الفصل 1 | من 10 فصل

رواية كاليندا الفصل الأول 1 - بقلم ولاء رفعت

المشاهدات
21
كلمة
4,102
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

أخذت تردد آيات الله لاسيما آية الكرسي، وتتحاشى النظر إلى تلك المباني المخيفة. مهلاً، هل سمعت للتو صوت خطوات تتبعها؟ التفتت خلفها لم تر شيئاً. تردد الصوت مرة أخرى، فوقفت لتلتفت مرة ثانية، فانتفضت بفزع عندما قفزت قطة سوداء من إحدى النوافذ المفتوحة من منزل مهجور. حينها صرخت واستعاذت بالله في نفسها. وبمجرد أن استدارت إلى وجهتها اصطدمت بآخر شخص تتمنى رؤيته. وكادت تصرخ، لكنه أسرع بوضع كفه على فمها قائلاً بتهديد:

"إيه خايفة؟ هزت رأسها وهي تحاول إبعاد يده عن فمها، لكنه أمسك كفيها الرقيقين معاً ودفعها إلى جدار من الطوب اللبن ومازال يكمم فاها. "كنتي فاكراني بهزر ولا بهرتل بأي كلام لما كنت بهددك المرة اللي فاتت؟ لاء يا شمس، ده مش أنا، مش حمزة السفوري اللي تيجي على آخر الزمن حتة بت ملهاش لازمة زيك تعلم عليه. أنا اللي بقول للبنات لاء، وعمري ما واحدة فيهم قالت لي لاء، أنا اللي بقول، سمعاني؟

كانت تصدر همهمات لم يفهمها وعيناها تملأها دموع الخوف والتوسل. فأردف بعد أن ترك يدها وأخرج من خلف ظهره مدية حادة وضعها لدى نحرها: "أنا هاشيل إيدي بس، وحياة أمي لو صوتي أو عملتي حركة كده ولا كده هتلاقي المطواة الحلوة دي بتشقك نصين، ها؟ أومأت له بهمهمة، فسحب يده. وبدأت بالتحدث بصوت مختنق بالبكاء: "أنت عايز مني أي دلوقت! هو الجواز بالعافية؟ أنا رفضتك عشان ما بحبكش، ترضي حد يغصبك على حاجة وتعملها؟ أصدر صوتاً مقيتاً وقال:

"وأنا ما أتحبش ليه يا بت؟! ناقص إيد ولا رجل! معايا فلوس تشتري عيلتك وعيلة الحيوان المخطوبة ليه." أجابت وهي تنظر إلى المدية الموضوعة على نحرها بحذر وخوف: "مش كل حاجة الفلوس، أنا رفضتك بسبب أخلاقك الزفت، ما بتحترمش حد ومقضيها صياعة وبلطجة، ده غير القرف اللي بتشربه ولا ثانوية عامة اللي كل شوية تسقط فيها واللي قدك خلصوا جيش وبيشتغلوا وبيكسبوا بعرق جبينهم مش زيك عايش على فلوس أبوك." ضرب الجدار بقبضته وقال من بين أسنانه:

"ما هو لو كنتي وافقتي عليا كنت بطلت على إيديكي، وأديني جيت لك دلوقت وبقولها لك لآخر مرة يا شمس، سيبك من اللي ما يتسمي ده وتعالي نتجوز وهخليكي ملكة، هخلي أبويا يبني لينا بيت كبير في المدينة نعيش فيه بعيد عن الكفر والعالم المعفنة اللي هنا." أبعد السلاح عنها وأخفضه: "ها قولتي إيه؟ كلمة واحدة بس هتخليني خاتم في صباعك."

قالها وعيناه ذات النظرات المخيفة تحدق بها عن كثب وبترقب شديد، بينما هي كانت كالتي وقعت بين شقي الرحى لا تعلم ماذا سيفعل بها إذا قالت له لا. صراع الأنفاس يحتدم وهي كالفريسة بين يدي صيادها. قاطع الأجواء رنين هاتفه. ضيق عينيه بضجر، أخرج هاتفه ولم تبرحها نظراته.

