الفصل 29 | من 33 فصل

رواية كارمن الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ملك ابراهيم

المشاهدات
24
كلمة
4,789
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

–يعني أنا مش هستخدم الطفل ده عشان أرجعله ومش عايزاه يعرف أصلًا إن أنا حامل. الطفل ده أنا هربيه لوحدي. شهقت وداد قائلة باعتراض: –استغفر الله العظيم. إيه الكلام اللي أنتِ بتقوليه ده يا كارمن! أنتِ كده بتغضبي ربنا يا بنتي. ربنا حرم اللي أنتِ عايزة تعمليه ده! وأنا مش ممكن أشجعك على كده أبدًا. تحدثت كارمن بإصرار:

–أرجوكي يا عمتي، دي حياتي وأنا مش عايزة حد يتحكم في حياتي تاني. أنا مش هينفع أرجع لـ رشيد بعد كل اللي حصل بينا وهو مستحيل هيسامحني بعد ما أهانه أهله قدامه وأهانته قدامكم كلكم. تحدثت وداد بحزن: –رشيد بيحبك يا كارمن، وأكيد هيسامحك وهيقدر إن انتي كنتي زعلانة على فراق أمك الله يرحمها. سبيها لله بس وشوفي لما يعرف إن انتي حامل هيعمل إيه. تحدثت كارمن بإصرار:

–أرجوكي يا عمتي، أنا مش عايزاه يفهم إن أنا بستخدم الطفل ده عشان أرجعله. أنا مبقتش كارمن بتاعت زمان، مبقتش أنفع رشيد خلاص. تنهدت عمتها براحة قائلة: –طيب يا كارمن، اللي تشوفيه. خلينا نرجع الدوار عشان ترتاحي هناك. أومأت كارمن برأسها بالإيجاب، وذهبت مع عمتها بعد أن استمعت لإرشادات الطبيبة لمتابعة الحمل. *** بداخل القاعة التي يجلس بداخلها الحاج عبد الرازق. ضرب الحاج عبد الرازق بعكازة أرضًا باعتراض على حديث وداد قائلاً

برفض: –أنتِ بتقولي إيه يا وداد! أنتِ عايزاني أغضب ربنا وأخبي حملها على جوزها! أنتِ فاكراني ممكن أوافق على الكلام اللي أنتِ بتقوليه ده؟! تحدثت وداد بحزن: –صدقني يا أبويا، أنا قولتلها نفس كلامك ده بس هي منشفة راسها ومش عايزة تعرف جوزها. تحدث الحاج عبد الرازق بقوة: –دماغها الناشفة دي تتكسر. جوزها لازم يعرف إنها حامل وبعدين نشوف هنعمل إيه. ثم نظر إلى فراج وأضاف:

–اسمعني يا فراج. أنت تتحرك دلوقتي وتاخد أول قطر لـ مصر وتروح عند رشيد وتعرفه إن مراته حامل وتتكلم معاه وتشوفه ناوي على إيه. تحدثت وداد: –طب ما تتصل عليه يا أبويا وعرفه وشوفه ناوي على إيه. اعترض الحاج عبد الرازق: –الكلام ده مينفعش في التليفون يا وداد. لازم حد مننا يسافر ويتكلم معاه ويعرفه عشان نبقى عملنا اللي علينا. أومأ فراج برأسه بالإيجاب قائلاً: –حاضر يا جدي، اللي تشوفه. وقف فراج وذهب كما أمره جده. نظرت وداد

إلى والدها وتحدثت بقلق: –ربنا يستر. تحدث الحاج عبد الرازق باقتناع: –هو ده الصح والأصول يا وداد. وإن شاء الله ربنا يقدم اللي فيه الخير. *** صباح اليوم التالي. وصل فراج إلى منزل عائلة رشيد. استقبلته والدة رشيد بمفردها. أخبرها فراج أنه ابن عم كارمن ويريد رؤية رشيد. جلست والدة رشيد تنظر إليه بغضب وتحدثت بنبرة غاضبة: –رشيد مش موجود. تقدر تقولي اللي أنت عايز تقوله وأنا هبلغه. تحدث فراج باحترام:

