعنديش معلومات تاني!"
"أنا نازل حالًا!!"
ولم ينتظر "نديم" لحظة أخرى، توجه نحو الخزانة، فتحها وأخرج منها ما وجده أمامه، قميص داكن وسروال جينز، ارتدى ملابسه على عجلٍ وهو ينظر في السرير حيث كانت "ليلى" قد غطّت في نومٍ عميق، مدفوعة بإرهاقها وصدماتها التي حتمًا أراجت الفرار منها بالنوم.
تنهد بحرارة وهو ينتعل الحذاء مسرعًا، ثم سحب هاتفه وهرول مغادرًا الجناح من فوره.
***
جالسة القرفصاء وسط حلقة من الأطفال، حولها فوضى من الألوان والورق الممزق، وأصابعها الصغيرة ملوّنة بالأحمر والأزرق والأخضر.
وجهها الطفولي مضيء بانعكاسات أضواء القاعة الفسيحة، شعرها الأسود المنسدل على كتفيها المتسخين ببقع الطباشير منحها هيئة ملاكٍ هبط لتوّه من السماء.
في الجهة المقابلة، وقف "زين نصر الدين". مختلفًا عن جميع الرواد بلقائه الرسمي الضيّق على قوامه المفتول.
يراقبها في صمتٍ مضطرب، عيناها الزرقاوان الواسعتان، كانتا خاليتين من أيّ إدراك.. وكأن ما بداخلهما لا ينتمي لهذا العُمر.. لهذا العالم.
لا يمكن أن تكون تلك في العشرين من عمرها!
اقترب "زين" بخطى حذرة حاسمًا أمره، وبصوت هادئ ناداها:
"آنسة ريهام!"
لم تلتفت.
ظلّت ترسم بدقة طفولية، كأن لا أحد ناداها، كأن الدنيا ما وُجدت إلا داخل دائرتها الصغيرة.
اقترب خطوة أخرى، علت نبرته قليلًا وكرر ندائه مستخدمًا اسمها المتداول:
"آنسة ريري!!"
وهنا رفعت رأسها فجأة، عيناها اتسعتا حين وقعتا عليه، لم يكن في نظرتها ذعر، بل اندهاش صافي، كطفلةٍ ترى لعبة جديدة، أو مخلوق عجيب خرج من إحدى الأساطير التي تقرأها كل ليلة قبل أن تخلد للنوم.
وقف أمامها بثبات وقال:
"مساء الخير يا آنسة.. والد حضرتك. سيادة السفير عاصم البدري. كلّفني آجي وآخدك معايا للقاهرة. من فضلك. لازم تيجي معايا دلوقتي حالًا."
نظرت له "ريهام" ببلاهة ناعمة، ثم قطّبت حاجبيها بتعبيرٍ طفولي وقالت بنزق:
"مين إنت؟"
شدّ "زين" على فكّه، يحاول كتم ضيقه وجاوبها:
"أنا الرائد زين نصر الدين. والدك سيادة السفير عايزك تروحي له. وأنا مكلف أوصلك لحد عنده قبل بُكرة الصبح.. ممكن تقومي تتفضلي معايا من فضلك؟"
هزّت رأسها برفضٍ عنيد، وقالت بذات اللهجة الطفولية التي لا تلائم شكلها البتّة:
"عمر قالّي ماتمشيش مع حد غريب!"
ابتلع "زين" ضيقه وهو يحدّق فيها، بدأت تتضح له الحقيقة، هناك خلل، شيء ما في هذه الفتاة الجميلة لا ينتمي لمظهرها.
زفر وهو يحكّ جبينه مرددًا:
"طيب.. أنا ممكن أكلم لك سيادة السفير. وهو يقولك بنفسه تيجي معايا. إيه رأيك؟"
قالت بعناد أكثر، وعينها تلمع بدمعة مباغتة:
"للللللللأ!!"
حدّق "زين" فيها للحظة، ثم تراجع خطوة صغيرة، وهو يغمغم من بين أسنانه:
"لأ أنا إللي مش فاضي للعب العيال ده."
مدّ يده فجأة، وبحركة واحدة جذبها من الأرض، نهضت "ريهام" بفزع، يديها ترتجفان، عيناها الزرقاوان اتسعتا بالرعب الخالص.
بينما يقول "زين" بصرامة:
"حضرتك هاتيجي معايا. ودلوقتي حالًا.. اتفضّلي لو سمحتي!!!"
صرخت "ريهام" من فورها، صوتها عالٍ ومذعور، وبدأت تحاول الافلات من قبضته بكل ما تملك من قوتها الضعيفة.
الناس حولهم بدأوا يلتفتون، يراقبون المشهد في صمتٍ متواطئ، لا أحد يجرؤ على التدخل مأخوذين بهيبة ذاك الرجل الذي بدا كوحش بشري مخيف.
وفي اللحظة التي همّ "زين" بسحبها خلفه، جاء هو من الخلف كعاصفة، سدد لكمة عنيفة في وجه "زين" جعلته يتراجع مترًا كاملًا إلى الوراء.
يتأرجح "زين" للحظة وهو يمسح الدم عن زاوية فمه، بينما يحدّق في القادم الجديد بذهولٍ واحتقان متسائلًا من ذا الذي تجرأ وباغته بهذه الطريقة!!!
كان نديم هو من ظهر من بين الجموع، لم تكن لكمته فقط التي أحدثت الصدمة، بل حضوره الفارض، نظراته الحادة، وقامته التي وقفت كجدارٍ منيعٍ بين ابنة خالته وذاك الرجل الذي لا يقل عنه ضخامة، بل لعله يتفوّق عليه جسديًا بشكل طفيف.
احتمت "ريهام" بـ"نديم" فورًا دون أن تنطق، اختبأت خلفه كما تفعل الطفلة بخوف غريزي، ودفنت وجهها في ظهره كأنها تعرف أن الأمان لا يُوجد إلا هنا، حيث يقف هو.
ثبت "نديم" قدميه، انكمش فكه، عينيه تضربان كالسكاكين في عيني "زين" بينما يقول بنبرة جافة، مشتعلة:
"إنت شارب حاجة صح؟ أيًّا كت مين إيدك إللي اتمدت عليها دي هاقطّعهالك لو فكرت تمدها تاني!!!"
حدق "زين" فيه طويلًا، نظرة ضارية لا تهتز، فَتَّاكة لكنها منضبطة.
ثم رد بصوتٍ مكتوم بالغضب:
"إنت مين أصلاً؟"
ردّ "نديم" فورًا بخشونة:
"أنا أخوها. إنت إللي مين؟ وإزاي تتجرأ وتلمسها؟"
بدأ الغضب ينحسر تدريجيًا من وجه "زين". حدة الموقف، صدمة الضربة، ووضوح الرابطة بين "ريهام" وذلك الرجل، كلها أشياء جعلته يلتقط أنفاسه على مهلٍ.
لكنه لم يخفِ احتقانه الداخلي من أثر المباغتة التي تعرّض لها لأول مرة بحياته، ثم قال وهو يضغط على كل كلمة تخرج من فاهِ:
"أنا الرائد زين نصر الدين. جاي بتكليف من سيادة السفير عاصم البدري أجيب له بنته الأنسة ريهام."
أمال "نديم" رأسه، ازدراءه ظاهر في صوته وهو يقول:
"تجيبها له إزاي يعني؟ مش فاهم؟"
جاوبه "زين" بصوتٍ منخفض، محمَّل بنفاد صبرٍ واضح:
"سيادة السفير رجع إنهاردة البلد ونزل في مقر إقامته في القاهرة.. أول حاجة عملها لما نزل من الطيارة طلب إن بنته تيجي له فورًا."
هز "نديم" رأسه ببطء، كأن الكلام لا يستقيم في أذنه وقال:
"عاصم البدري مسافر وأخباره مقطوعة من ٣ سنين. حضرتك مستني مني أسلّمك أختي بكلمتين زي دول؟ أنا ماشتريتش!"
زفر "زين" وقد أخرج من جيبه بطاقة عمله ومدها له قائلًا:
"ده الكارنيه بتاعي.. وحالًا هاتسمع معالي السفير بنفسك."
أستلّ هاتفه، أجرى الاتصال برقم خاص، وضعه على مكبر الصوت، لم تمضِ ثوانٍ حتى جاء صوت رجلٍ عميق من الطرف الآخر:
"آلو؟ سيادة الرائد؟"
"أيوة معالي السفير. أنا حاليًا في الفندق وقدامي الأنسة ريهام وأخوها.. لكن حضرته مش عايز يسلّمها لي وبيطلب دليل إنك أنت إللي مكلفني.. أنا بكلمك عشان أحل معاه الموقف ودّي يافندم. لكن أنا أقدر آخد الأنسة ريهام على أي حال."
صمت بسيط، تخللته نظرات "نجيم" المتحدّية وتأهب "زين" الواضح من لغة جسده.
ثم رد "عاصم" بثقة على الطرف الآخر:
"ادهولي يا سيادة الرائد."
مد "زين" الهاتف نحو "نديم".
لم يحرك "نديم" ساكنًا للحظة، ثم أخذه ببطء، وضعه فوق أذنه ورد بصوتٍ جلف، جاف:
"عاصم بيه."
صمت الطرف الآخر برهة مدركًا بأن هذا الصوت ليس لإبنه، ثم تساءل:
"مين معايا؟"
رد "نديم" وهو ينظر لـ"زين" دون أن يرمش:
"معاك نديم الراعي."
نظرة الذهول التي ارتسمت على وجه "زين" ما إن سمع الأسم لم تكن لحظية، لم يستوعب.
هذا هو "نديم الراعي"؟
لكن "نديم" لم يُبعد عينيه عنه، لم يرفّ له جفن.
جاء صوت "عاصم" بعدها أهدأ وأكثر مرونة:
"أهلاً يا نديم. إزيك يا حبيبي.. عمر مش عندك ولا إيه؟"
نديم بجمودٍ:
"أنا مكانه في غيابه يا عاصم بيه. وحتى لو موجود.. أنا بردو جنب ريهام دايمًا."
"أكيد ما عنديش شك إنك جنبها وبتحميها زي ما طول عمرك بتعمل.. بس المرادي ما فيش مبرر لحمائيتك عليها. أنا أبوها.. وعايزها يا نديم!"
في تلك اللحظة، بدا "نديم" كمن شُلّ داخليًا. كلمة “أبوها” اخترقت كل حججه، مزّقت حمايته، وبترت اعتراضه.
ظل صامتًا، عينيه عالقتان في فراغٍ داخليّ.
ثم همس:
"بس عمر مش هنا… إزاي أسلّمها بإيدي لشخص غريب وهو مش موجود؟"
رد "عاصم" بحزم لا يحتمل أيّ هوامش للرفض:
"ده مش أي شخص يا نديم. إللي قدامك ده من أكفأ ظباط الداخلية والمسؤول شخصيًا عن تأميني.. يعني ريهام عمرها ما هاتلاقي أمان زي معاه. حتى جوا فندق عمر.. من فضلك سلّمها له حالًا. ريهام كده كده هتكون عندي الليلة دي.. حتى لو اضطرّيت أجي بنفسي وأخدها."
السكون بعد تلك الكلمات كان حادًا. مشحونًا.
ظل "نديم" ممسكًا بالهاتف، عينيه مسمرتين بعينيّ "زين". ملامحه محاصرة. لا يستطيع تحدّي أب، ولا يثق في هذا الرجل الغريب، ولا يجد مخرجًا، حتى "عمر" لا يمكنه الوصول إليه.
أين هو بحق الله؟
لم يرد "نديم" بعد ذلك.
مدّ الهاتف بصمت إلى "زين". أخذه الأخير دون أن يزيح عينيه عن وجه "نديم". خاطب "عاصم" باقتضاب:
"تمام معالي السفير.. إن شاء الله على وصول."
ثم أغلق الخط.
الصمت بينهما أمتد بثقل. وظل عالقًا للحظات قبل أن يقطعه "نديم" بجفاء جاف كحد السكين:
"لازم ريهام تجهز الأول.. ماينفعش تمشي معاك كده منغير شنطة هدومها ومتعلّقاتها الشخصية."
أومأ "زين" وصوته أكثر هدوءًا ممّا يتوقعه "نديم":
"أنا في الانتظار."
أشاح "نديم" بوجهه عنه دون كلمة أخرى، إلتفت ناحية "ريهام" وقد انخفض صوته قليلًا وهو يمدّ لها يده:
"تعالي معايا يا ريري."
وضعت "ريهام" يدها الصغيرة في يده دون تردد وهي تصوّب نظرة عداء نحو "زين". كانت ترتجف قليلًا، لكن ثقتها في وجود "نديم" لا تهتز.
سارت معه وعبرا أروقة الفندق، تسير خلفهما مربّيتها الأسيوية المسنّة، وفجأة، توقف "نديم" قبل أن يبلغا الممر المؤدي لجناحها الخاص.
تجمّد كأنه أدرك كارثة.
أراد رأسه بقوة ناظرًا خلفه، وأستلّ هاتفه مجريًا الاتصال بعمّه، لحظات وأتاه صوت "مهران":
"نديم!"
سأله "نديم" على الفور بصوتٍ جليدي:
"حفيد رياض نصر الدين إللي جالك البيت.. إسمه إيه يا عمي؟"
جاوبه "مهران" بصوتٍ مشبّع بالقلق:
"اسمه زين.. زين. ابن طاهر.. ابن رياض نصر الدين.. بتسأل ليه يا نديم؟ في إيه؟"
لم يكن "نديم" يسمعه بعد أن أكد له أسم غريمه. بل لم يعد يسمع شيء.
صوت عقله كان طاغيًا على كل الأصوات.
وعشرات الظنون تتراص أمام عينيه!
رواية هيبة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مريم محمد غريب
ترك ابنة خالته في عهدة مربيتها، ثم إتجه على الفور عائدًا إلى الجناح حيث زوجته.
ولج مغلقًا الباب خلفه.
نظره سقط فورًا على السرير، لا زالت "ليلى" ممددة كما تركها، ملفوفة بروب الاستحمام الأبيض، خصلات شعرها المبتلة تلتصق بجبهتها وعنقها.
كانت تغط في نوم ثقيل، صدرها يعلو ويهبط ببطء، وجهها بدا مفرغًا من اللون، وجسدها بلا أيّ حركة، كأن الإرهاق استنزف منها حتى ملامح الحياة.
اقترب "نديم" وجلس على طرف السرير بهدوء، لم يشأ أن يوقظها فجأة، ظل لحظة يتأملها، وجهها الهادئ، شفتيها المتورمتين قليلًا من جرّاء قبلاته، عظام كتفها البارزة أسفل الروب، كل شيء فيها يهمس بالإرهاق والرضا معًا.
مدّ يده ببطء ومررها على شعرها الرطب، ثم انحنى نحوها وهمس في أذنها بلهجة أقرب للرجاء:
- يا لولّا… فوقي يا حبيبتي.. مش معقول تفضلي كده نايمة طول النهار!
لم تتحرك في البداية. فقط شفتاها انفصلتا قليلًا، ثم انغلقتا من جديد، تقرّب إليها أكثر حتى لامس صدره صدرها، قبل جبينها برقة، ثم لامس شفتيها بقبلة دافئة، قصيرة، لكنها مليئة بالعاطفة.
كرر الهمس من جديد، كأنه يحاول جذبها من بُعدٍ آخر:
- ليلى… قومي يا أميرتي.. فتحي عنيكي بقى.
أخيرًا تحرك جفنها، ثم الآخر، عينان عسليتان نصف مغمضتين ظهرتا ببطء، نظرتها ضبابية، كسولة، وكأنها لا تفرق بين الحلم والواقع.
عضّت شفتها السفلى بخفة، كأنها تعيد لنفسها الإحساس بجسدها، ثم تمتمت بصوتٍ خافت بالكاد يُسمع:
- نديم.. أنا… تعبانة أوي!
على الفور انعقد حاجباه. تغيّرت ملامحه في لحظة، وسألها بقلقٍ جمّ وهو يحدق فيها بتركيز أكثر:
- مالك يا ليلى؟ حاسة بإيه؟ أجيب دكتور؟
أدارت وجهها للجانب الآخر، كما لو أن الكلام مرهق بقدر الواقع، همست برفض خافت:
- لأ.. مش عايزة دكتور.. أنا بس عايزة أنام سيبني أنام شوية.
