تحميل رواية هيلين بقلم هنا محمود pdf
بقلم هنا محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
_أنت مين؟ وأيه جابك هنا؟ انكمشت على نفسها ودموعها بتنساب أكتر بعد ما سمعت صوت غليظ غير مألوف بالنسبة لها. تهجم محياه بعد ما لاحظ قطرات الدماء على ثيابها فسأل بقلق: _أنت متعورة؟ حد عملك حاجة؟ نفت له بخوف أكتر ونبست: _أنا عايزة ماما. همهم لها وهو بينحني ليواكب طولها، مُطالعًا الطرقات حولها، لكن عيونه اهتزت لما شاف نقش السهم محاوط أعلى ذراعها. سألها بفزع: _أنت من عشيرة أندريا؟ وما أن أخرج حروف الاسم من بين شفتيه، زحفت بعيد بارتعباب منه. رق قلبه على مظهرها. هي طفلة تكاد أن تكون بلغت سن الثامنة. ذكرت...
رواية هيلين الفصل الأول 1 - بقلم هنا محمود
_أنت مين؟ وأيه جابك هنا؟
انكمشت على نفسها ودموعها بتنساب أكتر بعد ما سمعت صوت غليظ غير مألوف بالنسبة لها.
تهجم محياه بعد ما لاحظ قطرات الدماء على ثيابها فسأل بقلق:
_أنت متعورة؟ حد عملك حاجة؟
نفت له بخوف أكتر ونبست:
_أنا عايزة ماما.
همهم لها وهو بينحني ليواكب طولها، مُطالعًا الطرقات حولها، لكن عيونه اهتزت لما شاف نقش السهم محاوط أعلى ذراعها. سألها بفزع:
_أنت من عشيرة أندريا؟
وما أن أخرج حروف الاسم من بين شفتيه، زحفت بعيد بارتعباب منه. رق قلبه على مظهرها.
هي طفلة تكاد أن تكون بلغت سن الثامنة.
ذكرته بها! ابنة الفقيدة.
زفر أنفاسه بروية وقال:
_متخافيش، أنت بس قوليلي فين ماما وبابا.
وما أن ذكرهم حتى تجددت دموعها، حركت رأسها بالنفي:
_مش عارفة، بابا قالي اهربي ومتبصيش وراكي، بس أنا عايزها.
وهنا فهم أن الموت هو مصيرهم!
هم عائلة أندريا خائنة للوطن!
مد كفه لها وهو بيمسح الشوار بعيونه خوف أن يشوفه حد، خلع سترته ومدها لها من بعيد عشان متخافش أكتر:
_حطيها عليكي عشان البرد.
حجة حطها حتى تخفي وشمها.
ترددت، لكن ملامحه الممتلئة ببعض التجاعيد وابتسامته البشوشة ريحتها شوية.
سحبتها منه بخفة بعدما شعرت برجفة البرد.
رطب شفتيه وقال بتردد:
_لازم نمشي من هنا قبل ما حد يشوفك.
حاول تلين نبرته قدر الإمكان عشان يبث الاطمئنان لها:
_تعالي معايا نقعد في حتة بعيد عن البرد.
عيونها البريئة ورجفة دموعها المنسابة، كل ده حرك جواه مشاعر الأبوة لها، رطب شفتيه ومد أيده بابتسامة حنونة:
_متخافيش.
لكنه أول ما سمع صوت أقدام بتقرب باغتها بحملها بين ذراعيه وهو بيحاوطها بسترته، مسح على ظهرها بخفة:
_متخافيش، ده أمان ليكي، متعمليش صوت بس.
أومأت له وهي بتنزوي بنفسها بين أحضانه.
تحرك بخطوات مسرعة والخوف متملكه.
_استنى عندك.
تسمرت قدماه، حاول تمالك أعصابه والتفت للصوت. كان من العساكر البريطانية.
ماسك سلاحه وهو بيرمقه بشك:
_بتعمل إيه في وقت زي ده؟
شاور على عربة الحصان وقال:
_أنا خادم في قصر عائلة والتون وكنت بوصل طلبات أنا وبنتي.
طالعه بشك لكن حركتها بين إيدين والدها خلته يفتكر إنها رجفة برد، همهم له بتفهم وقال:
_ماشي روحها يلا، متفضلش في الشارع للوقت ده.
شكره بهدوء وهو بيسرع بخطواته لعربة الحصان، حطها برفق وساق بسرعة.
وصل قصاد قصر بعد عن البوابة الرئيسية وتوجه لبوابة الخدم.
دخل بسرعة لكن وقفه صوت:
_بتعمل إيه يا أسكندر؟
كانت "جوليا" سيدة القصر!
رمقته بتشكيك:
_مين اللي بين إيديك؟
مفيش مفر للكذب، هي الوحيدة اللي تقدر تساعده.
أزاح السترة من على ذراعها ووجهها لتتضح له.
شهقت بصدمة بعد رؤيتها لوشمها:
_أنت جبتها منين؟ دي عشيرة أندريا!
أومأ لها بخفة ويده تمسح على ظهر الصغيرة:
_لقيتها في شارع الخان بتعيط لوحدها وسط الضلمة.
كمل بهمس:
_النهاردة كان نهاية العشيرة كلها، هي الناجية الوحيدة.
رغم رفضها للي بيحصل لكن عيونها البريئة ودموعها المنسابة خلتها تلين لها، حطها على الأرض فقربت هي ليها عشان تتأكد:
_فين ماما وبابا؟
زامت بشفتيها بعد ما افتكرت أصوات الصراخ وضرب النار:
_مش عارفة، بابا قالي اجري ومترجعيش تاني، بس أنا عايزهم.
رفعت "جوليا" كفها ومسحت دموع الصغيرة.
_بتعملوا إيه هنا؟
التفتت بفزع لما سمعت صوته، لكنها زفرت براحة لما شافت كان ابنها الصغير.
"أندريا" طالع الفتاة بتسأل وقال:
_مين دي؟
وبدون تفكير جاوبته مامته بصراحة عارفة إن هو الوحيد اللي هيقدر يساعدها:
_من عشيرة أندريا.
اتكلم بغضب ونفور من فعل والدته:
_يعني إيه! وهي بتعمل إيه هنا؟ أنت عارفة إيه هيحصل لو جدو أو بابا عرفوا؟
اتشتت مش عارفة تتصرف لكن خوف الصغيرة ونظراتها الفارغة خلت قلبها يلين، افتكرت بنتها!
اغرورقت عيناها بالدموع وهي بتمسح على بدن الطفلة بين حضنها:
_دي هربت منهم، هي الوحيدة الناجية من عيلتها، هتسيبهم يموتوا طفلة؟
نبس بانفعال وقسوة:
_تموت ولا تغور مش مهم، جدو لو عرف مش هيسيبك.
نفت له بسرعة:
_مش هيعرف لو ساعدتني مش هيعرف.
رفع خصلاته بحدة:
_مش هساعدك، احنا هنرميها في أي حتة، مينفعش نتورط معاها.
نهرته بضيق وهي بتتحرك لبره! مش هتقدر تسيبها:
_إيه القسوة دي! لو هي مشيت أنا كمان همشي.
مسك "أندريا" ذراع والدته بسرعة يمنع حركتها:
_بتعملي إيه؟ أنت عارفة لو حد شافك معاها إيه هيحصلك؟
اتنهد بيأس لما شاف دموع والدته وقال:
_هاتيها أنا هتصرف متدخليش.
نفت له بعنف:
_مش هتمشي من هنا، أنت سامع؟
سحبها منها بقسوة وقال بسرعة:
_يلا في حراسة جاية.
هرول بخطواته داخل حدود القصر وحاسس بخوف إن حد يشوفه، كانت الطفلة لسه هتتكلم لكنه نهرها بقوة أفزعتها:
_متتكلميش.
أومأت له وهي بتنكمش على نفسها بين إيديه!
"جوليا" والدته كانت طالعة وراه، كان هيدخلها غرفة الضيوف لكنها وقفته:
_لا يا أندريا دخلها أوضتك.
لف ليها بسرعة ونفور:
_لأ طبعًا أوضتي محدش غريب هيدخلها.
ترجته بعيونها:
_لو دخلتها أوضة تانية الكل هيعرف بوجود غريب وسطنا.
نظر للي بين إيديه بتقزز:
_ماشي، بس تحميها الأول مش هتلمس حاجتي وهي متوسخة كده.
حطها على الأرضية ببعض الحدة ووجه كلامه لوالدته:
_لازم تمشي بكرة مش هينفع قعدتها هنا.
كانت بتابع نقاشهم عنها ببكاء وخوف، قربت "جوليا" منها وهي بتربت على خصلاتها بحب وقالت:
_بس يا حبيبتي اهدي أنت في أمان دلوقتي متخافيش أنا مش هسيبك.
استرسلت حديثها بحنان:
_أنت اسمك إيه؟
حركت عيونها بعينهم لكنها أول ما التقت بعيونه استخبت في حضنها وقالت بتقطع:
_هي.. لين.
_هيلين؟ اسمك جميل أوي زيك! إيه رأيك ناخد شاور ونغير هدومنا!
نفت لها بخوف تفهمته "جوليا" وقالت:
_خلاص تدخلي أنت لوحدك؟ عشان تبقى ريحتك حلوة.
مسحت على ذراعها وقالت:
_هجيبلك هدوم من بنت عمي وهاجي.
اتدخل بحزم:
_وافرضي حد شافك؟
نفت له بتفهم:
_متقلقش هاخد بالي.
دقائق مرت كانت بمثابة الساعة عليها، نظراته حركاته بتحسسها بالخوف وعدم الراحة.
عادت "جوليا" بابتسامة بشوشة:
_جبتلك فستان هو مش حلو زي بتاعك بس يا رب يعجبك.
مسحت دموعها بكفها وهي بتبصلها بسكون. قربت "جوليا" منها، عاونتها على النهوض ودلتها على الحمام.
الليل معروف بالسكون لكن الليلة دي كانت مختلفة، الكل بيدور في الأنحاء عن حفيدة عشيرة أندريا الخاينة! بأمر من المنظمة تم قتل كل العيلة!
فتح جزء صغير من ستارة غرفة بتطل على الشارع الخلفي، شاف حركة الحرس والتفافهم حوالين نفسهم هم قربوا منهم!
قاطع أفكاره صوت طرقات على الباب، أشار لهم بالسكوت وفتح الباب بهدوء.
استقبل بدن الخادمة، كانت بتبص على الأرض باحترام وقالت:
_الحراس عايزين يدخلوا يدوروا في القصر على حفيدة عيلة أندريا لأنها هربت.
سب تحت أنفاسه بسخط:
_خليهم يدخلوا.
قفل الباب واتوجه لوالدته اللي كانت بتبص له بصدمة، إزاي هيسيبهم يدخلوا؟!
أشار لها:
_روحي أوضتك من غير ما حد يشوفك ومثلي إنك نايمة.
نفت له بخوف على "هيلين":
_بس...
قاطعها بحزم:
_متقلقيش عليها، اتحركي بسرعة.
أومأت له ومسحت على كتفه بحنان:
_أنا واثقة فيك.
خرجت "جوليا" وهي بتتسحب بتوتر لحد ما وصلت أوضتها ومثلت النوم.
عيونه كانت بتجوب في المكان بيدور على حل لحد ما لاحظها، منكمشة على نفسها بتبكي بصمت وهي كاتمة شهقتها بتحاول تداري بعيد عنه، حركتها وعيونها البريئة فكرتها بيها!
هو كان بيفكر يسلمها وكأنها هربت لحد هنا لوحدها لكن حاجة جواه منعته، دي طفلة!
زفر بحنق وهو بيفتح الباب وسمع خطوات رجلين.
هرع ليها بسرعة وشالها ورماها على السرير خلاها تشهق بصدمة.
طفى الأنوار كلها ونام على السرير ورفع الغطا عليهم، نهرها بحدة لما سمع شهقتها:
_هش، متطلعيش صوت أنت سامعة!
أومأت له بسرعة وهي بتكتم أنفاسها، صادف فتح الأبواب بهمجية، مثل التثاؤب وهو بيرمق الحراس بجمود، اتكلم واحد منهم بحزم:
_في طفلة هربانة عندنا أوامر إننا ندور عليها في القصر.
حرك الغطا بحرص عشان ميظهرش حاجة منها واتكلم بغضب:
_وأنت شايف إنها هتكون عندي؟ وإزاي تدخل كده في قصرنا؟
بعد الحراس عيونهم عنه بخوف واعتذر بأدب بعد إدراكه غلطه:
_أنا آسف مكنتش أقصد.
نهرها بحدة:
_اطلع بره يلا.
أول ما خرجوا راح بسرعة على الباب وقفله بالمفتاح، أبصرها وهي منكمشة على نفسها ودموعها منسابة على عيونها وقالت بقلب مرتجف:
_أنا عايزة م..اما.
اتنهد وهو بيبعدها بضيق هي السبب في كل ده ولو حصل لمامته حاجة هيكون بسببها، أشار ليها عشان تسكت وقال:
_مش عايز أسمع صوتك، نامي لحد ما نشوف هنعمل إيه.
ضمت بدنها وقعدت على الكنبة وهي بتحاول توقف رعشة جسمها ودموعها بتنساب بحرية، حياتها اتغيرت في ليلة واحدة بس!
_______________
تاني يوم، في غرفة الخدم.
كانت قاعدة منزوية على نفسها وهي سامعة حديثهم.
"كابر" بتقنع عائلة الراجل اللي ساعدها إمبارح "روبين" إنهم يربوها!
كلام كتير مش فاهمة، هما عندهم بنت وماتت، هي هتاخد مكانها!
قربوا عليها وكل بيمْنحها ابتسامة بشوشة عدا ست واحدة! نظراتها كانت وكأنها متقززة منها!
قعدت "چوليا" جوارها وقالت بنبرة حنونة وهي بتحرك خصلاتها البنية:
_عشان تقدري تعيشي هنا لازم يبقى معاكي أم وأب وعيلة.
فركت كفوفها بقسوة وجاوبتها بخفوت:
_بس أنا عندي بابا وماما.
همهمت ليها وتابعت:
_أنا عارفة، بس دول هيبقوا تانيين ومش هياخدوا مكانهم.
أشارت عليهم وتابعت:
_ده اسكندر اللي جابك ودي جيسيكا.
التفتت ليها وقالت:
_وإنتِ هتكوني بنتهم إيلينا، إنسي هيلين خلاص وعاشيرة أندريا، وشمك أوعي تخلي حد يشوفه.
كانت بتابعهم بعيون هادية لكنها فاهمة اللي بيدور حواليها، مش هتشوف أهلها تاني، هما بقوا في السما خلاص!
هتكون مع العيلة دي مكان بنتهم!
هتنسى اسمها ونسبها، هتعيش متخفية بينهم.
____________
بعد مرور شهرين.
بتحاول تتأقلم معاهم وتتعود على حياتها الجديدة.
الشاب المخيف بالنسبة ليها مبقتش بتتقابل معاه غير من بعيد، محصلش تصادم تاني بينهم.
الأجواء كانت هادية، اتعرفت على أخواتها الجداد.
أليكس وروما.
رجعت من مدرستها بحزن.
السيدة "چوليا" حطتها في مدراس عائلتهم للطبقة الراقية لكنها مخلصتش من التنمر عليها!
الحياة قاسية على فتاة لم تكمل سوى الثمان سنوات.
حطت كرسي صغير ووقفت تقلب أكلها.
_بتعملي إيه؟
التفتت بفزع لمصدر الصوت، كان هو أكتر شخص بتهابه!
نزلت من على الكرسي وهي بتحاوط كفوفها بتوتر، عيونها راحت للأكل غصبًا عنها، هي جعانة، لكن وجوده مش مريح بالنسبة ليها.
رمقها هو بتهكم، وجودها بيفكره باللي كان ممكن يحصل لمامته بسببها لو حد عرف بيها!
_هيلين...
نبس اسمها بروية من بين شفتاه لتقاطعه هي بنفيها:
_مبقتش هيلين، أنا إيلينا.
ارتفع طرف ثغره بسخرية وهو بيقف قصادها يناظرها من أعلى بسبب فرق الطول بينهم:
_كدبتي الكدبة وصدقتيها؟! إنتِ هيلين الهربانة من عاشيرة أندريا... اللي ماتت كلها...