لمحت أسفل قدميها قطعة صخرية صلدة، فكانت فرصتها عندما نظر إلى شاشة هاتفه لتسرع بالإمساك بها وضربها في رأسه وهمت بالركض، لكن الحظ لم يحالفها حيث تعثرت في قالب طوب محطم. والآخر يصرخ عليها بزئير جعل جسدها يرتجف، يلقي عليها أفظع السباب والشتائم ولم يكتف بذلك بل قام بجذبها من قدميها وهي تقاومه، لكن فرق القوة الجسدية بينهما كانت الغلبة له. سحل جسدها إلى داخل المنزل المهجور وأستعان بإضاءة مصباح هاتفه وألقاه جانباً. ***

منذ أيام في إحدى القرى النائية التابعة لمحافظة الدقهلية، تقطن عائلة شمس تلك الفتاة ذات الثامنة عشر ربيعاً في منزل صغير تملأه البساطة والراحة النفسية. والدها محمد نصار في منتصف العقد الخامس، موظف في السكة الحديدية وزوجته السيدة زينب ربة منزل تبلغ من العمر أربعين عاماً، فهي وحيدة أبويها. ها قد أقترب موعد امتحانات الثانوية العامة، يستعد الطلاب لها بالمذاكرة والذهاب إلى دروس التقوية.

وفي هذا المجمع التعليمي التابع لمسجد القرية، تخرج شمس مع صديقتها وشقيقة هذا الشاب الذي تقدم لخطبتها رسمياً منذ ست شهور ويدعى أحمد كامل. لقد تخرج من كلية تجارة ويعمل محاسب في إحدى المجمعات التجارية الشهيرة في مركز المدينة بالقرب من قريتهم. يمكث هو وعائلته في المنزل المقابل لعائلة شمس، ومنذ الصغر يراها فتاة أحلامه التي لم تفارق قلبه ووجدانه. فتاته التي تربت على مبادئ الدين والخلق والعادات والتقاليد الصحيحة.

اختطفت فؤاده عندما رآها لأول مرة بالحجاب الذي زادها زينة وجمال فوق جمالها الرباني. ظل حبها في قلبه حتى حانت اللحظة الحاسمة وسُبرت أغواره بعدما علم من شقيقته إسراء صديقة طفولتها وصباها بأن هناك شاب تقدم لخطبتها. لكن شمس وعائلتها قاموا بالرفض وليس مرة فقط بل زهاء ثلاث مرات، مما أسعد هذا قلبه وجعله يحسم أمره وعرض الأمر على والديه.

رحبت والدته السيدة سحر بهذا وأعربت له عن سعادتها وكم تمنت له عروس مثلها في حسن خلقها وأدبها وجمالها، وعائلة يعلمون عنهم كل ما يرسخ في صدورهم من طمأنينة وراحة، ولن يختلف الأمر لدى زوجها يكفيه السيرة الحسنة عنهم. تمت الخطبة في أجواء عائلية مبتهجة وبدأت قصة حب أحمد وشمس.

لكن كالعادة أو ما اعتدنا عليه دائماً، كثير من الفرح يقابله القليل وربما الكثير من الحزن، هكذا هو قانون الحياة، لا تُعطي لك إلا تأخذ منك المقابل ولكل منا ما يعطيه أو ما يدفعه من ثمنٍ غالي. "اللي واخد عقلك يا عروسة؟ سألتها إسراء ولكزتها بخفة في ذراعها. فأجابت شمس بعدما عادت من رحلة شرودها: "بتقولي حاجة؟ ضيقت الأخرى عينيها بمكر ومزاح قائلة: "هو آبيه أحمد للدرجدي شاغل تفكيرك؟

يابنتي ركزي شوية في الهم اللي إحنا فيه، كلها أسبوع وهنلبس في وش الامتحانات، وتخلص وبعدها تلات أسابيع وتتجوزوا بقي، وأخلص من رخامته عليا." قهقهت على حديث صديقتها الفكاهي: "ماشي يالمضة، خلاص هانت وأخلصك منه، بس مكنتش أصلاً سرحانة فيه." توقفت الأخرى عن السير وسألتها: "خير، آبيه زعلك ولا إيه؟ اعتراها بعض التوتر وانبلج على ملامح وجهها، فقالت بتردد جلي: "مفيش، قصدي يعني ما زعلنيش ولا حاجة."