–أنا لازم أتكلم معاه بنفسي بعد إذنك. أنا جيت المشوار ده كله عشان أتكلم معاه هو. تحدثت بنبرة حادة: –وعايز تتكلم معاه في إيه؟ مش خلاص موضوع كارمن ده اتقفل وخلصنا منها هي ومامتها. فاضل إيه تاني في حياة ابني جايين تدمروا؟ تحدث فراج باحترام: –حضرتك أنا جاي أتكلم معاه في موضوع مهم ولازم أقابله. تحدثت بنبرة قوية: –ورشيد مش موجود. تحدث بهدوء: –طب ممكن أعرف هييجي إمتى أو ممكن أقابل والد رشيد أو جده. تحدثت بعجرفة:

–رشيد سافر خارج مصر بقاله شهر. وباباه عنده شغل ومش فاضي. وجده تعبان ومش بيقابل حد. وبعدين إحنا عندنا حاجات كتير أهم من كارمن ومشاكلها. يا ريت لو تبعدوا عننا وتسيبوا ابني في حاله لأنه دلوقتي اتجوز بنت من عيلة تليق بعيلتنا وبيِقضوا شهر العسل برا مصر وهيستقر هناك. غضب فراج من أسلوبها معه في الحديث وتحدث إليها بغضب:

–وعيلة الهواري مش أقل من عيلتكم في حاجة. شاكلك متعرفيش ابنك كان مناسب عيلة مين قبل ميناسب العيلة اللي تليق بعيلتكم دلوقتي. على العموم ربنا يصلح حاله ويوفقه. عن إذنك. تحدثت إليه بعجرفة قبل أن يذهب: –ياريت تبلغي بنت عمك إنها تبعد عن ابني وتسيبه في حاله ومتفكرش تدخل حياته تاني لأنه مبقاش يكره حد في الدنيا قد ما بيكرهها. وقف فراج وتحدث إليها بغضب:

–متقلقيش. اللي في قلبه ابنك مش أكتر من اللي في قلبها. وبنت عمي متعرفش إن أنا جيت أقابله النهارده وطلع عندها حق لما أصرت إنها تخلص من عيلتكم. تركها فراج وذهب. جلست والدة رشيد مكانها تحرك قدميها بعصبية بعد حديث ابن عم كارمن معها. بعد دقائق قليلة ترجل والد رشيد من الأعلى وتحدث إليها: –صباح الخير. قاعدة كده ليه يا ماجدة. كان في عندنا ضيوف ولا إيه؟ ارتبكت كثيرًا وتحدثت بتوتر:

–لا ضيوف إيه اللي هييجوا بدري كده. أنا هروح أحضر الفطار عشان تفطر قبل ما تروح شغلك. تحدث إليها قبل أن تذهب: –رشيد كلمني امبارح وطمني عليه وعلى جده وقالي إن ميعاد عملية جده اتحدد خلاص آخر الشهر الجاي. وقفت ماجدة وتحدثت بتوتر: –إحنا لازم نسافر لهم قبل ميعاد العملية بيوم ولا حاجة يا وجيه عشان عمي يكون مطمئن واحنا كلنا حواليه. تحدث وجيه بتأكيد: –إن شاء الله أكيد هنسافر لهم قبل العملية بيومين. صمتت قليلاً ثم تحدثت:

–ربنا يشفيك يا عمي. دا كان كويس وعمره ما اشتكى من حاجة. مش عارفه تعب إيه ده اللي حصله فجأة ودمر حاله بالشكل ده. تحدث وجيه بحزن: –من بعد ما رشيد طلق مراته وبابا حاسس بالذنب وقلبه تعبه. والحمد لله إننا عرفنا بالمرض ده بالصدفة قبل ما ينتشر في كل جسمه. تحدثت بغيظ: –الحمد لله إن ابني خلص منها. ثم نظرت إليه بمكر وأضافت: –وإحنا خلصنا من أمها. نظر إليها زوجها وهمس بداخله: –الله يرحمها. ثم وقف وتحدث بغضب:

–أنا رايح الشغل. مليش نفس أفطر. ذهب ولم ينتظر الاستماع لحديثها. وقفت والدة رشيد تنظر أمامها بغضب بعد أن تذكرت عندما تزوج عليها زوجها من سهير والدة كارمن. اشتعلت النيران بداخلها من جديد وتضاعف الكره بداخلها وحقدها على كارمن. *** في المساء. عاد فراج إلى القرية ودلف الدوار وهو غاضب بعد مقابلته مع والدة رشيد ومعرفته بخبر زواج رشيد في أقل من شهر بعد طلاقه لـ كارمن.

