بعد أن عاد إلى منزله، مكث في غرفته لينعم بالهدوء والراحة بعد شقاء عمل طوال النهار، يفكر في أيامه القادمة والتي يتحمل من أجلها أي تعب، يهون كل شيء في سبيل امتلاك شمسه.
أمسك بالهاتف وكعادته كل ليلة قبل النوم يفتح الملف الممتلئ بصورها وضحكتها الخجولة التي يعشقها، تنهد بحرارة وقال:
_ هانت يا شمسي، كلها أيام و تبقي في حضني اللي مش هاتفارقيه أبداً.
أراد أن يرسل لها كلمات بمناسبة عيد مولدها مع بعض كلمات الحب والغزل العفيف، ضغط على تفعيل خدمة الإنترنت من شبكة هاتفه وبمجرد أن اتصل بالإنترنت، صدح رنين رسالة واردة واسمها يعلوها، كانت الابتسامة تكسو ملامحه.
فتح محتوى الرسالة وجدها فيديو مُرسل، انتظر حتى اكتمل التحميل، وقبل أن يضغط لفتحه قرأ الرسالة النصية:
(أنا خليتها لا تنفعك ولا تنفع لغيرك يا عريس الغفلة)
انتفض وكأن لدغته أفعى، فتح الفيديو ليري محتواه، ضغط على وضع التكبير حتى يرى من تلك الفتاة ضحية هذا المغتصب الفاجر فوجدها هي!
***
صفعات يتبعها صرخات ومقاومة من يدين يتملك منها الوهن، يقابلها صياح شيطان لا يعرف الرحمة يعتدي عليها بكل وحشية، كانقضاض الضباع على غزالة شاردة في وسط غابة معتمة.
هكذا كانت تفاصيل الكابوس المخيف الملازم لها منذ الحادث، تستيقظ على صرخة دوى صداها في جدران المنزل، ركضت على إثرها والدتها لتطمئن عليها وتأخذها بين ذراعيها، تمسد على ظهرها وخصلاتها قائلة:
_ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اهدئي يا حبيبتي ده كابوس وراح لحاله، ما تخافيش.
وأخذت تتلو عليها آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين حتى هدأت وبدأت رجفة جسدها في السكون.
_ قومي يا شمس، قومي تعالي أغسلك وشك وهاروح أحضرلك هدوم عقبال ما تاخدي لك دش أكون حضرت لك الفطار.
أجابت شمس بصوت يخرج بصعوبة:
_ مش عايزة أكل.
_ ما ينفعش يا عين أمك، أنتي على لحم بطنك من امبارح، ولما لقيتك روحتِ في النوم قولت أسيبك براحتك يمكن ترتاحي.
بدأت الأخرى في وصلة بكاء جديدة بصوت ذي بحة:
_ أرتاح!، فين الراحة يا ماما، ما خلاص، خلاص.
عانقتها والدتها بقوة وقالت بحزم:
_ أقسم بالله لنجيب لك حقك وأفضحه وأفضح أهله، كفاية بقى بكى يابنتي، قومي أعملي اللي قولتل لك عليه وأتوضي وصلي، عايزة أشوف شمس بنتي القوية.
انسحبت من حضن والدتها ونظرت لها بعينيها الدامعتين ونظرات قلة حيلة وانكسار.
نهضت زينب وهي تكبت عبراتها، لا تريد البكاء أمامها حتى لا تزيدها حزناً وهمًا، وقبل أن تغادر الغرفة قامت بتشغيل المذياع على إذاعة القرآن الكريم، وفتحت جزء من النافذة الخشبية لتسمح بأشعة الشمس الساطعة بالدخول وتجديد هواء الغرفة ثم ذهبت.
***
_ يلا يابني اخرج، الفطار هيبرد، أنا عاملة لك الطعمية السخنة أم سمسم اللي أنت بتحبها.
قالتها سحر والدته، فأجابت إسراء عليها بعد أن خرجت من المرحاض تجفف وجهها بالمنشفة:
_ سبيه يا ماما، آبيه لسه نايم من شوية، وسألته لو عايز حاجة قالي ماحدش يصيحني.
عقدت حاجبيها بتعجب وقالت:
_ غريبة، أخوكي عمره ما سهر للفجر، ده بينام ويصحي يصليه وينام له شوية ويصحي يفطر ويروح على شغله.
_ مش عارفة بقى يا ماما، هو امبارح راح اطمن على شمس وقعد عندهم شوية ورجع دخل على أوضته، فضلت أخبط عليه عشان أطمن عليها منه بس ماردش عليا.