تردد للحظة، يده التي لا تزال على شعرها، عينيه تتنقلان بين وجهها وعنقها وصدرها، حائرًا وهو يراها بالفعل بحاجة للراحة، لكنه في نفس الوقت يودّ تنفيذ الخطة التي طرأت على باله، فهذا الوقت الأمثل، هذه فرصته، والضربة الأولى التي نوى تسديدها لعائلتها، ستكون اليوم. اليوم بداية الحرب الحقيقية بينهم.
تنهد ببطء، وصوته انخفض أكثر وهو يخبرها:
- أنا مش هاتعبك يا حبيبتي. أنا بس محتاجك معايا.. ريهام عندها مشكلة كبيرة ومش هاعرف أتعامل معاها لوحدي!
مرّت ثوانٍ، ظن أنها ستعود للنوم، أو ستدير وجهها من جديد، ولئن فعلت ما كان ليضغط عليها، لكنه لاحظ تغيرًا في نظرتها، عيناها اتسعتا قليلًا، ووجهها انكمش بشكل طفيف، ثم سألته بنبرة مهتمة رغم تعبها الجلي:
- مالها ريهام؟
امتقع وجهه حقيقةً وهو يجاوبها:
- أبوها رجع من السفر.. وباعت حد ياخدها عنده القاهرة. عمر مش موجود وأنا مش عارف إزاي هاقنعها تمشي.. مش عارف أعمل إيه.. محتاج لك.
بدون تردد، شحذت "ليلى" قواها وقامت نصف جالسة وهي تقول بجدية:
- هالبس هدومي وجاية معاك.. ماتقلقش يا حبيبي.
وقامت بمساعدته من الفراش. تركها مذعنًا لرغبتها، فسارت بعرج طفيف صوب الخزانة، أخرجت ثوبًا طويل فيروزي اللون، وسترة بيضاء قصيرة.
ارتدت ملابسها أمامه وصففت شعرها بسرعة، ثم إنتعلت خفّيها المكشوفان، وإلتفتت إليه حيث كان يجلس على حافة السرير يراقبها في صمت.
- أنا جاهزة!.. قالتها بلهجة لا تخفي تعبها بالكامل.
سار "نديم" ناحيتها، أمسك بيدها ونظر في عينيها قائلًا بلهجة اعتذار:
- أنا آسف يا ليلى.. كان نفسي نقضي وقت أحلى من كده. بس أوعدك قريب جدًا هاعوضك.. هاخدك ونسافر بعيد.. وهانسيكي كل حاجة.. كل حاجة غيري أنا.
ابتسمت له بشحوب وقالت بصدق:
- ومين قال إني ممكن أنساك أصلًا؟ أنا مش ببطل تفكير فيك.. حتى وانت معايا!
رد لها الابتسامة ورفع كفّه ليضم جانب وجهها بحنانٍ، ثم همس:
- طيب أجلي بقى باقي الكلام ده لما نرجع تاني.. عشان أنا عايز أسمعك واحدة واحدة.
تغضّن وجه "ليلى" بتعبيرٍ متوسل وهي تقول:
- لأ أرجوك يا نديم.. أنا تعبانة بجد. ومش عايزة غير إني أنام يومين تلاتة ومحدش يصحيني.. انا ماشية معاك بالعافية أصلًا.
ربت على رأسها بعطفٍ وقال مازحًا وهو يغمز لها:
- أنا ماغشتكيش.. افتكري قلت لك إيه.. مش قلت لك هاخلّيكي ماتقدريش تمشي على رجليكي؟ كنتي فكراني بهزر؟
تضرج وجهها بحمرة الخجل وقالت بنزعة عصبية:
- خلاص بقى.. بطل تحرجني.. أنا مش ناقصة!!
فهم مقصدها من مجرد تلميحٍ غير مقصود، وعدها قائلًا بجدية:
- مش عايزك تخافي أو تقلقي.. راندا مش هاتقدر تفتح بؤها بكلمة.. وبمجرد ما نرجع البيت هابدأ في اجراءات الطلاق. وبعدها علطول هاعلن جوازنا.. وهاعملك فرح ماحصلش كمان.. مش هاخلّي في الدنيا دي كلها واحدة زيك.. لا قبلك ولا بعدك.. إلا لو جبتي لي بنت.. هاسمّيها ليلى. وهاحبها أد ما بحبك بالظبط.
بوغتت بجملته الأخيرة، وكأن هذا الأمر كان غائبًا عنها من اول وهلة، فغرت فاها مرددة بتوتر كبير:
- إحنا إزاي مافكرناش في كده؟ أنا ممكن أبقى حامل!
ابتسم لها مطمئنًا وقال:
- وإيه يعني لما تحملي.. ده ياريت. أنا طول عمري نفسي أخلف منك إنتي.. وكنت شارط من قبل جوازي من راندا إن مافيش خلفة منغير إذني.. وده عمره ما كان هايحصل.
حدقت فيه مشدوهة وتساءلت ببلاهةٍ:
- منعتها من الخلفة.. ليه؟
ضحك بخفة وهو يضمّها إلى صدره أشدّ، قبّلها على شعرها وهو يجاوبها مرةً أخرى هامسًا:
- عشانك.. عشان مافيش واحدة هاتشيل ولادي غيرك إنتي… إنتي يا ليلى!
ورفع يدها ليلثم باطن كفّها دون أن يحيد بعينيه عن عينيها.
أنعشتها كلماته الرقيقة ووعوده الموثوقة، فتناست تعبها، وسارت معه إلى الخارج متشبّثة بيده، لا تطيق أدنى إنفصالًا عنه.
هبطا إلى الأسفل، حيث الطابق الذي يحتلّه "عمر" بالكامل ويُخصص به جناحٌ كامل لأخته الصغيرة.
دلفا معًا إلى الجناح، ليجدا "ريهام" تجلس فوق الأريكة الملاصقة لمقدمة السرير، تداعب كلبتها وعلائم الضيق تجلل ملامحها كما لو إنها تشعر بما يجري من حولها.
نظر "نديم" نحو مربيتها التي كادت تنتهي من جمع أغراضها داخل حقيبة سفرٍ كبيرة، ثم قال بصلابة:
- Did you finish "Anya"؟
تطلّعت الأخيرة له مجيبة:
- I'm almost done sir, only dolls and toys are left.
- Hurry up.
أومأت له طائعة وواصلت جمع الأغراض أسرع، ليتوجه بعد ذلك صوب "ريهام" هو و"ليلى".
جلست "ليلى" بجوارها محيطة كتفيها بذراعها وقالت بلطفٍ:
- إيه يا ريري.. مالك يا قلبي مكشرة كده ليه؟
فعليًا "ريهام" تكبر "ليلى" بعامين، لكن بطبيعة الحال فإن "ليلى" تفوقها عمرًا بمراحل، لذا عمدت إلى مخاطبتها كما لو إنها طفلة صغيرة.
أدارت "ريهام" رأسها نحو "ليلى" قائلة بحزنٍ طفولي:
- نديم عايز يمشيني مع الراجل الوحش إللي تحت يا ليلى.
ردت عليها "ليلى" برفقٍ:
- يا حبيبتي هو بس هايوصلك عند باباكي.. يعني حتى إنتي مش مجبورة تكلميه.. هايوصلك بس. فاهماني؟
نظرت لها "ريهام" بأعين قلقة على وشك البكاء. ارتبكت "ليلى" وتطلّعت إلى "نديم" تلتمس منه المساعدة.
تنهد "نديم" وشد كرسي قريب ليجلس قبالتها، أمسك بيدها الصغيرة وأطبق عليها بلطفٍ قائلًا:
- ريري.. إنتي بنت كبيرة وشاطرة.. ينفع تقلدي تصرفات الأطفال دي؟ إنتي بقيتي أنسة كبيرة.
كشرت وجهها بطفولة نقية وهي تحوّل بصرها إليه، ثم قالت بحدة:
- أنا مش عايزة أروح عند بابي.. بابي وحش. أنا مش بحبه!!
ضمّ "نديم" كفّها في قبضته أكثر كأنه يبثها الحماية الكافية وهي يوبّخها في آنٍ:
- عيب يا ريهام.. ماينفعش تقولي كده على باباكي. ده أكتر حد بيحبك في الدنيا دي.. وإنتي كمان بتحبيه ولا نسيتي؟
رمقته بريبة طفيفة، لا تستطيع محو صورة ابيها الطيّبة، ولكنها في نفس الوقت لا يمكنها نسيان قساوته بأيامه الأخيرة، فقالت بترددٍ:
- بس هو كان بيزعق كتير.. ودايمًا وشه مكشر.. وأنا بخاف منه!
هزّ "نديم" رأسه بابتسامة نصفها مرارة وقال:
- هو بيحبك.. بس مش بيعرف يبيّن ده. جايز عشان طبيعة شغله.. إنتي مش هاتفهمي قصدي كويس.. لكن عايزك تصدقيني. باباكي بيحبك جدًا. وأول حاجة عملها لما رجع إنه فكر يرجعك عنده.
- يعني هو بيحبني.. زي ما أنا بحب ميميي ومش بعرف أقول لها كل يوم؟
ضحك بخفوت لبراءتها، ثم قال وهو يهز رأسه:
- بالظبط كده.. بيحبك بس مش بيقدر يعبّر بالكلام.
سكتت "ريهام" قليلًا، كانت عيناها تدوران كأن عقلها الصغير يحاول ترتيب المشهد، ثم همست:
- هو هايبقى في عنده بول زي إللي عمر عمله عشاني في الـKids Club؟
- أكيد.. وأكبر كمان.
تنهّدت برضا طفولي، ثم مالت عليه فجأة، واحتضنته مغمغمة:
- خلاص.. أنا هاروح له.. بس خلي عمر يجي هناك عشان يرجعني. لو مش حبيت أقعد هناك عنده.
شدّها "نديم" إلى صدره أكثر، ضمّها بشدة، مرّر يده على رأسها برفق، في حركة متكررة، صامتة، ولم يقل شيئًا.
لقرابة الساعتين بقى "زين نصر الدين" منتظرًا بقاعة الاستقبال بالفندق، احتسى فنجان القهوة الثاني وبدأ يفقد صبره فعليًا. لولا ظهورها الآن عند اعتاب المصعد.
تنفس الصعداء وتأهب للقيام، لكنه يتسمّر فجأة، عندما يتوّهم شبيهتها. إلا إنه ما لبث أن تأكد، لقد كانت هي، هي بذاتها، ابنة عمته التي لم يعرف بوجودها إلا منذ فترة قصيرة جدًا، وهو الآن موكل من جده بإحضارها له، لكنه أيضًا مكلّف بإحضار "ريهام البدري" لأبيها، السيد السفير، فماذا يصنع؟
لم يحوّل بصره عنها، حتى اقتربوا جميعهم وصاروا أمامه، وقد إنتبهت "ليلى" بدورها لنظراته، وإذا بها تتذكره هي الأخرى، لكنها تلتزم الصمت.
ليقاطع صوت "نديم" تلك الأجواء المضطربة بصوته الفاتر الأجش:
- ريهام جاهزة يا سيادة الرائد.. لكن مش هقدر أسلمها لك إلا لما أعرف هتاخدها على فين. عشان أبلغ أخوها لما يرجع.
الآن فقط أزاح "زين" عيناه عن "ليلى". نظر إلى "نديم" بتعبيرٍ مكفهر وقال باقتضاب:
- معالي السفير لسا مكلمني.. ساب الرقم ده للتواصل معاه. ماعنديش أوامر أكتر من كده.
أستلّ "زين" من جيبه ورقة صغيرة مدوّن عليها رقم هاتف، ثم ناولها لـ"نديم" الذي أخذها على مهلٍ بسلوكٍ استفزازي.
كان يرمقه بنظراته فيها من البرود الشديد، مستمتعًا بنجاح خطته حتى الآن، وممتنًا للصدف التي تدعمه في موقفٍ كهذا.
انحنى يخاطب "ريهام" التي كانت تتحاشى النظر إلى "زين" طوال الوقت:
- خلاص يا ريري.. إتفقنا تبقي كويسة وتسمعي الكلام؟ أنا وعمر مش هانطول عليكي. إنتي هاتروحي الأول وإحنا هانحصلك.. تمام يا روحي؟
أومات له "ريهام" موافقة، فقبّلها على وجنتها بأبوّة، سلّمها سلسلة الكلبة في يدها ونظر إلى "زين" مكملًا:
- الكلبة دي مش بتفارق ريري.. عشان كده هاترافقها في رحلتها مع سيادتك.. لو في مانع سيبها وسيب لي عنوان عاصم بيه وأنا هاوصلها لحد عنده بنفسي.
زين بحزمٍ:
- الأنسة هاتيجي معايا.. ومافيش مانع لو الكلبة رافقتها.. عندنا مكان في الطيّارة.
أومأ له "نديم" قائلًا:
- عظيم.. خلاص كده مافيش حاجة تانية.. تقدر تاخدها.
تحوّلت أنظار "زين" نحو "ريهام" وقال بلهجته الصلدة:
- اتفضلي معايا يا أنسة!
هنا فقط نظرت له "ريهام". أجفلت قليلًا. لكنها شعرت بلمسة أخيرة من "نديم" تشجعها وتطمئنها.
شدّها "نديم" ليعانقها مرةً أخيرة، ثم أطلقها مرددًا:
- خلّي بالك من نفسك يا ريري.. أنا هاكلمك أول ما توصلي.
أومأت له بوجوم، لوّحت له مودعة بصمت هو و"ليلى".
ثم سارت خلف "زين" الذي حمل عن مربيتها الحقيبة الكبيرة.
كان ظهره متوترًا وهو يمشي بخطوات متسعة، غير قادرًا على التفكير في سواها، إنها "ليلى" التي يعرف فعلًا بأمر سفرها مع ابن عمها المزعوم.
لم يستغرب الأمر، بقدر ما أثار ربيته ظهورها بجواره هنا، يستشعر بينهما رابطة أعمق من كونها رابطة فتاة بابن عمها.
ترى ماذا يحدث؟
ماذا يحدث بحق الله!
رواية هيبة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريم محمد غريب
توقّفت سيارة الأجرة أمام بوابة الفيلا الكبيرة، تلاشى ضجيج الطريق خلفهم، بينما ظلّ صمتٌ ثقيلٌ يملأ المقعد الخلفي.
أدار "عمر البدري" رأسه نحوها، كانت "راندا منصور" ما تزال تبكي، الدموع تنساب على وجنتيها في هدوء، بلا صوت، بلا رجفة.
زفر ببطء، ونادى صوته الهادئ باسمها:
- راندا!
رفعت يدها، مسحت آثار الدموع، ثم التفتت إليه بنظرة متعبة، منهكة، لكنها صافية، ثم قالت بصوتها ذي البحة المميزة:
- شكراً يا عمر.
رفع حاجبيه قليلاً وردد:
- شكراً على إيه؟
ابتسمت رغم أن حزنها كان أسبق من أيّ تعبير، وقالت:
- على كل حاجة.. على التوصيلة على الأقل… شكراً!
ردّ لها الابتسامة وقال بكياسته المعهودة:
- العفو يا راندا هانم. دي أقل حاجة ممكن نقدمها لبرنسيس في رقتك وجمالك.
سكتت لثوانٍ محيّاها يصطبغ خجلًا، أشاحت بوجهها عنه للحظات عيناها على باب المنزل، نظرت له من جديد وقالت بلطفٍ:
- طيب انت لازم تنزل معايا.. لازم تدخل تشرب حاجة وترتاح من السكة.. مش هقبل أعذار.
رد "عمر" مبتسمًا بدعابة:
- بصراحة لو ماكنتيش عرضتي عليا كنت أنا هطلب منك.. موبايلي فصل شحن ومشيت من الفندق منغير ما أبلغ حد. وكمان قلقان على ريهام عاوز أطمن عليها.
- طيب اتفضل معايا بقى لو سمحت!
وفتحت باب السيارة من جهتها مترجلة منها بهدوء، سارت تجاه المنزل، بينما يدفع "عمر" أجرة السائق، ثم يلحق بها، تفتح لهما إحدى المستخدمات.