بداخلها يريد أن يجيش عن ما بصدرها من ما يؤرقها منذ أيام. انتشلتها صديقتها من الشرود مرة أخرى، وقالت: "أوعي يكون الزفت اللي اسمه حمزة ده بيكلمك ولا بيشوفك تاني! أومأت لها بالإيجاب. أردفت الأخرى: "نهار أبوه أزرق وأسود على دماغه، هو متخلف ولا مجنون، عايز أي منك التنح ده؟ أجابت بتأفف: "وطي صوتك البلد كلها سمعتنا." تنهدت وأخفضت من صوتها قليلاً:

"حقك عليا يا شمس، بس غصب عني أقسم بالله بيبقى بيني وبين أقول لآبيه أحمد عليه و…." قاطعتها وهي تضع كفها على فمها: "إياكي، والله أزعل منك يا إسراء، أنتي عارفة كويس إن الكلب حمزة ده عيل مدمن وشمام والسلاح ما بيفارقش جيبه لا بيهمه حد، عايزاني أروح أقول لأخوكي إن فيه واحد لازق لي في الراحة والجاية وبهددني أفسخ خطوبتي منه وإلا يخلص عليه؟! شهقت وكفها على فمها قائلة:

"يا ابن ال… ، اللهي عزرائيل يجي يخلص عليه هو الحيوان، البلطجي، بتاع المخدرات." "أديكي قولتيها بلطجي وشمام، عايزة تقولي لأحمد عشان يروح يتخانق معاه والتاني يقوم مخلص عليه بطلقة واحدة من المسدس بتاعه." أصبحت الأخرى في حيرة من الأمر، فقالت: "نروح نقول لمامته أو باباه يوقفوه عند حده، هو فاكر إنها سايبة ولا إيه؟! هزت شمس رأسها نفياً وتهكم تحدثت:

"عندك حق، نروح نقول لمامته اللي لما اتقدموا لي ورفضناهم وقفت ردحت لماما على الباب بأعلى صوتها تقولها، بقي بنتكم المعفنة أم نظارة ترفض ابني، حمزة السفوري اللي بنات مصر كلها بتجري وراه وتتمنى يعبرها بكلمة." لم تستطع صديقتها كتم ضحكاتها، فأطلقتها للعنان حتى دمعت عينيها. "ما تضحكوني معاكم." قالها صوت رجولي جعل كلتاهما تصمت على الفور. ابتلعت إسراء ريقها من الذعر، وقالت: "آبيه أحمد! أجاب بنبرة جدية صارمة لا

يتفوه بها سوى مع شقيقته: "إيه اللي موقفك في الشارع لحد دلوقت يا هانم، وكمان بالليل! مدت له يديها تحمل دفتر ورقي وكتاب، أجابت: "والله كنا عندنا مراجعة علم نفس ولسه مخلصين، ووقفنا ناخد نفسنا شوية." نظرت إلى شمس التي عقبت: "أيوه، كنا مخنوقين شوية عشان ضغط المذاكرة والدروس والامتحانات، ومروحين على طول أهو." رمقهما بعدم صدق لكن لا يهمه سوى أمر شمس فقال: "طيب تعالوا أفك لكم الخنقة دي شوية وأعزمكم على آيس كريم."

قفزت شقيقته كالطفلة من فرط السعادة بصياح: "أيوه بقي يا آبيه، حاسس بأختي الغلبانة." أجاب عليها بسماجة: "ده مش عشانك، عشان خاطر شمس."

ونظر لها بابتسامة جعلت الدماء تكاد تنفجر من وجنتيها خجلاً، فهي دائماً خجولة خاصة عندما يقع على مسامعها كلمات من الغزل العفيف والحب النقي، تنتابها حالة من الخجل يلازمها الصمت وهذا لن يضايقه أبداً، بل يزيد من حبه لها أكثر وأقوى، وود لو تمر الأيام بسرعة البرق وتصير زوجته، حينها سوف يلقي عليها كل ما بداخله من مشاعر مكنونة لن يستطيع إطلاقها إلا عندما تصبح زوجته. "ماشي يا آبيه، بقي تكسفني وتقولي عشان خاطر شمس!

شوف بقي مين اللي هيعملك البيتزا ولا الكريب عمايل إيديا اللي بتحلف عمرك ما دوقت في حلاوتهم أبداً." أطلق قهقه على تذمر شقيقته، يحب دائماً أن يشاكسها. ضربها بخفة على مؤخرة رأسها قائلاً: "أعمل إيه بحب أنكش فيكي، يلا تعالوا بقي عشان نلحق نرجع على طول وتراجعوا اللي أخدتوه." تفوهت شمس بتردد: "معلش يا أحمد مش هاينفع، بابا…" قاطعها ليطمئنها:

"ما تقلقيش يا شمسي، أنا كلمته وسلمت عليه واستأذنت منه وعارف إن أختي معانا، عشان كده ما اعترضتش." "يلا بقي يا شموسه، لسه هاتفكري! "ومعايا الموتوسيكل كمان." اتسعت عينيها وبدا عليها الاعتراض. تفهمت صديقتها ما تفكر به، فقالت: "أنا هاركب ورا آبيه وأنتي ورايا، وڤيزبا هنية تكفي ميه." ضحك ثلاثتهم، أرضخت في النهاية وذهبت برفقتهما ليستمتعوا بأجمل اللحظات التي لن تنساها أبداً.

