الفصل 3 | من 10 فصل

رواية كاليندا الفصل الثالث 3 - بقلم ولاء رفعت

المشاهدات
17
كلمة
3,380
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

بعد أن عاد إلى منزله، مكث في غرفته لينعم بالهدوء والراحة بعد شقاء عمل طوال النهار، يفكر في أيامه القادمة والتي يتحمل من أجلها أي تعب، يهون كل شيء في سبيل امتلاك شمسه. أمسك بالهاتف وكعادته كل ليلة قبل النوم يفتح الملف الممتلئ بصورها وضحكتها الخجولة التي يعشقها، تنهد بحرارة وقال: _هانت يا شمسي، كلها أيام و تبقي في حضني اللي مش هاتفارقيه أبداً.

أراد أن يرسل لها كلمات بمناسبة عيد مولدها مع بعض كلمات الحب والغزل العفيف، ضغط على تفعيل خدمة الإنترنت من شبكة هاتفه وبمجرد أن اتصل بالإنترنت، صدح رنين رسالة واردة واسمها يعلوها، كانت الابتسامة تكسو ملامحه. فتح محتوى الرسالة وجدها فيديو مُرسل، انتظر حتى اكتمل التحميل، وقبل أن يضغط لفتحه قرأ الرسالة النصية: (أنا خليتها لا تنفعك ولا تنفع لغيرك يا عريس الغفلة)

انتفض وكأن لدغته أفعى، فتح الفيديو ليري محتواه، ضغط على وضع التكبير حتى يرى من تلك الفتاة ضحية هذا المغتصب الفاجر فوجدها هي! *** صفعات يتبعها صرخات ومقاومة من يدين يتملك منها الوهن، يقابلها صياح شيطان لا يعرف الرحمة يعتدي عليها بكل وحشية، كانقضاض الضباع على غزالة شاردة في وسط غابة معتمة.

هكذا كانت تفاصيل الكابوس المخيف الملازم لها منذ الحادث، تستيقظ على صرخة دوى صداها في جدران المنزل، ركضت على إثرها والدتها لتطمئن عليها وتأخذها بين ذراعيها، تمسد على ظهرها وخصلاتها قائلة: _أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اهدئي يا حبيبتي ده كابوس وراح لحاله، ما تخافيش. وأخذت تتلو عليها آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين حتى هدأت وبدأت رجفة جسدها في السكون.

_قومي يا شمس، قومي تعالي أغسلك وشك وهاروح أحضرلك هدوم عقبال ما تاخدي لك دش أكون حضرت لك الفطار. أجابت شمس بصوت يخرج بصعوبة: _مش عايزة أكل. _ما ينفعش يا عين أمك، أنتي على لحم بطنك من امبارح، ولما لقيتك روحتِ في النوم قولت أسيبك براحتك يمكن ترتاحي. بدأت الأخرى في وصلة بكاء جديدة بصوت ذي بحة: _أرتاح! ، فين الراحة يا ماما، ما خلاص، خلاص. عانقتها والدتها بقوة وقالت بحزم:

_أقسم بالله لنجيب لك حقك وأفضحه وأفضح أهله، كفاية بقى بكى يابنتي، قومي أعملي اللي قولتل لك عليه وأتوضي وصلي، عايزة أشوف شمس بنتي القوية. انسحبت من حضن والدتها ونظرت لها بعينيها الدامعتين ونظرات قلة حيلة وانكسار.

نهضت زينب وهي تكبت عبراتها، لا تريد البكاء أمامها حتى لا تزيدها حزناً وهمًا، وقبل أن تغادر الغرفة قامت بتشغيل المذياع على إذاعة القرآن الكريم، وفتحت جزء من النافذة الخشبية لتسمح بأشعة الشمس الساطعة بالدخول وتجديد هواء الغرفة ثم ذهبت. *** _يلا يابني اخرج، الفطار هيبرد، أنا عاملة لك الطعمية السخنة أم سمسم اللي أنت بتحبها. قالتها سحر والدته، فأجابت إسراء عليها بعد أن خرجت من المرحاض تجفف وجهها بالمنشفة:

_سبيه يا ماما، آبيه لسه نايم من شوية، وسألته لو عايز حاجة قالي ماحدش يصيحني. عقدت حاجبيها بتعجب وقالت: _غريبة، أخوكي عمره ما سهر للفجر، ده بينام ويصحي يصليه وينام له شوية ويصحي يفطر ويروح على شغله. _مش عارفة بقى يا ماما، هو امبارح راح اطمن على شمس وقعد عندهم شوية ورجع دخل على أوضته، فضلت أخبط عليه عشان أطمن عليها منه بس ماردش عليا. _ليكونوا يا بت متخانقين؟ ، ولا حصل حاجة؟