أغرورقت عيناها بالدموع وهي بترجع خطوة لورا:
_إنتَ عايز إيه؟
طالعها لثواني كانت طويلة بالنسبة ليها، ملامحها لسه طفولية وعيونها لسه بريئة لم يتم تدنيسها بقذارة البشر بعد.
بص للوعاء وراها، كانت بتحضر أكل هي لنفسها!
_ليه إنتِ اللي بتعملي الأكل؟ فين جيسيكا؟
رفعت كتفاها ليه بخفة وقالت:
_نامت هي وأخواتي بعد ما اتعشوا.
_وإنتِ متعشتيش ليه معاهم؟
بعدت عيونها عنه وجاوبت:
_أتأخرت عليهم فناموا.
جواه أسئلة كتير، ولو هما اتعشوا مشالتلهاش أكل ليه؟! رمق الوعاء بخفة وقال ببرود:
_أنا جعان.
رغم خوفها منه، إلا إنها مش عايزة تحتك بيه!
_هنادي حد من الخدم.
نفى ليها وهو بيقعد ببرود:
_مش إنتِ بنتها؟!
شرزته بحقد لما أدركت مقصده فتابع باستفزاز:
_إيه، مش قولتي إنك بقيتي إيلينا خلاص؟
زفرت أنفاسها بسخط، مش حابة تدخل معاه في مشاكل، هي مديونة ليه هو حماها.
حطتله الأكل في طبق وحطته قصاده وحطت لنفسها طبق هي كمان قصادها، رفع حاجبيه ليها وقال:
_إنتِ هتاكلي معايا؟ كلي في أوضتك.
نفت ليه بخفة وهي تشرع في تناول الطعام:
_مينفعش ناكل في أوضة النوم، أنسب مكان للأكل هو الترابيزة.
تجاهلها وهم في تناول طعامه، طعمه حلو!
_سمعت إنك روحتي المدرسة مع ليلي.
همهمت ليه وقالت:
_شكرًا إنكم دخلتوني مدرسة راقية زيها.
نبرتها وأسلوبها وكأنها آنسة كبيرة مش مجرد طفلة، هز راسه ليها لكنه لاحظ لتو احمرار طفيف على وجنتها!
أشار من بعيد ليها وقال:
_إيه ده؟
تحسست وجنتها بخفة، بعدت عيونها عنه وجاوبت بصراحة:
_مش الكل متقبل وجودي في المدرسة.
فضل باصص على احمرار وجنتها بهدوء.
_______________
تاني يوم وقت المدرسة.
_إيلينا يلا، بابا هيتأخر.
همهمت ليها وهي بتحضر شنطتها لكن وقفها صوت صراخ جاي من الجزء الآخر من القصر!
قاطع فضولها صوت "روما" أختها:
_إحنا هنمشي عشان منتأخرش، ابقي تعالي مشي عشان تتعلمي الدرس.
مركزتش معاها، فضولها كان بيقودها لمصدر الصراخ، ذكرها بجدها الراحل.
اتسحبت على أطراف أقدامها حتى وصلت لصالة القصر.
كان الجد وكبير عائلة "والتون" بيصرخ في وش "إيدن" بغضب:
_قولت هتسافر يعني هتسافر.
نفى ليه وهو بيقف قصاده بغضب:
_لأ مش هسافر، مش عايز أسيب ماما لوحدها.
ابتسم بسخرية على حديثه وقال بنفور:
_متسترجل كده، إنتَ حفيد والتون فاهم يعني إيه؟!
حقد السنوات اتركم جواه من جده وأفعاله وكالعادة باباه وأخوه واقفين بيتفرجوا بصمت ومامته بتزرف دموعها بسكون، قال بإصرار:
_وأنا قولتك مش هسافر.
صوت صفعة قوية هو ما كان يُسمع في سكون الصالة! شهقت فزع فرت من ثغر والدته.
مسك وجنته بعد ما سقط على الأرض من قوة الكف. تمساك وهو بيرمق جده بكرهه.
قرب جده منه وهو كاره عيونه المتحدية، ركله بقوة في معدته.
حاوط "إيدن" معدته وهو بيتأوه بألم منكمش على ذاته، وهنا ابتسم "والتون" جده لما شافه بيتألم قصاده. صرخ في الخدم:
_طلعوه أوضته، محدش يدخله لا أكل ولا شرب.
عاونوه على النهوض، قربت "چوليا" منه بدموع:
_إيدن...
لكن قاطعها صوت جده الغليظ:
_مكانك، محدش يقرب منه.
وكالعادة وقفت مكانها، خافت منه، تيبست قدمها وتابعت ابنها وهو بيتحرك بصعوبة لغرفة سابته لوحده كعادتها!
كل ده كان بيحصل أسفل عيونها المراقبة، حست بالشفقة لحاله وخصوصًا إنها شافت عيلة كلها ساكتة محدش دافع عنه!
إحساس بالذنب روح طفولتها الطاهرة بتحسها على مساعدته.
بعد نص ساعة مكنش قصادها حاجة تعملها، عايزة تجيبله أكل، عملت سندوتشات ليه.
كانت بتتسحب بخوف وهي بتبص حواليها لحد ما وصلت لغرفته، بصت حواليها بإرتباك وفتحت بابه من غير طَرْق.
كان قاعد على السرير وباصص للسقف بسكون، التفت لمصدر الصوت وشافها! قربت منه بسرعة وهي بتتسلق فراشه بصعوبة بسبب ارتفاعه.
طلعت السندوتشات من أسفل سترتها وحطتها قصاده بسرعة وبعدها خرجت أدوات التعقيم قالت بهمس وخوف:
_كل بسرعة وعالج جرحك قبل ما حد يجي.
رطب شفتاه وتجاهل تفاجئه بوجودها ونبس بمشاكسة:
_مش والتون قال محدش يدخلي؟
همهمت ليه بجدية وهي بتخرج قطعة قطن صغيرة:
_هو جدك إنتَ يعني مليش دعوة بيه.
ابتسم بجانبية:
_يعني إنتِ سمعتي أوامره؟
حركت راسها ليه بالموافقة وهي بتمد قطعة القطن ليه:
_لازم أمشي بسرعة قبل ما حد يلاحظني، هحاول أجيلك تاني بليل.
زامت بشفايفها وقالت بصدق:
_إنتَ مخيف لكنك طيب، ساعدتني وحاميتني.
ربتت على رجله بخفة وقال بطفولية:
_منزعلش، إنتَ شخص طيب، هحاول أكون صحبتك عشان متبقاش وحيد.
استقامت بسرعة غير سامحة ليه بالحديث، لوحت ليه من بعيد وسارعت في خطواتها لبرا بعد ما قفلت الباب.
تابع طيفها بدهشة اتحولت لابتسامة، هي طفلة عنيدة زيه.
٠
الحال اتحسن بينهم وبقوا أصدقاء.
_هنمشي سوا؟
همهم ليها بخفة:
_آه.
استكمل تعديل خصلاته فوقفت قصاده داخل مرحاض الغرفة وهي بتدور حوالين نفسها بفرح بفستانها الجديد:
_إيه رأيك؟
جاوبها باستفزاز:
_مش وحش.
مهتمتش لكلامه والتفتت ليه:
_ارفع السوستة لحد آخر حتة.
همهم ليها وهو بيرفع شعرها، كانت حتة صغيرة بس اللي مفتوحة، مسك السوستة عشان يرفعها لكن وقفه دخول همجي للغرفة، كان شقيقه الأكبر "وليام" قال بصراخ:
_إنتَ بتتحرش بيها! بتتحرش بطفلة؟!
يتبع.
رواية هيلين الفصل الثاني 2 - بقلم هنا محمود
تسير في الأزقة وهي تضم سترتها الرقيقة على بدنها مستمتعة بأشعة الشمس التي تبث الدفء لها.
نوفمبر بلندن مشهور بأجواء الخريف ورياحه الرشيقة.
دلفت لقصر عائلة "والتون"، لم تلبث لثوانٍ حتى دفئ بدنها بسبب المدفأة المشتعلة.
وضعت أغراضها داخل غرفتها.
خرجت لتجد والدتها تتناول الطعام صحبة شقيقها، يتناولون غدائهم دون انتظارها كالمعتاد، لم تعلق عليهم.
حضرت شطيرة لنفسها وخرجت للحديقة الخلفية.
نسمات الهواء تداعب خصلاتها برفق مرسلة شعورًا بالراحة داخلها، أحست بحركة جوارها.
التفتت ببسمة واسعة ما أن علمت هويته.
رفعت كفها تستأذن أولًا قبل أن تمسح على رأس الصغير:
"روبين."
طالعها بعيون طفولية لتتابع بالمسح على رأسه بحنان:
"عملت إيه في المدرسة؟"
رطب شفتاه بخفة ليكتفي بإجابة مختصرة:
"كويس."
فهمت إجابته لتفتح ذراعيها تضمه لها بحرص حتى لا تزعجه.
ترى نفسها به! هو ذو الثمان سنوات وحيد كما في ماضيها!
قاطع جلستهم صوت الخادمة:
"إيلينا، جوليا هانم عايزاكي."
طبعت قبلة رقيقة على رأس الصغير قبل أن تنهض وتتوجه للداخل.
مكتب يليق بكبار العائلات بلندن، عشيرة "والتون" من داعمة الوطن وقت الحرب ولم يخونوه على عكس عشيرة "أندريا"!
جلست باحترام أمام سيدة القصر "جوليا"، عيناها تنظر للأرض بأدب:
"حضرتك طلبتيني."
أزاحت "جوليا" خصلاتها الشقراء بعيدًا عن عينيها لتنبس:
"أنتِ عارفة حالة روبين كويس."
همهمت لها فتابعت:
"أنتِ الوحيدة اللي بيتجاوب معاها، عشان كده عايزاكي تكوني معاه دايمًا تعتبري نفسك المربية بتاعته."
زامت شفتاها بضيق، تريد الرفض لكنها لا تنسى أفضالها عليها!
قالت بتردد:
"بس أنا كنت عايزة أمشي، أنا بساعد في القصر يمكن أقدر أسدد جزء صغير من ديني ليكي، بس وجودي مع روبين يعني بقائي هنا على طول."
لم تعد تتحمل بقاءها في ذلك القصر، أضحت جدرانه تخنقها.
تفهمت "جوليا" حالتها لتقول:
"هدعمك في قرارك لكن مش دلوقتي، لما حال روبين يتحسن أكتر هتمشي. أنتِ هتستلمي كل أموره لكن طبعًا قراراته هترجع لـ"وليام" الأول."
لم تعطها فرصة الرفض، قد اتخذت قرارها من الأساس.
شكرتها بأدب لتستقيم من مكانها لكن أوقفتها كلماتها:
"أيدن هيرجع نهاية الأسبوع."
وما أن سمعت اسمه حتى شعرت ببرودة أطرافها، هو سيعود، من كان يطاردها بأحلامها سيعود! الغريب الوحيد الذي يعلم بسرها!
قد غادر البلاد منذ أربعة عشر عامًا بسببها هي، فضيحة لم تفهم معناها حينها قد نفته هو من موطنه!
دلفت لغرفتها وعقلها يكاد ينفجر من كثرة التفكير، شاعرة بعيون مراقبة لها.
وقفت "جيسكا" والدتها أمامها بعيون حاقدة:
"كنتِ بتعملي إيه في المكتب؟"
كانت ستتجاهلها لكنها أجابتها بكذب:
"كانت بتقولي إني أهتم بأمور القصر أكتر."
ضيقت عينيها بعيون مشككة لتقترب منها بعيون كارهة:
"المهم تكوني بعيدة عن روبين، أوعي تقربي من حفيدي."
لم تعطها رد فعل بل انسحبت بعيدًا لحديقة القصر الخلفية كعادتها.
"روبين" هو ابن شقيقتها "روما" و"وليام" وريث عشيرة "والتون".
ذنب لم يفارقها لكنها دفعت ثمنه.
ثوب رقيق مثلها يحيط بدنها، أعلاه سترة طويلة تقي جسدها من برودة نوفمبر.
أخذت كتبها لتذهب للجامعة لكن أوقفها جسد طويل أمامها، رفعت عيناها لتلمح "جاك" خطيبها!
فتح ذراعيه لها ليستقبلها بعناق، هرولت بخطاها له والبسمة تعلو ثغرها، لقد عاد!
"رجعت إمتى؟ أنا مش مصدقة؟"
مسح على خصلاتها وهو يضمها له أكثر:
"من يومين."
ابتعدت عنه وهي ترمقه بضيق:
"يومين وأنت هنا ومفكرتش تشوفني أو تبعتلي رسالة حتى!"
ابتسم على غضبها بلطف ليقرص وجنتها:
"كان في مشاكل تبع الشغل خلتني معرفش أجيلك، أنا حتى مرجعتش لوحدي."
لم تعقب على حديثه فهي سعيدة أن صديق طفولتها قد عاد!
حاوطت ذراعه بود قائلة بمرح:
"احكيلي عملت إيه هناك؟"
أبصرها ببشاشة وهو يطوق كتفها فهو قد اشتاق لها حقًا.
مر الوقت وهما يتبادلان الحديث لينبس بمرح كعادته:
"إيه رأيك نقطف تفاح زي زمان؟"
هي فتاة تخلت عن طفولتها من زمن حتى أبسط الأشياء لم تعد تسعدها، لكن وجوده يذكرها بأوقاتها السعيدة.
أومئت له ببسمة:
"يلا بينا."
تسلل بخفة للحديقة الجانبية المنتشر بها أشجار التفاح، أشار لها:
"استني هجيب حاجة نجمع فيها."
لم تضيع وقت حيث أمسكت بالأغصان تتسلقها بحرص، ألقت بالحبات التي تلتقطها من أعلى ومع كل ثمرة تتسلل لها ذكرى قديمة، طيف يلاحقها من بين صفحات الماضي:
"أنتِ مين؟ وبتعملي إيه هنا؟"
شهقت بصدمة لتحرك قدمها دون إرادة مؤدية لتهاوي جسدها.
أغمضت عينيها مستعدة للألم، لكنها شعرت بأيدٍ تحاوطها!
فتحت عينيها برفق لتتسع عدستيها بقوة، كان هو! لقد عاد، كابوسها عاد.
يتبع.
رواية هيلين الفصل الثالث 3 - بقلم هنا محمود
ابتعدت عنه بسرعة، شاعرة برجفة أطرافها، لقد عاد!.. إنه هو؟!...
قرب ما بين حاجبيه بتعجب وسألها:
"أنتِ مين؟"
شُلّ لسانها، نست كيف تتحدث، تقطعت حروفها، عقلها لا يستوعب وجوده أمامها بعد تلك السنوات الطوال!
تدخل صوت "جاك" الذي أفاقها من صدمتها:
"أنتَ جيت على القصر؟"
همهم له وعيونه لم تنزاح عنها ليسأل ببرود:
"مين دي؟"
ابتسم "جاك" وهو يحاوط كتفها يرقبها له:
"أنتَ مش فاكرها دي أي..."
قاطعته هي بنبرة مرتعشة:
"أنا خطيبة..."
عيونه ما زالت متعلقة بها. وضع كفه بين جيوبه ليبتعد عنهم بصمت دون التفوه بشيء أو إلقاء التحية حتى!
لقد تغير... فقد ملامح المراهقة لتضح نظراته حادة تبث الرهبة للجميع... يبدو أن فتى السابعة عشر لم يعد كما كان!
يجلس على طاولة الطعام بوجهه جامد. أمامه شقيقه "وليام" ويساره والدته.
أخذ قطمة من شريحة اللحم ليسأل بهدوء بعدما لاحظ خادمة شابة:
"فين جيسكا وإسكندر جوزها؟"
رطبت والدته شفتاها قبل أن تجاوبه بحزن:
"إسكندر اتوفى من تمن سنين وجيسكا كبرت خلاص فمبقتش بتشتغل كتير في القصر..."
همهم لها بخفة واستكمل تناول طعامه بهدوء، يشعر بنظرات شقيقه له وعيونه الحاقدة!
تجاهله وهو يوجه حديثه لوالدته مجددًا:
"فين روبين؟... مش بياكل معانا ليه؟"
لم يرَ ابن شقيقه ولو لمرة واحدة حتى منذ مولده! منذ أن تم نفيه وهو بالسابعة عشر لم يفكر العودة مجددًا.