صدح صوت فراج عاليًا وهو يتحدث إلى أحد الخفر بغضب ثم اتجه إلى القاعة التي يجلس بها جده وتحدث إليه جده بقلق: –خير يا فراج. شكلك راجع مضايق؟ اقتربت أزهار من باب القاعة بخطوات هادئة لتسترق السمع كما اعتادت أن تفعل. زفر فراج بعصبية وأجاب على جده: –ياريتني ما كنت سافرت يا جدي. كارمن كان عندها حق لما قالت إنها مش عايزة تعرفه إنها حامل. استغرب جده وتحدث بقلق: –ليه إيه اللي حصل يا فراج؟ هو رشيد قالك إيه ضايقك كده؟

تحدث فراج بغضب: –أنا مشوفتوش أصلًا يا جدي. الباشا اتجوز من شهر وسافر مع عروسته. كتمت أزهار شهقتها وهي تستمع إلى حديث فراج. بداخل القاعة تحدث الحاج عبد الرازق بصدمة: –كلام إيه ده يا فراج؟ مين اللي قالك الكلام الفارغ ده! اتجوز إمتى وإزاي؟ دا لسه مطلق مراته ومخلصتش حتى عدتها! تحدث فراج: –الست أمه اللي قابلتني وقالتلي إنه اتجوز وقالتلي كلام ضايقني. شكلهم مش عارفين هما كان مناسبين عيلة مين! تحدث الجد بصدمة:

–إيه الكلام اللي أنت بتقوله ده! طب أنت قابلت جده أو أبوه؟ تحدث فراج: –الست أمه بتقولي إنهم مش فاضيين لنا! تحدث الحاج عبد الرازق بصدمة وهو ينظر إلى هاتفه ويبحث عن رقم رشيد: –أنا هكلمه كده وأفهم منه إيه الحكاية. حاول الاتصال بهاتف رشيد لكن جاءه الرد أن هذا الرقم خارج الخدمة. نظر الحاج عبد الرازق إلى حفيده وتحدث بدهشة: –تليفونه مقفول. وبعدين؟ تحدث فراج بغضب:

–والله هو حر بقا يا جدي. إحنا كده عملنا اللي علينا وبعدين بصراحة الست أمه دي طلعت صعبة أوي وشكل عيلته كلهم زيها ولو رجعنا بنت عمي تاني للعيلة دي يبقى بنظلمها. تنهد الجد بحزن قائلاً: –مش عارف هنعمل إيه دلوقتي. حرام نخبي حملها. تحدث فراج بغضب: –إحنا مخبيناش حاجة يا جدي. هو اللي استعجل واتجوز واحدة تانية وسافر. لما يبقا يرجع بقا يحلها ربنا.

استمعت أزهار إلى الحديث ثم تحركت بخطوات هادئة وصعدت إلى الطابق الأعلى حيث غرفة كارمن ودلفت إلى الغرفة وهي تشير بيديها ووجهها إلى والدتها وكارمن وهما يجلسان فوق الفراش معًا: –عرفتي اللي حصل يا أمي. عرفتي اللي حصل يا كارمن! نظروا إليها بدهشة وتحدثت وداد بقلق: –إيه اللي حصل يا أزهار قلقتنا! تحدثت أزهار: –فراج رجع من مصر وبيقول إن جوز كارمن اتجوز واحدة تانية وسافر معاها. شهقت وداد وانتفضت من مكانها بفزع تتحدث إلى ابنتها:

–أنتِ بتقولي إيه يا أزهار! استمعت كارمن إلى حديث أزهار بهدوء لم يعتادوا عليه. جاءت مايا بتفكيرها عندما علمت أن رشيد تزوج من أخرى. سرعان ما ترتبت الأحداث بعقلها واعتقدت أن رشيد ومايا كانت تربطهما علاقة غرامية وتزوج منها رشيد بعد الطلاق. وضعت يديها فوق بطنها بحماية وكتمت حزنها بداخلها ورسمت ابتسامة هادئة على وجهها صدمت بها عمتها وداد وابنة عمتها أزهار. حدقت بها وداد وتحدثت بصدمة:

–شكلك مش مستغربة يا كارمن إن رشيد اتجوز؟ معقول أنتِ كنتي عارفة وعشان كده مكنتيش عايزة تعرفيه إن انتي حامل؟ أجابت كارمن بهدوء: –رشيد اختار حياته يا عمتي خلاص وربنا يوفقه فيها. أنا مش عايزة حاجة دلوقتي غير إن حملي يكمل بخير المرة دي واشوف ابني أو بنتي. ده الوحيد اللي يستاهل أعيش عشانه. اقتربت منها عمتها وربتت على ظهرها بحنان: –إن شاء الله يا حبيبتي ربنا يكملك على خير وتقومي بالسلامة. *** بعد مرور شهر.

بإحدى المستشفيات بـ لندن. تمدد الجد اللواء نور الدين الجبالي فوق الفراش قبل الاستعداد لإجراء عملية استئصال ورم. وقف رشيد أمامه وتحدث إليه بابتسامة هادئة: –متقلقش يا جدي إن شاء الله هتعمل العملية وتقوم بالسلامة. تحدث الجد بحزن: –حتى لو مت يا رشيد أنا عايزك تسامحني. أنا حاسس إن كل اللي حصلي ده كان ذنبك وذنب كارمن. أنا فرقتكم عن بعض بدل ما أجمعكم وأنا عارف أنت قد إيه بتحبها. اقترب رشيد منه أكثر وقبل يديه قائلاً:

–القدر هو اللي فرقنا أنا وكارمن يا جدي وأنا ميهمنيش دلوقتي غير إن حضرتك تقوم بالسلامة. ثم لمعت عينا رشيد بالدموع وأضاف: –أنا مش متخيل حياتنا من غيرك يا جدي. أوعدني إنك تقوم بالسلامة. بكى جده وتحدث بحزن: –مقدرش أوعدك بحاجة مش في إيدي يا رشيد. الأعمار بيد الله وحده يا بني. دلف وجيه والد رشيد ومعه زوجته واقتربوا من رشيد وجده وتحدث وجيه بقلق: –عامل إيه دلوقتي يا بابا. إن شاء الله تعمل العملية وتقوم بالسلامة.

نظر اللواء نور الدين الجبالي إلى ابنه وزوجته وتحدث إليهم بحزن: –لو مخرجتش من العملية دي عايزكم كلكم تسامحوني. بكت ماجدة وتحدثت بحزن: –متقولش كده يا عمي إن شاء الله هتقوم بالسلامة وترجع تنور بيتك تاني. دلف الممرضات لتحضيره للعملية. ابتعد رشيد عن جده ووقف بعيدًا ينظر إليه بحزن وقلق.

بعد عدة ساعات من دخول اللواء نور الدين إلى غرفة العمليات، خرج الطبيب من غرفة العملية ويبدو على وجهه الحزن. اقترب منه رشيد ووالده وتحدث معه رشيد وأخبره الطبيب بكل أسف أن جده فارق الحياة أثناء إجراء العملية. استقبل رشيد الخبر بصدمة كبيرة. كان جده بمثابة والده وصديقه وكل شيء له بالحياة. *** عادوا جميعًا إلى مصر لدفن جثمان اللواء نور الدين، وفي اليوم التالي كان العزاء.

جلس خالد بجوار رشيد في العزاء وكان الحزن الشديد يبدو على رشيد بعد فقدان جده. تحدث خالد إلى رشيد بصوت منخفض وهو يجلس بجواره: –أنا عارف إن الوقت مش مناسب بس في حاجة لازم تعرفها. الراجل اللي حاول يعتدي على كارمن في شقة مامتها اتقتل في شقته في إسكندرية. نظر إليه رشيد بصدمة. تحدث خالد مرة أخرى: –تقريبًا اللي قتله حد تبع رجالة سعد بشار وخصوصًا إن اسمه اتذكر في قضية قتل سهير. عمومًا إحنا بنعمل تحريات ولو وصلت لحاجة هبلغك.