، لأ كده يبقى فيه حاجة، أنا هدخل أصحيه وأعرف فيه إيه. وقبل أن تدخل غرفة ابنها سألتها: _يطمن على شمس ليه هي جرالها حاجة بعد الشر؟ أجابتها الأخرى: _اتأخرت في الدرس امبارح ومكنتش بترد على آبيه ولا مامتها وتليفونها فصل بعدها ولما آبيه جه من برة راح اطمن عليها وشوية ورجع كان متضايق ودخل أوضته وقفل على نفسه. _طيب أنا داخلاله، وأنتي روحي علقي على براد الشاي لأبوكي.

دَلفت سحر بهدوء إلى الداخل، وبمجرد دخولها استنشقت رائحة دخان سجائر والمنفضة على الكومود ممتلئة بأعقاب السجائر، شهقت واضعة كفها على صدرها: _رجعت للسجاير تاني! ، عملت فيك بنت زينب عشان ترجع تدخن بعد ما بطلتها بقالك سنتين. فتحت النوافذ وقامت بتشغيل المروحة لتطرد تلك الرائحة النفاذة، ثم أخذت تربت على كتفه: _اصحي يا أحمد، يلا عشان تفطر وتلحق تروح شغلك. تقلب بتأفف قائلاً بصوت يغلبه النعاس:

_سبيني أنام يا أمي، مش رايح الشغل. ردت بإصرار وإلحاح: _طيب قوم قولي مالك، حصل حاجة ما بينك وبين شمس امبارح؟ وحين ذكرت اسمها لتصعقه ذاكرته بما جعل النوم يجافيه طوال الليل، وقد جن جنونه بدون سابق إنذار، نهض كالثور في عنفوانه: _مفيش حاجة، وسيبوني في حالي بقى، محدش يكلمني ولا عايز أشوف حد.

هرعت والدته بذعر واتجهت إلى الخارج من صياح نجلها وغضبه الذي ثار كالعاصفة الهوجاء، أخذ يلقي كل شيء في الحائط وعلى الأرض، مما أفزعهم جميعاً وذهبوا ليروا ما حل به، وما أن خطت أقدامهم باب الغرفة، صفقه في وجوههم. صاحت والدته غاضبة: _بقي كده يا أحمد! ، والله لهروح لها بنفسي وأشوف إيه اللي خلاك زي المجنون كده علينا. رد عليها زوجها: _سيبيه يا سحر، لما هيهدى هيجي يحكي لك كل حاجة.

_أنت ما شفتش منظره كان عامل إزاي، ده مش أحمد ابني، مليون في المئة البنت وأهلها عملوا فيه حاجة ولا نكدوا عليه. أخبرتها ابنتها: _خليكي يا ماما، وأنا هاروح لشمس وأشوف إيه الحكاية، وإن شاء الله خير. *** وفي منزل شمس، انتهت والدتها من إعداد الفطار وأخذت تنادي عليها، ثم ذهبت إلى غرفتها، فوجدتها تقيم فرضها وأنِين بكائها وصل لسمعها، فنظرت نحوها بأسى وحزن على حال ابنتها، انتبهت إلى رنين جرس المنزل، فقالت:

_ومين اللي جاي الساعة دي. فتحت الباب لتجدها إسراء: _صباح الخير يا طنط، شمس صاحية؟ ردت بابتسامة مصطنعة تخبئ ما يكسوهم من الحزن والهم: _صباح النور، ادخلي لها هي بتصلي في أوضتها. ولجت إلى الداخل واتجهت إلى غرفة صديقتها فوجدتها ترفع يديها في وضع الدعاء وتبكي بشدة، تقول: _يارب، مليش غيرك يارب، يارب امنحني الصبر على هذا الابتلاء. طرقت الباب الموارب: _شمس؟

ألتفت إليها وبمجرد أن رأتها أخذت تبكي، ركضت الأخرى نحوها وعانقتها وقلبها انتفض من رؤيتها في تلك الحالة البائسة. _مالك يا شمس؟ ، فيكي إيه يا حبيبتي؟ ، أنا جيت لك أتطمن عليكي وأشوف حصل إيه؟ ، آبيه زعلك في حاجة؟ اشتد بكاؤها وقالت كلماتها من بين شهيقها: _أحمد خلاص هايسيبني، مش هيطيق يبص في وشي تاني. سألتها الأخرى بقلق وخوف: _لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه بتقولي كده؟ كادت تجيب لتقاطعها والدتها وتنظر لها بتحذير:

_يلا يا شمس هاتي إسراء وتعالوا عشان تفطروا. *** طرقت الباب إحدى جارات عائلة السفوري، فتحت لها شقيقة حمزة الصغيرة، فسألتها: _اندهي لي ماما يا حبيبتي، قولي لها أم عفاف عايزاكي. أومأت لها الصغيرة وذهبت إلى الداخل لتبلغ والدتها التي كانت تصرخ وتوبخ شقيقها: –أنت اتجننت يلاه، إزاي جالك قلب وتعمل فيها كده، ده لو أبوها ما عملش حاجة، ممكن خطيبها يقطعك حتت. صاح الآخر:

–ولا يقدر يعملي حاجة وخصوصاً بعد ما بعتله فيديو وأنا بغتصب شمس. تحدجه بأعين جاحظة وعدم استيعاب، ما هذا الجُرم والفُجر الذي وصل إليه ابنها. أخذت تردد بنواح: –يا خيبتك القوية يا هدى، ابنك على آخر الزمن هيخلي اللي يسوى وما يسواش يجيب في سيرتكم. نظر إلى والدته بازدراء وقال معقباً: –ده كل اللي همك؟! ، سيرتكم! دخلت الصغيرة إليهما لتخبر والدتها: –ماما طنط أم عفاف عايزاكي بره. رمقتها الأخرى بنظرة نارية وهمست:

–يا نهار أسود عليكم، زمان الولية سمعتنا ودي ما بيتبلش في بوقها فولة. ركضت إلى الخارج لتلحق بها قبل أن يفتضح أمر ابنها، ولكن لم تجد أحد وباب المنزل مفتوحاً، يبدو إنها قد غادرت. وبالخارج في الشوارع والطرقات، ارتفعت الهمهمات بين الناس وبدأ القيل والقال والخبر اندلع في القرية بأكملها كاندلاع النار في الهشيم، وكالعادة السيئة كل من يخبر الآخر يضع لمساته فوق الخبر حتى يزيد الطين بلة.

لم تنتظر الجارة أن يصل الخبر إلى عائلة أحمد كامل، أخذت تطرق الباب، حتى فتحت لها سحر: _خير يا أم عفاف، مالك بتخبطي كده ليه على الصبح؟ تلتفت السيدة من حولها لتتأكد أن لا يوجد أحد يراها لاسيما من منزل عائلة شمس، ولجت إلى الداخل لتخبرها: _عايزاكي في موضوع مهم أوي يا أم أحمد. أغلقت الأخرى الباب وأشارت لها بالدخول في غرفة الاستقبال، وجلست هي والأخرى التي قالت:

_بصي يا أم أحمد، أنتي حبيبتي وربنا يعلم معزتك أنتي وولادك في قلبي إزاي، حتى البت عفاف بنتي بتحبكم أوي. تنهدت بضيق وقالت: _ما تقولي يا أم عفاف فيه إيه وغوشتي قلبي وأنا مش ناقصة، أنا واحدة مريضة ضغط وقلب. اقتربت منها وأجابت كأنها تروي لها أسرار عسكرية خطيرة: _كنت لسه في بيت السفوري، عشان آخد من أم حمزة الجمعية، وسمعتها ماسكة في خناق الولد ابنها، وشكله عامل كارثة، كارثة إيه قولي مصيبة.

لوت ثغرها وربتت على صدغها بشكل تمثيلي ساخر، فأردفت: _ربنا يستر على ولادنا من الفضايح يارب. صاحت الأخرى بعد أن نفذ صبرها: _ما تنجزي يا ولية واختصري، ما هو إيه الجديد في كده على طول ابنها جايب لهم المصايب. _ما أنا جايه لك في الكلام أهو، بس زي ما هقولك كده ده اللي حصل، الموضوع طلع إن الواد حمزة استغفر الله العظيم غلط مع البت شمس خطيبة ابنك. نهضت سحر من مكانها وصاحت بغضب مستطير: _بتقولي إيه يا ولية يا خرفانة أنتي.