وهنا قد تدخل والده قائلًا ببعض التساؤل:
"بتسأل ليه؟"
استشعر قلق والده من حديثه ليجيب بدهاء:
"عندي فضول عشان أتعرف على ابن أخويا..."
أشارت والدته للسلّم:
"هتلاقيه في أوضة..."
كاد أن يتدخل "وليام" ليمنعه من الذهاب لكن نظرات والده قد أسكتته.
صعد درجات السلم، ما زال يتذكر منزله ومكان غرفته... وجد غرفة كانت فارغة في الماضي استشف أنها غرفة الصغير.
فتح الباب دون طرق، ليجد بدنه الصغير يجلس على المقعدة خصلاته سوداء مشابهة له وعيونه سوداء.
رطب شفتاه وهو يتابعه بهدوء ليشتته صوت لم يلاحظ صاحبه سوى الآن:
"يلا عشان نخلص الواجب سوا وبعدها نتمشى زي العادة..."
كانت ذات الفتاة، فتاة التفاح! خطيبة "جاك" ابن عمه.... ما علاقتها بقصرهم؟ لما تجلس مع ابن شقيقه؟
أفزعهم بصوته الغليظ:
"بتعملي إيه هنا؟"
انتفضت لصوته لتستقيم وهي تعدّل ثوبها، دلف للغرفة وهو يناظرها بهدوء منتظر إجابة.
مسحت على خصلات الصغير بعدما رأت عيونه الهلعة لتجيب بتقطع:
"أنا م... مربية روبين الجديدة..."
تجاهل حديثها ليوجه كلماته للصغير:
"أنا عمك الصغير آيدن..."
ناظر "روبين" بعيون حاقدة يكره تلك العائلة وكل من يقربهم!
نبس "آيدن" بضيق بعدما رآه يقترب من بدن تلك المربية يبتعد عنه:
"مش هتسلم عليا؟... وكمان منزلتش عشان تاكل تحت ليه؟"
نفى له وهو يجيب بفظاظة:
"مش هسلم عليك، وملكش دعوة بيا..."
ارتفع طرف ثغره ببسمة جانبية وهو يقترب من "روبين" بخطى بطيئة وبدون تفكير منها وضعته خلف ظهرها لتتصدى هي له!
تحدثت بسرعة:
"هو ما كانش قصده إنه هيعرفة غلطة..."
انكمشت بسمة بعدما رأى عيونها الخائفة ودفاعها عنه... أتحاول حمايته منه!
شرزها بضيق:
"متتدخليش في شؤون العيلة..."
وجه نظراته للصغير قائلًا باستفزاز:
"لو عايز تقول حاجة متستخباش ورا حد اقف بشجاعة وقولها، ويلا عشان تاكل تحت..."
كاد أن يتحدث "روبين" لكنها تدخلت مجددًا وهي تضغط على كفه ليصمت:
"هينزل وراك..."
أبصرها لثوانٍ قبل أن يلتف منصرفًا للخارج.
انحنت لتواكب طوله قائلة بلوم:
"ما ينفعش نقلل احترام من الأكل منا كده يا روبين مش أنا قولتلك؟"
تدخل بضيق:
"أنا مش عايزهم، هو جاي ليه؟... ليكون عايزني أمشي بعيد زيه؟... ده حتى أنتِ ما كنتيش مستريحة لما شوفتيه..."
عقله أكبر من سنه بكثير ينتقي كلماته قبل الحديث، زفرت أنفاسها بنفي له:
"عمك طيب وبيحبك هو بس حابب يتعرف عليك... أنا ما اتضايقتش من وجوده أنا بس مش متعودة عليه..."
أمسكت يده قائلة:
"هننزل عشان تاكل معاهم ومش عايزاك تقول حاجة غلط عشان ما أزعلش منك..."
هز رأسه لها بضيق وهو يسير معها للخارج لكنها تفاجأت من وجوده! "آيدن" كان بالخارج يستمع لهم.
استدار ليترجل السلالم دون حديث وكأنه لم يفعل شيئًا!
لحقته هي و"روبين" بعد لحظات حاولت بها جمع شتات نفسها.
خطواتها كانت ثقيلة، متذكرة ماذا حدث بآخر مرة قد انضمت لتلك الطاولة!
جلس "روبين" بآخر مقعد وهو يشرزهم بضيق طفولي، رافضًا ترك يد مربيته أسفل أعين عمه المراقبة.
سألته والدته:
"هنعمل حفل خطوبتك إمتى؟"
شعرت بشيء غريب يتحرك داخلها، شعور لم تفهمه...
هو سيخطب! وما المشكلة هي أيضًا مخطوبة...
قاطع شرودها صوته الحاد:
"تعالي على مكتبي..."
ضمت قبضتها بخوف، عيونه مصوبة على عدستيها هو قد تذكرها!
يتبع...
رواية هيلين الفصل الرابع 4 - بقلم هنا محمود
تسير الرواق تدعي ألا ينتهي، حبست أنفاسها لتطرق الباب بخفة لا مفر إن كان تذكرها ستتحمل النتائج.
يجلس على مكتبه يناظرها بصمت، أشار لها لتجلس أمامه.
هي غامضة بالنسبة له وذلك ما يبغضه!
- أنتِ مين؟ وإيه علاقتك بجاك؟
رطبت شفتاها شاعرة بقليل من الراحة، على الأقل هو لم يتذكرها، كادت أن تتحدث لكنه قاطعها مسترسلًا:
- على حد علمي أن روبين مش بيندمج مع حد؟
تحمحمت بخفة في محاولة لإيجاد جواب مناسب:
- أنا وجاك اتكتبنا لبعض من سنين، ولما كبرنا تمت خطوبتنا. أما بالنسبة لروبين فأنا قضيت معاه سنوات طوال كخادمة في القصر تخليه يتعود عليا.
كانت عيناه تجوب في محياها وكأنه يقيس مدى صدقها!
- تمام، عايز جدول بكل مواعيد روبين.
همهمت له بخفة وهي تنهض، كادت أن تتحدث لكن قاطعها صوت غاضب:
- يعني إيه ده؟!
تدخل والده بهمجية وهو يلقي إحدى صحف الجرائد أمامه، لم يهتز بل ظل كما هو يقرأ المكتوب بثبات.
رفع عيونه لوالده لينبس ببرود:
- في إيه؟ بيعلنوا عن هوية ابن الوزير اللي بقى من أهم رجال الأعمال.
ابتسم بسخرية وتابع:
- ابنك بقى من أشهر رجال الأعمال.
صاح والده بغضب وهو يركل المقعد:
- ما تعصبنيش أكتر، إزاي أصلاً أنت بقالك كام سنة بره وجبت فلوس منين؟
نهض من مقعده ليقترب من والده بخطوات ثابتة، انحنى قليلًا ليواكب طوله قائلًا قرب أذنه:
- اشتغلت شغلك القديم يا حضرة الوزير، فاكره؟ أنا هنا بقالي أكتر من شهرين.
ابتعد عنه ليردف بسخرية:
- إيه يا حضرة الوزير مش عارف تشوف شغلك؟!
صوت صفعة قوية دوت بأنحاء المكتب، كان والده! دار وجهه للجهة الأخرى لشدتها، لكنه ظل ثابتًا لم يترنح بدنه مثل الماضي.
التقطت عيناه والدته تقف بعيدًا كعادتها تتابعه بعيون حزينة، وشقيقه يشاهد بشماتة، أعادت الطفولة مجددًا! لم يتغرب لأربعة عشر عامًا حتى يعود للماضي مرة أخرى؟!
كور قبضته وهو يرمقه بضيق، حاول تمالك أعصابه ليحادثه بنبرة مهددة:
- أنا ما بقتش ابنك الصغير تضرب فيَّ زي زمان، أنا معايا الجنسية الألمانية يعني ممكن أتكلم معاك بالقانون، وغير كده أنا بقيت من أهم الشخصيات في البلد يعني تخلي بالك وأنت بتتكلم معايا.
أنهى حديثه وهو ينصرف للخارج دون اهتمام بأحد. كل ذلك حدث أمامها لتتذكر حينما ضربه جده ومنع عنه الطعام حينها كان صغيرًا وهزيلًا أما الآن أصبح رجلًا يرسل الرهبة لمن يقف أمامه!
اقتربت من سيدة "جوليا" بسرعة بعدما رأتها تبكي، ربتت على ظهرها بخفة:
- زمانه بيكرهني، ما عرفتش أقف معاه لا زمان ولا دلوقتي.
حاولت التخفيف عنها ببعض الكلمات:
- هو عارف أن ما فيش حاجة في إيديك.
نفت لها بقوة:
- أنا عارفة عصبيته وحشة، اطلعي له خليكي معاها عشان ما يعملش حاجة وكمان عشان جرحه ده بوقه كان بينزل دم... هو مش هيرضى أبقى معاه.
______________
بعد إلحاح من "جوليا" وترددها، صعدت للطابق الثاني، تقف أمام غرفة تمسك أدوات طبية.
يدها ترتجف تشعر وكأنها غير قادرة على طرق الباب! جمعت شتات نفسها للحظات لتحسم أمرها بطرق الباب عليه.
فتحته بخفة بعدما استمعت لإذن الدخول، الزجاج متناثر بالأرجاء، لا يوجد شيء بمكانه! وكأن عاصفة قد داهمت الغرفة.
يجلس على الأريكة يناظر الأرض بشرود، خصلاته مبعثرة تحجب محياه عنها وكفه ينزف الدماء.
- مش عايز حد ينضف الأوضة دلوقتي.
فركت كفوفها بتوتر:
- أنا ما جيتش أنضف.
رفع عيناه لها بعدما استمع لصوتها، رمقها بتلك النظرة الغامضة:
- جيتي ليه؟
أبعدت عيناها عنه لتجيب:
- جوليا هانم قلقت عليك، طلبت مني أشوفك وأساعدك.
همهم لها بعدما رأى علبة الإسعافات بين يديها، اعتدل في جلسته ليتيح الفرصة لها للجلوس جواره مقررًا العبث معها قليلًا فتلك هواية.
أشار لها بعيناه:
- اعملي شغلك يلا.
زامت بشفتاها بضيق من أسلوبه الفظ لتجيب بتوضيح:
- ده مش شغلي، أنا عشان بحترم جوليا هانم فسمعت كلامها.
ابتسم بجانبية:
- ولا عشان تنتهزي الفرصة؟
أبصرته بنفور بعدما فهمت ما يرمي إليه، يقصد أنها تتحجج للقرب منه!
رفعت خاتمها أمامه:
- أنا مخطوبة لو مش فاكر.
لم يجبها بل أراح رأسه للخلف بصمت، اتخذتها إشارة للاقتراب، جلست جواره باستحياء.
رفعت كفها تعيد خصلاتها للخلف، وضعت وسادة على قدمها لتسمك كفه من طرف قميصه دون إحداث أي تلامس بينهم.
قطب حاجبها بضيق أ تتجنب لمسه؟! أيحمل مرض معدي؟!
تابعها بصمت وهي تضمم جرحه، يدها ترتجف تقضم شفتاها بين الثانية والأخرى، يبدو أن قربه ليس مريحًا بالنسبة لها!
تحمحم بخفة ليسألها عما يدور بداخل رأسه:
- إزاي عمتي سابت جاك يخطبك؟ هي بتهتم للمكانة في المجتمع، وليه اتكتبتوا لبعض أصلاً؟
رفعت عيناها له لتجيب، لكنها صدمت لمدى قربه، عيناه السوداء بدت متعبة، خصلاته مبعثرة ذكرتها بمراهقته!
اهتزت عدستيها بعدما رأت ندبة وجنته اليمنى، قد مرت عليها السنوات لتدفنها بين الماضي تاركة أثر فقد للذكريات.
لم تعد بارزة كالسابق لكنها ظاهرة، هي تتذكرها كانت بسببها.
ذلك اليوم حينما تشاجر بسببها!
وهنا قد اغرورقت عيناها بالدموع دون إدراك، ظنت أنها نسته لكن ما أن رأته حتى داهمها الماضي، شعور بالذنب يخنقها.
أجابته بثقل:
_دي أمور خاصة...
أنهت حديثها لتلف الشاش حول كفه.
مدت قطنة بها مطهر:
_لجرح شفايفك...
لم تعطه فرصة الجواب فقد نهضت.
_____________
ضمت بدنها أسفل الغطاء لتبكي بصمت كعادتها، هي اشتاقت له. اشتاقت لصديق طفولتها.
استيقظت ثاني يوم على صوت ضوضاء بالقصر على غير العادة.
ارتدت ثوب زهري به ورد بيضاء كاشف قليلاً من الأعلى وفوقه سترة صوفية رمادية اللون، تركت خصلاتها كعادتها.
سألت إحدى الخادمات بفضول:
_إيه اللي بيحصل هنا؟
أجابتها بسرعة:
_جوليا هانم هتختار عروسة للجنرال.
قطبت حاجباها بتعجب:
_ومين الجنرال؟!
_السيد أيدين، ده لقبه الجديد في عالم الأعمال.
كل تلك التجمعات من الحسنوات لأجله هو!
شعور من الضيق قد داهمها لا تعلم سببه حتى! مشاعرها مشفرة حتى بالنسبة لها.
لكن ما تعلمه هو أنها لا تريده أن يعلم هويتها أو يتذكرها.
صعدت لغرفة "روبين" عليه الاستعداد للمدرسة.
_صباح الخير يا حبيبي.
ارتجفت بسمتها بعدما رأته يجلس على الأريكة وهو يرى الصغير يتصارع مع قميصه حتى يرتديه.
ماذا يفعل هنا؟! تجاهلته لتدخل ببطء لتقترب من "روبين" تسأله بلطف:
_ممكن أساعدك؟
أبصرها لثواني ليهز رأسه بالموافقة بعدها مما جعل عمه يرفع حاجبه بضيق فهو عرض عليه المساعدة منذ لحظات ورفض بحزم!
ابتسمت له برقة وهي تعدل ملابسه وبعدها خصلاته بحنان، كان يتابعها بهدوء.
أمسكت حقيبة لتقول بلطف:
_يلا بينا عشان منتأخرش؟
همهم لها روبين ليمسك يدها كالعادة.
_على فين؟
أوقفهم صوته. أجابته دون الالتفات:
_للمدرسة بعد كده جامعتي.
استقام ليتخطاهم:
_تمام يلا.
ماذا يعني أسيذهب معهم؟!
فتح باب السيارة بعدما توجه للأسفل، هي وروبين يذهبون للمدرسة سيرًا دون معرفة أحد، هكذا سيفسد نظامهم.
رفض "روبين":
_لا احنا هنمشي زي كل يوم.
_هتمشوا؟! أنتم بتروحوا مشي؟!
مسكت على كف الصغير بخفة وهي تحاول تبرير موقفها:
_روبين بيتعب من المواصلات الكتير فعشان كده بنمشي الصبح.
_لوحدكم؟!
سؤاله كان واضحًا ومباشرًا عيونه مصوبة عليها يرفض الكذب.
أبعدت عيونها عنه لتجيب بصراحة:
_أوقات كان جاك بيجي معانا، بس محدش يعرف بهوية روبين.
لم يعجبه جوابها، لم يرضيه وجود جاك به.
سار أمامهم ليقول:
_يلا.
رغم صدمتها من ذهابه معهم إلا أنها سارت خلفه وهي تحتضن كف الصغير الذي عبر عن ضيقه قائلاً:
_أنت هتيجي معانا ليه؟ ده وقتي أنا وهي لوحدنا.
تجاهل رفض الصغير:
_وقتكم لوحدكم؟ وبتعملوا إيه فيه بقى؟
وكأنه يحقق معه يرغب في معرفة كل شيء متعلق به!
_ميخصكش.
نهرت الصغير بخوف من غضب عمه:
_عيب يا روبين مينفعش نقول كده للأكبر منا.
زام بشفتيه بسخط وهو يرمق عمه بغضب فقد تعرض للتوبيخ من صديقته بسببه.
كاد أن يدخل من شارع مختلف لكن صوت "روبين" أوقفه:
_لا هندخل من شارع الأزهار اللي بتحبه.
وضع يديه بجيب بنطاله وهو يسأل بتعجب:
_هو لسه موجود؟! افتكرتهم هدوه.