- حمدلله على السلامة يا مدام راندا.
- بابي فين رجاء؟
- البيه خرج من الصبح بدري واتصل من شوية وقال راجع على العشا.
- وعمتو فاتن؟
- الست فاتن في أوضة المكتب بتاخد قهوتها.
أومأت "راندا" ملتفتة نحو "عمر" وأردفت:
- طيب خدي عمر بيه الصالون وقدميله حاجة يشربها!
ثم خاطبته هو بلهجتها الرقيقة التي لم تخلو من الحزن بعد:
- عمر هستأذنك هاروح أشوف عمتو وراجعة لك.
عمر بابتسامته الجذّابة:
- اتفضلي.. مستنيكي.
قبل أن تتركه أمرت الخادمة بجلب شاحن لهاتفه، أخذته الأخيرة إلى البهو الفسيح، جلس "عمر" فوق أحد المقاعد الوثيرة، دقائق وجاءت الخادمة حاملة صينية صغيرة، قدّمت له قهوته ثم ناولته الشاحن الذكي وذهبت.
تجرّع "عمر" كأس الماء أولًا، ثم ارتشف فنجان قهوته على ثلاث مراحل، سرعان ما أستعاد نشاطه، رفع هاتفه عن الشاحن ليجري الاتصال بشقيقته، لكنه تفاجأ بكمّ هائل من إشعارات الرسائل والمكالمات الفائتة جميعها تقريبًا من ابن خالته "نديم".
فتح الرسالة الأخيرة وقد كانت صوتية، برز صوت "نديم" الخشن محتدًا وثائرًا:
"عمـر.. كلّمني حالًا بقولك. أبوك مصمم ياخد ريهام.. أنا حضرت لها شنطتها فعلًا وأخرتها بما فيه الكفاية. مش هقدر آخرها أكتر من كده!!"
شخصت عيناه بينما يستمع لكلمات ابن خالته، ولا إراديًا هبّ واقفًا وهو يجري الاتصال به مباشرةً، رد "نديم" من الجرس الثالث:
- عمر!
- إيه إللي حصل؟
باغته "عمر" بصوتٍ خافت متخم بوحشيةٍ دفينة.
جاوبه "نديم" بصوته الأجش:
- إللي حصل زي ما حكيت لك. أبوك بعت حراسة مخصوص عشان تاخد ريهام.. انت فين أصلًا يا بني آدم كل ده؟؟؟
تخطّى "عمر" سؤاله تمتم من بين أسنانه المطبقة بشدة:
- سيبتهم ياخدوها يا نديم؟ سيبتهم ياخدوها؟؟!!
رد "نديم" بصرامة قاطعة:
- ده أبوها إللي طلبها.. كنت عايزني أعمل إيه؟ أنا لو عندي بنت وطلبتها هاخدها غصبًا عن عين أي حد.. مقدرش أمنعه يا عمر. انت الوحيد إللي كنت هتقدر تعمل ده.
لم يستطع "عمر" ردًا عليه، من شدة غضبه المتفاقم كالنار في الهشيم، أخبره "نديم" باقتضاب:
- في أخبار كتير لازم تعرفها. بس أهمها إن أبوك رجع وأخد أختك. وساب لك رقم عشان تتواصل معاه. هاتلاقيني سايبهولك في رسالة.
لم ينتظر "عمر" لسماع المزيد، أغلق الخط معه واستعرض من جديد قائمة الرسائل، عثر على بُغيته، أجرى الاتصال بالرقم الذي تركه له "نديم".
ثوانٍ وأجابه صوتٍ يعرفه جيدًا، بل يحفظه عن ظهر قلب:
- عمر!
عمر بصوتٍ كالجليد:
- أختي فين؟
- مش هي دي ازيك يا بابا إللي كنت مستنيها.. أينعم ماكنتش مستني منك واحشني. بس ماتخيلتش جحودك يوصل لكده!
تمالك "عمر" أعصابه بصعوبة بالغة وهو يرد عليه:
- عاصم يا بدري.. انت من زمن جدًا خسرت صفتك كأب بالنسبة لي.. دلوقتي حالًا في اللحظة دي. كل إللي بيربط بيني وبينك حاجة واحدة بس.. ريهام. ف قولّي ودّيت أختي فيــن؟؟؟
عاصم بهدوء:
- أختك دي تبقى بنتي.. وأنا مقدر مشاعرك ومش هافتح مواضيع مالهاش لازمة دلوقتي. وكمان مش ناوي أسلبك حقك في أختك أطمن.. لو عايز تشوفها هابعت لك التفاصيل في رسالة. قدامك نص ساعة.
وأغلق معه.
في اللحظة التي عاودت "راندا" الظهور ثانيةً، كان يتأهب للمغادرة، فأستوقفته مشدوهة:
- إيه يا عمر!
خاطبها "عمر" بلهجة حادة على قدر من التوتر:
- أنا لازم أمشي يا راندا. كده اطمنت عليكي إنك في بيتك وبخير.. أشوفك على خير.
- طيب استنى بس فهمني. حصل حاجة؟
- مافيش حاجة بس ريهام محتاجالي.. لازم أروح لها حالًا.
هزت "راندا" كتفيها ببطءٍ قائلة:
- طيب يا عمر.. عمومًا انا متشكرة جدًا على كل حاجة.. شكرًا على وقفتك جنبي.
في ظرفٍ آخر ما كان ليذهب ويتركها على هذا الحزن البيّن، خاصةً وهو يرى الدموع تتلألأ بعينيها، لكن نداء الدم الذي صدح بأعماقه طغى على كل مشاعره، فأكتفى بابتسامة مؤازرة منحها إيّاها قبل أن يصافحها ويسارع في الخروج.
بقيت "راندا" مكانها تحدق في إثره الفارغ، ما إن اختفى تمامًا حتى تحررت من تحفظها، سمحت لنفسها بالانهيار الآن.
ارتمت فوق أريكة الصالون مجهشة ببكاءٍ حار لم تعرف سجيته من قبل قط.
الآن فقط تختبره بفضل زوجها.. الرجل الوحيد الذي تمكن من قلبها.
وهو "نديم الراعي".. لا غيره.
***
كان الهدوء يخيّم على الجناح الفندقي، يثقل الهواء بصمتٍ مشحون، لا يشوبه سوى صوت أنفاس "ليلى" المتوترة.
وقفت أمام المرآة، تنظر لانعكاسها بعينين شاردتين، بينما "نديم" اقترب منها بهدوء، يحمل الحسم، يحمل القرار.
مدّ يده بثبات، تناول السترة من على المقعد ووقف خلفها، يساعدها في ارتدائها كأنما يحاول أن يحميها لا أن يلبسها فقط، أنامله مرّت على ذراعيها، تغلّفت بالعناية.
قال بنبرة خافتة وهو يضمّها بحنانٍ من الخلف:
- فكّي بقى. ماتكلضميش كده.. قلتلك هاعوضك بأجازة أطول وبرا مصر كمان.
استدارت ببطء تنظر له دون أن يفك ذراعيه حولها، بعينين امتلأتا قلقًا وكأنهما تستنجدان باليقين في ملامحه تساءلت:
- طيب أنا مش فاهمة.. انت بتقول مش راجعين البيت. يعني رايحين فين؟
جاوبها وهو يمسح على شعرها برفقٍ:
- رايحين الشقة إللي كتبنا فيها عقد الجواز.. فاكرة؟ هناك محدش هايعرف يوصل لك.. ده مجرد تأمين ليكي عشان لو راندا اتجننت وفتحت بؤها بأي كلمة انتي تكوني في أمان لحد ما أتفاهم أنا وعمي.
عبست بوهنٍ قائلة بصوتٍ كالأنين:
- وليه ده كله كان من الأول يا نديم؟ ليه بابا يعرف بالطريقة دي؟ ليه؟
نديم بجدية:
- ليلى.. مش قلتلك لازم تثقي فيا؟ أنا وعدتك إن حتى لو عمي عرف مافيش أي حاجة هاتتغيّر بينك وبينه. وهايوافق وهايبارك جوازنا كمان.. أنا بتعهد قصادك بكده.. أنا عمري كذبت عليكي؟
هزت رأسها نفيًا وقالت:
- بس أنا.. أنا خايفة يا نديم.. كل حاجة بتحصل بسرعة أوي!
نظر في عينيها بقوة قائلًا بصوته الواثق:
- ممنوع تخافي. طول ما أنا معاكي. مش هسيبك.. فاهمة؟ ولا ثانية.
وأمسك بيدها في قبضته الكبيرة، يده دافئة، مطمئنة، كأنها تحتوي نبضها قبل أن تحتوي جسدها، همّت أن تقول شيئًا… لكنه باغتها هامسًا قرب أذنها:
- أنا بحبك!
ودنى ببطء ليضع فوق شفتيها قبلة بطيئة، عميقة، لا تشبه قبلاتهم السابقة.
لم تكن لحظة حميمية عابرة، بل وعدٌ طويل بالاستمرار، بالبقاء، بالحماية. شفتاه لامستا شفتاها في رفق، ثم شدّة آنّت على إثرها، ثم إذعان تام منها.
إذعان ممزوج بالثقة، بالحب، بالرغبة في الذوبان داخله.
رفعت ذراعيها مطوّقة عنقه، بادلته القبلة كأنها تُسلّمه مفاتيح قلبها كلها، يديها تمسكتا بوجهه، فمها يذوب ويمتزج في شفتيه كليّةً، تنفست أنفاسه كأنها تبحث فيها عن الإجابة التي عجزت الكلمات عن نطقها.
بينما همس لها وشفتاه لا تزالا تلامسان بشرتها:
- ثانية كمان وهانبات هنا للصبح. مش هقدر أقاوم الحضن والرقة دي كلها.. يلا أحسن لك!!
ابتسمت رغم القلق، عيناها انطفأ منهما الخوف قليلاً، وهي تهز رأسها في صمت موافق.
مدّ يده، شدّ على كفها، وقادها خارج الغرفة.
خلفهما كانت حقائب السفر تُدحرج على الأرض، يحركها عمال الفندق في صمتٍ معتاد.
أمّا هما فكانا يسيران في ممر الطابق متشابكي الأيدي، وصولًا للأسفل، سجلا الخروج عبر قاعة الاستقبال، ركبا السيارة المجهزة لهما، جلسا في الخلف.
وتقرّبت "ليلى" من "نديم". أفسح لها في حضنه فتكوّرت ملقيّة برأسها فوق صدره الصلب.
النافذة عكست وجهها المستند إلى كتفه، بينما تنكمش أكثر بحضنه، كأنها تلتمس حصنًا يُشبه الوطن، دفنت وجهها في عنقه، شمّت عطره، وابتلعت تنهيدة خافتة وهي تهمس له بضعف على قدر عشقها:
- أنا كمان بحبك.. أنا بحبك يا نديم!
في هذه اللحظة لم يكن يسمعها جيدًا.. كان يفكّر بينما عيناه تنظران عبر النافذة المغلقة.
اللعبة بدأت للتو.. والخطوة التالية هيّ الأصعب.. الأصعب على الإطلاق!
رواية هيبة الفصل السادس عشر 16 - بقلم مريم محمد غريب
حطّت الطائرة الخاصة فوق قمّة المنزل الأشبه بالحصن في تصميمه الفريد، بناء مربّع الشكل، حوله أرضٌ زراعية محاطة بأسوارٍ خرسانية عالية مجللة بالأسلاك الشائكة.
الحراسة موّزعة بكل مكان بنظامٍ دقيق، حتى عند مدخل السطح.
ما إن سكن هدير محرّكات الطائرة "الهيلكوبتر" وإنفتح بابها المعلّق حتى هبّ فردٌ من الحراسة نحو القائد.
يتصدّر "زين نصر الدين" المشهد.
برز أولًا عبر باب الطائرة الصغير الذي لم يلائم قامته الطويلة وبنيته الضخمة، كان يحمل في يده حقيبة "ريهام" الكبيرة.
ناولها للفتى الذي هرول إليه مطلقًا آوامره بصوته الأجش:
"نزل الشنطة جناح الأنسة ريهام وجهزوا مكان تحت في الجنينة عشان الكلبة بتاعتها."
أومأ الفتى صائحًا:
"أمرك يافندم."
واستدار موليًا لينفذ التعليمات حرفيًا.
إلتفت "زين" ليرى "ريهام" تقف خلفه مباشرةً، منكمشة على نفسها كقطة تخشى بطش مخلوقٍ مخيف مثله.
كانت تتمسك بسلسلة ذهبية موصولة بطوق عنق كلبتها الناعمة، كلبتها التي تشبه في نعومتها صاحبتها، وكأنها نسخة أخرى من روحها.
لم يكن "زين" في مزاجٍ طيب ليسمح لنفسه بتأملها أو الوقوف عند حالتها الغريبة، ما كان ليهتم بأيّ شيء آخر الآن سوى تسليمها لوالدها، ثم الاستئذان منه والذهاب إلى قصر عائلته ليبدأ من هناك أولى خطواته الجديّة لإستعادة "ليلى"، ابنة عمته.
"اتفضلي معايا يا أنسة ريهام!" هتف "زين" بصوته الصلب.
ارتعدت "ريهام" لمجرد مناداته بأسمها، لم ترد عليه، ولم تنظر نحوه أصلًا.
ما أثار حفيظته ودفعه ليكرر بصوتٍ أكثر حدة:
"أنسة ريهام! مش هانبات هنا. يلا قدامي لو سمحتي والدك في انتظارك."
مرةً أخرى لا تنصت له.
فما كان منه إلا أن اقترب منها خطوة ناويًا إرغامها على إطاعته، لولا أن رآها تتراجع بسرعة ملتصقة بإطار باب الطائرة وقد فرّت دمعة من عينها الزرقاء وهي تغمغم بنشيجٍ مكتوم:
"عمـر.. أنا عايزة عمرررررر."
تجمدت يد "زين" قبل أن تصل إليها، ارتبك للحظة حين رآها على وشك أن تجهش في البكاء، لذا مارس على نفسه أقصى درجات ضبط النفس.
تنفس بعمقٍ مبالغ فيه، ثم قال بصوتٍ أهدأ:
"من فضلك يا أنسة.. اسمعي كلامي.. اسمعي كلامي خمس دقايق كمان وأوعدك مش هاتشوفيني تاني قصادك. ممكن؟"
رفعت رأسها ببطءٍ حتى إلتقت عيناها الدامعتين بعينيه الحادتين، لم تنطق.
فأستطرد بلهجة فيها من الرفق لتطمئن له:
"أنا مش هضايقك تاني يا أنسة.. أوعدك. أنا بس عاوز أوصلك لوالدك.. وبعد كده ماليش علاقة بيكي.. اتفضلي لو تحبي امشي قدامي.. ولا تمشي ورايا؟"
أفسح لها الطريق متنحيًا على الجانب، فلم تتحرّك.
فخطى للأمام بضع خطوات وتوقف، ليراها أخيرًا تتقدّم تجاهه ببطء.
تنفس الصعداء وواصل سيره على مهلٍ، بينما تتبعه "ريهام" برفقة كلبتها النشيطة التي طافت حولها تهز بذيلها.
هبطا درج السطح الحلزوني، ثم أستقلا مصعد أخذهما إلى الطابق الأول.
ما إن إنفتح باب المصعد المزدوج حتى صرخت "ريهام" من شدة المفاجأة والحماسة.
رأت شقيقها "عمر" يجلس قبالة والدهما في البهو الأنيق.
أسترخى وجه "عمر" المشدود وأشرق فور رؤيتها، قام واقفًا ببطء بينما تفلت سلسلة كلبتها وتركض صوبه، يتلقّاها "عمر" بين أحضانه معتصرًا إيّاها في عناقٍ محكم لدرجة أن قدميها لم تعودا تلمسان الأرض.
غمغمت "ريهام" بسعادة وراحة غامرة:
"عمر.. انت جيت!"
رد عليها "عمر" بلهجة حنونة لا ينالها سواها:
"وأنا أقدر أسيب ريري بردو؟ سامحيني يا حبيبتي إني سيبتك لوحدك.. بس ماتخافيش.. مش هاتتكرر تاني أبدًا!"
وحانت منه نظرة نحو والده الذي لا يزال جالسًا في مكانه، يطالع ولديّه بنظراتٍ هادئة، كالعادة تعبيره غامض، لا يفصح عن شيء.