نهضت الأخرى وتراجعت قليلاً وتصنعت ملامح الوداعة على وجهها: _وحياة ولادي زي ما بقولك، وهي الست هاتتبلى على ابنها، ده صوتهم كان مجلجل حتى كانت بتقوله يا خربيتك ده خطيبها يقتلك فيها قام الولد بكل بجاحة، أنا مصـ… صمتت حينما خرج أحمد من غرفته لا يرى أمامه ووقف أمامهما وعينيه الشرار يتطاير منهما، فانتفضت السيدة من مظهره الخوف وقالت: _فوتك بعافية بقى يا أم أحمد، لما أروح أفطر العيال وأبوهم. قالت كلماتها وأطلقت ساقيها للريح.

حدجت سحر ابنها بصدمة أيقنت إنه قد سمع ما تفوهت به جارتها فقالت: _ما تاخدش على كلام الولية دي شكل… قاطعه ابنها وعينيه بدأت بإسدال العبرات من القهر الذي يمتلك قلبه، وفي يده هاتفه أعطاها إياه لترى الفيديو المرسل إليه. *** ما زالت إسراء برفقة شمس تستمع إليها بقلب مفطور على ما حدث لها، فقالت لها الأخرى: _أوعي يا شمس، أوعي تتنازلي عن حقك، الكلب ده لازم يتحبس ويتحاكم، أنا لو مكان القاضي هحكم عليه بالإعدام. هزت

الأخرى رأسها بيأس قائلة: _حتى لو اتعدم، هيفيد بإيه، دمر لي حياتي، قضى عليا، ده كان خلاص فرحي بعد أيام. تذكرت إسراء حال شقيقها، فقالت بتردد: _هو أنتي كلمتي آبيه أحمد وحكيتي له اللي حصل؟ أومأت بالنفي وأجابت: _أحمد ما عرفش عنه حاجة من امبارح وعرفت إنه جالي بالليل وساب لي مع بابا هدية عيد ميلادي. أخبرتها الأخرى: –ربنا يستر، ده قافل على نفسه من وقت ما جه لحد ما أنا مشيت وجيت لك. صاحت ببكاء:

_يبقى بالتأكيد الحيوان باعت الفيديو زي ما قال. عقدت الأخرى حاجبيها وسألت: _فيديو إيه؟ وقبل أن تجيب شمس صدح رنين هاتف إسراء، فقالت: _دي ماما، ربنا يستر. أجابت: _ألو يا ماما؟ _اخرجي من عندك حالاً وتعالي على البيت. _في إيه يا ماما؟ _اسمعي الكلام زي ما بقولك، دقيقة وألاقيكي قدامي. أغلقت سحر المكالمة، فتعجبت الأخرى من أسلوب حديث والدتها الفظ، ازدردت ريقها ورمقت صديقتها بخجل قائلة:

_معلش يا شمس، ماما عايزاني ضروري عشان رايحين مشوار، وأنا هابقى أكلمك وأطمن عليكي. ربتت صديقتها على يدها بشبه ابتسامة: _ولا يهمك يا حبيبتي، مجيتك ليا هونت عليا شوية، ربنا ما يحرمني منك أبداً. عانقتها بقوة قائلة: _ويخليكي ليا، ولو في أي حاجة محتاجاها أنا جنبك، وما تقلقيش أنا هاتكلم مع آبيه وأفهمه اللي حصل ده لو عرف.

أرادت شمس أن تخبرها بأن لا نفع من ذلك فهي تعلم ما سيحدث، وإن زواجهما من المحال أن يكتمل خاصةً بعد رؤيته لمشهد الاعتداء عليها. لا عجب في هذا، هذه عادات وتقاليد وأفكار أي رجل شرقي لا يقبل الزواج من فتاة تعرضت للاغتصاب إلا من رحم ربي. ***

يجلس السيد محمد في عمله شارداً وأمامه دفتر ورقي، يستند عليه برأسه يتملك منه الحزن، لم تغف جفونه منذ البارحة، ود لو أمسك نحر هذا الشيطان المدعو حمزة بين يديه وأزهق روحه، لكن دماثة أخلاقه تمنعه من ذلك، طالما اتسم بالطيبة والسماحة لا يحب الأذى سواء له أو الآخرين. دلف إلى الغرفة إحدى زملائه والذي يقطن معه في قريته وبالطبع لن يفوته خبر اليوم. _صباح الخير يا محمد. لم ينتبه إليه الآخر، فجذب الرجل كرسي وجلس بجواره قائلاً