وبعد انتهاء رحلتهم القصيرة في طريق العودة كانت هناك أعين مثل عيون الذئاب عندما تراقب فريستها وتحيك وتدبر لها المكائد والفخاخ. يزفر صاحبها دخان سيجارته المحشو، ينبعث من بين براثن الظلام الدامس خلف أشجار المانجو، يقول بتوعد: "ما بقاش أنا حمزة السفوري لو ما خلتكيش تجيلي راكعة تحت رجلي يا شمس، والكلب اللي معاكي ساعتها ما يطق يبص في وشك ولا يقدر يرفع راسه في البلد تاني! ***

وفي اليوم التالي تسير بخطى سريعة وكادت تتعثر في حجرة صخرية في وسط الطريق، لكن جمعت قواها والتفتت إلى هذا الذي يراقبها ويجول خلفها كظلها في كل مكان تخطو قدميها. "وبعدين معاك يا زفت، أنت إيه؟! ما عندكش كرامة ولا نخوة؟! عايز مني إيه؟! في كل مكان ورايا، خلاص مفيش بنت غيري في الكفر! عايز إيه يا ابن هدى من واحدة رفضتك بدل المرة ألف ومخطوبة وخلاص قربت تتجوز من واحد جذمته برقبتك وبرقبة عيلتك كلها."

صاحت بها شمس وتلوح بيديها في وجهه، مما أثارت كلماتها اللاذعة نيران مراجل جنونه وغضبه ليقبض على ذراعها بقوة وهو يعنفها قائلاً بلهجة تهديد: "أنا راجل وأرجل من أبوكي وأخوكي وخطيبك العره ده، وسيرة أمي واسمها ما يجيش على لسانك، إما بالنسبة لموضوع جوازك من سوسن خطيبك ده حلم من عاشر المستحيلات إنه يتحقق، وبكرة هثبت لك إن حمزة السفوري اللي عايزك هو اللي هيكون." جذبت ذراعها من قبضته، ودفعته بحقيبتها في صدره قائلة:

"ده في أحلامك أنت، وخطيب اللي بتتمسخر عليه بكرة هو اللي هيخليك أنت اللي سوسن وتخاف تطلع من بيتكم." أطلق قهقه دبت الرعب في قلبها لكنها أظهرت عكس ما بداخلها. "وحياتك يا شمس لأخليه هو اللي ما يخرجش من باب بيتهم بعد اللي هعمله فيكي." "بت يا شمس؟ صاحت بها والدتها، تحمل أكياس بلاستيكية. التفتت لها، بينما الآخر فر هارباً كالبرق في سرعته. اقتربت منها والدتها بملامح غاضبة وقالت: "عايز إيه منك ابن السفوري ده؟

ازدردت ريقها وأجابت والتوتر يعتري ملامحها: "أبوس إيدك يا ماما وطي صوتك، ماحصلش حاجة وأنا قبل ما تيجي أديتله على دماغه." ألقت نظرة متوعدة وقالت: "طيب يلا انجري قدامي على البيت، وأنا ليا كلام مع أم الصايع الشمام." وبعد أن عادت السيدة زينب وابنتها إلى منزلهما تركت ما قامت بشرائه فوق طاولة المطبخ وقالت بأمر حازم: "علقي على مية الفراخ عقبال ما تغسليها كويس وعندك الخضار والرز والحاجة، حضري الغدا عقبال ما أرجع من مشواري."

تناولت حقيبة نقودها الصغيرة واتجهت نحو الباب استعداداً للمغادرة. ركضت شمس إليها وأمسكت ساعدها قائلة: "ماما بلاش فضايح، الست دي مش هتخلصي منها وهتدافع عن ابنها ومش هينوبك غير ردحها اللي هيسمعه كل أهل البلد." أبعدت ساعدها وقالت بقوة: "أنا صاحبة حق يا بنت بطني، وصاحب الحق ما يخافش، ولو هي ما قدرتش على ابنها وخلته يتلم هخلي أبوكي يروح يتصرف مع أبوه ولو وصلت أبعت لأعمامك في مصر يجوا يعلموه الأدب." هزت رأسها بسأم،