أخيرًا برز صوته، مخاطبًا إبنته التي لم تفك عناقها بأخيها لحظة منذ رؤيته:
"إيه يا ريري.. إنتي ماشوفتيش بابي ولا إيه؟"
أرخت "ريهام" ذراعيها حول عنق "عمر".
استدارت لتنظر إلى والدها.
عبست وهي ترمقه بنظراتٍ مبغضة وقالت بنزقٍ طفولي:
"وحش. انت وحش انت مش بابي وأنا مش بحبك."
"ريـهــــــام!"
جمدت على إثر صيحة "عمر" المعنفة.
لم تخشاه بقدر ما إلتزمت الصمت مذعنة لتحذيره المبطن، بينما يأمرها بصرامة:
"عيب إللي قولتيه.. اعتذري لباباكي. يلا!!"
زمجرت "ريهام" وهزت رأسها رفضًا.
فضحك "عاصم" بخفةٍ وقال مخاطبًا ابنه:
"خلاص يا عمر.. سيبها براحتها.. أنا عارف إزاي اتعامل معاها. ريري دي حبيبة أبوها. مش مشكلة لما تدلع عليا شوية."
"عاصم بيه!"
إلتفت "عاصم" نحو نداء "زين".
بينما يتحدث الأخير بلهجةٍ رسمية منضبطة:
"لو تسمح لي سيادتك. أنا جبت لك بنتك زي ما أمرت.. كنت عاوز أستأذن الليلة دي أمشي ومن بكرة هانسق مع حضرتك مواعيد حضوري وإنصرافي على حسب جدول أعمالك."
رد "عاصم" بهدوء:
"مافيش مشكلة يا سيادة الرائد. تقدر تمشي طبعًا.. ومتشكر جدًا تعبتك معايا."
"زين بدماثة: لا شكر على واجب يافندم.. بالإذن."
وإنسحب في هدوءٍ وسرعة.
بينما يهتف "عاصم" مستدعيًا فرد آخر من مستخدمي المنزل.
فجاءت فتاة يافعة ترتدي زيّ الخدمة الداكن وقد بدت عليها الاحترافية.
امتثلت أمام "عاصم" مرددة باحترامٍ:
"تحت أمرك يا باشا."
أشار لها "عاصم" نحو ابنته قائلًا:
"دي بنتي يا أسما.. من فضلك خديها على الأوضة إللي قلت لك تجهزيها كويس عشانها."
"حاضر يا باشا.. إتفضلي معايا يا أنسة."
رابطت "ريهام" بجوار أخيها ولم تتحرّك.
لينهض "عاصم" واقفًا في هذه اللحظة هاتفًا بسطوة أب لا يعرف العصيان:
"ريهام.. روحي مع أسما على أوضتك.. سمعتيني قلت إيه؟ مش هاطلب منك تاني بلساني!"
نظرت له "ريهام" بكراهيةٍ شديدة، ذات النظرة تحاكيها عينا "عمر".
لم يكن قلقًا على أخته من والدهما على أيّة حال.
كما لم تخشى "ريهام" منه، أقصى ما سيفعله "عاصم" هو إرغامها على طاعته، كأن يأخذها من يدها قسرًا إلى غرفتها.
في حياته لم يمد يده إليها بسوءٍ، لكنه لطالما كان قاسيًا على كليهما، "عمر" في صغره وحتى بلغ طور الرجولة، و"ريهام" ما إن بدأ يشتد عودها.
تنهد "عمر" بحرارة كاظمًا غيظه، أراد أن يحظى ببعض الوقت ليفصح عمّا بصدره أمام والده، وذلك لن يكون ممكنًا في وجود أخته.
لذلك إلتفت إليها وقال بحزمٍ هادئ:
"ريهام.. اسمعي الكلام.. روحي دلوقتي. وأنا أوعدك إني مش هامشي. شوية وجاي لك."
تعلّقت عيناها به وهي تقول بحزنٍ جمّ:
"ماتسبنيش معاه.. عشان خاطري يا عمر مش عايزة أقعد معاه."
في الجهة الأخرى، يزدرد "عاصم" مرارة كلماتها في صمتٍ، كعادته لا يبدي ما بدواخله.
بينما يؤكد "عمر" على وعده لها:
"ماتخافيش. أوعدك إني مش هاسيبك.. انتي جيتي لاقتيني هنا قبلك. صح؟"
أومأت له.
فابتسم قائلًا:
"يبقى تصدقي كلامي. وتقولي حاضر.. هتقولي إيه؟"
رددت "ريهام" بانصياعٍ:
"هقول حاضر!"
ربت على شعرها بحنانٍ، وأفلتته ماشية وراء الفتاة ذات الحركات الآلية.
دقيقة واحدة وسكنت الأجواء بين الأب والابن مجددًا.
تواجه ندًا بند، ونطق "عاصم" أولًا:
"أديك شوفت ريهام وأطمنت عليها.. جاهز نتكلم شوية كأب وإبنه؟ ولا لسا مصمم إني عدوك؟"
رد "عمر" بلهجة جافة تناقض سعير نظراته:
"عمرك ما هاتكون غير عدوي.. قاتل أمي عمره ما هايكون غير عدوي لآخر يوم في عمري!!!"
يتخلّى "عاصم" عن هدوئه في هذه اللحظة صائحًا بغضب بِيّن:
"إللي قتل أمك مرضها. إيّاك تلزق التهمة دي فيا تاني انت سامع؟ مش ذنبي إن ربنا رزقها بعقل ناقص!!"
"عمر بغضب أشدّ: بس ذنبك إنك أهملتها.. ذنبك إنك سافرت وسيبتها وهي لا شايفة ولا متعلّقة بحد غيرك.. مهما قلت مستحيل تقدر تنفي المسؤولية عن نفسك. انت من البداية اخترتها. اتجوزتها على حالها كده. وفي الآخر عملت إيه؟ سيبتها وكنت عارف إنها بتموت كل يوم منغيرك ومنعت كل حاجة.. حتى إحنا ولادها. بطلت تشوفنا.. لحد ما ماتت... بسببك!!!!"
لم يستطع "عاصم" الرد على الفور.
ليتابع "عمر" بحقد سنوات طفى كله في لحظة:
"لا أنا ولا ريهام طلبنا وجودك في حياتنا يوم واحد طول السنين إللي فاتت. محدش فينا فكر فيك ولا أحتاجك وانت عارف ده.. بس هي احتاجت لك. إيه إللي منعك تاخدها معاك؟ إيه إللي منعك لما كلمتك وقلت لك إلحقها بتموت ماتجيش وتاخدها؟ انت مستوعب انت عملت فيها إيه؟ وجاي دلوقتي بتفكر تكرر نفس إللي عملته مع أختي؟ مع ريهام إللي للأسف قدرها تعيش زي ما عاشت أمها.. أنا مش هاسمح لك.. هاتلاقيني واقف في وشك.. صدقني.. عشان ريهام أنا مستعد أعمل أي حاجة. حتى لو نسيت إنك أبويا ولو على الورق!!"
سأله "عاصم" بهدوء مقطبًا جبينه:
"انت متخيل إني ممكن آذي بنتي يا عمر؟"
"عمر بحدة: مش هاتكون أحسن من مراتك إللي سيبتها تموت بدم بارد."
صمت "عاصم" هنيهةٍ.
ثم قال بجدية:
"أنا حبيت غادة.. لو ماكنتش حبيتها ماكنتش اتجوزتها وأنا عارف هي بتمر بإيه."
"عمر بمرارة: وياريتك ما اتجوزتها.. ماخوفتش صحيح إن ولادك منها يورثوا مرضها؟ ربنا ما أرادش أطلع زيها صحيح. لكن ريهام طلعت.. المنطقي إنك ماتبقاش عليها. وإنك تحمد ربنا إني في حياتها براعيها وباخد بالي منها بدالك.. انت جاي دلوقتي عايز إيه؟ فهمني عايز مننا إيـه ؟؟؟؟"
جاوبه "عاصم" ببساطة:
"عاوزكوا.. عاوز ولادي.. انت ابني. وريهام بنتي.. مستحيل تتنكروا من الحقيقة دي مهما عملت يا عمر.. أنا هفضل أبوكوا."
هز "عمر" رأسه وهو يقول زامًا فمه بقسوة:
"انت اتأخرت أوي.. مابقاش ينفع الكلام ده."
لاحت على ثغر "عاصم" طيف ابتسامةٍ حزينة وهو يقول:
"طيب إديني فرصة.. فرصة أخيرة.. على الأقل عشان ريهام... فرصة أخيرة يا عمر!"
ساد الصمت بينهما من جديد.
لم يعد "عمر" يتحدث.. فقط ينظر إلى أبيه.
بينما يمر شريط حياته أمامه.
لم يكن معه تقريبًا ولم يراه في أحلك أوقاته أو حتى أسعدها.
رآى مرض أمه.. إحتضارها.. معاناة أخته.. وحدته.. إنجازاته التي حققها بمفرده مصارعًا منافسيه والحياة وكل شيء.
لم يكن بجانبه.
فلماذا يريده الآن؟
لا شيء يجبره على قبوله في حياته.
هو لا يريده ولا يحتاجه.
ولكن ماذا عن "ريهام"؟
أهي حقًا بحاجته؟
هل سيكون وجوده معها فارقًا إلى حدٍ ما؟
أم سينتهي بها الأمر كوالدتهما؟
لا.. "ريهام" ليست متعلّقة بوالدها ولا تحبه كثيرًا.
إذا تركها وغادر بأيّ وقت لن يشكل ذلك عائقًا بحياتها.
إذن.. ما الذي سيخسره.. إذا منحه تلك الفرصة الأخيرة؟
إن لم يكن لأجله.. فلأجل "ريهام"!
رواية هيبة الفصل السابع عشر 17 - بقلم مريم محمد غريب
فتح "نديم" باب الشقة بهدوء، أفسح الطريق أمام "ليلى" لتمر أولًا متمتمًا بإيماءة خفيفة من رأسه:
- ادخلي يا لولّا!
انصاعت له ودخلت بخطوات فيها من التردد، تبعها وهو يحمل حقيبتيهما في يديه، ثم أغلق الباب خلفه بهدوء.
وقفت "ليلى" في منتصف الردهة، عيناها تجولان المكان دون تركيز، فقد رأته من قبل فعلًا، كتفاها مشدودان، لكن في عينيها ظلّ راحةٍ طفيف… راحة لوجوده معها فقط لا غير.
وضع "نديم" الحقيبتين بجانب الجدار، ثم اقترب منها بخطى بطيئة، متأنية، كأنه يراعي كل اضطراباتها الظاهرة والباطنة.
التفتت إليه مبتسمة. فقال بهدوء وهو يقرأ تعبها كأنه مسطرٌ في عينيها الآسرتان:
- إيه يا أميرتي.. لسا نعسانة ولا إيه؟ انتي نمتي ساعتين في الطريق.
أجفلت "ليلى" بينما يقف قبالتها، مد ذراعه محاوطًا كتفيها، وبيده الأخرى يمسك بيدها بلطفٍ.
- مش نعسانة. بس مش عارفة ليه حاسة ان قلبي.. مقبوض!
رد بصوته الهادئ، عينيه على عينيها وهو يضم يدها في قبضته باحتواءٍ مدروس:
- مش قلت لك ممنوع تخافي يا ليلى؟ قلبك مقبوض وأنا معاكي معناها إني مش قادر أحميكي. معناها إني ماليش لازمة.
ليلى بصوتٍ مهزوز:
- أنا ماقصدتش كده يا نديم.. أكيد مطمنة طول ما انت جنبي. بس.. أنا خايفة لو بابا عرف.. حاسة إننا عملنا حاجة غلط!!
وأخفضت عيناها للأرض. تشكلت عقدة عميقة على جبين "نديم". رفع يده بهدوء ولمس ذقنها دافعًا إيّاها للنظر له وقال بجدية:
- بُصيلي.. انتي دلوقتي مراتي يا ليلى.. فاهمة يعني إيه مراتي؟ محدش له سلطة عليكي غيري أنا. ولا حتى عمي.. هافترض معاكي لو عرف قبل ما أفاتحه رسمي هايزعل ويثور علينا شوية.. لكن في الآخر أنا واثق إنه هايبارك الجواز ده. لأنه عارف ومتأكد إني أكتر واحد هكون أمين عليكي.. وإني بحبك من قلبي ولآخر يوم في عمري.
رفعت عينيها إليه، لمعة خفيفة من الدموع تحتبس عند الحواف، ابتسمت ابتسامة صغيرة، فيها شكر وخوف، حب وضعف، كلها في لحظةٍ واحدة، ثم قالت:
- أنا مش ندمانة على أي حاجة عملتها معاك.. واثقة فيك يا نديم.. بس مش قادرة أمنع احساسي بالخوف. خابفة بابا يفهمني غلط!
هزّ راسه بتفهم وقال بهدوء:
- فاهمك ومقدر يا حبيبتي.. وبوعدك ان كل إللي انتي خايفة منه مش هايحصل.. أو على الأقل مش هاخليكي تواجهيه. إللي هايحصل هو إننا هانكون لبعض.. وقدام الدنيا كلها.
سكت لحظة يسكّن قلقها بابتسامة لطيفة، وأستطرد:
- تعالي نقعد شوية.. تشربي حاجة؟
أومأت له قائلة بصوتٍ به رجفة:
- آه… لو ينفع حاجة سخنة!
- طبعًا.. تعالي يا روحي.
أخذها نحو المطبخ المفتوح وأجلسها هناك بالقرب منه، تحرّك ناحية الموقد الكهربائي، خطواته تقطع الصمت، بينما هي تجلس بمكانها، تراقبه فقط، وتجد في ذلك متعة لا وصف لها.
***
باب الغرفة مواربًا، ما من صوت ينبئ بوجود أحدٍ من ورائه، لكنه يعرف أنها بالداخل. مد "عمر" يده دافعًا الباب ببطء حتى إنفتح عن آخره، وقف على العتبة لحظة مطوّلة، عيناه تجولان أرجاء الغرفة.
كل شيء كان مبهجًا أكثر من اللازم، جدران بلون وردي فاتح يميل إلى لون حلوى القطن، مرسومٌ عليها أشكال متناثرة لغيوم صغيرة وطيور كرتونية بألون زاهية، ستائر شيفون بيضاء تحرّكها نسمات المكيّف لا الهواء الطبيعي، فالنافذة محكمة الإغلاق كما يرى ومجللة بسياجٍ حديدي كما لو أنها مسجونة!
السقف مزيّن بلصقات فسفورية على شكل نجوم وقمر فضّي، لا تُضيء إلا ليلًا حين يُطفأ الضوء كنوع من الطمأنة، الأرضية مفروشة بسجادة سميكة بلون أزرق سماوي، السرير في منتصف الغرفة، مغلف بمفارش ورديّة منقوشة بقلوب صغيرة، وفوقه دمية شقراء ترتدي فستانًا بنفسجيًا وتبتسم بجمود.
ركنٌ في أقصى الغرفة وُضعت فيه مكتبة صغيرة متخمة بالكتب الخاصة بالأطفال وأقلام التلوين، بالإضافة إلى أرجوحة تتدلّى من السقف، تتهادى بهدوء رغم إن أحد لا يقربها.
الغرفة كلها تفيض بالبهجة، نعم، لكنها بهجة مصطنعة، كأن شخصًا ما يحاول أن يصرخ من خلال الديكور، الألوان، كل شيء. والأمر لا يحتاج تفكيرًا عميقًا ليدرك "عمر" بأن هذا الشخص ليس إلا والده! هو "عاصم البدري".. لا غيره.
- الأنسة هنا!
انتبه "عمر" لصوت الخادمة. إلتفت نحوها، ليراها تشير له صوب ستار النافذة، حيث اختبأت شقيقته هناك.
ندت عنه تنهيدة عميقة وهو يطلب من الأخيرة الذهاب بإشارة من رأسه، أطاعت الخادمة أمره الصامت وخرجت من الغرفة مغلقة الباب خلفها، بينما يخطو "عمر" ببطء تجاه الستار المسدل. يمد يده ويسحبه على مهلٍ، لتظهر له "ريهام" كما عهدها في ظروفٍ مشابهة، رآها تجلس القرفصاء، تحتضن ساقيها، ودنوعها تسيل في صمتٍ.