بصوت مرتفع: _يا عم محمد؟ انتفض الثاني في مكانه ونظر له وهموم الدنيا تتجمع في عينيه: _خير يا عامر، معلش غفلت شوية. وقام بفرك عينيه، فأجاب الآخر: _أنا طلبت لنا اتنين قهوة، بس قولي فطرت ولا أجيب لك فطار؟ _الحمد لله. تحمحم قبل أن يبدأ ثم قال: _أنا عرفت باللي حصل. أشاح وجهه للجهة الأخرى، تمنى لو أتى ملاك الموت وأزهق روحه، فأردف الآخر:

_ما تقلقش يا محمد يا أخويا، كلنا عارفين أخلاقك وأخلاق بنتك وأنا كنت أتمنى ابني كان كبير وتبقي عروسته، بس زي ما أنت عارف أكبر عيل عندي في إعدادية. زفر دون أن يتفوه بكلمة، فهو يكره إحساس الشفقة هذا ولن يقبل به. _أنا جاي أعرض عليك المساعدة وأقوم لك محامي وترفع قضية على ابن حماد السفوري اللي مش شايفين غير نفسهم ونازلين ظلم وافتري على الخلق. قال محمد بقلة حيلة:

_والمحامي ده عايز له مبلغ وقدره، وأنا كل اللي حيلتي على يديكم اشتريت بيه جهاز بنتي وعليا أقساط هافضل أدفع فيها لخمس سنين قدام. ربت صاحبه عليه وقال: _عيب الكلام ده، أومال إحنا أصحاب وجيران إزاي! ، وعايزك تطمن المحامي ده معرفة وسمعت إنه قريب جماعتك من بعيد، فبالحب والمعرفة ممكن نقسط له أتعابه وأنا هاتكفل بيها. _وقفتك معايا فوق راسي، بس معلش سامحني أنا مقدرش آخد حاجة مش هاقدر أسدها دلوقتي.

_هاعتبر إني ما سمعتش كلامك، وشمس بنتي وإن كان على الفلوس اعتبره مبلغ وشايله عندك، وأنا تحت أمرك في أي حاجة، قولت إيه يا أخويا؟ تنهد الآخر وقال: _هأقول إيه، لله الأمر من قبل ومن بعد، تسلم يا عامر، وربنا يقدرني وأرد لك فلوسك وجميلك اللي عمري ما هنساه. *** انتهت من أداء فرضها للتو، فولجت والدتها تحمل صينية الطعام. _بصي بقى، والله لو الأكل ده ماخلصش لساني ما هيخاطب لسانك، أنتي ما حطيتيش لقمة في جوفك من امبارح.

ردت شمس بسأم: _يا ماما مش قادرة، والله ما قادرة أكل، ولا هتخليني أكل غصب عني؟ تلألأت الدموع في عينيها، مما جعل والدتها تشعر بالضيق والغضب، فوضعت الصينية على المضجع وتركتها وغادرت لتضع الطعام لزوجها. فقال محمد الذي يجلس ويحمل على كاهليه هموم الدنيا بأسرها: _حطي على قدك أنتي، أنا داخل أريح لي ساعتين. صاحت زوجته بنفاذ صبر: _يعني بنتك مش عايزة تاكل ولا أنت، أروح أرمي الأكل يعني للفراخ والبط!

تركها وذهب إلى غرفة النوم قائلاً: _اعملي اللي تعمليه. ولم يمهلها جرس المنزل أن تفرغ غضبها، صدح رنينه ففتحت الباب ووجدت سحر أمامها، الوجوم يعتلي ملامح وجهها الصارمة. _سلام عليكم يا أم شمس. أجابت الأخرى وفي قلبها غصة: _وعليكم السلام يا أم أحمد، اتفضلي. ولجت إلى الداخل وجلست وكأنها في مهمة رسمية يجب عليها الانتهاء منها على وجه السرعة. سألتها بابتسامة تخبئ خلفها حزن مرير، تدرك سبب مجيئها: _تشربي إيه يا حبيبتي؟

أجابت بنبرة جدية ورسمية: _شكراً، مفيش داعي، أنا جايه لك في كلمتين وماشية على طول. جلست زينب بهدوء في الكرسي المقابل لها: _خير يا أم أحمد؟ ارتسمت سحر ملامح الجمود وبكل قساوة ألقت كلماتها بدون اكتراث إلى أن ما يربطهما ليس النسب وفقط بل هما جيران منذ عقود ومن أصول واحدة وكل منهما يعلم كل شيء عن الآخر. _من غير ما ندخل في تفاصيل وأسباب وتجريحات ملهاش لازمة، كل شيء قسمة ونصيب!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...