فاردفت والدتها: "روحي اعملي اللي قولت لك عليه وأقفلي عليكي الباب كويس، سلام." و في منزل السفوري الآن، تنتظر زينب في ردهة الاستقبال بعدما استقبلتها شقيقة حمزة، فأتى صوت هدى الساخر والقادم من الرواق التي تتفرع منه غرف النوم: "خير يا أم شمس؟ نهضت الأخرى تقف بشموخ قائلة: "الناس بتبتدي كلامها بالسلام يا أم حمزة." عقدت الأخرى ساعديها أمام صدرها ورفعت شفتيها بتهكم جانباً:

"ومن أمتي كان في بينا سلام بعد ما السنيورة بنتك رفضت ابني وراحت اتخطبت لحتة الواد الكاشير الكحيان." "أديكي جبتي من الآخر، بنتي مخطوبة، يا ريت بقي تقولي الكلام ده وتأكدي عليه لابنك الصايع اللي عمال يلف ورا بنتي في كل حتة وبيطلع لها زي اللهو الخفي." شهقت باعتراض وتضع يديها في خصرها، تصيح بغضب: "لهو خفي ياخدك وياخد بنتك يا ولية، أنتي جاية في قلب بيتي وبتشتمي على ابني؟!

ابني اللي يشاور بس بطرف صباعه تيجي مليون واحدة تحت رجله يتمنوا يبص لهم بصة بس." "وأنا عشان في بيتك هاحترم ده ومش هرد على كلامك، دلوقت مش مستغربة أخلاق ابنك الزبالة لأنك أمه." كانت كلمات زينب أثارت غضب الأخرى، صاحت وأشارت لها نحو باب المنزل: "اطلعي بره بيتي، كتك داهية تاخدك وتاخد بنتك في ساعة واحدة."

غادرت الأخرى المنزل وبداخلها تشعر بلذة انتصارها على تلك الحيزبون منبع الشر التي أنجبت شيطان رجيم، ورث أخلاقه الوضيعة من والدته سليطة اللسان سيئة الخصال. *** انتهت المحاضرة الآن، فخرجت كلتيهما. نظرت إسراء إلى شاشة هاتفها وقالت: "تعالي نستناهم عند محل العصير القصب اللي هناك ده، زمانهم جايين دلوقت." ردت شمس وهي تسير بمحاذاتها: "إسراء أنا نفسيتي تعبانة وقلبي مقبوض." توقفت الأخرى عن السير والتفتت لها قائلة:

"لا حول ولا قوة إلا بالله، مالك يا شمس فيكي إيه؟ صمتت لثواني حتى بدأت بالتحدث: "المفروض زي أي بنت رايحة تشتري حاجات جهازها أكون فرحانة ومبسوطة، بس أنا اللي جوايا عكس كده." امتعضت ملامح صديقتها فتساءلت: "ليه بتقولي كده، ده أنتي وآبيه خلاص فضلكم أيام وتتجوزوا والامتحانات وفاضل مادتين الحمد لله." استندت شمس بظهرها على أقرب حائط لسياج يحاوط إحدى المزارع، فقالت:

"كل يوم بحلم بكوابيس مليانة تعابين وديابة بيخنقوا فيا وأفضل أصرخ لحد ما ألاقي طفلة شبه الملايكة تمد لي إيديها وتنجدني منهم." اقتربت منها وربتت عليها بحنان وقالت: "وحدي الله واستغفري، دي بالتأكيد من الشيطان عشان جو الامتحانات وكمان فرحك قرب والشيطان موته وسمه لما اتنين يتجمعوا في الحلال يفضل بكل الطرق يحوم حواليهم لحد ما يخربها ويفرقهم."

استعاذت بالله من الشيطان الرجيم في قرارة نفسها والتفتت إلى قدوم سيارة أجرة توقفت بالقرب منهما ثم ترجل أحمد منها يسألهما: "إيه اللي موقفكم هنا يا بنات؟ نظرت شقيقته إلى صديقتها ثم إليه وقالت: "كانت مراجعة التاريخ طويلة جداً وشمس تعبت شوية فوقفنا هنا نستناك أنت وماما وطنط زينب." "طيب تعالوا أدخلوا العربية واستنوا عقبال ما أجيب حاجة وراجع لكم."