تقلّص وجه "عمر" من شدة الألم الذي تدفق بصدره، ضغط على نفسه كثيرًا ليخمده مؤقتًا لأجلها فقط، نزل لمستواها راكعًا على إحدى ركبتيه أمامها.
رفع "عمر" كفّه ملامسًا وجهها، كفكف لها دموعها وهو يقول بصوتٍ خافت يكفي لتسمعه:
- إيه يا ريري! قاعدة كده ليه؟ مستخبيّة من مين؟
لم ترد فورًا، نطقت بصعوبة عبر تقويسة فمها المتشنّج:
- انت هاتسيبني وتمشي.. هاتسيبني معاه يا عمر!!
هز رأسه وهو يحتوي وجهها بين كفّيه الآن، ويرفعه لكي تنظر إليه، تألم لمرآى حزنها ودموعها المنهمرة بشدة، وقال بتأثرٍ بالغ:
- أنا عمري ما أقدر أسيبك يا ريهام.. وانتي عارفة. مستحيل. أنا بس ممكن أغيب شوية. لكن هارجع لك تاني.. يا حبيبتي انتي مش هاتكوني لوحدك.. وبابا وعدني إنه هاياخد باله منك. ومش هايزعلك أبدًا.
علّقت بصوتٍ يمزّقه النحيب:
- يعني صح.. انت ماشي وسايبني هنا.
وانفجرت في البكاء. أفلتت منه آهة عندما عجز لوهلةٍ على تحمّل آلامها، جلس بجوارها، ملاصقًا لها، ضمّها إلى صدره بقوة قائلًا:
- ريهام.. إهدي يا حبيبتي.. عشان خاطري. عشان خاطر عمر.. بطلي عياط.. والله ما هاسيبك. أنا عمري ما كدبت عليكي. كام يوم بس وراجع لك. ماتعملييش كده لو سمحتي. انتي كبيرة. انتي شاطرة.. ريهام!
ردت بصعوبة:
- أنا بخاف منه.. بيزعق فيا.
أخذ يدلّك فروة رأسها بأصابعه وهو يقول بلطفٍ:
- قبل كده ماكنش يقصد وأنا فهمتك صح؟ قلت لك إنه كان بيمر بفترة صعبة قبل ما يسافر ويسبنا.. لكن هو دلوقتي اتغيّر. بابا بيحبك يا ريري. وهو وعدني إنه مش ممكن هايزعلك أبدًا.. وهايعملك كل إللي انتي عايزاه. لو ماعملش كده قوليلي أول ما أرجع لك. وأوعدك. لأ أقسم لك إني مش هاخلّيه يشوفك طول عمره.. بس ممكن تصدقيني المرة دي؟ ممكن نديله فرصة أخيرة؟ عشان خاطري يا ريري!
كم كره الكذب عليها. كم كره استخدام كلمات والده نفسها. أن يمنحه الفرصة الأخيرة التي يرجوها. على حساب من؟ شقيقته! لا، لم تكن مجرد شقيقة بالنسبة له، إنها ابنته، هو الذي ربّاها وأحبّها، ولم يتأفف يومًا أو يملّ من مسؤوليتها.
- هاترجع امتى؟.. سألته بلهجة مرتعشة.
جاوبها بهدوء:
- يومين تلاتة بالكتير. هارجع الغردقة أظبط الشغل وهارجع لك يا روحي.. صدقيني. أنا مقدرش أبعد عنك كتير. ده أنا روحي فيكي يا ريري.
كان يخاطبها بصدقٍ عرف أنها لن تستوعبه، لكنه أفضى بما في صدره على أيّة حال، لتستقر اضطرابات "ريهام" مستجيبة لمحاولاته. مدفوعة بثقتها الفطرية به، ابتعدت عنه بعفوية وتطلّعت إليه عبر دموعها، كانت قد توقفت عن البكاء ورمقته بنظراتٍ متسعة قائلة:
- طيب هاتلي كاندي وشوكلاتة قبل ما تمشي.. ده شرطي عشان أقعد!
ابتسم "عمر" من قلبه وقال:
- عينيا ليكي يا حبيبتي.. بس هاتاكلي حاجة واحدة منهم الليلة دي. وبكرة الحاجة التانية.. عشان ماينفعش دكتور الأسنان يزعل مننا لو أكلنا كل ده مرة واحدة.. إتفقنا؟
أومأت له قائلة بابتسامة بسيطة:
- إتفقنا!
***
في صمتٍ ناعم كالبخار المتصاعد من فنجان الشاي ذي نكهة الخوخ، جلس "نديم" إلى جوارها من جديد، الآن الشقة نصف غارقة في الظل، وأضواء المدينة تتسلل من النوافذ مثل نسماتٍ خافتة.
كانت "ليلى" ما تزال شاردة في أفكارها، وجهها شاحب والعتمة ترسم تحت عينيها خيوطًا لم تكن هناك بالأمس القريب. ناولها "نديم" الفنجان. لم تتكلم، بل اكتفت بأن تمسكه كأنما تتشبّث به لا لتشرب وتهدأ، بل لتتوازن. ارتشفت منه قليلاً، ثم إلتفتت إليه ببسمة واهية.
بادلها "نديم" الابتسامة قائلًا بصوتٍ حنون:
- أهو.. وشك بدأ يروّق شوية.. الحمدلله.
ليلى بصوتٍ شبه هامس:
- تعرف إن عمري ما حبيت الشاي ولا فكرت أشربه.. بس طلع حلو أوي!
هز رأسه وهو يقول بتفاخرٍ ينم عن غرور:
- أنا إللي عملته.. لازم يبقى حلو طبعًا.
- دي ثقة ولا غرور؟
- غرور طبعًا!
ضحك كلاهما، ضحكة قصيرة، لكنها حقيقية. الزمان لوهلة بدا مجروحًا، لكنه ساكنًا رغم ذلك، لم ينبسا بكلمةٍ حتى أنهت "ليلى" فنجانها تقريبًا.
ليتنحنح "نديم" قليلًا، ثم ينظر في ساعته وهو يهمّ بالقيام قائلًا:
- أوكي يا لولّا.. أنا لازم أمشي دلوقتي!
تنتفض "ليلى" فجأة هاتفة بعينين واسعتين:
- هاتروح فين وتسيبني هنا لوحدي؟!
عاد للجلوس، ومسح برفقٍ على شعرها، كأنما يهدئ نوبة خوفٍ طفولي كثيرًا ما تداهمها. جاوبها مبتسمًا بلطفٍ:
- مش هاسيبك كتير يا حبيبتي. بس لازم أروح البيت وأشوف الدنيا هناك فيها إيه.. بعدين هارجعلك واخدك.
وضعت الفنجان على الطاولة بسرعة، ثم انحنت نحوه فجأة، تعلّقت به كالغريق وهي تقول بلهجةٍ متوترة:
- لأ… مش هاتمشي وتسيبني.. يا تفضل معايا يا تاخدني معاك!
نديم ضاحكًا وهو يمسك بوجهها برفقٍ شديد:
- إيه شغل العيال ده بس يا لولّا؟ انتي كبرتي على كده خلاص. قلت لك هاسيبك شوية بس.. بكرة الصبح هابقى عندك. هقول لعمي إني سيبتك تروحي مع ريهام عند باباها عشان خايفة تروح له لوحدها. دي حجة مقبولة أبرر بيها غيابك في حالة لو راندا ما قالتلوش حاجة.. إنما لو قالت ف هكون مطمن عليكي هنا. الدنيا هاتبقى تحت السيطرة.
هزّت ليلى رأسها بعنادٍ ناعم، عينيها تنزفان خوفًا وإصرارًا معًا، تمسّكت بيده، كأنها تمسك بحياتها، وقالت بتصميمٍ:
- قلت لأ. لأااااااا.. مستحيل أسمحلك تسيبني. مش هاسيبك تمشي.
عبس "نديم" وهو يرمقها بنظرة مطوّلة، ثم قال بجدية:
- انتي خايفة بجد يا ليلى؟
أومأت له بصمت. رفع يده ممررًا ظهر أنامله على خدّها وتمتم:
- مش قلت لك ممنوع الخوف؟ طول ما انا جنبك ممنوع تخافي.
تقوّس فمها بتلقائية طفولية وهي ترد عليه:
- ما انت مش هاتبقى جنبي دلوقتي.. انت عايز تمشي وتسبني!
سكنت اللحظة بينهما الآن، كأن الزمن انعطف في صمتٍ متآمر. يواصل "نديم" النظر إليها وابتسامة خفيفة مائلة تعرج على زاوية فمه، عينيه اكتسبتا لمعة لم تكن هناك منذ لحظة، نظرة تجمع بين العبث والرغبة انبلجت من بين جفونه الكثّة، وكأن الموقف برمّته انقلب.
قال بصوتٍ خافت وعيونه تلصص على ملامحها:
- أنا ممكن أغيّر رأيي وأفضل معاكي الليلة دي.. بس لو العرض مغري. قوليلي.. ممكن تقدميلي إيه عشان أفضّل هنا يا ليلى؟
رفعت ليلى حاجبيها في ضيقٍ، وقلبت عينيها بتأفف خفيف، قبل أن تعبس وتقول بصوتٍ كالأنين:
- هاعملك إللي انت عايزه يا نديم.. بس خليك معايا. أنا بجد مش هاعرف أنام هنا لوحدي… أرجوك ما تسبنيش!
ساد صمت قصير، ثم تلاشى العبث من وجهه شيئًا فشيئًا، ليحل مكانه اهتمام حقيقي. اعتدل في جلسته قليلًا، وحدّق فيها بعينين أقل مزاحًا وأكثر جدية وهو يقول:
- أنا عمري في حياتي ما كنت عايز حاجة من الدنيا غيرك يا ليلى.. Once إنك بقيتي ملكي.. خلاص مش عايز غيرك.
ملأت البسمة وجهها عقب كلماته مباشرةًا، تنفّست الصعداء، وكأنها تحررت من سلاسل غير مرئية للتو، هذا بالضبط ما كانت تحتاجه طوال اليوم، منذ تم ضبطهما معًا في الفراش أمام "راندا". كلامه هذا هو المسكن لجميع آلامها.
ألقت برأسها على كتفه، تستند إليه وكأنها تلتمس الحياة في موضع صدره، ضمّها برفقٍ بين ذراعيه، وكأنها كنز هشّ لا غيره هو المؤتمن عليه، ثم مال برأسه إليها وتمتم قرب أذنها بصوت خفيض يحمل نصف ابتسامة.
- بس على فكرة كده انتي دبّستي نفسك خلاص… مش هتعرفي تنامي كويس طول الليل!
ضحكت بخفة وراحت تضربه على صدره بكفها الضعيف، كأنها ترد المزاح بمزاح، ثم همست وهي تغمض عينيها بإطمئنانٍ:
- انت قليل الأدب.
ضحك بخفوتٍ، ثم قال وهو ينهض على مهلٍ ويسحبها معه من كفها:
- طيب تعالي.. انتي ماشوفتيش أوضة النوم.. تعالي أوريهالك.
قامت معه طواعية، ليقودها في هدوءٍ عبر ممر الغرف، حتى وصلا إلى الغرفة الرئيسية بآخر الرواق. دفع الباب ودخلا معًا، لترى "ليلى" ما إن دخلت غرفة الأحلام، طلائها كريمي، والأثاث من الخشب الزان الصقيل، والأرض من الباركيه اللامع، في الوسط صالون صغير مكوّن من أريكة ومقعدين، وفي صدر الغرفة سرير ضخم بأعمدة تتدلّى منها ناموسية شفّافة بالكاد تُرى، على شمالها غرفة الملابس مواربة، وعلى يمينها منضدة زينة تراصت فوقها أغراض تخصّه، قنينتيّ عطر وفرشاة شعر علبة ومنفضة سجائر كرستالية. أهو مدخن! تلك معلومة تكتشفها لأول مرة. لم ترى أبدًا "نديم" يُدخن!!
أفاقت "ليلى" من تأملاتها مأخوذة بقبلة فجائية من "نديم". طوّقتها ذراعاه وهو يسندها إلى إحدى أعمدة الفراش ولا تعلم كيف سارت معه إلى هذه النقطة. همس لها من بين قبلاته بصوته ذي البحة المميزة:
- أنا عارف إنك تعبانة.. وكنت بهزّر برا. أكيد هاسيبك ترتاحي طول الليل.
ثم رفع رأسه ونظر في عينيها، وبابتسامة صغيرة فيها شيء من الاعتراف أردف:
- بس ده مايمنعش إني أحبك شوية.. وأحاول أشبع منك… على قد ما أقدر!
احمرّ وجهها كأن اللهب مسّه، وأجفانها انخفضت، تهرب من نظراته لكنها لا تبتعد. ليلى بصوت مرتجف خجول، وهي تنظر إليه من تحت رمشيها:
- يعني انت تقدر تشبع مني أصلًا؟
هزّ رأسه نافيًا وجاوبها بصوتٍ خافت:
- عمري.. أنا مدمنك!!
ثم انحنى من جديد، وقبّلها مرة أخرى قبلة عميقة، جائعة. أنفاسه تختلط بأنفاسها، وشفتيه تمتصّان منها كل تردد، كل شك، كل خوف كان يسكنها. تجاوبت معه ببطء، ثم بشغف، كما لو أنها كانت تنتظر هذه اللحظة لتذوب فيها. ذراعاها التفّتا حول عنقه، وكأنها لا تملك وطنًا غير هذا الجسد الذي يحتضنها. كان "نديم" يقبّلها بوعي عاشق لا يريد فقط أن يلمس جسدها ليطفئ شهوة، بل أن يُطمئن، أن يقول لها دون كلام أنه معها، ولن يتركها مهما حدث. وكانت "ليلى" تقبّله كأنها تود أن تذوب في جلده، تختبئ بين ضلوعه، وأن تُغرق كيانها كله فيه.
- بتحبيني أوي كده يا ليلى؟.. سألها "نديم" من بين قبلاته.
أفلت شفتيها ليتسنّى لها أن تجيبه، فقالت بصوتٍ مرتعش:
- بحبك.. بحبك أوي. وانت عارف.. بحبك يا نديم!
علت زاوية فمه بابتسامةٍ مزهوّة، مفعمة بالنصر وهو يقول:
- أنا عارف.. عارف يا حبيبتي.
وسحبها لا تدري كيف حتى وجدت نفسها تستلقي فوق الفراش ذي الشراشف الناعمة، وما لبثت أن أحسّت بجسده يغطّيها بخفةٍ لا تخلو من الإثارة. كان السكون في الغرفة قد تحوّل إلى نَفَس مشترك، كل شيء يهمس بوجودهما وحدهما، الضوء الخافت ينسكب على وجهيهما يتيح لكلاهما رؤية الآخر بالقدر الكافي. أنفاس "ليلى" ساخنة، متلاحقة، تتصاعد وكأنها تحاول اللحاق بقلبها الذي يضرب صدرها بعنفٍ لم تختبره من قبل إلا معه فقط. لم تكن خائفة، لكنها مأخوذة. مأخوذة بتلك النظرة التي لا تكفّ عن حرقها، بتلك اللمسات التي تمر على جسدها وكأنها ترسُمها من جديد. مداعباته صارت أكثر حسّية بمرور الثوانِ، لم تستطع مجاراة خبرته، كل أطرافها بدأت ترتجف في صمت، حتى لم تعد تحتمل.
أغمضت عينيها بشدة وارتفع صدرها بأنينٍ مكتوم، فالتفتت إليه، تشبثت بكَتِفَيه، ورفعت نفسها نحوه كمن يركض نحو مأواه الأخير. اقتربت من أذنه، وهمست بشفاهٍ تكاد لا تنطق، كلماتٍ تحترق خجلًا لم تجرؤ على إعلانها بصوتٍ عالٍ.