نظر رشيد أمامه وتحدث بحزن: –خلاص يا خالد. كل ده ملوش لازمة دلوقتي. كل حاجة انتهت. صمت قليلاً وهو ينظر أمامه بحزن ثم أضاف: –أنا شكلي هسافر تاني وأستقر هناك. تحدث خالد بدهشة: –معقول هتسافر تاني يا رشيد؟ أجاب رشيد بتأكيد: –مبقتش عايز أعيش هنا خلاص يا خالد. وكمان بابا ممكن ينقل شغله خارج مصر وأنا هبدأ شغل معاه. تحدث خالد: –وكارمن؟ أجاب رشيد بغضب:

–كارمن اختارت الطلاق وأنا تعبت ومش هجري وراها تاني. كارمن في لحظة غضب قالت كل اللي جواها وعرفت هي بتفكر فيا إزاي. وبعد اللي قالته مبقناش ننفع لبعض. تنهد خالد بحزن: –بس كارمن بتحبك يا رشيد وأكيد موت مامتها صدمها ومكانتش في وعيها. تحدث رشيد بغضب: –وأنا كمان بحبها. بس كارمن قالت اللي جواها يا خالد. وبعد كلامها واهانتها ليا ولأهلي حكايتنا انتهت. خلاص. صمت خالد قليلاً بحزن ثم تحدث بقلة حيلة:

–اللي تشوفه يا رشيد. ربنا يوفقك ويوفقها. *** بعد ستة أشهر. بداخل المشفى. أنجبت كارمن طفلها وحملته بين يديها لم تريد تركه لأحد ولو لحظة واحدة. كانت تتأمله بعينيها وقلبها والدموع تنسال من عينيها بسعادة. جلست وداد بجوارها وتحدثت إليها بسعادة: –حمدلله على السلامة يا كارمن. ماشاء الله ابنك زي القمر ربنا يحفظه ويبارك فيه. تحدثت أزهار بفضول: –هتسميه إيه يا كارمن؟ نظرت كارمن إلى طفلها وتحدثت دون تردد: –هسميه "عمر".

ابتسمت وداد وتحدثت: –ربنا يباركلك فيه يا حبيبتي. ابتسمت كارمن وهي تنظر إلى ابنها وهمست بداخلها: –عمر رشيد الجبالي. خارج غرفة كارمن بالمشفى. جلس فراج بجوار جده الحاج عبد الرازق وتحدث بغضب: –لو سمحت يا جدي أنا قولتلك مليون مرة أنا مستحيل أروح أسأل عليه عند الست أمه دي تاني. وبعدين هو اتجوز وسافر ومن بعدها لا حس ولا خبر. مش إحنا بقا اللي هنجري وراه ونقوله تعالي شوف ابنك! تحدث الحاج عبد الرازق بحزن:

–يا فراج عايزين نعمل اللي علينا للآخر عشان ربنا يا ابني مش عشانه. تحدث فراج بغضب: –حاضر يا جدي هروحلهم تاني بس دي آخر مرة أروح للعيلة دي أسأل عليه. تحدث الحاج عبد الرازق: –لو ملقتوش برضه عرفهم إن كارمن خلفت ولد وهما حرين بقا يعرفوه ولا لا. إحنا كده نبقى عملنا اللي علينا. أومأ فراج برأسه بالإيجاب وذهب من المشفى. *** اليوم التالي. وصل فراج أمام منزل عائلة الجبالي وكان المنزل مغلقًا ويبدو أن لا أحد بالمنزل. اقترب منه

حارس المنزل وتحدث إليه: –خير يا أستاذ حضرتك عايز مين؟ تحدث فراج باستغراب: –عايز أي حد من عيلة الجبالي. تحدث الحارس: –كلهم سافروا يا باشا من بعد موت سيادة اللواء الله يرحمه. نظر إليه فراج بصدمة: –هو جد رشيد مات؟ مات إمتى؟ تحدث الحارس: –من كام شهر كده يا أستاذ والعيلة كلهم سافروا وأنا شغال هنا حارس على البيت. تحدث فراج: –متعرفش سافروا فين؟ أجاب الحارس: –لا والله أنا استلمت الشغل هنا بعد سفرهم ومعرفش هما سافروا فين.