ذهبت الفتاتان وولجا إلى داخل السيارة، بينما هو قام بشراء عصائر وحلويات كثيرة وجميعها ما تحبه وتشتهيه شمس. فتح باب السيارة من جهة شمس وقدم لها الحقيبة مبتسماً: "عايز الشنطة دي تخلص قبل ما نوصل المركز." تناولتها منه بخجل قائلة: "شكراً." فقالت زينب والدتها: "تعيش وتجيب ليها يا جوز بنتي." وقالت إسراء بمزاح: "الله، الله يعني شنطة حلويات وعصائر لخطيبتك وأختك الغلبانة ملهاش شكولاتاية واحدة؟! ضربها بخفة

على مؤخرة رأسها بمزاح: "وبالنسبة لأكياس الشيبسي والشيكولاتة والبيبسي اللي بجيبهم كل يوم وأصحى ما ألاقيش منهم حاجة، مين اللي بياكلهم؟! "أعمل إيه يا آبيه السهر والمذاكرة بيخلوني جعانة ديماً." ردت والدتها بضحك: "قصدك بيخلوكي مفجوعة ديماً." وصل جميعهم إلى مركز المحافظة وهي مدينة كبيرة مزدحمة بالمحال والمجمعات التجارية الخاصة بكل لوازم ومفارش منزل العروس.

"تعالي يا أم شمس أوديكي عند الحاج راشد مجهزين من عنده بنت أختي ما شاء الله كل حاجته قطن من المحلة وحاجة حلوة خالص." فأجاب أحمد: "وأنا هاخد شمس عشان نحجز الكوافير والفستان والاستوديو." وقبل أن يبتعد برفقها، أمسكته والدته من يده قائلة وكأن كارثة سوف تحدث: "فستان إيه يا بني اللي عايز تروح معاها وهي بتحجزه؟ نظر إلى والدته متعجباً فعقبت حماته بإيضاح له:

"مامتك قصدها يابني ما ينفعش تشوف فستان فرحها دلوقتي غير لما تطلع لك وهي عروسة من الكوافير وإلا يبقى فال وحش." ضحكت إسراء قائلة: "فال إيه يا طنط، دي كلها تخاريف ما تصدقيش الكلام ده، هو بس بيبقى مش مستحب لأن لما تكون مفاجأة بيبقى إحساس أحلى." "بقولكم إيه ولا فال ولا مفاجأة أنا هاروح وأختاره معاها زي ما اخترنا كل حاجة مع بعض، ولا إيه يا شمس؟ قالها بنبرة تتخللها الرومانسية ونظراته التي جعلت قلبها يخفق من الخجل، فأجابت:

"اللي تشوفه." أثنى ذراعه لتضع كفها الرقيق على ساعده وقال: "يلا بينا." كادت إسراء تذهب معهما، لكن والدتها أوقفتها من ثيابها قائلة: "تعالي هنا يا عزول، ما تسبيهم مع بعض يمكن عايز يقولها حاجة." زفرت بحنق، وقالت لها السيدة زينب: "عقبالك يا إسراء يا حبيبتي." وفي متجر تأجير أثواب الزفاف تخرج من حجرة القياس مرتدية ثوباً في منتهى الرقي والجمال وكأنها حورية.

فكان أحمد مشغولاً في هاتفه وعندما طلعت بمظهرها الباهي رفع بصره إليها، اتسعت حدقتاه وغر فاهه ثم أطلق صفيرًا كدليل على إعجابه بأميرته الساحرة، ما زاد خجلها وتوردت وجنتيها أكثر. همست له وهي تمسك بجانبي الثوب: "حلو الفستان ده؟ اقترب منها وهمس أمام وجهها: "ده الفستان بقى أجمل وأنتي جواه، تبارك الله في جمالك يا شمسي." وضعت كفها على فمها من الخجل الذي لا يفارقها، لتأتي الفتاة التي تعمل بالمتجر قاطعة لأجوائهم الوردية، قائلة:

"خلاص استقريتي يا عروسة على الفستان ده؟ أومأت لها الأخرى وقالت: "آه، إن شاء الله." "أتفضلي غيريه عقبال ما أكتب لحضرتك فاتورة بالعربون، والإستلام هيبقى يوم الفرح الصبح إن شاء الله." وهكذا انتهت من حجز ثوب الزفاف. ثم ذهب كلاهما إلى الاستوديو ويليه مركز التجميل الشهير في تلك البلدة، وذلك في أجواء فرح وسعادة غمرت كل منهما.

لكن ما زال قلب شمس لم يبرحه القلق والخوف من شيء مجهول يترقبها، وربما تلك العيون التي تتبعهما على بعد عدة أمتار، تندلع بشرار نيران حقد وكراهية وانتقام ظالم بدون وجه حق!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...