ابتسم "نديم". عينيه تلمعان بمزيجٍٍٍ من الحنان والمكر. ثم نظر إليها نظرةً طويلة، مسح على شعرها برفقٍٍ، ومال برأسه قليلًا وهو يهمس لها:
- متأكدة؟ عايزة كده بجد؟
نظرت إليه وقد برزت الدموع في عينيها وهي تقول بلهاثٍ متقطّع:
- انت بتسألني فعلًا؟
راوغها قليلًا متلذذًا برؤية الرغبة فيه بعينيها بهذا الإلحاح لأول مرة:
- عايز اتأكد إنك كويسة مش أكتر!
زفرت بضيقٍ حقيقي متمتمة:
- نديم!!
ابتسم بحب وقال بجدية لا تخلو من الرفق بها:
- مش هاتعيّطي طيب؟
هزت رأسها نفيًا. في تلك اللحظة، لم يبقَ شيء يُقال!
ضمّها إليه من جديد، هذه المرّة بشوقٍ لم يعُد يطيق المراوغة. قبّلها بشفاهٍ اشتاقت، بشغفٍ لم يعُد خفيًّا. لم يكن يقبّلها فقط، بل كان يعبّر بكل طريقه يجيدها عن حبّه، عن احتياجه، عن تمسّكه بها، حتى في ذروة الاحتراق. شفتيها تورّدتا، توّرمتا من ضراوة قبلاته، شهقتها اختلطت بأنفاسه، وذراعاها التفّتا حوله، كأنها تخشى أن يتبدّد من بين يديها. بيديه نزع عنها كل ما يفصلها عن هذا الحضن، لا بعنف، بل بحنانٍ ثابت، فيه ثقة من يعرف بأنها تنتمي له. كانت تستجيب له كأنها خلقت لتكون بين يديه، وكل لمسة منه كانت تُحيي فيها جزءًا خافتًا من أنوثتها، تلك التي ظنّت يومًا أنها لم تكن موجودة على هذه الشاكلة.
تأوهت حين تماسّا أخيرًا، بينما يقبض على خصلات شعرها فأمال بها رأسها إلى الوراء، فبرز عنقها في دعوةٍ لا تحتاج إلى جواب، وانسكب همسه الحار فوقه قبل أن تغطيه شفاهه:
- ليلى.. انتي خلتيني أحب.. خلتيني عشقت.. عشقتك انتي.. انتي بس يا ليلى.. أنا بحبك.. أنا عايز ولادي منك.. عايزك تكوني أمهم.. عايزك في حضني طول عمري.. لآخر يوم في حياتي.
السرير المتين بدأ يئنّ تحتهما، الأصوات ارتفعت، لم تكن أصوات فوضوية، بل تلك التي تخرج من قلب المحبة إذا لامستها الشهوة. كانت "ليلى" تحتضنه بقوة، تُمرّر أصابعها على ظهره، على صدره، على وجهه، كأنها تريد أن تحفظه بلمساتها. وكان هو يردّ على كل لمسة بلمسة، وعلى كل شهقة بهمسة، وعلى كل مقاومة غريزية من حينٍ لآخر بوعدٍ جديد يطمئنها ويردّها إليه طائعة. ولكنها لم تكن تعلم، بينما هي في ذروة العشق والنشوة، بأنها تسير نحوه طوعًا إلى الهاوية، ولعله هو أيضًا لا يعلم!
***
وقف "رياض نصر الدين" خلف مكتبه العريض، وعيناه تشتعلان كأنما انطفأت فيهما الحكمة وحلّ مكانها الجمر وهو يصيح بصوتٍ جهوري:
- إنت بتجول إيه يا زين؟ شوفتها معاه كيف؟ وحدهم؟؟؟؟؟؟؟
جاوبه "زين" بصوتٍ هادئ لكنه لا يقل عنه غضبًا مطلقًا:
- شوفتها بعنيا معاه في الفندق. وقبل ما أمشي سألت وعرفت إنهم نازلين في نفس الأوضة مع بعض يا جدي.
ينفجر صوت "رياض" وهو يضرب بكفه على المكتب بعنفٍ:
- يعني إيــــــــــه؟؟؟؟؟ شرفنا اتداس تانـي يا زيـن؟؟؟؟؟؟؟؟
يقترب "زين" منه خطوة، نبرة صوته تنخفض لكن عيونه تلمع بنذر الانتقام:
- أنا هارجّعها يا جدي… غصبٍ عن الكل. ولو حصل إيه هاترجع.. ومش هاسيب إللي اسمه نديم ده لو إللي في دماغي طلع صح. أقسم بالله ما لا ترجع يا جدي ولو على رقبتي.. بكرة هكون واصل لها.
تمتم "رياض" بصوتٍ يغلي ويختنق من شدة الحنق:
- البت ضاعت كيف أمها يعني؟ جولّي يا ولدي.. جول حاجة برّد لي جلبي يا زين!!!
زين بصرامة:
- كل إللي هقوله إني مسؤول أرجع لك حفيدتك يا جدي.. ولحظة ما ترجع لك.. أوعدك إن كل شيء هايتغيّر!
سكت "رياض" الآن. لم يعد لديه ما يُقال، كأنما أعياه الغضب واستنزفه الخذلان. حدّق في "زين" طويلًا، ورأى فيه صدى سنواته الأولى، حين كان الدم يغلي قبل أن يبرده العمر. في الخارج، الليل يهبط على القصر كستارة حداد. لا أحد يعلم بعد.. أن هناك عاصفة قادمة.. لن تُبقي ولن.
رواية هيبة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مريم محمد غريب
استفاقت "ليلى" من نومها ببطء، كما لو كانت تطفو في بحرٍ دافئٍ وثقيلٍ من الأحلام. أول ما شعرت به كان ملمس الملاءة الحريرية على بشرتها العارية. كأنها ما زالت تحت قبضته، فتحت عينيها قليلًا، ثمة ضوء صباحي خافت يزحف من خلف الستائر الشفافة، ينثر ظلالًا ذهبية فوق الجدران وعلى جانب السرير الآخر. لم يكن "نديم" هناك!
مدّت يدها بتلقائية إلى مكانه، تتحسس الدفء الذي خلّفه، لا يزال مرقده دافئًا، وكأن جسده كان هناك قبل لحظاتٍ فقط. ابتسمت وهي تتنفس بعمق، كأنها تعيد استنشاقه من ذاكرة الوسادة التي لا تزال تحمل أثر رأسه. كان كل شيء فيها يصرخ باسمه، جسدها، قلبها، وحتى جلدها الذي لا يزال يرتجف كلّما تذكرت كيف لامسه. تذكّرت كل تفصيلة، كل همسة، كل لحظة من الليل الذي مضى ببطء وكأنه لا يريد أن ينتهي. كان الليل طويلاً بينهما، ممدودًا كالقصيدة، وقد نسج جسده فوق جسدها سطورًا من لذةٍ وخضوعٍ كامل. تذكرت كيف كان يلامسها بصبرٍ رجلٍ يعرف تمامًا أين ينتهي عقلها ويبدأ جسدها بدلًا منه، لم يكن يعبث بها، بل يغزوها على مهلٍ، كمن يكتشف قطعة نادرة من كنزٍ دفين، وكلّما قضى معها وقت أكثر، كلما ازداد انبهارًا. كانت تتنفس من بين أنفاسه، تتأوّه بين يديه، تحترق لسماع صوته الخشن يناجيها ويغازلها غزلٍ صريح، تذوب تحت وطأته، دون أن تفكر، دون أن تقاوم. هو لم يجعلها تحبه فقط، بل جعلها لا تعرف كيف تعيش بدونه!
عيناها غامت للحظة، تلتمع، ليس بالدمع، بل بالإشباع. ذلك النوع الذي يجعل الجسد ينهض بثقل لذيذ، كما لو أن الليل ترك داخله أثرًا جسديًا لا يُمحى. اعتدلت في الفراش، وسحبت الملاءة عليها، تلفّها حولها بإهمالٍ محسوب، ووقفت. كانت عارية تمامًا، لكنها لأول مرة لا تشعر بالخجل، فكل شيء فيها صار يعرفه ويألفه، حتى الحياء صار طقسًا عابرًا لم يعد له مكان بينهما.
سارت خارج الغرفة بصمت، قدماها العاريتان تلامسان الأرضية الباردة، وجسدها يتذكر الطريق إليه كأنما قوى غير مرئية تجذبها إلى مكانه. سمعت صوتًا يأتي من المطبخ، خافتًا، غير محدد، ربما كان صوت صنبور مياه، أو صحنٍ يُغسل. اقتربت أكثر، حتى وصلت عند عتبة المطبخ، فرأته. كان واقفًا أمام الحوض، عاري الجذع، لا يرتدي سوى سرواله الداخلي، وظهره لها. كانت عضلاته تتحرك تحت جلده كلّما حرّك ذراعيه، وكل تفصيلة في جسده مألوفة، لكنها لا تكف عن إدهاشها. الضوء المتسلل من نافذة المطبخ الصغيرة ألقى عليه ظلًا رقيقًا، جعل خصره يبدو أكثر نحولًا، وكتفيه أكثر اتساعًا، وبشرته البرونزية أكثر لمعانًا وجاذبية.
استدار برأسه، وكأنه شعر بها قبل أن تصل، ابتسم تلك الابتسامة العفوية التي لا يراها سواها، كذا صوته الذي صار مألوفًا في كل أرجاءها حين قال:
- صحيتي!
ضحكت ومالت بجسدها على حافة الباب، تمسك الملاءة حول صدرها بإحدى يديها قائلة بصوتٍ به نبرة نعاس:
- كنت مستنية ألاقيك جنبي عشان أرجع أنام تاني. بس لقيت السرير فاضي.. ف صحيت.
اقترب منها بخطوتين، عينيه الخضراوان تلمعان في الضوء، وشعره البنّي أشعث قليلًا.
- أنا قمت بدري عشان أحضر لك الفطار بنفسي!
قالها بهدوء وهو يسحب طبق مسطّح من فوق الرخامة المجاورة. رفع قطعة الخبز المحمّص ومدّها نحو فمها، استجابت له وفتحت فاها وعضّت الخبز آكلة منه، لتتذوّق أشهى "فرنش توست" باللحم والبيض والخضروات.
- امممممم!
أصدرت صوتًا ينم عن تلذذها وهي ترفع حاجبها والابتسامة لا تفارق فمها.
سألها مبتسمًا:
- عجبك؟
أومأت له بقوة، ليتشاركا الساندوتش، فيطعمها قضمة ويأكل هو قضمة، حتى أكلا اثنان بهذه الطريقة. صب لها كأسًا من العصير وجعلها تشربه كلّه جرعة واحدة وهو يقول بصوتٍ خفيض:
- إللي قلت لك عليه هو إللي حصل بالظبط. راندا ماتقدرش تفتح بؤها بعد ما شافت الوش التاني مني وعرفت إني مابهزرش لو الموضوع يمسّك.
تنفست الصعداء بعد أن أنهت كأس العصير، نظرت إليه بقوة وسألته بقلق:
- إيه إللي حصل؟
- صحيت لاقيت رسالة من أبوها.. بيقولّي أروحله عشان نخلّص الموضوع بهدوء.. ف عرفت إنها ماتكلمتش عننا.
- وعرفت ده إزاي؟
- راندا لو كانت قالت إللي شافته أبوها ماكنش هايسكت وعمي هو إللي كان هايكلمني والدنيا هاتتقلّب في لحظة.. لكن هي عملت إللي توقعته بالظبط.. خافت مني.. وعملت الصح. لأنها فعلًا لو كانت جابت سيرتك بكلمة واحدة ماكنتش هاخرجها من العلاقة دي سليمة.. انتي بالنسبة لي خط أحمر يا ليلى.. أنسف أي حد يفكر يئذيكي أو يقرب لك.
تلاشت علائم القلق عن وجهها فورًا وامتلأ محيّاها بالابتسامة. ابتسم لها بدوره واقترب أكثر، مدّ يده إلى طرف الملاءة، شدّها قليلًا، ثم تركها قائلًا:
- بس كنتي مبسوطة أوي امبارح.. مش كده؟
ابتسمت بخجلٍ حلو، لكن عينيها قالتا شيئًا آخر، أكثر عمقًا، وأكثر احتياجًا وهي تغمغم:
- انت عارف إنك كنت مجنون؟ مجنون بجد!
- وانتي كنتي بتطلبي الجنون بنفسك.. أنا ماعملتش أي حاجة غير إني نفذت لك رغباتك كلها.. حتى منغير ما تنطقي وتقوليلي.
نظرت إليه، لم ترد، فقط مشت نحوه حتى التصقت بصدره العاري، ألقت برأسها على كتفه، وهمست:
- أنا مش قادرة أصدق لحد دلوقتي.. أنا وانت مع بعض.. متجوزين.. أنا بحلم يا نديم صح؟
تمتم رادًا عليها وهو يمرر أنامله على خدّها:
- لأ يا حبيبتي.. دي حقيقة.. انتي معايا. انتي مراتي.. وأنا موجود دايمًا عشان أحافظ عليكي وأسعدك.. وهاسعدك. بكل طريقة. هاعلّمك. هاوريكي الدنيا. وهاديكي الحياة إللي تستاهليها.. هاخلّيكي أم!
ردت بجملة أدهشته:
- أنا جعانة!
ضحك بانطلاقٍ، صوته دافئ ومرح وهو يقول:
- جعانة؟ طب عايزة تاكلي إيه؟
رفعت عينيها له، ونطقت كأنها تبوح بسرٍ:
- حب.. جعانة حب.. حبك يا نديم!
توقفت الكلمات في الهواء بينهما لوهلةٍ، كأن الزمن انحنى احترامًا لتلك الجملة الصغيرة، تختزل كل العشق والمشاعر. لم تكن مجرد رغبة تصرّح عنها، بل اعتراف، احتياج ناضج، نابع من عمق العلاقة التي تجاوزت الجسد إلى شيء أعمق، شيء فيه انتماء وفضول وخضوع طوعي لذاك الرجل الذي دفعها نحو عالمٍ جديد لطالما جهلته.
ضمّها "نديم" إليه دون أن يقول شيئًا، صدره دافئًا، نابضًا، رائحته ما زالت تحمل آثار الليل، خليط من العرق، العطر، وأنفاسها المتداخلة معه. مرّر أنامله على ظهرها فوق القماش الخفيف للملاءة، كأنما يتحسس حدود اشتياقها وقال بخفوت:
- انتي بتتعلّمي بسرعة.. أسرع من توقعاتي!
همست، ورأسها على عنقه:
- أنا بحبك.. هو ده كل إللي أنا عارفاه.. بحبك.
ابتسم، لكنها لم تكن ابتسامة كاملة، كان فيها شيء من التوّرط، من الانجذاب الذي لا يملك منه مهربًا. أمسك وجهها بين يديه، رفعه برفقٍ، وتأمل عينيها. كانت فيهما بقايا نعاس، بقايا دموع لذة، وبصمة واضحة من أثره.
- وهاتفضلي تحبيني؟ مهما حصل؟
جاوبته بثقة مطلقة:
- لآخر يوم في عمري.
مرر يده خلف رأسها، جذبها إليه ببطءٍ، ثم قبّلها. لم تكن قبلة مفاجئة، بل امتداد لما بدأ بينهما منذ الأمس، قبلة فيها سكينة أولًا، ثم جوع. نفس الجوع الذي نطقت به منذ لحظة، جسده التصق بها أكثر، وذراعه انسلّت داخل الملاءة، تلامس جلدها مباشرةً، كأنما يطلب الإذن بالدخول من جديد إلى تلك الأرض التي فتحت له أبوابها أمس دون شروط.
همس قرب أذنها، صوته منخفض وخشن:
- تيجي نكمّل إللي ماخلصش؟
ابتسمت، ثم نظرت إلى عينيه مباشرةً وقالت:
- كأنك خلّيت في حاجة فاضلة؟
- معاكي مافيش حاجة ممكن تخلص.. انتي لسا مش عارفة قيمة نفسك.. ومش عارفة أنا شايفك إزاي!
رفعها من تحت خصرها برشاقة، فلفّت ذراعيها حول عنقه في الحال، والملاءة انزلقت قليلًا لكنها لم تهتم، لم يعد هناك شيء تخفيه عنه، لا جسدها ولا ضعفها. حملها من المطبخ، عائدًا بها إلى الغرفة، مرّا بجانب مرآة الحائط، فرأت انعكاس جسده القوي وهو يحملها، وشيئًا ما في هذا المشهد جعل قلبها يخفق بقوة. ربما فكرة أنها ملكت هذا الرجل حقًا، ملكته حتى صار يعود لها بشوق طفل، وبقوة رجل. حين دخل بها الغرفة، ألقاها برفقٍ على السرير، وتبعها بجسده دون أن يمنحها فرصة لتستوعب شيء، وكأن ليلة أمس قررت أن تكرّر نفسها، لكن هذه المرة بصباح لا يعرف الاكتفاء!