نفت له بخفة ليتابع هو:
_أنت بتحبي الشارع ده؟
هزت رأسها بخفة مما جعله يبصرها بهدوء، ذلك الشارع له ذكرى خاصة معه.
_اسمك إيلي؟
ذلك اختصار اسمها، المقربون فقط من يعرف ذلك الاسم، ستدعه ينعتها هكذا فلا حاجة لمعرفة اسمها.
_أه ده اسمي.
كذبت لكن بصدق نية تحاول تجنب المشاكل.
__________________
في مساء اليوم التالي.
الجميع يرتدي ملابس تناسب ذلك الحدث.
خطبة جنرال الأعمال الذي لا يعلم هو بأمرها حتى.
كابر ابنة أحد الوزراء وصديقة طفولة أنسب أحد لذلك المنصب.
لم يتم الإعلان برسمية، الجميع حاضر لعلمه أنها حفل استقبال له لكن "جوليا" أحبت إشهار خطبتها بذات الحفلة.
لم تهتم لارتداء شيء مناسب اكتفت بثوب أبيض يبرز نحافتها أعلاه سترة زهرية، لتتنقل بين الطاولات ترى النواقص.
تشعر بعيون تلاحقها، كان هو يقف ببدلته السوداء يحتسي مشروبه وعيناه لم تفارق تلك الفراشة المحلقة بين الحضور.
_حضرت الجنرال.
التفت للصوت ليرى فتاة شقراء ترتدي ثوب بلون النبيذ كاشف قليلاً من الأعلى، لم يعلم هويتها ليكتفي بالهمهمة لها.
لتتابع بحرج:
_أنت مش فاكرني؟ أنا كابر بنت الوزير توماس.
تعبث بخصلاتها عيونها مثبتة عليه بجرأة هدفها لفت نظره.
ارتشف من كوبه ليردف بفظاظة رغم تذكره لها:
_مش بفتكر الحاجات اللي مش مهمة.
ابتسمت بضيق لتقول بخبث:
_في حد ميفكرش خطيبته؟
فهم هدفها ليشاركها الضحك وعيونه ليست معها بل على فراشة "إيلينا".
_الحفلة دي عشان أعلن عن منصبي مش عشان خطوبة، متاخديش بكلام حد تاني غيري بعد كده.
حاولت تمالك أعصابها وكبح إحراجها لتبتسم له:
_قصدك إيه؟
لم يجبها بل أدنى باهتمامه للأخرى، حاولت لفت نظره لتقول بحقد:
_لسه زي ما هي بتحاول تلفت نظر الكل.
التفت لها وهو يضيق عيناه بعدم فهم لتتابع بتساؤل:
_أنت مش فاكرها دي إيلينا بنت الخدامة جيسكا.
كرر حديثها بعد فهم:
_دي إيلينا؟!
رواية هيلين الفصل الخامس 5 - بقلم هنا محمود
هيلين؟!
نبس اسمها بخفوت بعدما أخرجه من صفحات الماضي، عقله لا يستوعب أن تلك هي!
هل خدعه مجددًا؟! كان يناظرها وعقله ما زال يفكر، اقترب جاك منها لتبادله بسمة بشوشة وهي تحتضنه بحب.
أخدعت ابن عمته أيضًا؟!
ودون تفكير منه اقترب منها بخطوات مسرعة لينتشلها من حضن الآخر بقسوة.
سأله چاك بتعجب: في إيه يا أيدن؟!
شد بقبضته على معصمها ليردف من بين أسنانه: هتكلم معاها في حاجة بخصوص روبين، خليك مع الحضور.
كاد أن يتحدث لكن بنظرة من "أيدن" قد أسكتته.
سحبها من مرفقها خلفه بعنف.
كانت تحاول تثبيت قدمها في الأرضية وهي تدفع يده تتحدث بهلع: سيب إيدي، عايز إيه؟!
قلبها كاد أن يتوقف من خوفها، هل علم هويتها؟!
نفض بدنها على أرضية الغرفة بقسوة ليغلق الباب خلفه بعنف.
تراجعت للخلف وهي تراه يقترب منها، انحنى لطولها قليلًا، سحب قدمها بسرعة ليضع وجهها مقابل له.
عيونها هرعت من ظلمة حدقتيه، هو تذكرها!
أردف بصوته الغليظ وهو يعتصر ساقها بين قبضته: إيلي؟ اسمك كان إيلي صح؟
ارتفع طرف ثغره بشر ويضغط بأنامله على قدمها أكثر: عبيط أنا عشان تضحكي عليا مش كده؟! كنت بتضحكي وأنت عارفة إني مش فاكرك.
حركت رأسها بنفي وهي تشعر بثقل الكلمات على لسانها ليتابع بحقد: وخليتي چاك يخطبك إزاي، وورطيه في إيه؟! لا وكمان لسه بتحومي حوالين عيلتي وبقيتي مربية روبين!
عيناه كانت تحتد كراهية والحقد يستوطنه أكثر، الهلع قد سيطر عليها أكثر، تأوهت بخفة أثر قبضته الحادة.
حاولت الابتعاد عنه، هي خائفة منه، لم يعد صديق طفولتها، هو يكرهها!
رطب شفتيه ليردف بخبث: ويا ترى بقى چاك عارف أصلك؟ إنك من عشيرة أندريا!
اتسعت عيناها بصدمة، إذا علم چاك بالأمر سيكرهها لكونها كذبت عليه، سيكرهها مثله! سيبعدونها عن روبين أيضًا بل سيقتلونها!
دموعها انْسابت على وجنتها لتتحدث باختناق: كنت طفلة وقتها.
وهنا قد فتحت جرحًا لم يلتئم له، حدث قد دمر حياته وكانت هي سببه.
اقترب منها أكثر حتى ضربت أنفاسه وجهها بهياج: كنت طفلة! ومعرفتش تدافعي وتقولي الحقيقة؟! ولا عجبك الفيلم ده! كنت فاكرة إنك كده لما تكبري هتتجوزيني وتسيطري على القصر؟!
شرزها بتقزز ليتابع: طمعتي فينا، عضيتي الإيد اللي اتمدتلك. طبعًا كنا مستنيين إيه من حفيدة أندريا؟! الخيانة بتجري في دمكم.
سحبت قدمها منه بعنف لشدة ألمها، هو يضغط على مكان التوائها أثر سقوطها القاسي.
استقامت ببطء تحاول الدفاع عن ذاتها، هي ليست خائنة كانت صغيرة وحسب: مكنتش فاهمة معنى كلامهم، حاولت أدافع عنك لكن محدش سمعني، محدش سمح لي بالكلام.
أرجعت خلاصتها بعنف لتتابع: أنا كمان اتأذيت زيك مش أنت لوحدك.
شد على قبضته وهو يقترب منها لينهي حديثه بسخرية: راقبي نبرتك معايا، متنسيش أنت بتكلمي مين؟ أنت اتأذيتي في إيه؟ حرموكي من الحلويات؟!
تراجعت للخلف بخوف منه، الشر بعينيه هي تعلمه سيؤذيها، هذا ما كانت تخشاه.
ودون تفكير منها سحبت سكينًا كان بوعاء الفاكهة لترفعه أمام وجهه، لم ترَ أي خوف يظهر عليه بل نظراته ساخرة ممزوجة بالكراهية.
لوحت بالسكين لتقول: أنا مش مضطرة أحكيلك مريت بإيه، أنا عشت بذنبك طول عمري كان نفسي أشوفك عشان أعتذر لك رغم إني مكنتش السبب.
رطبت شفتيها ودموعها تنهمر بغزارة ورجفت يديها سيطرت عليها: أنا ممتنة لكل حاجة عملتها لي في الطفولة وآسفة ليك.
لامس السكين عرْي صدره الظاهر من قميصه، حاول الثبات رغم تأثره لاعتذارها، غضبه كان المسيطر حينها. اقترب أكثر حتى غرز طرف السكين في بشرته.
عيناه همت تحديًا، مخبرًا إياه كم هو لا يهتم.
رفع يده ليقبض على كفها بعنف مقربًا السكين له أكثر: وكمان بترفعي السكينة في وشي! أنت عارفة ده عقابه إيه؟! بتدافعي عن نفسك كده؟!
ابتسم بسخرية على ارتجافها وهو يقرب السكين أكثر حتى سبب جرحًا طفيفًا لذاته: فاكرة إن السكينة دي اللي هتمنعني عنك! زودتي حسابك معايا أكثر.
نفت ليه بحدة لا تريد أن تتسبب له بالأذى أكثر فهي اكتفت من تأنيب الضمير. رفعت كفها الآخر لتمسك طرف السكين الحاد تبعده عن صدره غير مكترثة بألمها.
هي جرحت نفسها من أجله!
سحبه من كفها بعنف بعدما رأى الدماء تنساب من كفها، وهنا قد تذكر طفولتهما، كيف كان يخاف عليها عندما تجرح. فما بها الحياة أضحت قاسية!
حاوطت كفها بملامح متألمة لكنها حاولت تمثيل القوة أمامه. ابتسم داخله على حالها، لم تتغير كما هي بطفولتها لا تظهر ضعفها.
ابتعد عنها ناهيًا تلك المناقشة بطريقة غير مباشرة، يحاول كبح غضبه، ليسألها: إيه علاقتك بچاك؟
ابتعدت عنه وهي تضم كفها تحاول إيقاف جرحها لتجيبه بفتور: روما علاقتي بيه روما.
إجابتها لم تكن مرضية بالنسبة له لكنه ليس وقت النقاش الآن، ابتعد عنها ليسحب قميصًا من خزانة، اقترب منها ليضعه بين كفها وهو يضغط عليه ليوقف الدماء: ساعدتيني وأنا رديتها ليكي.
سحبت كفها دون مبالاة له متجهة للباب في نية المغادرة ليوقفها قائلًا: مش عايز أشوفك تاني، مكان ما أكون موجود مش عايز ألمحك.
________________
استيقظ بأرق بعدها شعر بهزة في جسده لتلتقط أذنها صوت طفولي غاضب: أنت جيت ليه؟ رجعت ليه؟
اعتدل في جلسته وهو يفرك عينيه، كان روبين يحادثه ببكاء! ليتابع الصغير: إيلينا مشت بسببك هي مستريحتش لما جيت خليتها تمشي، أنت عايز منها إيه؟
لم يبالِ لمغادرتها فهكذا لم يلتقِ بها ويخمد غضبه لكنه اعتدل في جلسته عندما قال روبين: أنت متعرفش هي شافت إيه عشان تفضل معايا هنا ومتسبنيش، بابا طردها وچاك خطبها بسببي أنا!
يتبع...
رواية هيلين الفصل السادس 6 - بقلم هنا محمود
كيف طردها شقيقها ولماذا خطبها جاك بسبب روبين؟!
هو لم يعد يفهم شيئًا! بكاء الصغير قد أخرجه من شروده، سأله بهدوء:
"وليان طردها ليه؟ وايه علاقة خطوبتها بيك؟"
نفى الصغير له وهو ما زال يبكي بصخب، أبعد رأسه بنفور حينما لاحظ يد عمه تمتد للتربيت على رأسه.
ضرب كفه بخنق:
"ابعد عني! أنت رجعت ليه؟ عشان تخليها تمشي وتسيبني؟! إحنا مش محتاجين وجودك."
آلمه قلبه لرؤية الصغير يتألم هكذا ويكره وجوده. لم يفهم مدى قربه هو ومربيته ليقول:
"من بكرا هجيب لك مربية تانية أش..."
بتر روبين حديث الآخر بصراخ:
"أنا عايزها هي! هي صحبتي الوحيدة."
مد يده ليلتقط جسد روبين بين ذراعيه ببعض القوة بسبب مقاومته.
مسح على ظهره بضيق، لرؤية دموع الصغير هو لا يفهم سبب تعلقه بإيلينا هكذا لكن ما يعلمه أنه لن يتركه حزين:
"بس خلاص اهدأ، روح مدرستك ولما ترجع هتلاقيها موجودة عشان تتغدى معاك."
سكنت حركة الصغير قليلًا، ليرفع عيونه البريئة يسأله بتشكيك:
"أنت كداب هي مش هترجع."
ضرب رأس الصغير بخفة لوصفه له بالكاذب:
"بتقول لعمك كداب عشانها! طالما قلت كلمة مش هرجع فيها، يلا روح غير هدومك عشان المدرسة قبل ما أغير رأيي."
ركض الصغير بسرعة لغرفته يستعد للذهاب حتى يلتقي بها في نهاية اليوم.
بدل إيدين ملابسه ليذهب لحراسته بحثًا عنها، لن تستطيع الخروج من حدود المدينة من دون علمه.
سار في الحديقة الخلفية ليرى جيسكا خادمة قصرهم القديمة ووالدة هيلين المستعارة.
وهنا قد نذكر شيئًا قد دُفن بين ذاكرته كيف كانت تتعامل جيسكا معها بقسوة وكره!
حاول تجاهل شعوره بتأنيب ليغادر أسوار قصره، فلديه شيء يتأكد منه.
تجلس على المقعد الخشبي تحتضن بدنها بسترته الرقيقة وبحوزتها حقيبة بها بعض من متعلقاتها الشخصية، تنتظر وصول قطارها لتغادر تلك المدينة.
لم تودع أحدًا ولا حتى جاك! تريد المغادرة بأي ثمن.
تكره ذلك الشعور الذي يقتحمها: الوحدة! لا أحد لديها ولا ملجأ تذهب له، هي بمفردها.
أرجعت خصلاتها للخلف وهي تتفقد تذكرتها، لفتها رجلان يرتديان ملابس سوداء تشبه لحراس القصر يناظرانها بتفحص.
انزوت على ذاتها أكثر لعلها تختفي عن أعينهم، لكنها تشعر بالخوف وهم يراقبونها! لحظات حتى بدأوا في التحرك في الأنحاء وكأنهم كانوا ينتظرون أمرًا من أحد!
احتضنت حقيبتها وهي تنهض تريد الابتعاد عنهم، هي غير مرتاحة.
أسرعت في خطواتها لتشعر بهم يتحركون خلفها!
اتسعت عيناها بهلع وهي تركض برهبة.
التفتت للخلف لتراهم لكنهم اختفوا بين الازدحام. زفرت أنفاسها براحة وهي تعيد غرتها للخلف لكنها اصطدمت بشيء صلب!
ارتدت للخلف أثر الاصطدام لتتسع حدقتيها بصدمة، كان هو إيدين.
انفرج ثغره ببسمة ساخرة على حالها:
"كده تسافري من غير ما تسلمي عليّ!"
تراجعت خطوة للخلف وهي تسأله بخوف:
"أنت عايز إيه؟"
تقدم خطوة وهو يمسح هيئتها بعينيه المتفحصة:
"عايزك."
بخل عليها في الإجابة مما زاد ارتباكها منه، احتضنت حقيبتها أكثر وكأنها تحتمي بها نافية له برأسها:
"أنا عايزة أمشي من هنا."
لم تترك له فرصة الحديث لتسرع بخطواتها في الاتجاه المقابل له تركض بطيش دون تفكير تريد الفرار منه، هي تخشاه. لا تعلم ماذا يريد منها.
تابعها هو بخطواته ليسرع بعدما زادت حركتها، تشعر بأنفاسها مختنقة وكأنها محبوسة داخل صدرها.
كانت تصطدم بالركاب لسرعتها لكنها لم تهتم حتى التوت قدمها مجددًا!
حينما دفعها الليلة الماضية قد أصيبت قدمها، لم تهتم لكن الآن الألم أضحى لا يطاق.
ورغم ذلك أكملت سيرها بخطوات متعرجة، دون شعور منها قد انسكبت دموعها لكثرة خوفها.
لا تعلم حتى لم تخشاه هكذا، لكنها باتت تختنق لوجودها داخل ذلك القصر.
شهقت بفزع وهي تتخبط محاولة للفرار بعدما شعرت بيد تحاوط خصرها ترفعها عن الأرض!
الأنظار أصبحت عليهم بعدما حملها بين ذراعيه وسط ازدحام المسافرين دون اهتمام لمكانته بالدولة.
"أنت عايز مني إيه؟ مش قولت لي مش عايز أشوفك؟"
طوق يده بقوة حول خصرها بسبب صراعها العنيف مع ذراعه ليجيبها ببرود:
"غيرت رأيي، مش عايزك تمشي."