أومأ فراج برأسه بتفهم وذهب. *** بداخل الدوار جلست كارمن بداخل غرفتها تحمل ابنها وتنظر إليه وقلبها ينبض بالحياة وكأنها ولدت معه من جديد. عاد فراج إلى الدوار وأخبر جده بموت اللواء نور الدين الجبالي منذ عدة أشهر وسفر عائلته جميعًا إلى خارج مصر. *** بعد مرور ثلاثة أعوام على فراق كارمن ورشيد.

استطاع رشيد تأسيس عمل ضخم يشاركه به والده في إحدى الدول الأوروبية. استقر في العيش هناك ولم يفكر في العودة. كبرياؤه يمنعه من العودة أو معرفة أخبارها. كلما فكر بها يتذكر حديثها وكلماتها القاسية التي جرحته وأهانته كثيرًا أمام عائلته وعائلتها.

لم تشعر كارمن بمرور الثلاثة أعوام وهي ترى ابنها يكبر يومًا بعد يوم أمام عينيها. كانت تشغل وقتها ويومها بمتابعة ابنها. كلما كبر يوم كانت ملامحه تزداد في الشبه من والده. كانت تنظر إليه وكأنها تنظر إلى رشيد. كانت حياتها هادئة حتى توفي جدها. جلست كارمن بجوار عمتها وداد يرتدون الثياب السود حزنًا على وفاة الحاج عبد الرازق منذ شهرين. أصبح "عمر" ابنها بعمر الثلاثة أعوام وكان يلهو ويلعب حولهم. تحدثت كارمن إلى عمتها بهدوء:

–لو سمحتي يا عمتي كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع مهم واستنيت يعدي على موت جدي الفترة دي عشان أعرف أتكلم معاكي. استمعت إليها وداد باهتمام: –قولي يا كارمن أنا سامعاكي؟ تحدثت كارمن: –أنا من بعد موت جدي وأنا بفكر إن أنا لازم أمشي من هنا. عايزة أرجع القاهرة تاني. تحدثت وداد بصدمة: –ليه يا كارمن في حد زعلك في حاجة يا بنتي؟ تحدثت كارمن:

–لا طبعًا يا عمتي مفيش حد زعلني ولا حاجة بس أنا مش مرتاحة كده. وخصوصًا إن وجودي عامل مشكلة لـ أزهار. أنا فاهمة يا عمتي وعارفة إن أزهار بتحبني بس مضايقة من وجودي أنا وعمر هنا وطول الوقت خايفة وغيرانة على جوزها وبصراحة ده حقها. أنا والله مستحيل أبص لـ فراج لأني بعتبره أخويا مش ابن عمي وبس. لكن أزهار ست ومن حقها تغير وتخاف على جوزها وخصوصًا لما يبقى في ست مطلقة عايشة معاهم في نفس البيت.

خفضت وداد وجهها بحزن لأنها تعلم حقًا أن ابنتها لا تشعر بالراحة في وجود كارمن وابنها معهم بالمنزل. تحدثت وداد بحزن: –مش عارفة أقولك إيه يا كارمن. تحدثت كارمن برجاء: –قولي إن انتي موافقة يا عمتي. عشان خاطري وخاطر أزهار. كده كلنا هنرتـاح. تحدثت وداد بحيرة: –وهتعيشي هناك لوحدك إزاي يا بنتي؟ تحدثت كارمن:

–هعيش في شقتي يا عمتي اللي كنت متجوزة فيها أنا ورشيد. رشيد كان كاتبها باسمي والشقة مقفولة من يوم ما سبتها. وكمان بفكر أعمل مشروع بفلوس الأرض بتاعتي. نظرت إليها عمتها بتفكير وتحدثت بحزن: –اللي تشوفيه يا كارمن. أنتِ مبقتيش صغيرة يا بنتي وأكيد هتعرفي تحافظي على ابنك وفلوسك. ابتسمت كارمن وهي تتذكر كم كانت فتاة ساذجة بالماضي وتحدثت بثقة:

–متقلقيش يا عمتي. أنا مبقتش العيلة الصغيرة بتاعت زمان. أنا دلوقتي أم وبربي ابني لوحدي. يعني لازم أكون له الأم والأب وأقدر أحميه وأحافظ عليه وعلى فلوسي. تحدثت وداد بقلق: –بس هتقدري تشتغلي إزاي يا كارمن وتعملي مشروع وابنك لسه صغير ومحتاجك يا بنتي؟ تحدثت كارمن بثقة:

–أنا فكرت في المشروع خلاص يا عمتي. أنا هفتح مطعم وكافيه وهيكون فيه كيدز اريا للأطفال عشان أقدر آخد عمر معايا كل يوم وميحسش بملل هناك وفي نفس الوقت أقدر أتابع شغلي وابني قدام عيني. تحدثت وداد بابتسامة: –ربنا يوفقك يا حبيبتي وإن شاء الله يوسع عليكي ويباركلك في ابنك ويعوضك عن كل اللي فات. ابتسمت كارمن وعانقت عمتها بسعادة وهي تشعر بالراحة بعد دعاء عمتها لها. ***

عادت كارمن إلى القاهرة ومعها ابنها. وقفت أمام باب شقتها وقامت بفتحه. دلفت إلى الداخل وهي تتذكر كل شيء حدث بالماضي. تتذكر خطواتها الأولى إلى داخل هذا المنزل وهي فتاة صغيرة في سن التاسعة عشر. اليوم أصبحت امرأة ناضجة في الثامنة والعشرين من عمرها ويمسك ابنها بيدها. تسعة أعوام وما مرت به خلالهم كان كافيًا لتحويلها من فتاة صغيرة مدللة إلى امرأة ناضجة.

كانت تبتسم وهي تنظر إلى كل شيء بالمنزل عكس شخصيتها السابقة التي كانت تبكي دائمًا. الآن تعلم قيمة دموعها. نظرت إلى ابنها صاحب الثلاثة أعوام وتحدثت إليه بابتسامة: –إيه رأيك في بيتنا يا عمر؟ نظر إليها ابنها وابتسم وركض يلهو ويلعب بداخل المنزل. ابتسمت وهي تتابعه بعينيها وترى كم يشبه أباه في كل شيء. تنهدت بداخلها وهي تفكر بإصرار في العمل الجاد وإنشاء مشروعها الخاص والسعي وراء النجاح. *** بعد مرور عامان آخرين.

استطاعت كارمن تحقيق النجاح التي أرادت الوصول إليه خلال عامان من العمل الشاق. أصبح مشروعها من أهم وأشهر المطاعم والكافيهات ويميزه وجود كيدز اريا لكي يستمتع الأمهات والآباء برفقة أبنائهم. أكثر من خمسة أعوام ونصف مروا على طلاقها من رشيد. صاحبة الثلاثون عامًا الآن تدير مشروعًا ضخمًا وتتحمل مسؤولية تربية ابنها بمفردها. لم ترى رشيد منذ طلاقهما ومازالت تعتقد أنه تزوج وسافر إلى الخارج كما أخبرت والدته فراج منذ خمسة أعوام.

*** أمام مطار القاهرة الدولي. وقف خالد أمام سيارته ينتظر خروج رشيد من مطار القاهرة. خمسة أعوام لم تخطِ قدميه أرض الوطن. ظهر رشيد وهو يرتدي نظارة سوداء يخفي خلفها اشتياقه لوطنه وكل شيء فقده بهذا الوطن. استقبله خالد بسعادة وعانقه بقوة: –أخيرًا يا رشيد. متعرفش أنت وحشتني قد إيه. تحدث خالد: –واضح إن مصر وحشتك فعلًا عشان كده سبتها خمس سنين ومكنتش ناوي ترجع تاني لولا شركة باباك اللي هنا والمشاكل اللي حصلت فيها مكنتش هترجع.

تحدث رشيد: –خلاص متزعلش أنا قاعد معاك هنا أسبوع أحِل فيه مشاكل الشركة أو أصفّيها ونخلص من مشاكلها ونرجع تاني. صعد خالد بداخل السيارة وتحدث بنبرة ساخرة: –ياه أسبوع بحاله! ابتسم رشيد وصعد بجواره: –يدوب أسبوع لأن عندي شغل كتير جدًا هناك وبابا مبقاش يقدر يدير الشغل أنت عارف. تحدث خالد: –عارف. ربنا يعينك.

نظر رشيد من النافذة على الطريق وخالد يقود السيارة. يطالبه قلبه أن يسأل خالد عن كارمن. لم يتوقف عقله عن التفكير بها طوال الخمسة أعوام، لكن كبرياءه يمنعه من نطق اسمها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...