رواية هيبة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مريم محمد غريب
كان على رأس الحراسة منذ بُكرة الصباح.
قام قائد الحرس "زين نصر الدين" بالإشراف على خطة الأمن بنفسه، وأخذ جولة حول الفيلا.
تأكد من أن كل الأمور في نصابها، ثم عاد إلى الباحة الداخلية حيث كان ينتظره زميله في العمل وصديقه المقرّب "عدي الشرقاوي".
تصافحا ما إن التقيا وتعانقا عناق الأخوة سريعًا، ثم تراجع "زين" وهو يقول عابسًا:
- أهلًا يا عدي.
رفع "عدي" حاجبه الكثيف قائلًا:
- أهلًا يا عدي؟ في إيه ياض هو أنا كنت بايت في حضنك؟ إيه المقابلة دي. ده أنا بقالي شهر ماشوفتكش.
زين باقتضاب:
- معلش سامحني بس أعصابي مشدودة أوي.. قولّي جبت لي المعلومات إللي طلبتها منك؟
أومأ له:
- حصل.
وأستلّ من وراء طوق خصره المدجج بالسلاح ملفًا مطويّا بعناية، سلّمه إيّاه قائلًا:
- الفايل ده في كل حاجة عن رجل الأعمال نديم الراعي. تاريخه من يوم ما اتولد وتاريخ عيلته كلها.
كان "زين" يتصفّح الأوراق تباعًا وهو يقول عاقدًا حاجبيه بشدة:
- المهم عرفت لي مكانه فين؟ أنا ماعرفتش أوصله لحد دلوقتي.
- عيب يا باشا ده احنا أكبر جهات أمنية في البلد. عيب تسأل السؤال ده. جبت لك كل حاجة.. شوف كده!
رفع "زين" نظراته عن الأوراق وألقى نظرة مطوّلة على شاشة الهاتف المسلّطة أمامه.
رآى ابنة عمته، رآى "ليلى" في لقطةٍ تمشي في الشارع برفقة المدعو "نديم الراعي" متشابكي الأيدي.
وفي لقطات أخرى معه أيضًا يقفان بنافذة إحدى الشقق الفاخرة في مشهدٍ أثار حفيظته، حيث كانا يتبادلان القُبل بحرارة.
يوشك ظنّه أن يتأكد، توشك الحقيقة أن تتكشّف أمام الجميع، و"ليلى" أول من سيدفع الثمن.
- خير يا زين؟ تساءل "عدي" باهتمامٍ:
- مش هاتقولّي إيه الحكاية؟ مزعلك في إيه نديم ده؟
نظر "زين" له وعيناه ملؤهما الحقد والدماء، ثم قال بصوتٍ خافت ينذر بالهلاك:
- تخيّل إنه قدر يزعلني؟ الوحيد في الدنيا دي إللي قدر يعملها.. بس وعزة الله.. لا أزعله.. جامد!!
حاول "عدي" مرةً أخيرة معرفة أيّ تفاصيل أخرى عساه يعاضد صديقه إن كان يحتاجه، لكن "زين" رفض الإفصاح بتاتًا، فلم يصرّ عليه.
ودّعه وذهب ليلحق بعمله الطارئ.
بينما ذهب "زين" إلى الحديقة الخلفية، حيث يتناول جناب السفير "عاصم البدري" الفطور برفقة ابنته "ريهام".
أقبل "زين" نحوهما بانضباطه المعهود.
كانت الفتاة الشابة تجلس بجوار أبيها، الرجل الذي بلغ احترامه طبقاتٍ ومستويات عُليا، ها هو يهبط لمستوى عقلها المتدني، فتارة يضمّها إلى صدره، وتارة يطعمها بيده.
لكنه لاحظ كم إنها تنأى عنه قدر استطاعتها، وكأنها تخافه، أو تراه وحشًا رغم كل ما يفعله لها.
- صباح الخير سيادة السفير!
تطلّع "عاصم البدري" نحو "زين" مبتسمًا، وقال:
- صباح النور يا زين.. انت مبدّر أوي افتكرتك جاي بعد الضهر.
- مقدرش أتأخر على معاليك أنا في خدمتك طول مدة وجودك في البلد.
- عمومًا أنا ماعنديش مشاوير إنهاردة ورجالتك قايمين بالواجب. لو حابب ممكن تمشي وتشوف أمورك براحتك وبعدين تعالى بكرة.. بكرة عندنا زيارة للقنصلية الساعة 10 الصبح.
- يافندم حضرتك ماتقلقش أنا مافيش ورايا غيرك وأكيد لما أعوز أطلع من الفيلا شوبة هاجي وأستأذن سيادتك زي ما عملت امبارح.. لكن حاليًا أنا تحت أمرك زيي زي رجالتي.
نظر له "عاصم" معجبًا بتركيبته الفريدة، بدا أمامه كضابط كفؤ ورجل قوي يعتمد عليه، هز رأسه قائلًا بلهجة كأنها توسمه بالتقدير الذي يستحقه:
- إللي تشوفه يا سيادة الرائد. وأنا إللي تحت أمرك والله لأني حقيقي منبهر بيك. رغم إني قضيت معاك أقل من أسبوع لكن ثقتي فيك مالهاش حدود.
ابتسم "زين" بخفة ابتسامة بالكاد لوحظت وهو يقول بصوته العميق:
- ده شرف ليا معاليك.. أي شيء تحتاجه أنا في الخدمة دايمًا ..وكمان الأنسة ريهام.. أنا تحت أمرها في أي وقت.
أطلق "عاصم" ضحكة قصيرة وقال وهو ينظر إلى ابنته العابسة:
- الأنسة ريهام زعلانة منك على فكرة وأنا بقالي كام يوم بحاول أحسّن صورتك في عنيها. بس الظاهر مافيش فايدة.
هز "زين" رأسه مرددًا:
- أنا عارف. وعارف السبب تقريبًا. بس نفسي الأنسة تفهم إني كنت بعمل شغلي مش أكتر. وإني مش ممكن أكون قاصد أضايقها أو أزعلها.. أنسة ريهام. زعلك على راسي. أنا آسف.
لم ترد "ريهام" عليه وظلّت مُحدقة أمامها في اللاشيء.
تنهد "زين" وهو ينظر لأبيها مستطردًا:
- أنا كنت عارف إن الأنسة زعلانة مني عشان كده كنت حابب أصالحها بطريقتي.. تسمح لي معاليك؟
وافق "عاصم" على الفور بإيماءة من رأسه، ليلتفت "زين" صوب أحد رجال بالقرب ويعطيه الإشارة.
فيرى كلًا من "عاصم" وابنته فردان من الحراسة، أحدهما يجر فوق عربة صغيرة بيتًا خشبيًا قيّمًا مخصص للكلاب، والآخر يحمل فوق ساعديه باقة متنوعة من الشوكولاه البلجيكية المستوردة قد أرسل في طلبها خصيصًا لأجلها، مغلّفة بورق "كرافت" بلون العاج مزيّن برسومات كرتونية مستوحاة من قصص الأميرات، بالإضافة لصندوق خشبي أنيق يحتوي على أدوات تلوين، دفتر رسم، ألعاب صغيرة لشخصيات كرتونية شهيرة، و"ميني سلايم" بألوانٍ مُبهرة.
ما إن رأت "ريهام" هذه الأشياء حتى هبّت من مكانها مُثارة لروعتها، لكنها لم تجرؤ على إتخاذ خطوة واحدة نحو "زين" أو رجاله.
في المقابل يبتسم "زين" متيقنًا بنجاح مخططه.
اقترب منها خطوة واحدة قائلًا بلطفٍ جمّ:
- أنسة ريهام.. دي هدية بسيطة أتمنى تقبليها مني. أنا ماكنتش أقصد أبدًا أزعلك أو أضايقك. أنا آسف جدًا وعمري ما هاعمل أي حاجة تزعلك تاني.
أخيرًا رفعت "ريهام" عينيها الزرقاوان إليه، شعّ بريقهما في ضوء الشمس ملتمعًا آسرًا.
مرّت لحظات دون أن ينبس أحد بكلمة، حتى أفتر ثغرها الحلو عن ابتسامة رقيقة، بريئة.
رفعت سبابتها قائلة بصوتها ذي الطابع الطفولي:
- مش هاتزعق في ريري تاني؟ وهاتخلّي ميمي تنام معايا في أوضتي!!
ابتسم "زين" لاعنًا من بين أنفاسه تلك الكلبة الشقيّة ذات النباح المستمر، نباحها ذاك الذي لا يجعله قادرًا على النوم لساعاتٍ طويلة في الليل وهي بالخارج، فكيف لو سمح لها بالدخول إلى المنزل؟
لكنه رغم ذلك رضخ لها وقال:
- عمري ما هازعق في ريري تاني.. وميمي تقدر تنام معاكي في أوضتك من الليلة.. خلاص صالحتيني؟
أومأت له بقوة، ثم قفزت مُصفّقة وهي تنطلق صوب هداياها التي وضعها الرجلين فوق الطاولة القريبة.
جثت "ريهام" أمام الشوكولاه والألعاب الأخرى مستكشفة كل شيء.
بينما يقترب "زين" من "عاصم" الذي ما فتئ يبتسم له، ثم شكره بامتنانٍ:
- أنا مش عارف أقولك إيه يا زين.. شكرًا بجد.. انت الوحيد إللي خلّيتها تضحك وتتنطط من الفرحة بالشكل ده. ده أنا بعاني معاها من ساعة ما وصلت ومقدرتش أخلّيها تبتسم حتى. شكرًا حقيقي.
حافظ "زين" على ابتسامته وقال:
- لا شكر على واجب يافندم.. الأنسة ريهام تستاهل كل شيء جميل. أنا عمري ما شوفت رقة وبراءة بالشكل ده. ربنا يحفظها لمعاليك. إللي هاتكون من نصييبه أكيد إنسان محظوظ جدًا.
وهنا تلاشت الابتسامة عن وجه "عاصم" شيئًا فشيء، استوقفته كلمات "زين" الأخيرة بشدة، لدرجة أنه حوّل بصره تجاه ابنته وتسمّر تمامًا، كأنه يرى أشياء لا أحد غيره يراها.
بينما "زين" يبتسم باتساعٍ أكبر، فهو الوحيد الذي يعلم جيدًا ما يدور بعقل الأب، كما يعلم أن أيّ خطوة تالية ستكون من طرفه هو، إن شاء يتخذها في الوقت الذي يحدده.
ولعله يرجو ألا يتخذها مطلقًا.
إلا إن أضّطُر.
***
جاثية على ركبتيها منذ دقائق طويلة أمام المرحاض، يديها تستندان على طرف السيراميك البارد، وجسدها ينتفض مع كل موجة قيء تعصف بها.
أنفاسها متقطعة، ودموع غير إرادية سالت من عينيها وهي تغمضهما بقوة، كأنها تحاول أن تحبس كل ما يؤلمها داخلها.
في داخلها الآن فوضى لا صوت لها.
هل يُعقل؟
هل ما تخشاه حقيقي؟
أن يكون هناك كائن ينمو في رحمها.. منها ومنه؟
ولكن كيف يحدث هذا دون علم أحد؟
لا أحد… لا أحد يجب أن يعرف قبل أن يتم إعلان زواجهما بشكلٍ رسمي كما وعدها.
لن يعلم والدها قبل ذلك.. إن علم فستقتله الصدمة.
وأمها، على الرغم من توتر العلاقات بينهما طيلة حياتها ولكنها ستنهار أيضًا.
أخويها كذلك.. ستُصلب في أعينهم وتنحدر للأبد.
ارتجف جسدها من جديد، ليست لبرودة الحمام وحدها، بل الخوف، الخوف وحده ينهش عظامها.
ماذا فعلت؟
كيف طاوعته حين أخبرها أن لا حرج لو حدث وحملت منه؟
لقد فرحت حينها، ولكنها الآن مذعورة، ويراودها إحساس مُبهم بأن الأمور ستسوء، وإنها ما كان ينبغي أن تفعل ذلك منذ البادئ.
ولكن قلبها من جهةٍ أخرى يسيطر عليها، لقد حصلت على حبيبها، من غيره يستحق أن تمنحه جسدها إن كان وحده الذي يملك قلبها؟
لقد تزوجها، لقد وعدها بأن يطلق زوجته ويعلنها هي زوجةً له، وفوق كل ذلك هو ابن عمّها، شرفها شرفه، عِرضها عِرضه، إنها تثق فيه كثيرًا، فهو لا يكذب، لا يخدع، حبيبها "نديم" هو مثال لكل صفات النبل والرجولة بالنسبة لها، إنها تحبه، توليه ثقتها العمياء كاملةً دون أدنى شك رغم كل الخوف بداخلها.
- لولّا!
سمعت صوته، يتبعه طرق خفيف على باب الحمام.
لقد عاد!
لم يتأخر كثيرًا، فقد تركها بعد تناول الفطور ونزل ليتسوّق قريبًا من المنزل إذ كانا بحاجة لأشياء كثيرة نفذت منهما، كالطعام والمستلزمات الشخصية الأخرى.
طرق ثانيةً وهو يهتف بلطفٍ:
- ليلى؟ انتي لسا جوا من ساعة ما نزلت. بقالك كتير كده يا حبيبتي… انتي كويسة؟
رفعت رأسها ببطء، نظرت إلى انعكاسها في المرآة، رغم ضبابية نظرها، رأت وجه شاحب، عيون محمّرة، شعر مشعث.
إنها حقًا متعبة.
ردّت بصوتٍ مبحوح ومرهق:
- أيوة يا نديم.. طالعة.. طالعة اهو!
نهضت متثاقلة، فتحت الصنبور، غسلت وجهها مراتٍ عديدة، كأنها تحاول أن تمحو كل آثار الذعر، أن تُنكر، أن تُكذّب الجسد وما يبوح به.
خرجت من الحمام بخطى بطيئة.
رأت "نديم" جالسًا على طرف السرير، بهندامه المعتاد، الأنيق، عينيه عالقتان بهاتفه بينما يتحدّث إليها:
- عمي لسا مكلّمني يا لولّا.. فاكر إننا لسا في الغردقة طبعًا. قلت له يومين وراجعين عشان جامعتك.. أنا آخرتك عليها كتير. عارف. أسبوعين وزيادة.
رفع عينيه أخيرًا.
إلا إن الكلمات تجمّدت على لسانه عندما رآها.
وجهها… شاحبٌ وشفتاها جافّتان.. وجسدها بالكاد يحملها.
ساقاها ترتعشان، وعيناها تطلبان النجدة دون أن تنطق!
ألقى الهاتف جانبًا، ونهض بسرعة، اقترب منها كأن المسافة بينهما فجأة أصبحت أطول ممّا تحتمل ليصل إليها.
صوته امتلأ بالقلق وهو يسألها بخشونة:
- مالك يا ليلى؟ فيكي إيه؟!
لم تستطع الرد فورًا، فحثها بنفاذ صبر ممسكًا بكتفيها:
- اتكلمي يا ليلى مالك؟ انتي تعبانة ولا إيه قوليلي!!!
باعدت بين شفتاها الشاحبتان، ونطقت أخيرًا بتردد:
- نديم.. أنا... أنا حامل!
ران الصمت للثوانٍ عديدة.
وكأن وقع الكلمة على أذنيه له صدى غير الذي توقّعه، ثم جرت الكلمات على لسانه فجأة بمنتهى الهدوء:
- انتي عايزة تقولي يعني إنك شاكّة إنك حامل؟
ازدردت ريقها بتوتر وقالت:
- أنا مش متأكدة.. بس حاسة بنفسي.. جسمي متلخبط. وماليش نفس للأكل. ولو كلت معدتي مش بتستحمل. وحاسة بدوخة بقالي يومين وتقل.. أنا خايفة يا نديم!