_ ليكونوا يا بت متخانقين؟، ولا حصل حاجة؟، لأ كده يبقى فيه حاجة، أنا هدخل أصحيه وأعرف فيه إيه.
وقبل أن تدخل غرفة ابنها سألتها:
_ يطمن على شمس ليه هي جرالها حاجة بعد الشر؟
أجابتها الأخرى:
_ اتأخرت في الدرس امبارح ومكنتش بترد على آبيه ولا مامتها وتليفونها فصل بعدها ولما آبيه جه من برة راح اطمن عليها وشوية ورجع كان متضايق ودخل أوضته وقفل على نفسه.
_ طيب أنا داخلاله، وأنتي روحي علقي على براد الشاي لأبوكي.
دَلفت سحر بهدوء إلى الداخل، وبمجرد دخولها استنشقت رائحة دخان سجائر والمنفضة على الكومود ممتلئة بأعقاب السجائر، شهقت واضعة كفها على صدرها:
_ رجعت للسجاير تاني!، عملت فيك بنت زينب عشان ترجع تدخن بعد ما بطلتها بقالك سنتين.
فتحت النوافذ وقامت بتشغيل المروحة لتطرد تلك الرائحة النفاذة، ثم أخذت تربت على كتفه:
_ اصحي يا أحمد، يلا عشان تفطر وتلحق تروح شغلك.
تقلب بتأفف قائلاً بصوت يغلبه النعاس:
_ سبيني أنام يا أمي، مش رايح الشغل.
ردت بإصرار وإلحاح:
_ طيب قوم قولي مالك، حصل حاجة ما بينك وبين شمس امبارح؟
وحين ذكرت اسمها لتصعقه ذاكرته بما جعل النوم يجافيه طوال الليل، وقد جن جنونه بدون سابق إنذار، نهض كالثور في عنفوانه:
_ مفيش حاجة، وسيبوني في حالي بقى، محدش يكلمني ولا عايز أشوف حد.
هرعت والدته بذعر واتجهت إلى الخارج من صياح نجلها وغضبه الذي ثار كالعاصفة الهوجاء، أخذ يلقي كل شيء في الحائط وعلى الأرض، مما أفزعهم جميعاً وذهبوا ليروا ما حل به، وما أن خطت أقدامهم باب الغرفة، صفقه في وجوههم.
صاحت والدته غاضبة:
_ بقي كده يا أحمد!، والله لهروح لها بنفسي وأشوف إيه اللي خلاك زي المجنون كده علينا.
رد عليها زوجها:
_ سيبيه يا سحر، لما هيهدى هيجي يحكي لك كل حاجة.
_ أنت ما شفتش منظره كان عامل إزاي، ده مش أحمد ابني، مليون في المئة البنت وأهلها عملوا فيه حاجة ولا نكدوا عليه.
أخبرتها ابنتها:
_ خليكي يا ماما، وأنا هاروح لشمس وأشوف إيه الحكاية، وإن شاء الله خير.
***
وفي منزل شمس، انتهت والدتها من إعداد الفطار وأخذت تنادي عليها، ثم ذهبت إلى غرفتها، فوجدتها تقيم فرضها وأنِين بكائها وصل لسمعها، فنظرت نحوها بأسى وحزن على حال ابنتها، انتبهت إلى رنين جرس المنزل، فقالت:
_ ومين اللي جاي الساعة دي.
فتحت الباب لتجدها إسراء:
_ صباح الخير يا طنط، شمس صاحية؟
ردت بابتسامة مصطنعة تخبئ ما يكسوهم من الحزن والهم:
_ صباح النور، ادخلي لها هي بتصلي في أوضتها.
ولجت إلى الداخل واتجهت إلى غرفة صديقتها فوجدتها ترفع يديها في وضع الدعاء وتبكي بشدة، تقول:
_ يارب، مليش غيرك يارب، يارب امنحني الصبر على هذا الابتلاء.
طرقت الباب الموارب:
_ شمس؟
ألتفت إليها وبمجرد أن رأتها أخذت تبكي، ركضت الأخرى نحوها وعانقتها وقلبها انتفض من رؤيتها في تلك الحالة البائسة.
_ مالك يا شمس؟، فيكي إيه يا حبيبتي؟، أنا جيت لك أتطمن عليكي وأشوف حصل إيه؟، آبيه زعلك في حاجة؟
اشتد بكاؤها وقالت كلماتها من بين شهيقها:
_ أحمد خلاص هايسيبني، مش هيطيق يبص في وشي تاني.