مسحت دموعها بقسوة بعدما استمعت لقوله، هو يريد التلاعب بها ليرى مدى ضعفها.
___________
تجلس بحديقة الأزهار وهو أمامها بعدما أمر حراسه بتحضير المكان لهما، ينتظرون عودة روبين من المدرسة.
أعصابها قد تلفت بسببه، هي تبغض وجوده حولها الآن، كان يتابع هزت قدمها وقضمها لشفاتها ونظراتها الساخطه له بين الحين والآخر.
ليباغتها بسؤال مفاجئ:
"هي روما راحت فين؟"
يعرف الإجابة لكنه يريد التأكد، أبعدت عيونها عنه بحزن دفين:
"اتوفيت بعد ولادتها لروبين في حادثة."
همهم لها بخفة ليقول:
"وبما أن روبين ابن أختك وحفيد عشيرة والتون، ما حبيتيش تكوني جزء من القصر؟"
رفرفت بأهدابها لثوانٍ لتحاول فهم مراده، هو يقصد أنها تطمع للمناصب، يسألها بطريقة غير مباشرة لماذا لم تتزوج شقيقه.
كادت أن تجيبه بغضب لكنه قاطعها بسؤال آخر:
"إزاي وافقتي إن ويليام يتجوز روما؟"
رطبت شفتاها بهدوء وهي تضم سترتها لها:
"ما اعتقدتش إن المفروض إني أجاوبك عن السؤال ده، دي أموركم العائلية زي ما أنت عارف أنا من عشيرة أندريا يعني ماليش دخل بيكم، وعلى سؤالك اللي قبل ده فمش كل الناس بتبص للمناصب بس زيكم."
ناظرها بهدوء ليردف بفضول:
"اتخطبتي لـ جاك ليه؟"
قاطع حديثهم ركض "روبين" بحماس لها ليحتضنها بقوة مما جعل توازنها يختل.
بادلت العناق بحب وهي تضمه لها بقوة، لا تعرف كيف كانت ستتركه، والسؤال الأهم لمن كانت ستتركه؟!
كان سيضح وحيدًا مثلها بتلك الحياة؟ وهنا قد اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقبل وجنتيه بحب.
ابتعد عنها روبين ليسألها بحزن:
"سبتيني ليه؟ مش قولتي إنك مش هتمشي؟ أنت زهقتي مني زي ماما؟"
نفت له وهي تدفن رأسه داخل صدرها تتشبث به بقوة، هو الحسنة الوحيدة بحياتها:
"أنا عمري ما أزهق منك، أنا بس كنت هاروح في حتة وهرجع تاني."
رأت تشبثه بها وحركة رأسه الدالة على عدم تصديقه لها، مسحت على خصلاته وهي تطبع قبلة دافئة على مقدمة رأسه:
"طب يلا عشان تتغدى ونلعب سوا بالكرة زي ما بتحب."
رفع عيونه لها يناظرها بشك، هي لا تحب لعب الكرة لخسارتها فيها دائمًا، ابتسمت على نظراته المتعجبة لتمسح على وجنته بحب:
"اعتبره اعتذار مني."
همهم لها برضا وهو يجلس جوارها ملتصقًا بها.
كل ذلك كان يحدث أسفل أنظاره المراقبة لقرب ابن شقيقه منها، وهنا قد تأكد أنه قد مر بالكثير ليتعلق بها هكذا.
تناولوا الطعام في صمت، كانت هادئة أكثر من المعتاد، لم تتناول سوى القليل، تشعر بالبرد وقدمها تؤلمها.
أفكارها متداخلة، ما هي نهايتها؟!
لم تخطط لحياتها هكذا، أرادت إنهاء آخر سنة بالجامعة لتتحرر من تلك القيود وتغادر عشها الشائك.
تنهدت بثقل وهي تمسح على خصلات روبين، كيف فكرت بأنانية هكذا؟! كانت ستتركه بين أولئك الوحوش في قبضة والده الطاغي!
خرجت من شرودها على حديث "روبين":
"يلا نلعب."
همهمت له بخفة وهي تضم سترتها الصوفية لها لتنهض ببطء وهي تستند على الشجرة القريبة منها.
أخفت ألمها أسفل بسمتها:
"في كورة الحراس جابوها، هاتها."
أسرع "روبين" في إحضارها بحماس لم تره عليه منذ وقت طويل، اتجهت خلفه بخطوات حريصة.
ركل الكرة لها بخفة لتعيد الكرة له ببعض البطء ليردف "روبين" بضيق:
"احدفيها أقوى من كده عشان تكسبيني."
همهمت له لتعيد دفعها لها بذات الخفة فقدمها تؤلمها! زفر "روبين" بسخط وهو يحاول تعليمها:
"اضربيها كده جامد، هي اللعبة دي مش للبنات."
ضمت يدها أمام صدرها تضيق عينيها بسخط من حديثه، كادت أن تتحدث لكن قاطعها صوته من الخلف:
"عندك حق، دي مش للبنات."
التفتت له لتجده قد نزع سترته وبدأ في ثني أكمامه، وقف أمامها وهو يناظرها بثقة.
التفت لـ"روبين" يستأذنه بهدوء فقد فهم القليل من شخصيته:
"ممكن ألعب معاكم؟"
تهجم محياه الصغير برفض لوجوده قربهم:
"لأ مش ممكن، قولتلك مالكش دعوة بينا."
رأته نظرة بعينيه قد عرفتها فمهما مر من الزمن سيظل صديق طفولتها، عيونه كانت حزينة!
تدخلت هي محاولة تلطيف الأجواء ترى محاولاته في التقرب من ابن شقيقه:
"خليه يلعب معانا يا روبين، كده كده إحنا اللي هنكسبه."
اقترب الصغير منها ليسألها بخفوت:
"وجوده مش هيضايقك؟"
انحنت لطوله وهي تقبل وجنته بحنان، فكيف لطفل صغير مثله أن يفكر براحتها هكذا؟!
"لأ طبعًا، وجوده مش هيضايقني."
همهم له وهو يرمق عمه بعيون ضيقة:
"ماشي، مع إني مش بحب وجوده بس عشانك هلعب معاه."
قهقهت بخفوت على حال الصغير ليقف أمام عمه الذي كان يناظرهم بفضول فهو لم يستمع لحديثهم:
"هنلعب واللي هيخسر هيحقق أمنية للتاني."
عيناه متحدية وبها بريق التمرد كما كان هو بصغره!
تبادلا الأماكن لتقف قرب "روبين" بخطوات حذرة لتكبح ألمها أسفل ابتسامتها الخافتة.
كانت تحاول مشاركتهم لكنها اكتفت بمراقبتهم بصمت، رأت حماس روبين وبسمة آيدن التي قد ذكرتها بماضيهم.
تلألأت عيناها بالدموع حينما رأت آيدن يحتضن روبين وهو يرفعه رغمًا عنه بعد فوزه عليه.
مظهرهما كان لطيفًا فيبدو أن الرب قد عوضه بعم حنون، ابتسمت لهما بحب لتقول بإرهاق:
"ممكن نروح عشان تعبت؟"
همهم لها "روبين" ليشرع في جمع أغراضه.
تحركت هي ببطء بعدما رأت الحراس يوضبون المكان من خلفهم لكن ألم قدمها لم يعد يطاق.
وقفت لتستريح لكنها شهقت بصدمة حينما شعرت بجسدها يرتفع عن الأرض!
حاوطت عنقه بسرعة خشية السقوط:
"أنت بتعمل إيه؟ نزلني."
أجاب وهو يخطو بها للأمام:
"أنا السبب."
قطبت حاجبها وهي تحاول الابتعاد عنه:
"السبب في إيه؟!... نزلني لو سمحت."
اقترب منها لينبس قرب أذنها:
"رجلك اتلوت بسببي، وباين أوي إنك مش قادرة تمشي فمتعنديش."
قاطعهم صوت "روبين" وهو يسألها:
"أنت شايلها ليه؟ هو مضايقك؟"
نفت له بسرعة لمنع شجاره صحبة عمه لتجيبه ببعض الخجل وهي تحاول الابتعاد عن "آيدن":
"عشان تعبانة شوية، هو ساعدني."
همهم لها بشك ليسير أمامهم.
__________
حملها مجددًا أسفل تذمرها ليضعها على المقعد بمكتبه برفق.
اتجه لأحد الأدراج يخرج علبة الإسعافات لتعقيم جرح يدها وقدمها التي أصيبت بسببه!
كانت تتابع حركاته بهدوء، هو يحدث صخبًا بداخلها يوقظ أحاسيس قد دفنت داخلها منذ زمن!
أبعدت كفها عنه بعدما حاول لمسه:
"أنا هاغير جرحي بنفسي."
نفي لها وهو يمسك كفها بإصرار:
"طالما أنا السبب يبقى أنا اللي هاغيره."
نفت له وهي تتحدث بألم دفين:
"مش أول مرة أداوي جروحي لوحدي، مش جديدة عليا."
كاد أن يتحدث لكنها قاطعته بعدما رأت صورتهما موضوعة على الجريدة المتوضعة أمامها!
سحبتها بعنف لتتسع حدقتيها بعدما رأت صورًا لها تجمعها به بالحفل وهو يمسك مرفقها واليوم في محطة القطار وهو يحملها!
"إيه ده مين صورنا كده؟"
"عودة حفيد عشيرة والتون جنرال الأعمال لأرض الوطن، لكن يبدو أنه يعيش قصة حب مع مربية القصر، فمتى الزفاف؟ أم أنه يخون كابر ابنة الوزير توماس معها؟ من هي حبيبة الجنرال؟"
مدت الجريدة لها بعدما قرأت الكلمات وهي لا تصدق ما رأت:
"إزاي يكتبوا عني كده؟ إيه علاقتي بيك أصلًا؟ هنبرر ده إزاي للناس؟ هيقولوا عليا إيه؟"
تتحدث باندفاع وعقلها يرفض تصديق أنها بالجريدة صاحبة!
تناول من بين يدها الجريدة وهو يناظرها ببرود ليجيبها بعد ثوانٍ:
"هأنعمل إيه؟ لازم نعلن خبر جوازنا."
رواية هيلين الفصل السابع 7 - بقلم هنا محمود
ابصرته بصمت بعد حديثه، تنتظر أن يبتسم ويخبرها أنه يمزح.
رطبت شفتاها لتسأله بتعجب:
"نتجوز إزاي؟ أنت تقصد إيه؟"
جلس على الطاولة أمامها يجيبها ببرود:
"أنت بتحبي روبين وهو مش عايزك تسيبيه، وفيه إشاعات عننا ممكن يقلبوها بفضيحة فحلنا إننا نتجوز."
تحاملت على ذاتها لتقف على قدم واحدة بانفعال:
"أنت انجنيت؟! يعني إيه نتجوز؟ أنت نسيت إني مخطوبة؟"
رفعت خاتم خطبتها أمام وجهه وهي ترمق بحدة.
استقام ليقف أمامها مباشرة، ضم كفها بين يده وهو يضغط عليه ببعض القسوة ليحذرها بنبرة هادئة لكنها بثت الرعب لها:
"خلي بالك على أسلوبك ونبرتك معايا، ما تنسيش أنا مين؟"
سحب خاتم خطبتها أسفل مقاومتها ليلقيه بعيدًا قائلًا ببرود:
"كده ما بقيتيش مخطوبة."
نفضت يدها من بين قبضة وهي تبحث عن الخاتم لتتحدث بانفعال:
"أنت عملت إيه؟ فين الخاتم؟ مين سمحلك أصلًا تاخده مني؟"
أرجعت خصلاتها للخلف بقسوة وهي تشعر بضيق تنفسها:
"أنا عمري ما هتجوزك أنت سامع؟ خليك بعيد عني، أنا بحب خطيبي."
ارتفع طرف ثغره بسخرية وهو يقترب منها:
"هنشوف في الآخر."
ابتعدت عنه وهي تسير بعرج تحاول كبح دموعها، لماذا كل شيء يسير عكس رغباتها!
***
ألقت ببدنها على الفراش شاعرة بالتعب، ابتسمت بسخرية حينما لاحظت حقيبتها التي كانت بحوزتها في محطة القطار.
انتفضت بعدما استمعت لصوت حجر يلقى على الشرفة، تعرف هويته، استقامت بحرص لتسحب وشاحها تضعه على بدنها.
خرجت للحديقة الخلفية لتجد "جاك" يبصرها بغضب. اقترب منها ليردف بحدة:
"إيه اللي في الجرايد ده؟ أنت في علاقة مع إيدن؟"
نفت له ببعض الخوف منه:
"لا والله دي إشاعات، أنت شفت هو سحبني إزاي؟"
لم يهتم لجوابها، ما شغله هو أنها ستتركه.
اقترب أكثر منها، لم يعد يفصلهما سوى بوصات قليلة:
"اعملي حسابك أنت هتمشي من هنا، مش هسيبك، أنا ضحيت عشانك وأنت أقل حاجة تعمليها إنك تمشي وتبعدي عنه، مش هستنى لما ياخذك مني."
نفت له وهي تتراجع للخلف، تلك أول مرة يتحدث معها هكذا ويذكر تضحية في الماضي!
"أنا مش هقدر أسيب روبين، وكمان أنت عارف علاقتنا، أنت ضحيت عشاني وعشان نفسك، لا أنت بتحبني ولا أنا."
وبحديثها هذا قد أشعلت فتيلة غضبه، صاح بها:
"مش بمزاجك، مصلحتي خلصت ومشت من زمان، أنا مكمل معاكي عشان بحبك."
تصلبت أوصالها من اعترافه المفاجئ، كيف يحبها؟!
رفرفت بأهدابها دهشة محاولة لجمع كلماتها:
"أنت بتقول إيه؟ يعني إيه بتحبني؟"
"إحنا سوا من ٨ سنين، ده غير إننا نعرف بعض من وإحنا صغيرين، إيه يمنعنا نكمل خطوبتنا ونكون مع بعض؟ كل حاجة بنشاركها مع بعض، أسرارنا سوا."
وهنا قد فهمته، هو لا يحبها بل متعلق بوجودها.
رطبت شفتاها محاولة لجمع أفكارها:
"فاهمة، بس مش معنى كده إنك بتحبني! أنت كنت لسه بتحب زميلتك في الشغل وكنت بتحكيلي عنها عشان رفضتك، تبقى بتحبني أنا؟"
كانت مستنكرة حديثه، تعلم بحقيقة مشاعره لتلك الفتاة، فما باله الآن يحبها؟!
نفي لها بإصرار:
"كنت بحبها، أنا دلوقتي عايزك أنت، وبعدين أنت بتناقشيني في إيه؟ أنت بتحبيه عايزة تبقي معاه هو؟ طب وأنا واللي عملته عشانك؟"
كادت أن تتحدث لكنه تابع:
"هو أصلًا فاكر إنك السبب في إنه يسيب بيته السنين دي كلها؟"
ماذا يقصد! أي يبتزها؟!
ورغمًا عنها عيونها قد امتلأت بالدموع.
أجابته بغصة:
"تقصد إيه؟ ولو هو ما يعرفش هتعمل إيه؟"
حاول تبرير موقفه أمامها:
"أنا ما أقصدش كده، بس هو لو عرف مش هيسيبك أنا عارف إيدن، وغير كده وجودك هنا ما بقاش كويس ليكي، أنت عارفة ويليام لو عرف إنك عارفة سره من الأول هيتصرف إزاي؟ هديكي كام يوم تفكري قبل ما تمشي."
***
مر ثلاثة أيام، لم تذهب لجامعتها تمنع أي شيء قد يتسبب بلقائهم.
هي مرتبكة لا تعلم ما الصواب من الخطأ.
تعلم أن إيدن لا ينوي الخير لها، جاك لم تفهمه لماذا يتمسك بها هكذا! تشعر وكأن شيئًا يخنقها، هو قد ضحى من أجلها حينما أجبروها على الزواج من ويليام بعد موت روما لكن هو وقف أمامهم ومنع ذلك.
جعلهم يصلحوا بين العائلتين بخطبتهم، قد عارض حتى أهله! فعل ذلك ليتمرد عليهم بعدما أرادوا إرساله للمصحة!
تتذكر كيف جعلت "روما" الشعب يثور على عشيرة والتون بعدما أخبرتهم بحملها من حفيدهم الأكبر وعدم اعترافه بالجنين.