ابتسم على الفور محاولًا تبديد مخاوفها، أمسك بيدها بين يديه وسحبها لتجلس فوق كرسي قريب، جثى امامها قائلًا بلطف:
- طيب إهدي.. إهدي يا حبيبتي. انتي خايفة من إيه؟ أنا مش قلت لك إني أصلًا عايزك تحملي؟ وأهو حصل. ده أحلى خبر ممكن أسمعه. لو صحيح كمان هكون أسعد راجل في الدنيا. هايكون ليا طفل منك. منك انتي يا ليلى.
عقدت حاجبيها بوهنٍ مرددة:
- بس.. بابا!
طمأنها بهدوء:
- عمي مش هايعرف غير بعد جوازنا.. أنا عايزك تثقي فيا.. مش هاخلّيكي تواجهي أي حاجة ممكن تئذيكي أو توجعك. هاحل كل المشاكل لوحدي. وبعدها هانتجوز رسمي والدنيا كلها هاتعرف.
نظرت له بحيرة وقالت:
- أنا خايفة بس كل ده يطول.. والحمل يبان عليا!!
شدد قبضته على يدها يبث فيها الأمان أكثر وهو يقول بثقة:
- مش هايطول.. وبكرة الصبح هاخدك ونعمل تحليل عشان نتأكد لو في حمل فعلًا ولا لأ. لو طلع صحيح ف ده مافيهوش أي مشكلة. بالعكس. دي هاتكون أحلى بداية لينا.
وقام ليجلس على يد الكرسي بجوارها، ضمّها إلى صدره بقوة متمتمًا:
- أنا وراندا تقريبًا انفصلنا.. مش فاضل غير حاجات صغيرة بس.. هاتتحل في أسرع وقت. وبعدها هاتبقي ملكي.. ومحدش أبدًا هايقدر ياخدك مني.. ولا حتى يقرب لك!
رواية هيبة الفصل العشرون 20 - بقلم مريم محمد غريب
دخلت ليلى إلى البيت تتقدم بخطى هادئة، متشبثة بذراع نديم كما لو أن بها ما يوشك أن يفر منها إن لم تتعلق به.
الأجواء في الداخل ساكنة، وشيء من رهبة الغياب كان لا يزال معلقًا على جدران المكان، وكأن البيت نفسه كان ينتظر عودتها.
في صدر غرفة الجلوس، كان مهران يجلس، يقلب في جريدة لا يقرأها فعليًا.
وما إن وقعت عيناه على ابنته حتى انتفض واقفًا، ابتسم ابتسامة عريضة تآكلت أطرافها من شدة شوقه لها.
"ليلى!" هتف مهران بلهفة.
"حمدلله على السلامة يا حبيبتي."
هرع إليها كمن يسترد عمرًا ضاع، فتح ذراعيه واحتواها في أحضانه طويلًا، تسرّبت محبته إلى قلبها كدفء ناعم، برغم قساوة الشتاء العالق في صدرها لجفاء أمها معها منذ صغرها.
قال مهران وهو يبعدها قليلًا ينظر لوجهها: "بس إيه الحلاوة دي واللون البرونزي الجميل؟ دي الغردقة عملت فيكي شغل كبير أهو!"
وغمز لها.
تبتسم ليلى بتعب قائلة: "دي حلاوتك انت يا بابي.. وحشتني أوووي."
كان نديم يقف إلى جوار باب الغرفة، يستند إلى إطاره الخشبي، يراقب المشهد بصمت. يداه في جيبيه، ونظراته تزن اللحظة بكاملها، بعين رجل صار مسؤولًا عن هذا الكائن المتعب أمامه، عنها وعن طفله الذي تحمله بأحشائها دون أن يملك رفاهية إعلان ذلك.
التفتت ليلى برأسها تجاه الزاوية المقابلة، حيث جلست مشيرة والدتها، تمسك بكوب شاي لم ترتشف منه بعد. عيناها تتجنبانها، كما لو كانت عودة ليلى عبئًا تناسته في بعدها، لكنه عاد من جديد إليها.
ترددت لحظة، ثم مشت بخطى ثابتة نحوها وهي تقول بصوت منخفض: "إزيك يا مامي!"
ردت مشيرة دون أن تنظر لها: "الحمد لله."
حانت من مشيرة نظرة خاطفة قلقة نحو نديم الذي رمقها بنظرة قوية، قرأت في عينيه حدة تحذرها من إساءة معاملة ليلى. لكنها في الحقيقة لم تهتم، كالعادة غلب عليها حقدها، وكراهيتها العظيمة تجاه تلك الفتاة الدخيلة على حياتها لسنوات.
وضعت ليلى يدها على كتف أمها، لم تُقبّلها، لم تحضنها حتى، كانت تعرف أن أكثر من ذلك سيكون تمثيلًا مفضوحًا، وأن الأمومة أبعد شعور تكنّه مشيرة لإبنتها الصغيرة. وتتمنى أن تعرف السبب!
عادت ليلى خطواتها إلى منتصف الصالة، تنظر إلى نديم. تلمح في عينيه ذلك الاتفاق الصامت. هما هنا الآن، والسر الذي يحمله كلاهما أثقل من الجدران، لذلك لم تتحمل ليلى المكوث بينهم طويلًا وقالت ناظرة نحو أبيها: "أنا هاطلع أفضي شنطتي وأخد دش وراجعالك تاني يا بابي."
مهران بابتسامة عريضة: "أوكي يا حبيبتي.. أطلعي شوفي هاتعملي إيه وريحي شوية. بس هاتنزلي تتعشّي معايا عشان وحشتيني جدًا. مش هاتعشى من غيرك."
أومأت له: "حاضر."
ومالت صوبه تقبّله على خدّه برقة. ثم سارت إلى خارج مارّة بجوار نديم. منحها نصف ابتسامة قبل أن ينظر إلى عمه.
أشار مهران إلى نديم قائلًا: "تعالى يا نديم يابني.. تعالى أقعد أرتاح. انت كمان واحشني جدًا حاسس إني بقالي سنة بحالها مش شايفك انت وليلى."
نديم بابتسامة خفيفة: "انت كمان واحشني يا عمي. كلكوا واحشنّي.. بس معلش هانقعد في المكتب. أنا عاوزك في موضوع مهم."
لم يستطع مهران منع دفقات القلق من التسرّب في أعماقه، كان يخشى ما يوشك نديم على إخباره به، كان يخشى من أن الأمر متعلقًا بعائلة ليلى. لقد وعده نديم بالحل النهائي لتلك المعضلة!
انسلّ نديم بخطى موزونة إلى جوار عمّه، كأن بين خطواته وزنًا لا يُرى، ثقيلًا، لكنه لا يُسمع، حتى دلفا إلى غرفة المكتب.
جلسا هناك قبالة بعضهما، وساد صمت قصير، قطعه نديم بلهجة هادئة: "أنا قررت أطلق راندا يا عمي."
هبطت المفاجأة على مهران قوية، ليردد غير مصدقًا: "نعم؟! بتهزر؟!"
نديم بجدية: "لأ مابهزرش.. الموضوع منتهي جوايا من زمان."
مهران وهو ينحني للأمام: "دي مراتك يا نديم. وشريكة عمرك إللي انت اخترتها محدش اخترهالك.. فجأة كده؟!"
نديم بنظرة مباشرة بعيني عمه: "فجأة بالنسبالكم. لكن أنا بقالي شهور عايش في زيف. وإللي بيني وبينها مات من بدري.. كل إللي باقي شوية مشاعر من ناحيتها لكن أنا عمري ما حسيت ناحيتها بأي حاجة. وانت عارف أنا اتجوزتها ليه من الأول. ده كان جواز مصلحة زي ما بيقولوا."
سحب مهران نفسًا عميقًا، ألقى بجسده إلى الوراء وكأنه يحاول الاتكاء على أي شيء ثابت في هذا الزلزال المحيق بالعائلة. فخسارة صهر كمنصور نعمان تُعد كارثة، كان يمثل السلطة والجاه المكمل لمركز عائلة الراعي ومكانتهم بالمجتمع.
"يعني قرارك نهائي؟" سأله مهران باقتضاب.
نديم بحسم: "نهائي."
مهران بمرارة: "طيب. ليه؟ ليه يا نديم؟ في سبب غير إن إللي بينكم مات زي ما بتقول؟ دي حاجات ممكن تتعالج!"
زفر نديم بنزق، لكنه سرعان ما هدأ وهو يعاود النظر في عينيه من جديد قائلًا بثبات: "أنا بحب ليلى."
مرت لحظة طويلة من الصمت. ثم ارتفع حاجبا مهران وظهر شيء يشبه الابتسامة المندهشة على فمه، نصفها تهكم ونصفها تصديق مر وهو يقول: "يعني إحساسي من زمان كان في محله.. طلعت بتحبها!"
"أنا حاولت أهرب من ده كتير.. بس كنت بكدب على نفسي. أنا بحب ليلى يا عمي ومش قادر أشوف واحدة غيرها. أنا عايزها هي. هي مش راندا ولا أي ست غيرها."
قست نظرات مهران وهو يقول بحدة: "انت بتتكلم عن بنتي يا نديم. فاهم يعني إيه؟ فاهم حجم إللي بتقوله؟"
أومأ نديم وقال بذات الثبات: "فاهم.. عشان كده هاعترف لك بحاجة تانية."
حدّق فيه مهران، وجهه صار مشدودًا، كأن كل عضلة فيه تتحفز لكلمات ابن أخيه المعلّقة.
ليستطرد نديم دون أن يرف له جفن: "أنا اتجوزت ليلى!"
كأن أحدهم سحب الهواء من الغرفة فجأة. أو كأن الوقت نفسه توقف للحظة. لم يتكلم مهران. لم يتحرك. فقط نظر إلى نديم بعينين تعكسان شعور الصدمة. الخيانة. الطعن في الظهر.
"اتجـ… جوزتها؟" ردد مهران بذهول مستنكر: "يعني إيه اتجوزتها؟"
جاوبه نديم ببساطة: "اتجوزتها عرفي. وتممت جوازنا في الغردقة.. وعلى فكرة. ليلى حامل مني."
فغر مهران فاهه من شدة الصدمات التي يتلقاها، بينما يكمل نديم بصوته القوي: "قبل ما ترد وتقول أي حاجة عايزك تعرف إني ماعملتش حاجة استخفاف بيك يا عمي. ولا إن نيّتي ناحية ليلى مش كويسة. أنا ما لجأتش للحل ده غير لما حسيت إن ممكن أهلها ياخدوها مننا. ممكن جدًا هي تحب تتعرف عليهم. ممكن لو عرضوا عليها ترضى تروح لهم وتسيبك.. تسيبني. وده أنا استحالة كنت أسمح بيه. أهلها لو صمموا ياخدوها هاعرفهم إللي بيني وبينها. هو نفسه السبب إللي خلّاهم يتبرّوا من بنتهم إللي انت حبيتها ووقفت جنبها وربيت بنتها كأنها بنتك. فكر بالعقل. ماكنش في حل تاني نضمن بيه وجودها معانا طول العمر من غير تدخل أهلها غير ده. بمجرد ما أحس إنهم خلاص رموا طوبتها هاتجوزها رسمي. هكون طلقت راندا وليلى هاتبقى مراتي قصاد الدنيا كلها."
يصدر عن مهران صوتًا كالأنين وهو يستمع لابن أخيه، يميل بجسده بشدة ممسكًا بالمكتب، كأن به ما يمنعه من السقوط. ثم ضرب بيده الأخرى السطح الخشبي دفعة واحدة، فاهتز كل شيء عدا نديم. لم يرتد له طرف.
"انت خونتني يا نديم!" صاح مهران غاضبًا. "انت دوست على شرفي. ليلى دي بنتي أنا. أنا إللي ربيتها. أنا أبوها!!!"
نديم ببرود: "ماحصلش إني خونتك يا عمي. بالعكس. أنا حميت إللي بتقول عليها بنتك. وكل إللي عملته عشان أحافظ لك عليها.. وبعدين لازم تفهم كويس إنها في الحقيقة مش بنتك. ومالهاش علاقة بشرفك. يعني لو حاسس بكده تقدر تخلي مسؤوليتك عنها وأنا كفيلها. ليلى هاتبقى مراتي رسمي. وأم ابني أو بنتي."
حلّ الصمت مرة أخرى. لكنه هذه المرة كان مختلفًا، كأن شيئًا قد انكسر بينهما، ولا يعرف أحد إن كان قابلًا للترميم.
***
لم يكن رياض يظن بأن الزمن ما زال يحتفظ بقدرته على صفعه من جديد. حتى جاءه الخبر اليقين.
صوت زين يدوي كالرعد بأركان القصر وهو يقف أمام جده وكلًا من أبيه وعمه: "حامل! ليلى.. حامل من السافل إللي اسمه نديم الراعي!!!"
تجمّدت عينا رياض، كأن الكلمة سقطت من السماء عليه كصخرة. كشهابٍ مدمّر. اهتزت يده حول عصاه، ثم هوى جسده دفعة واحدة إلى المقعد خلفه، لم ينهار، بل تكسّر مرة واحدة.
بينما يهدر العم سليمان بغضب أهوج: "رايد إيه تاني يا عمي عشان تصدق إن البت كيف أمها. لساك عايزها؟ عايزها بعارها؟ جولّي. لو بدك ترجع عشان ما تغسل عارك القديم والجديد بدمها أنا بنفسي أروح وأعاود لك بيها في أجل من ساعة."
يتدخل طاهر قائلًا بصوت مهزوز: "إهدى يا سليمان.. إهدى الموضوع ما يتحلش كده."
سليمان بانفعال: "أومال يتحل كيف يا مخبل انت؟ البت خاطية كيف أمها. عايزنا نفرشولها الأرض ورد إياك؟?"
طاهر بعصبية: "على الأقل راعي حالة أبوي. مش شايفه عامل إزاي؟؟"
"بكفاية عراك!" نطق رياض من بين أنفاسهم.
نظر إلى ابنه وابن أخيه بتحذير، وعينين زائغتين، كمن يحاول أن يستوعب ما لا يصدق. لم يتكلم من جديد، فقط تنفس بصعوبة، حتى انفجر زين مجددًا: "أنا مش هاسكت يا جدي. أنا نازل دلوق على بيته. والله لاخدها من هناك غصب عن أي حد. وهو حسابه معايا تقيل. مش هايموت جبل ما يتحاسب!!"
رياض بصوت واهن لكنه حاسم: "اجعد يا زين.. مش عايز فضايح."
رفع زين حاجبيه في ذهول، كأن الكلمات أصابته في كبريائه، ثم قال: "يعني إيه؟ إحنا هانطاطو راسنا للسافل ده؟ هانسيبوه؟؟"
رياض بتهكم مرير: "محدش غلطان غيري. كيف ما سيبت حفيدتي يربيها راجل مش من دمها. أنا السبب في كل ده.. أنا إللي غلطت.. وأنا إللي هاصلّح غلطي."
طاهر بتساؤل: "هاتصلحه إزاي يا بوي؟!"
رد رياض بحسم دون أن يعير اهتمامًا لأحد: "هارجع الغايب.. حفيدتي هارجعها بيدي.. وهاصلّح إللي اتكسر."
عقد سليمان حاجبيه بشدة قائلًا: "إيه الكلام الماسخ ده يا عمي؟ هو الشرف بيرجع إياك؟ الحل للموضوع ده الجتل!!"
نظر له رياض بعداء سافر وهو يقول بفظاظة: "ماليكش صالح يا سليمان. ليلى مش دهب. دهب خلاص ماتت وبتها مسؤوليتي أنا. محدش فيكم هايجرب لها طول ما أنا عايش. انت سامع؟ ماليكش صالح بيها لا دلوق ولا بعدين!!!"
بُهت سليمان ولم يعد يرد.
ليقول زين بأنفاس محمومة وعيناه تلمعان بالغضب: "ناوي على إيه جدي؟ سوتك ده بيقتلني أكتر من إللي عمله الواطي ده!!"
رمقه رياض بنظرة مطوّلة، ثم قال مقدمًا له وعده النافذ: "هاتشوف جدك هايعمل إيه.. هاتشوف كيف هايرد على الجلم ده.. بطريقة ابن رشيد الراعي نفسه ما يتوقعهاش!"