سألتها الأخرى بقلق وخوف:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه بتقولي كده؟
كادت تجيب لتقاطعها والدتها وتنظر لها بتحذير:
_ يلا يا شمس هاتي إسراء وتعالوا عشان تفطروا.
***
طرقت الباب إحدى جارات عائلة السفوري، فتحت لها شقيقة حمزة الصغيرة، فسألتها:
_ اندهي لي ماما يا حبيبتي، قولي لها أم عفاف عايزاكي.
أومأت لها الصغيرة وذهبت إلى الداخل لتبلغ والدتها التي كانت تصرخ وتوبخ شقيقها:
– أنت اتجننت يلاه، إزاي جالك قلب وتعمل فيها كده، ده لو أبوها ما عملش حاجة، ممكن خطيبها يقطعك حتت.
صاح الآخر:
– ولا يقدر يعملي حاجة وخصوصاً بعد ما بعتله فيديو وأنا بغتصب شمس.
تحدجه بأعين جاحظة وعدم استيعاب، ما هذا الجُرم والفُجر الذي وصل إليه ابنها.
أخذت تردد بنواح:
– يا خيبتك القوية يا هدى، ابنك على آخر الزمن هيخلي اللي يسوى وما يسواش يجيب في سيرتكم.
نظر إلى والدته بازدراء وقال معقباً:
– ده كل اللي همك؟!، سيرتكم!
دخلت الصغيرة إليهما لتخبر والدتها:
– ماما طنط أم عفاف عايزاكي بره.
رمقتها الأخرى بنظرة نارية وهمست:
– يا نهار أسود عليكم، زمان الولية سمعتنا ودي ما بيتبلش في بوقها فولة.
ركضت إلى الخارج لتلحق بها قبل أن يفتضح أمر ابنها، ولكن لم تجد أحد وباب المنزل مفتوحاً، يبدو إنها قد غادرت.
وبالخارج في الشوارع والطرقات، ارتفعت الهمهمات بين الناس وبدأ القيل والقال والخبر اندلع في القرية بأكملها كاندلاع النار في الهشيم، وكالعادة السيئة كل من يخبر الآخر يضع لمساته فوق الخبر حتى يزيد الطين بلة.
لم تنتظر الجارة أن يصل الخبر إلى عائلة أحمد كامل، أخذت تطرق الباب، حتى فتحت لها سحر:
_ خير يا أم عفاف، مالك بتخبطي كده ليه على الصبح؟
تلتفت السيدة من حولها لتتأكد أن لا يوجد أحد يراها لاسيما من منزل عائلة شمس، ولجت إلى الداخل لتخبرها:
_ عايزاكي في موضوع مهم أوي يا أم أحمد.
أغلقت الأخرى الباب وأشارت لها بالدخول في غرفة الاستقبال، وجلست هي والأخرى التي قالت:
_ بصي يا أم أحمد، أنتي حبيبتي وربنا يعلم معزتك أنتي وولادك في قلبي إزاي، حتى البت عفاف بنتي بتحبكم أوي.
تنهدت بضيق وقالت:
_ ما تقولي يا أم عفاف فيه إيه وغوشتي قلبي وأنا مش ناقصة، أنا واحدة مريضة ضغط وقلب.
اقتربت منها وأجابت كأنها تروي لها أسرار عسكرية خطيرة:
_ كنت لسه في بيت السفوري، عشان آخد من أم حمزة الجمعية، وسمعتها ماسكة في خناق الولد ابنها، وشكله عامل كارثة، كارثة إيه قولي مصيبة.
لوت ثغرها وربتت على صدغها بشكل تمثيلي ساخر، فأردفت:
_ ربنا يستر على ولادنا من الفضايح يارب.
صاحت الأخرى بعد أن نفذ صبرها:
_ ما تنجزي يا ولية واختصري، ما هو إيه الجديد في كده على طول ابنها جايب لهم المصايب.
_ ما أنا جايه لك في الكلام أهو، بس زي ما هقولك كده ده اللي حصل، الموضوع طلع إن الواد حمزة استغفر الله العظيم غلط مع البت شمس خطيبة ابنك.
نهضت سحر من مكانها وصاحت بغضب مستطير:
_ بتقولي إيه يا ولية يا خرفانة أنتي.