رأت حينها كيف حارب "ويليام" من أجل الزواج بها لكن كل ذلك اختفى بعد زواجهم.
جلست في مقعد مقارب للأستاذ لتستمع للشرح بتركيز.
دلف أحد الأساتذة لينادي باسمها، رفعت يدها بتردد ليقترب منها وهو يضع بعض الأوراق أمامها:
"امضي عليهم، دول بيثبتوا حضورك للمواد."
أومأت له أسفل استغرابها لتهم في ترك توقيعها على الأوراق دون النظر لهم.
***
مر يومان آخران دون ظهور له.
عادت للقصر بعد جامعتها بإرهاق لتستمع لصوت صراخ.
صوت تحفظه عن ظهر قلب "ويليام"، ركضت بسرعة وهي تلقي أغراضها لتراه يمسك "روبين" يرغب في صفعه!
هرولت بخطواتها لتدس بدنها بينه وبين الصغير تدفعه بدون تفكير:
"سيبه هو ما عملش حاجة."
دفعها "ويليام" بسخط وهو يترنح ببدنه:
"أنت مالك؟ أنا بتكلم مع ابني إيه اللي دخلك؟"
احتضنت "روبين" تخفي جسده عن أنظار الآخر، لتتحدث بقوة:
"هتدخل بصفتي خالته، مش هسمحلك تضربه."
تفوح منه رائحة المشروب، حديثها زاد غضبه أكثر ليحاول سحب الصغير من بين يديها:
"قلتلك ابعدي، ده ابني ما لكيش دعوة."
تشبثت بـ "روبين" أكثر وهي تنفي له مما جعل غضبه يزداد ليصفعها بقوة مؤديًا لسقوط بدنها أرضًا!
صرخ "روبين" بخوف وهو يبكي يحاول الوصول لها لكن يد والده الصلبة قد منعته.
رغم ألمها إلا أنها تحاملت على نفسها لتنهض لكنه أوقفها حينما وجه سلاحه لها.
تصلبت أوصالها بخوف، تعلم أنه مختل، هي تخاف من الأسلحة تذكرها بمقتل عائلتها.
"اهدى يا ويليام وسيب المسدس."
كانت نبرتها مرتعشة أثر خوفها مما جعله يبتسم باتساع شاعرًا بنشوة الانتصار:
"دلوقتي بقيتي بتتكلمي بخوف؟ فين تمردك؟ كل ده عشان رفعت سلاح عليكي؟"
اقترب أكثر منها بعدما ترك "روبين" ليضع فوهة المسدس على رأسها مستمتعًا بخوفها.
انكمشت على ذاتها وهي تغمض عيناها بقوة لرهبتها لكن تدخل صوت لا تصدق أنها سعيدة لسماعه، كان هو "إيدن":
"كان لازم تفكر ألف مرة قبل ما ترفع سلاحك في وش مرات الجنرال."
يتبع...
رواية هيلين الفصل الثامن 8 - بقلم هنا محمود
لم تهتم لحديثه، هي سعيدة لوجوده، تشعر بالأمان، رغم كل شيء تثق أنه سينقذهم!
استقامت بثقل تريد الوقوف جواره لتضم بدن الصغير، لكنها تراجعت بخوف حينما صوب "وليام" السلاح عليها ليغيظ شقيقه الأصغر.
_ أنا أرفع سلاحي في وش أي حد.
ابتسم "أيدين" بسمة جانبية قد أخافتها.
همهم له ليخرج سلاحه هو الآخر رافعًا إياه بوجه شقيقه. أشار لحارسه ليأخذ "روبين" بعدما مسح على خصلاته بحنان:
_ كان لازم تفكر قبل ما تتهور كده.
ترنح بدن "وليام" بعدما قهقه بصوت مرتفع لينبس بسخرية:
_ وهي بقت تهمك ومراتك كمان؟ لسه فيك الخصلة دي؟ بتسرق أي حاجة معايا؟ بس المرة دي مش هسيبهالك.
كاد أن يضغط "وليام" على الزناد ليصيبها يعاند شقيقه، لكن طلقة قد هربت من سلاح "أيدين" سبقته.
تأوه "وليام" بألم وهو يلقي بسلاحه أرضًا ليحاوط ذراعه وهو يجلس على الأرضية.
رمقه "أيدين" ببرود وهو يرى ألمه دون اهتمام.
اقترب من تلك الواقفة صاحبة الجسد المرتعش:
_ هيلين...
ما أن نبس باسمها الحقيقي حتى أعادها داخل دوامة الماضي! تراجعت بخوف وهي تراه يقترب منها، لم تعد تراه "أيدين" تراه قاتل والديها، صوت الرصاص حبسها في طفولتها.
تحدثت بخوف وهستيريا وهي تبكي:
_ ابعد عني، عايز مني إيه؟
قطب حاجبيه تعجبًا منها ليقترب أكثر:
_ في إيه مالك؟
هي ترتعب الآن، تذكرت كل شيء، وفاة عائلتها، هروبها، صوت الرصاص. جلست على الأرضية وهي تحتضن جسدها بخوفها وكأنها تحمي ذاتها:
_ ابعد عني... ابعد عني...
تصيح بهستيريا وخوف مما جعله يدرك حالها، هي بنوبة هلع، تبكي بهستيريا، تنكمش على نفسها، جسدها يرتعش.
جثى أمامها وهو يتحدث بأرق نبرة إليها:
_ هيلين... بصيلي... أنتِ في أمان، أنا أيدين صاحبك الوحيد...
نفت له وهي تنزوي على نفسها أكثر، ليمد كفه البارد يضعه على يدها مما أفزعها أكثر لكنه تشبث بها ليتابع بحنان:
_ أنا أيدين اللي كنت بحميكي من كل حاجة وهفضل أعمل كده... أنا هنا عشانك... عشان أحميكي...
استنشقت ماء أنفها وهي تناظره بعيونها البراقة لتنبس بتقطع وهي تحاول سحب يدها:
_ ابعد عني... أنتَ قا... تل...
نفى لها وهو يحاول الاقتراب منها لتقاومه بفزع.
حاوطها بيديه ليحتضنها له وهو يمسح على خصلاتها ليحتوي خوفها.
همس قرب أذنها بخفوت:
_ أنتِ في أمان، غمضي عينك وانسى كل اللي فات... أنتِ دلوقتي معايا أنا مع أيدين... صاحبك الوحيد...
توقفت مقاومتها بعدما شعرت بأنفاسه الساخنة ترتطم بعنقها، هي تحتاج للاطمئنان.
فرت شهقات من بين ثغرها لتبادله العناق! دست وجهها في عنقه لتترك العنان لدموعها، لا تتذكر متى آخر مرة قد عانقها شخص هكذا ومسح على ظهرها بذلك الحنان.
نهض وهو يحملها يضمها له أكثر حتى يخرجها من ذلك القصر.
_______________
في صباح اليوم التالي...
تململت في الفراش تشعر بالوخزات في رأسها لتفتح عينيها بخفة.
رفرفت بأهدابها لتعتاد على إضاءة الغرفة، لتنهض بفزع بعدما تذكرت أحداث الليلة الماضية.
_ روبين...
همست اسمه بخوف وهي تنهض بسرعة لا تعلم حتى أين هي!
فتحت باب الغرفة وهي تركض حافية القدمين، صاحت باسمه:
_ روبين... أنتَ فين؟... روبين...
كانت تستكشف ذلك القصر تبحث عنه بهلع لتتجه للمطبخ بعدما استمعت لصوت من داخله:
_ روبين؟...
وقفت بدهشة حينما رأته يعد الطعام صحبة عمه!
اقترب "روبين" منها وهو يحتضنها بحب:
_ أنتِ صحيتي أخيرًا... أنا خفت عليكي أوي...
بادلته العناق وهي تتفقده بقلق:
_ أنتَ كويس؟... حد عملك حاجة؟
نفى لها ببسمة خافتة يحب رؤيتها قلقة عليه:
_ أنا كويس، أيدين جه...
وهنا قد رفعت عدستيها له، كان يستند على الجدار وهو يضم ذراعيه أمام صدره، يناظرها بهدوء.
ثوانٍ حتى تذكرت ما أصابها، قد دخلت بنوبة هلع لسماعها صوت الرصاص.
توردت وجنتاها بعدما تذكرت عناقها له وبكائها أمامه، رفعت يدها على خصلات "روبين" تشتت ذاتها لتقول:
_ يلا عشان تفطر...
وهنا قد تدخل هو مقتربًا منها ببسمة عابثة:
_ أنا عملت الفطار، ده دوري كزوج مراعي...
رفرفت بأهدابها لبرهة لتتسع عيناها بصدمة قد تذكرت حديثه من ليلة أمس:
_ تقصد إيه؟... أنتَ كنت بتتكلم جد وقتها؟!... يعني إيه؟...
لم يهتم لانفعالها، ووجه حديثه للصغير:
_ اسبقنا أنتَ على الترابيزة...
سحبها من مرفقها بخفة ليدلف بها لغرفة المعيشة، شدت مرفقها منه بحدة لتصيح به:
_ جاوبني!...
ابتعد عنها ليتوجه للأريكة، التقط من عليها عدة أوراق ليمدها لها.
سحبتهم منه بحدة لتقرأ الكلمات أسفل صدمتها:
_ دي إمضتي!... إزاي؟... أنا ممضتش على حاجة...
شعرت باليأس لتنوي تمزيقهم:
_ انسي الورق ده...
كادت أن تمزقهم لكنه التقطهم منها بسرعة وهو يرمقها بغضب، كانت ستنهي كل شيء قبل أن يبتدئ.
اقترب منها عدة خطوات ليحاوطها بينه وبين الحائط، انحنى ليواكب طولها:
_ ده عشان مصلحتك...
نفت له بضيق وهي تضع يدها على صدره تحاول دفعه:
_ مصلحة إيه؟... أنا مخطوبة فاهم يعني إيه؟...
حاوط كفها بين يديه مما زاد انفعالها لكنه لم يهتم، تحسس بنصرها مكان خاتم الزواج ليتحدث بصوت خافت:
_ ٤ شهور مش هيروحوا مني كده...
لم تفهم حديثه لتسحب كفها بقسوة وهي تحاول التحرر من محاصرته لها.
_ أنتَ بتقول إيه؟... أنا مش مرات حد أنتَ سامع؟... أنا هقاضيك، فاكرني هسكت؟!... كل ده عشان إيه؟... عشان ذنب أنا ماليش يد فيه هتعاقبني عليه!...
ترقرقت عيناها بالدموع الحبيسة، لم الحياة قاسية هكذا؟ لم ليست عادلة؟
تشعر بالعجز، وخضرواتها اللامعة قد عكست براءتها له لتتحدث بثقل:
_ أنا أذيتك غصبًا عني لكن أنتَ قاصد تبوظلي حياتي...
استنكر حديثها:
_ للدرجة دي جوازك مني كارثة؟!...
همهمت له بإصرار وهي تتمالك غصتها:
_ طالما هيبوظلي حياتي يبقى كارثة، أنتَ فكرت فيا؟... الناس هتقول عليا إيه؟... جاك خطيبي هيق...
قاطع حديثها وهو يرفع يده الباردة ليتحسس وجنتها الدافئة بخفة:
_ أنا أكتر حد يخاف عليكي، أنا لسه أيدين القديم اللي كان بيحميكي... كل حاجة وليها سبب.
نفت له وهي تزوم بشفتيها بضيق:
_ عمرك ما هتكون زي زمان، كل حاجة اتغيرت... كفاية كده قطع الورقة دي وأنا همشي من هنا...
_ هتمشي من غير ما تعرفي حقيقة موت روما؟... حادثة روما كانت مقصودة...
يتبع.
رواية هيلين الفصل التاسع 9 - بقلم هنا محمود
برأسها الكثير من الأسئلة، هل تم قتل شقيقتها؟ كيف ذلك؟ ومن الفاعل؟
تشعر بالذنب لموت شقيقتها روما، ماتت وهم على خلاف، تحاول التكفير عن ذنبها.
وافقت في استمرار زواجها من "إيدن" لعلها تكشف سر موت "روما".
زفرت أنفاسها بثقل، يومان قد مرا لم تعد للقصر، تقتن بذلك البيت الغريب عنها صحبته.
مساء الخير.
صوته الخشن قد أفاقها من شرودها، فقد عاد من الخارج لكنها لم تعطه اهتمامًا، ما زالت شاردة.
اغتاظ من تجنبها له لكنه تمالك ذاته ليحاول فتح مجال للحديث صحبتها:
بقالك يومين مش بتروحي الجامعة ليه؟
رفعت عينيها لترمقه ببرود وتعاوِد مراقبة الأشجار من خلف قضبان الشرفة، جلس أمامها بغيظ:
مش بكلمك؟ مش بتردي ليه؟
جز على أسنانه بغيظ منها ليباغتها بسحبها من قدمها، شهقت بصدمة وهي تحاول الابتعاد لمنع أي تلامس بينهم.
هي تنفر منه وذلك يغضبه، ليسألها بهدوء زائف:
أنتِ بتحبيه؟
كادت أن تجيبه بتعالي لكنه ضغط على ساقها محذرًا إياها:
من غير كدب، في حاجة ورا خطوبتكم مكنتش بالحب، فجاوبي على سؤالي.
قطبت حاجبها بسخط من فظاظته في الحديث، لتتحدث بتعالي:
وأنت مالك بحبه ولا لأ؟ وبعدين ده خطيبي أكيد بحب.
بتر حديثها حينما وضع كفه على ثغرها حابسًا كلماتها بين كفه، هو يحاول تمالك غضبه لكنها تستفزه!
نفر أنفاسه بضيق لتصطدم بنقاء بشرتها، كان يشد على كل حرف يخرج من ثغره محذرًا إياها:
مبقاش في هو خلاص، في أنا بس، في جوزك.
أرجعت رأسها للخلف بنفور من حديثه:
مؤقتًا مراتك لفترة مؤقتة وهبرر موقفي لجاك.
استقام متجاهلًا حديثها ببرود ظاهري:
يلا عشان نجيب روبين من المدرسة.
أبصرته بدهشة:
نجيب روبين؟! أنا وأنتِ؟
أكد لها وهو يمد كفه ليعاونها على النهوض:
روبين بيحبك تخديه من المدرسة وأنا هروح معاكي.
رفضت مساعدته لتنهض بمفردها، تشعر بالملل لبقائها بالمنزل، لا ضرر من بعض التنزه.
***
ارتدت ثوبًا بلون الزهري يليق ببشرتها، قد وجدته على الفراش، هو من أحضره!
تقف أمام المرآة تتحسس ثوبها، هو يليق بها، تذكرت طفولتهم، كان يحضر لها كل ما تحتاج لتتشابه مع بقية التلاميذ.
لم تستطع غلق السحاب، انتفض بدنها بفزع حينما أحست به خلفها! لم تدرك متى قد دخل للغرفة؟!
عيونهما قد تلاقت لثوانٍ في انعكاس المرآة، رفع يده بروية ليغلق السحاب. شريط ذلك اليوم قد مر عليها، دخول شقيقه للغرفة واتهامه بالباطل، الضرب الذي تلقاه على يد جده، وسفره للخارج أسفل بكاء والدته.
كيف رآها والدها بالتبني وصمة عار بالنسبة له، وتعنيفها على يد "جيسكا"، عقدة الذنب تلك لم تستطع التخلص منها.
ترقرقت عيناها بدموع الألم، لتنهمر دموعها وهي تتابع انعكاسه المعلق على سحابها.
التفتت له وهي تبكي بصمت لتنبس بأسف حقيقي:
أنا آسفة.
قطب حاجبه بتعجب لتتابع بغصة:
مكنتش أتمنى إن حياتك تبوظ كده، أنا السبب.
وهنا قد فهم مقصدها، قد زارتها ذكرى الماضي لتشابه المواقف، هي تبكي لأجله وهي قد تعرضت للأذى مثله، هو علم كل شيء من شقيقها بالتبني.
رفع يده ليتحسس وجنتها بخفة:
اهدي، خلاص، اللي حصل حصل، المهم الحاضر مش الماضي. صدقيني لو قولتلك إن سفري كان أحسن حاجة حصلتلي في حياتي.
ابتعد عنها ليحضر المعطف الذي أحضره لها، حاوط به بدنها ليردف بهدوء وهو يعدل خصلاتها:
أنتِ ملكيش ذنب كنت طفلة واتأذيتي زي.
حديثه كمثل الثلج على قلبها قد برد نار ضميرها التي نهشت بها طول تلك السنوات، عيناها لم تكونا مصدقتين لحديثه:
بس اللي حصلك كان بس.
قاطعها وهو يمحو دموعها بخفة:
محدش لينا كان ليه ذنب، هما اللي آذونا.
أغلق معطفها ليسترسل ببسمة:
يلا عشان منتأخرش على روبين.
أومأت له وهي تمحو دموعها لتسير خلفه.
***
تجلس جواره تتابع قيادته بهدوء، لم تتخيل يومًا أن يعود ويكون زوجها حتى لو لفترة مؤقتة.
بداخلها فيضان من المشاعر، هو كان حبها الأول، من أحبته بصمت وانتظرت عودته فقط للاعتذار منه.
أعادت أنظارها نحو الشرفة ليلفتها رجل يسير صحبة فتاة، يمسك كفها وهي تضحك له برقة. اتسعت عيناها ما إن رأت وجه الرجل كان جاك!
قاطع شرودها "إيدن" بعدما لاحظ شرودها:
بتبصي على إيه؟
ناظر مكان شرودها ليرى "جاك"، شد على مقبض السيارة. أهي حزينة لرؤيته؟ أكانت تحبه؟
أنتِ بتحبيه؟
نفت له لتخاطبه لأول مرة منذ عودته عما بداخلها:
مش بحبه الحب ده، جاك كان معايا في كل حاجة، عارف إيه بيوجعني وإيه لأ، عارف إني كنت عايشة وحاسة بتأنيب ضمير من ناحيتك بيخليني منامش الليل، كنت بحرم نفسي من أي حاجة ممكن تبسطني على أساس إني كده بعاقب نفسي. هو عارف كل ده وفي الآخر حاول يحسسني بالذنب من ناحيته وهو عايش حياته؟!
زفرت بضيق وهي تفرك وجهها بإرهاق لتتابع:
شكلي حطيت ثقتي في الشخص الغلط.
جزء بداخله شعر بالسعادة من حديثها، هو سعيد أنها لم تعد تثق به بعد الآن، لكن لم يعجبه حزنها بسببه.
ترجلت من السيارة لتحتضن "روبين" ببسمة بشوشة لتسأله:
عملت إيه النهاردة؟
أجابها بملل:
ولا حاجة.
ضحكت بخفة على إجابته فهو يكره المدرسة، اقترب "إيدن" منه ليحمله أسفل اعتراضه:
مالك مكشر ليه بس؟ أمال هتعمل إيه لما تكبر؟
رغم شعوره بالضيق من عمه، يخاف الوثوق به فيخذله كوالده، إلا أنه يشعر بالأمان لوجوده!
أراح "روبين" رأسه على كتف عمه بصمت، تابعت ذلك المظهر بحب، كم تمنت أن يكون هو والده.
***
تجلس على الأريكة تضم ركبتيها لها تحتضن بدنها، شاردة بأفكارها، لا تعلم ما القادم، يستحيل أن تعود لذلك القصر بعد ما حدث.
تريد السفر والفرار لكنها لا تقوى على ترك "روبين"، تفكر بقاتل "روما" وزواجها، العديد من الأسئلة.
قاعدة كده ليه؟
التفتت له ببطء ليجلس أمامها، أبصرته لثوانٍ لتسأله:
عايزة أعرف مين اللي تسبب في موت روما؟
أرجعت خصلاتها للخلف لتتابع بتشتت:
أنا زهقت بقيت حاسة بالذنب لكل حاجة ولأي حد.
قبل ما أجاوب قوليلي إزاي روما ووليام اتجوزوا؟
زفرت أنفاسها بثقل وهي تتذكر الماضي:
كانت حامل، لما باباك رفض جوازهم روما راحت لأهل المدينة ونشرت خبر حملها من ابن الوزير، الشعب ثار على عيلتك وعملوا مظاهرات قصاد القصر إن ابن الوزير اتعدى على بنت من عامة الشعب، وعشان بسكتة الناس اتجوز وليام، كان بيحبها بس بعد فترة من والدتها كل حاجة اتغيرت.
كان يستمع لها بصمت ليسألها:
وخطوبتك من جاك إيه سببها؟
رطبت شفتاها لتنبس:
بعد موت روما بابا كان عايز روبين يبقى معانا مكنش واثق في عيلتك وطبعًا الوزير رفض ده، كنت على خلاف مع وليام بسبب معاملته مع روما قبل وفاتها فحب يعاند معايا وقالهم إنه يتجوزني عشان أربي روبين، وقتها جاك اتدخل وطلبني من بابا اتفقنا إننا نتجوز لما أتخرج وكده يضمنوا إني أكون جزء من العيلة وأفضل مع روبين.
وإيه خلى جاك يعمل كده؟
ابتسمت بسخرية لتنبس:
وقتها كان بيعاند أهله بس مع الوقت افتكر إنه اتملكني.
تنهدت بثقل وقالت:
أنا عايزة أمشي من هنا بروبين مش هستحمل أفضل هنا، بس وليام استحالة يسيبه.
رفع يده ليعبث بخصلة من شعرها يجيبها بهدوء:
مكان روبين جنب أبوه، يعني معايا.
يتبع.
رواية هيلين الفصل العاشر 10 - بقلم هنا محمود
اتسعت عيناها بدهشة وهي تعيد كلماته بتقطع.
_ جمب أبوة؟
رفرفت بأهدابها وهي تطالع محياه القريب منها.
_ تقصد إيه؟
ابتعدت عنه بعدما أدركت مقصده. استقامت وهي تعيد خصلاتها بعنف.
_ انتَ هو أبو روبين الحقيقي صح؟ إزاي؟ كنت بتخون أخوك مع حبيبته؟ إزاي مفكرتش فيه؟ شوفتها إمتى أصلًا؟
كلماتها مبعثرة، عقلها لا يستوعب الصدمة.
وقف أمامها وهو يحاول الاقتراب منها لتهدئتها.
_ انتِ كنتِ عارفة منين إنه مش ابن وليام؟
نهرته بسخط.
_ مالكش دعوة كنت عارفة منين؟ جاوب عليا.
لم تدعه يجيبها فقد تابعت بإنفعال وهي تربط الخيوط ببعضها.
_ وليام اللي قتلها صح؟ هو عرف إن روبين مش ابنه عشان كده اتغير معاها! يعني أنا أختي ماتت بسببك انتَ.
لم تعطيه الفرصة للدفاع عن نفسه. دفعته بصدره بقوة وهي تتحدث بصراخ.
_ انتَ السبب في موتها. إزاي قدرت تعمل كده في أخوك؟ واتجوزتني ليه؟ عايز مني إيه أنا كمان؟
سمح لها بالتفريغ عن غضبها، متحملًا ضرباتها التي كان بعضها مؤذيًا له. حاوط ذراعها ليعيق حركتها أسفل مقاومتها ليجيب بثبات.
_ عايزة تعرفي الحقيقة يبقى اسمعيني.
بروده لم يفعل شيئًا سوى أنه أشعل نار غضبها أكثر. احتدمت مقاومتها، ترغب في سحب يدها وهي تشرّز بسخط.
_ إيه البرود اللي انتَ فيه ده؟ انتَ أتسببت في موت حد فاهم يعني؟ دخلت ليه في حياتي تاني؟
عاق حركتها وهو يحتضنها. جلس بها أرضًا ليحيطها بساقيه وذراعه مسيطرًا على حركتها. يعلم كم هي عنيدة.
صاح بها بقوة مما أجفل بدنها.
_ بس خلاص اهدى واسمعي.
هو خائف من فقدانها، خائف ألا تصدقه.
أردفت بضيق وهي تسعى للتحرر من عناقه.
_ إزاي قدرت تسيب ابنك كل ده؟ انتَ إيه يا أخي؟
شد على عناقها غير مكترث لحركتها.
_ من ٩ سنين ماما قررت تدي روما منحة لألمانيا كشكر لچيسكا عشان ربتك. سكنها كان قريب مني، مكنتش تعرف حد هناك. كنت بعتبرها أختي الصغيرة، أي حاجة بتحتاجها كنت ببقى معاها فيها. لحد ما قالتلي إن حد بيطاردها من الجامعة واتعدى على سكنها.
رطب شفتيه وتابع بغيظ من ذاته.
_ الوقت كان اتأخر، اضطريت أخليها تبات الليلة دي عندي بعد ما جاتلي. اليوم ده جدي رفض للمرة التالتة إني أرجع البلد تاني. حالتي كانت وحشة، كنت بكسر وبشرب مش شايف قدامي لحد ما بدأت أغيب عن وعي.
استند بجبهته على كتفها، يبتعد عن عينيها مسترسلًا حديثه.
_ ولما صحيت أدركت اللي حصل. وقتها اعترفتلي إنها بتحبني وكانت قاصدة إن ده يحصل بينا عشان أجبر أكون معاها. أنا عارف روما بتحب السلطة والنفوذ، حسيت وقتها إني بتلوي دراعي وبتجبرني. طردتها من البيت وخلّيت ماما ترجعها تاني.
عيونها كانت مستنكرة لحديثه، كيف له أن يطردها! أجابها على سؤالها الصامت.
_ روما مكنتش زي ما انتِ فاكرة. أنا مش أول حد في حياتها، هي بتسعى للسلطة. حبت تنتقم مني لما رجعت قربت من وليام وخلّته يحبها وبلع هو الطعم. لما عرفت خبر حملها عملت فضيحة في البلد عشان تتجوزة وتلحق نفسها.
رفع عينيه لعيناها لثوانٍ من الصمت مردفًا بهدوء.
_ انتِ عارفة روما وعارفة شخصيتها. معرفش إيه اللي حصل بينهم بعدها، بس تقريبًا شك إنه مش ابنه. وبعدها وليام عرف إنه مش ابنه. الحادثة كانت مدبرة.
أردفت بتشكك.
_ وانتَ عرفت منين إنه وليام؟ وعرفّت منين إن روبين ابنك؟
ابتسم بثقة محتفظًا بجزء لنفسه.
_ نسيتي إني بقيت چنيرال الأعمال؟ عرفت من ماما روما كانت كاتبة في مذكراتها قبل ما تموت. ولما جيت اتأكدت بنفسي.
عيونها تائهة وعقلها مرتبك، لا تستطيع تقبل الحقيقة.
_ طب هتقول لوليام إيه؟ استحالة يسيب لك روبين.
_ روبين بقى باسمي خلاص. دي فايدة السلطة.
رفعت كفها بعدما حرر قيدها تعيد خصلاتها خلف أذنها.
_ انتَ اتجوزتني ليه؟ ليه عملت كده؟ انتَ مش محتاجني في حاجة، كل حاجة حلتها لوحدك.
رفع يده ليُداعب وجنتها بلمسات حنونة يُجيبها بهدوء.
_ أربع شهور. أنا رجعت من أربع شهور. شوفت واحدة لابسة فستان صيفي مشجر لايق عليها وفاردة شعرها كانت بتجري وسط الناس وهي بتضم كتبها ليها. خبطت فيا واعتذرت من غير ما تلاحظني.
فك عقدة حاجبيها بإبهامه وهو يبتسم بخفة.
_ قعدت في مخبز قريب لنفس الشارع بالصدفة وقابلت نفس البنت وهي بتطلب قهوة وبتقعد لوحدها وهي بتراجع دروسها وبتضحك ببشاشة للناس. الصدف زادت وهي ملاحظتنيش ولا مرة. وسط انشغالي كنت بروح نفس الشارع عشان أشوفها.
تابع حديثه وهو يتأمل عينيها.
_ فضولي بقى ليها مش عارف أوصل لطرف خيط. كنت بدور بنفسي من غير مساعدة حد. انشغلت عنها فترة بسبب الشغل ولما رجعت شوفتها في جنينة. قربت منها بفضول كانت بتقطف تفاح من الشجرة. استغليت الفرصة وقربت منها عشان تلاحظني بس عرفت إنها مخطوبة لقريبي.
اتسعت عيناها بعدما فهمت أنها المعنية بالحديث. ابتلعت ريقها، تشعر بثقل أثر كلماته.
عيناه تقص الكثير.
_ انتَ تقصد إيه؟
_ الصدف جمعتنا أكتر. طلعت بتشتغل في القصر وأقرب حد لابني. وبقيت بقرب ليها أكتر من غير إدراك. كنت عايزة تلاحظني رغم إني وشوفت علاقتها بابني وحنيتها عليه. وهنا حسيت قد إيه أنا أناني. كنت عايزها ليا أنا لوحدي. مكنتش فاهم مشاعري غير إني عايزها تبقى معايا. كل ده وقف لما افتكرت هي مين. البنت اللي كانت السبب في نفْيي من البلد واتهامي بالمتحرش. الغضب سيطر عليا لكن اكتشفت بعد كده إن غضبي مكنش منها، كان من نفسي ومن أهلي.
تابع حديثه بخفوت.
_ مكنتش أتخيل إني في يوم من الأيام أحب اللي كانت السبب في نفْيي من بلدي. الطفلة اللي كبرت على إيدي.
سند رأسه على جبهتها وهو يتشرب أنفاسها.
_ مكنتش عامل حسابي إني أعمل عيلة وأحب حد، لكن للقدر رأي تاني. اتجمعنا في زمن مختلف وحبيتك من غير إزاي وليه؟ أنا بحبك يا هيلين.
أعادت رأسها للخلف تطالعه بصدمة. عيناها امتلأت بالدموع غير مصدقة لحديثه. هو يحبها، كيف ذلك؟ أيعني ما يقول؟ حلم طفولتها قد تحقق! العديد من المشاعر قد داهمتها، خاصة بعدما أخرج حروف اسمها من بين شفتيه. ذكرها بماضيهم، كيف كان يشتري لها الهدايا ويحميها من الغرباء. كان مصدر أمانها الذي فقدته منذ زمن. لم تتحكم في مشاعرها، كورت قبضتها على قميصه، تكمشه بين كفها وتبكي بقهر.
حاوطها بذراعيه يمسح على خصلاتها بحنان لتنبس بشهقات.
_ ايدين.
همهم لها وهو يشد على عناقها لتتابع.
_ إزاي؟ أنا حاسة إني تايهة.
تابع المسح على خصلاتها بحب وهو يقبل فروتها.
_ أنا هوجهك للنور، هفضل جنبك زي زمان. ادينا فرصة.
نفت له وهي تسعى للتحرر من عناقه. مسحت دموعها بقسوة.
_ مش هينفع، الكل هيكون ضدنا. الحياة هنا مش مريحة بالنسبة ليا. أنا عايزة أمشي، كده أنا اطمنت على روبين معاك.
قاطع حديثها وهو يحاوط كفوفها.
_ مليكيش دعوة بحد، وافقي انتِ وسيبك من الكل.
نفت له وهي تستقيم من بين يديه.
_ مش هقدر، معنديش القدرة إني أحارب وأواجه تاني. روبين لازم يعرف الحقيقة، أنا هساعدك وبعدها هيكون دوري انتهى.
***
حاوطت كوب القهوة الساخن أمامها بين كفيها لتدفئ بدنها تستمع لحديث "چاك" الموبخ لها بعدما علم أنها تزوجت من "ايدين".
_ يعني إيه؟ إزاي تعملي حاجة زي دي من غير ما ترجعيلي؟
زفرت أنفاسها بثقل لتجيبه بهدوء.
_ كنت لابس چاكت أسود وشعرك مرفوع لفوق، وهي فستان لبني وفوقه بلطو بني وماشين ماسكين إيدين بعض. فرحان في حياتك مع الشخص اللي بتحبه من غير ما تفكر تقولي، وجاي بتعاتبني على حاجة مكنتش بإيدي.
ارتفع طرف ثغرها بسخرية بعدما رأت دهشته لتتابع.
_ عارف إني عانيت من تأنيب الضمير سنين، وانتَ استغليت ده من غير ما تفكر فيا. عارف علاقتنا عاملة إزاي، لكنك أصررت تضغط عليا.
يكره رؤية نفسه مخطئًا، لا يتقبل الهزيمة. استند بمرفقيه على الطاولة متجاهلًا حديثها ليدس سم كلماته ليحرز هدفه.