نهضت الأخرى وتراجعت قليلاً وتصنعت ملامح الوداعة على وجهها:
_ وحياة ولادي زي ما بقولك، وهي الست هاتتبلى على ابنها، ده صوتهم كان مجلجل حتى كانت بتقوله يا خربيتك ده خطيبها يقتلك فيها قام الولد بكل بجاحة، أنا مصـ…
صمتت حينما خرج أحمد من غرفته لا يرى أمامه ووقف أمامهما وعينيه الشرار يتطاير منهما، فانتفضت السيدة من مظهره الخوف وقالت:
_ فوتك بعافية بقى يا أم أحمد، لما أروح أفطر العيال وأبوهم.
قالت كلماتها وأطلقت ساقيها للريح.
حدجت سحر ابنها بصدمة أيقنت إنه قد سمع ما تفوهت به جارتها فقالت:
_ ما تاخدش على كلام الولية دي شكل…
قاطعه ابنها وعينيه بدأت بإسدال العبرات من القهر الذي يمتلك قلبه، وفي يده هاتفه أعطاها إياه لترى الفيديو المرسل إليه.
***
ما زالت إسراء برفقة شمس تستمع إليها بقلب مفطور على ما حدث لها، فقالت لها الأخرى:
_ أوعي يا شمس، أوعي تتنازلي عن حقك، الكلب ده لازم يتحبس ويتحاكم، أنا لو مكان القاضي هحكم عليه بالإعدام.
هزت الأخرى رأسها بيأس قائلة:
_ حتى لو اتعدم، هيفيد بإيه، دمر لي حياتي، قضى عليا، ده كان خلاص فرحي بعد أيام.
تذكرت إسراء حال شقيقها، فقالت بتردد:
_ هو أنتي كلمتي آبيه أحمد وحكيتي له اللي حصل؟
أومأت بالنفي وأجابت:
_ أحمد ما عرفش عنه حاجة من امبارح وعرفت إنه جالي بالليل وساب لي مع بابا هدية عيد ميلادي.
أخبرتها الأخرى:
– ربنا يستر، ده قافل على نفسه من وقت ما جه لحد ما أنا مشيت وجيت لك.
صاحت ببكاء:
_ يبقى بالتأكيد الحيوان باعت الفيديو زي ما قال.
عقدت الأخرى حاجبيها وسألت:
_ فيديو إيه؟
وقبل أن تجيب شمس صدح رنين هاتف إسراء، فقالت:
_ دي ماما، ربنا يستر.
أجابت:
_ ألو يا ماما؟
_ اخرجي من عندك حالاً وتعالي على البيت.
_ في إيه يا ماما؟
_ اسمعي الكلام زي ما بقولك، دقيقة وألاقيكي قدامي.
أغلقت سحر المكالمة، فتعجبت الأخرى من أسلوب حديث والدتها الفظ، ازدردت ريقها ورمقت صديقتها بخجل قائلة:
_ معلش يا شمس، ماما عايزاني ضروري عشان رايحين مشوار، وأنا هابقى أكلمك وأطمن عليكي.
ربتت صديقتها على يدها بشبه ابتسامة:
_ ولا يهمك يا حبيبتي، مجيتك ليا هونت عليا شوية، ربنا ما يحرمني منك أبداً.
عانقتها بقوة قائلة:
_ ويخليكي ليا، ولو في أي حاجة محتاجاها أنا جنبك، وما تقلقيش أنا هاتكلم مع آبيه وأفهمه اللي حصل ده لو عرف.
أرادت شمس أن تخبرها بأن لا نفع من ذلك فهي تعلم ما سيحدث، وإن زواجهما من المحال أن يكتمل خاصةً بعد رؤيته لمشهد الاعتداء عليها.
لا عجب في هذا، هذه عادات وتقاليد وأفكار أي رجل شرقي لا يقبل الزواج من فتاة تعرضت للاغتصاب إلا من رحم ربي.
***
يجلس السيد محمد في عمله شارداً وأمامه دفتر ورقي، يستند عليه برأسه يتملك منه الحزن، لم تغف جفونه منذ البارحة، ود لو أمسك نحر هذا الشيطان المدعو حمزة بين يديه وأزهق روحه، لكن دماثة أخلاقه تمنعه من ذلك، طالما اتسم بالطيبة والسماحة لا يحب الأذى سواء له أو الآخرين.
دلف إلى الغرفة إحدى زملائه والذي يقطن معه في قريته وبالطبع لن يفوته خبر اليوم.
_ صباح الخير يا محمد.
لم ينتبه إليه الآخر، فجذب الرجل كرسي وجلس بجواره قائلاً بصوت مرتفع:
_ يا عم محمد؟
انتفض الثاني في مكانه ونظر له وهموم الدنيا تتجمع في عينيه:
_ خير يا عامر، معلش غفلت شوية.
وقام بفرك عينيه، فأجاب الآخر:
_ أنا طلبت لنا اتنين قهوة، بس قولي فطرت ولا أجيب لك فطار؟
_ الحمد لله.
تحمحم قبل أن يبدأ ثم قال:
_ أنا عرفت باللي حصل.
أشاح وجهه للجهة الأخرى، تمنى لو أتى ملاك الموت وأزهق روحه، فأردف الآخر:
_ ما تقلقش يا محمد يا أخويا، كلنا عارفين أخلاقك وأخلاق بنتك وأنا كنت أتمنى ابني كان كبير وتبقي عروسته، بس زي ما أنت عارف أكبر عيل عندي في إعدادية.
زفر دون أن يتفوه بكلمة، فهو يكره إحساس الشفقة هذا ولن يقبل به.
_ أنا جاي أعرض عليك المساعدة وأقوم لك محامي وترفع قضية على ابن حماد السفوري اللي مش شايفين غير نفسهم ونازلين ظلم وافتري على الخلق.
قال محمد بقلة حيلة:
_ والمحامي ده عايز له مبلغ وقدره، وأنا كل اللي حيلتي على يديكم اشتريت بيه جهاز بنتي وعليا أقساط هافضل أدفع فيها لخمس سنين قدام.
ربت صاحبه عليه وقال:
_ عيب الكلام ده، أومال إحنا أصحاب وجيران إزاي!، وعايزك تطمن المحامي ده معرفة وسمعت إنه قريب جماعتك من بعيد، فبالحب والمعرفة ممكن نقسط له أتعابه وأنا هاتكفل بيها.
_ وقفتك معايا فوق راسي، بس معلش سامحني أنا مقدرش آخد حاجة مش هاقدر أسدها دلوقتي.
_ هاعتبر إني ما سمعتش كلامك، وشمس بنتي وإن كان على الفلوس اعتبره مبلغ وشايله عندك، وأنا تحت أمرك في أي حاجة، قولت إيه يا أخويا؟
تنهد الآخر وقال:
_ هأقول إيه، لله الأمر من قبل ومن بعد، تسلم يا عامر، وربنا يقدرني وأرد لك فلوسك وجميلك اللي عمري ما هنساه.
***
انتهت من أداء فرضها للتو، فولجت والدتها تحمل صينية الطعام.
_ بصي بقى، والله لو الأكل ده ماخلصش لساني ما هيخاطب لسانك، أنتي ما حطيتيش لقمة في جوفك من امبارح.
ردت شمس بسأم:
_ يا ماما مش قادرة، والله ما قادرة أكل، ولا هتخليني أكل غصب عني؟
تلألأت الدموع في عينيها، مما جعل والدتها تشعر بالضيق والغضب، فوضعت الصينية على المضجع وتركتها وغادرت لتضع الطعام لزوجها.
فقال محمد الذي يجلس ويحمل على كاهليه هموم الدنيا بأسرها:
_ حطي على قدك أنتي، أنا داخل أريح لي ساعتين.
صاحت زوجته بنفاذ صبر:
_ يعني بنتك مش عايزة تاكل ولا أنت، أروح أرمي الأكل يعني للفراخ والبط!
تركها وذهب إلى غرفة النوم قائلاً:
_ اعملي اللي تعمليه.
ولم يمهلها جرس المنزل أن تفرغ غضبها، صدح رنينه ففتحت الباب ووجدت سحر أمامها، الوجوم يعتلي ملامح وجهها الصارمة.
_ سلام عليكم يا أم شمس.
أجابت الأخرى وفي قلبها غصة:
_ وعليكم السلام يا أم أحمد، اتفضلي.
ولجت إلى الداخل وجلست وكأنها في مهمة رسمية يجب عليها الانتهاء منها على وجه السرعة.
سألتها بابتسامة تخبئ خلفها حزن مرير، تدرك سبب مجيئها:
_ تشربي إيه يا حبيبتي؟
أجابت بنبرة جدية ورسمية:
_ شكراً، مفيش داعي، أنا جايه لك في كلمتين وماشية على طول.
جلست زينب بهدوء في الكرسي المقابل لها:
_ خير يا أم أحمد؟
ارتسمت سحر ملامح الجمود وبكل قساوة ألقت كلماتها بدون اكتراث إلى أن ما يربطهما ليس النسب وفقط بل هما جيران منذ عقود ومن أصول واحدة وكل منهما يعلم كل شيء عن الآخر.
_ من غير ما ندخل في تفاصيل وأسباب وتجريحات ملهاش لازمة، كل شيء قسمة ونصيب!