_ وانتِ فاكرة بعد جوازكم إيه هيحصل؟ عمره ما هيعلنه، ومجرد ما يلاقي الشخص المناسب هيرميكي زي أي حاجة ملهاش لازمة عنده.
استقامت تقف أمامه لا تصدق أن تلك الكلمات تخرج منه هو، من صديق طفولتها المقرب، من يعلم نقاط ضعفها.
صفعته بقوة دون تفكير. رفعت سبابتها أمامه لتنهره بقوة ودموعها حبيسة عدستيها.
_ أوعى تفكر إن كلامك ده هيفرق معايا. القلم ده عشان تفوق لنفسك. يخسارة يا چاك، أنا كنت بشوفك أقرب حد ليا في الدنيا.
أردف بانفعال.
_ بس عمرك ما شوفتيني زيه، دايماً كان في بالك.
ابتسمت بسخرية لتواجهه بالحقيقة.
_ كنت عارف إن ايدين له مكانك مختلفة عندي. مكنتش بنام لسنين من كتر ما أنا ضميري بيأنبني. كنت عايشة بذنبه وانتَ عارف ده، لكنك استخسرت ده فيه. كنت عايز تاخد مكانه في كل حاجة، لأنه لما سافر حتى أهلك فضلوا يقارنوك بيه.
رفعت يدها أمامه تمنع حديثه لتتابع.
_ أوعى تفكر تجيب الحق عليا، انتَ اللي خونت الثقة وخونت سنين صداقتنا.
***
تجلس أمامه وهي تمسح على خصلاته، تحاول شرح له الوضع بأسلوب يتقبله.
_ الحياة أوقات كتير بتخلينا نعمل حاجات غصبًا عننا ونقابل ناس وحشة وتؤذينا من غير ما تهتم بوجعنا.
تابعت حديثها وهي ترى عينيه المهتمة.
_ عارف إنك بتحب وليام، لكن كان نفسك يكون أب كويس زي ما بتشوف أصحابك. مفيش أب بيقسى على ابنه.
رطبت شفتيها تحاول تنقية كلماتها، تعلم أن روبين سيفهمها.
_ شوفتك عمك بيتصرف معاك بحب واهتمام إزاي؟ عشان هو أب، والأب مش بيكره عياله.
قاطعها هو بهدوء.
_ ايدين هو بابا صح؟ سمعته بيتكلم مع بابا كان بيهدده إنه هينتقم منه على كل حاجة عملها لينا أنا وانتِ.
اتسعت عيناها لتسيطر على الموقف وهي تضمه لها.
_ كل حاجة هتفهمها لما تكبر. أنا بس عايزك تعرف إن ايدين بيحبك أكتر من أي حاجة.
بادلها العناق ليقول بتعقل لا يناسب سنه.
_ أنا فرحان إنه بابا. كنت بدعي إن تحصل معجزة وبابا يحبني، لكنها اتحققت بطريقة تانية.
***
غادر وليام العاصمة للأبد بصمت. لم تعُد للقصر فلا محل لها به بعد الآن. اكتفت أنها ودعت السيدة "چوليا" وشكرتها عما فعلته لها طوال تلك السنوات. ودعت شقيقها بالتبني. رأت "چيسكا" ترمقها بتقزز كعادتها.
رطبت شفتيها لتنبس بغصة.
_ عارفة إنك متقبلتيش إني أكون بنتك. شوفتيني بسرق شخصية إيلينا الحقيقية، لكن رغم ده أحب أشكرك إنك احتوتيني في بيتك ومحرّمتنيش إني أقول كلمة ماما. عمري ما اتمنيت أكون جزء من القصر ده ولا أدخل في حياة روما، بس انتِ شوفتيني دايماً مذنبَة. شوهتيلي ذكريات طفولتي واتهمتيني ظلم وأنا طفلة بحاجات مفهمتهاش غير لما كبرت. بس برضة شكراً لأنك علمتيني درس في حياتي عمري ما هنساه.
لانت نظرات "چيسكا" وهي تستمع للأخرى وترى دموعها لتستكمل حديثها.
_ أحب أقولك إني مسامحاكي. هسيبك لضميرك. ده أقوى عذاب للإنسان.
***
تقرأ الجريدة ترى إنجازات چينرال الأعمال، منتظرة قدوم القطار لترحل عن تلك المدينة. تنوي العودة بعد وقت لزيارة "روبين"، فلم تتح لها الفرصة لتوديعة. تعلم أن ايدين لن يتركها. هي تريد البقاء بمفردها لبعض الوقت لتنظم حياتها المشتتة. وليام قد رحل، وتعلم أن چاك السبب. چاك انتهت علاقتها به وانتهت صداقة السنوات. تركت القصر الذي ترعرعت به، لعلها تحظى ببعض الهدوء بحياتها. لم تتقبل فكرة أن روبين ابن روما وايدين. لا تستطيع لومه، فهو المظلوم بتلك الحكاية. تخاف أن تثق به فيتم خذلانها مجددًا.
***
يجلس على مقعده بإهمال، هي غادرت المدينة. لا يريد إجبارها على العودة ولا تركها. أفاق من شروده على دخول "روبين" وهو يسير بتردد. وقف أمامه ليسأله.
_ عايز حاجة يا روبين؟
نفت له وهو يقترب منه ليلثم شفتيه.
_ لا يا... ب...ابا.
تيبست أوصاله، لا يصدق ما سمع.
_ انتَ قلت إيه؟
اقترب منه ليجثو على ركبتيه أمامه. ليسأله بدهشة.
_ انتَ عرفت؟
همهم له "روبين" قائلًا.
_ ايلينا قالتلي. أنا مش زعلان منك، هي قالتلي لما أكبر هفهم الحقيقة. بس أنا مش عارف هي راحت فين، هي مشيت يا بابا؟
احتضنه بقوة وعيناه قد أغرورقت بالدموع. هو يعلم أن والدة قد نفذت وعدها قبل مغادرتها. لا يصدق تلك المشاعر التي أصابتة بعدما نعته بأبي. قبل فروته بحب.
_ ايلينا ممشيتش، هي بس سافرت عشان الجامعة وهترجع تاني.
***
أسبوعان قد مرا عليها وهي بمفردها. لم تستطع نقل أوراق جامعتها، لكنها وجدت مقهى للعمل به وجواره شقة صغيرة تسع وحدتها. لفت وشاحها حول رقبتها وهي تضم معطفها تقيها من برودة الثلوج. تحاول العودة بسرعة. تبضعت بعدما أخذت جزء من راتبها لتشتري ما تحتاج. هرولت بخطواتها شاعرة بالبرد ليوقفها صوت طفولي.
_ ايلينا!
التفتت بفزع لتندهش لرؤيتها "روبين" يجلس بالسيارة صحبة "ايدين". اقتربت منه بسرعة تحاول منعه من النزول لبرودة الجو، لكنه لم يهتم. ركض لها معانقًا إياها بقوة.
_ وحشتيني.
تركت ما بيدها لتعانقه بسرعة تحميه من برودة الجو. لفتها صوته لم يكن معاتبًا بل سعيدًا.
_ وانتَ وحشتني أكتر.
ابتعد عنها وهو يبتسم.
_ مع إني زعلان منك عشان مسلمتليش عليا، بس عارف إنك سافرتي بسرعة عشان الجامعة.
أردفت بتعجب.
_ الجامعة!
همهم لها وهو يتابع.
_ أيوا بابا ايدين قالي إنك مسبتيش، انتِ مشيتي عشان الجامعة وهترجعي تاني. بس انتِ طولتي أوي.
وهنا قد تلاقت عيناهما. هو مشتاق وهي خائفة. ابتسمت بسعادة بعدما لاحظت أنه نعته بـ "بابا". احتضنته بقوة وهي تحمل حقائبها بعدما ازدادت برودة الجو.
_ طب يلا ندخل بسرعة، الجو برد.
تابعهم هو بصمت ليدلف خلفها. عاين منزلها كان غرفة واحدة ومساحة للطعام صغيرة بها المطبخ والمرحاض، ورغم ذلك كان دافئًا مثلها. جلس على الأريكة بصمت لتقاطعه هي بهدوء.
_ هعمل لكم حاجة دافية عشان تشربوها.
دقائق قد مرت لتضع المشروب الدافئ على الطاولة أمامهم. أشعل هو المدفأة ليجلسوا في جو عائلي هادئ. اقترب "روبين" منها وهو يحتضنها باشتياق لينبس بعفوية.
_ أنا دلوقتي عايش مع بابا لوحدنا. انتِ ليه بقا مش قاعدة معانا؟ مش انتِ وبابا اتجوزتوا المفروض تبقي معانا، احنا كده عيلة.
سعلت بقوة متفاجئة من حديثه لتشتعل وجنتاها بحمرة الخجل، مُبعدة عينيها عنه لتسأل الصغير.
_ مين قالك كده؟
أشار على عمه بهدوء.
_ بابا قال كده.
همهمت له وهي تتجنب سؤاله مقربة الكوب منه.
_ اشرب قبل ما يبرد عشان تدفى.
بعد وقت غط روبين في نوم عميق وهو يحتضنها. ابتعدت عنه بخفة لتضع الغطاء فوقه، تحاول بث الدفء له.
_ محتاجين نتكلم.
حاولت السيطرة على رجفة كفها أثر سماعها صوتة الغليظ لتقف جواره أمام الشرفة يتابع تساقط الثلوج.
_ مشيتي ليه؟
فركت كفوفها لتجيب.
_ أنا متلغبطة، مفيش حاجة مترتبة في حياتي.
التفت له يُناظرها بهدوء.
_ وأنا قولتلك هرتبلك كل ده بس افضلي معايا. كنتِ فاكرة إني مش هلاقيكي.
نفت له بهدوء.
_ أنا عارفة إنك هتلاقيني. أنا بس كنت محتاجة وقت لنفسي.
_ وأخدتي وقتك؟
كادت أن تجيبه لكنه سألها مجددًا.
_ انتِ عايزة تبقي معايا ولا لأ؟ بتحبيني؟
سؤاله قد شل حركتها. هي لا تعرف الجواب، لا تدرك مشاعرها. أهو تعلق منذ الطفولة أم حب نما بداخلها؟ رطبت شفتيها لتجيب بتباطؤ.
_ أنا خايفة، مش هقدر أتحمل وجع تاني.
نبس بهدوء.
_ مش واثقة فيا؟
طال صمتها لتجيب بعد لحظات.
_ واثقة إنك تقدر تحميني أنا وروبين، لكني مش واثقة إن مشاعرك تفضل ليا أنا. مريت بحاجات كتير أوي مش هقدر أتحمل وجع تاني.
همهم لها ليتوجه للباب وهو يسحب معطفه.
_ روحي نامي وأنا شوية وهرجع.
أسرعت له وهي تنفي.
_ لأ طبعًا مش هسيبك تطلع في الجو ده.
مسح على خصلاتها بخفة لينبس بهدوء.
_ متخافيش مش هبعد، محتاج أفكر شوية.
تخطاها ليخرج وهو يرتدي معطفه. راقبته من خلف الشرفة وهو يستنشق ثم لفائفة. ترى قبضتها وهي تتكور بغضب وجنتاه الحمراء أثر البرودة. هو بحاجة لها وهي تحتاج له. ارتدت معطفها لتلحق به، لا تريد أن تكون مصدر قلق بالنسبة له. هرول لها وهو ينهرها بعدما خرجت.
_ ادخلي جوا برد عليكي.
نفت له بعناد.
_ اشمعنى انتَ؟
زفر بقلة صبر وهو يلقي سيجارته.
_ أنا هستحمل، انتِ لأ.
تجاهلت حديثه لتقول.
_ بتفكر في إيه؟ أنا بس قولت اللي جوايا.
أبصرها لثوانٍ أربكتها، يتأملها بصمت، كسرها بقوله.
_ أنا آسف.
اتسعت عيناها لكلماته المفاجئة، تابع.
_ آسف لأني مش عارف ومعرفتش أحسسك بالأمان من ناحيتي. حقك تخافي، بس عايزك تعرفي إني هحاول عشانك.
اقترب خطوة منها.
_ أنا مش صغير ومرّيت بحاجات كتير في حياتي تخليني أقدر أحدد مشاعري من غير تفكير. أنا بحبك وعايز أكون معاكي. أوعي تفتكري إني بحاول أخليكي جنبي بسبب روبين. أنا بس طمعان إن لمستك الحنونة والأنثوية دي تكون في حياتنا.
رفع كفه البارد ليحاوط وجنتيها مردفًا بحنان.
_ عايزك بس توافقي تكوني جنبي وأنا هحارب عشان أملك قلبك. وافقي انتِ بس.
هزت رأسها بالموافقة دون تفكير. هي تسحق فرصة للعيش بسعادة. عانقها بقوة وهو يستنشق خصلاتها، نافسًا قرب أذنها.
_ أوعدك إني هعمل المستحيل عشانك. متفكريش في حد، من بكرة هعلن خبر جوازنا.
ابتعد عنها وهو يتحسس وجنتها.
_ حياتي بقت عبارة عنك وعن روبين بس.
ضرب أرنبة أنفها بمشاغبة.
_ مش ناوية تقوليلي حاجة كده ولا كده؟
نفت له بخجل وهي تبتعد عنه بعدما فتح ذراعيه ليعانقها مجددًا. لتنبس بطفولية كما في ماضيهم.
_ هنشوف الموضوع ده لما تمسكني الأول.
ركضت أمامه بصعوبة لوجود الثلج. كان يتابعها ببسمة واسعة وعيون لامعة متذكرًا مغامرتهم في الماضي. هو ناضج منذ مراهقة، لكن بها شيء يجبره على التخلي عن كل شيء، فقد لرؤية بسمتها. نسي هويته ومكانته في البلاد ليركض خلفها وهو يستمع لصراخاتها. تخاف أن يمسك بها. حاوط خصرها وهو يرفعها عن الأرض. اختل توازنه ليسقطه فوق الثلج. اعتدل ليدغدغها مستمتعًا بصوت ضحكاتها.
_ اعترفي يلا وقوليها إنك بتحبيني.
_ خلاص خلاص هقول.
أوقف حركة أصابعه، يسمح لها بأخذ أنفاسها لتدعي التفكير لتقول بخبث.
_ بحب نفسي أكتر.
صُدم من إجابتها مما جعله يدغدغها بغيظ.
_ لسه خبيثة زي ما انتِ. السنين مغيرتكيش.
_ وأنا كمان يا بابا عايز ألعب معاكم.
التفت للصوت ليجده روبين يرتدي معطفه ووشاحه يدفئ نفسه جيدًا ويبصرهم بعينين لامعتين بالحماس. استقام "ايدين" وهو يلحقه ليحمله وهو يدور به في الهواء.
_ تعالَ انتَ كمان.
وضعه قربها وهو يداعب معدته مؤديًا لظهور ضحكاته الصاخبة.
***
مر عام كامل، تقف الآن لتسلم شهادته، تخرجها. تسير ببعض الثقل، هي بشهرها الرابع الآن. أخذت شهادتها. تناظرهم من أعلى المنصة، ترى زوجها يجلس وقربه روبين الذي أصر على حمل باقة الزهور لها. تحسست معدتها بحب.
عاونها زوجها على نزول السلالم ليقدم "روبين" الزهور لها.
_ مبروك التخرج أيلي.
قبلة وجنتها بحب قائلة بسعادة.
_ الله يبارك فيك يا حبيبي.
تدخل "ايدين" بضيق.
_ اشمعنى هو؟ ما أنا باركتلك مرتين.
تحسست وجنته بحب وهي تقبل وجنته ببسمة واسعة لتنبس قرب أذنه.
_ هو ابني وانتَ حبيب قلبي.
ابتسم لها مظهرًا صف أسنانه الأمامي يحمل روبين وهو يمسك يدها.
_ يلا نروح بيتنا عايز أقعد مع عيلتي شوية.
وهنا قد تكون انتهت قصتنا. جمع القدر ثلاثتنا لنعوض بعضنا.
"قد تُدفن الهوية في ركام الذاكرة، لكن الحب الحقيقي يعيد بناء الإنسان من جديد. نحن لم ننسَ الألم، بل اخترنا أن نكون دواءً لبعضنا البعض."