بعد أن رأى سامر عيون غرام الباكيه، قال سامر: "مش معقول العيون اللي تسحر دي تبكي لأي سبب." ومد يده إليها بباقة ورد ليجد من يمسك بباقة الورد من يده ويقذفها أرضًا. قال سامر: "إيه اللي انت عملته دا؟ بأي حق تتصرف بالشكل دا؟ ليرد أسد بغضب: "بحق إن الحلوة اللي بتتغزل في عيونها تبقى مدام أسد حسام المنشاوي." نظرت إليه غرام بذهول. معقول اعترف بزواجهم؟
وظنت أنه بدأ يتغير من أجلها. وفي لحظات تناست الانتقام وتذكرت أسدها الذي كان يراعيها وهي صغيرة. وما هي إلا لحظات سعيده في خيالها هي فقط لتتلاشي فرحتها. أكمل أسد حديثه: "أحب أعرفك إن المدام هنا مجرد حتة فلاحة جاية من ورا الجاموسة، مش أكتر من خدامة عندي." كانت هايدي تنظر إليها بشماتة. لم تتحمل غرام إهانته أكثر من ذلك لتجري خارج الفيلا. فكر باللحاق بها ولكنه تراجع.
قال بينه وبين نفسه: "أحسن إنها جات منها، أنا قرفت من وجودها." عند غرام: ظلت تجري في الشارع بتلك الملابس الريفية وجميع من يراها يظنها خادمة لملابسها القديمة. كانت تبكي من الظلم والقسوة والإهانة التي تلقتها من زوجها، بل هو عدوها. من هذه اللحظة، ابتعدت كثيرًا عن الفيلا. ليس معها نقود للعودة إلى منزلها بالبلد. فكرت بالاتصال على صديقتها سلمى. يرن هاتف سلمى حيث كانت تجلس مع لؤي. قال لؤي: "سلمى دي غرام بتتصل."
ردت سلمى: "ردي عليها زمانها بقت زي السمن على العسل مع أسد، وخصوصًا إنهم كانوا مع بعض النهارده." قال لؤي: "سلمى يا ناصح، هو ما يعرفش إنها مراته." ردت سلمى بحماس: "سلمى الو حبيبتي." ليأتيها الرد صوت بكاء من الطرف الآخر. قالت سلمى بقلق: "غرام مالك حبيبتي بتعيطي ليه؟ ردت غرام بنحيب: "أسد.. أسد بهدلني قدامهم كلهم. أنا ما بقيتش عايزة أقعد ثانية واحدة معاهم، ومش معايا فلوس أرجع البلد."
قالت سلمى: "طب أهدي وأنا هوصلك. معايا لؤي فرصة يوصلني ليكي. انتي فين؟ وصفت غرام لها المكان. قالت سلمى: "الحمد لله مش بعيد عننا. دقائق ونكون عندك. ما تتحركيش." وأغلقت الهاتف. نظرت سلمى بغضب إلى لؤي. قالت سلمى: "بتقولي صاحبك بقي زي السمن على العسل؟ قال لؤي: "إيه؟ وإيه النظرة دي؟ انتي هتتحولي؟ قالت سلمى بغضب: "صاحبك يا أستاذ بهدل غرام والبنت منهارة في الشارع من العياط. يلا بينا نروح لها بسرعة." عند أسد:
اقتربت منه هايدي بدلعها. قالت هايدي: "ولا تزعل نفسك، أحسن إنها غارت من هنا." رد عليها سامر: "أنا بجد مصدوم فيك يا أسد انت وهايدي. معقول بنت عمك اللي من لحمك ودمك وكمان طلعت مراتك، يعني شرفك يا سيد الرجالة، تعرضها للإهانة دي كلها؟ حتى لو كنت ما بتحبهاش، حتى لو كانت جاهلة زي ما بتقول. بجد يا خسارة." ونظر لهم نظرة اشمئزاز وخرج. قالت هايدي: "سيبك منه، هو عايز يضايقك." رد أسد عليها: "ابعدي عني انتي كمان، مش ناقصك."
وصعد إلى حجرته وهو متضايق مما حدث. لم يتحمل نتيجة فعلته ليكسر كل شيء حوله. جلس على الأريكة وأذكر حديثها لوالده وهي تطلب منه أن يشفى من أجلها فليس لها أحد غيره. قال أسد: "ياااه يا أسد للدرجادي طلعت خسيس. هي ذنبها إيه في اللي عملته مامتها؟ يا ترى راحت فين؟ وهي خارجة بالمظهر دا؟ أكيد هتتصرف وترجع لبلدها." وتذكر والده المريض، وأنها الوحيدة التي بادرت بمساعدته وعلاجه دون أن يطلب منها.
قال أسد: "البت دي لازم ترجع على الأقل عشان بابا." قاده كبرياؤه أن وجودها ليس من أجله ولكن من أجل والده. عند غرام: كانت تجلس على الأريكة بالشارع وهي تبكي على حالها. نزلت سلمى بسرعة إليها واستغربت مظهرها. كيف لهم أن يفعلوا بها هكذا؟ غرام من الفتيات الأنيقات بالجامعة والجميع يشهد لها بذلك. قالت سلمى بحزن على حالها، وقامت باحتضانها لتهدأ من روعها.
قالت سلمى: "تعالى حبيبتي معايا، انتي عارفة إني عايشة مع بابا وماما لوحدنا، وأخويا متجوز ومسافر هو ومراته وابنه." نظر لها لؤي وشعر بالأسف من أجلها. كيف لتلك الكاتبة المرموقة أن يصل بها الحال إلى هذا الوضع؟ قال لؤي: "تحبي نروح أي مكان قبل ما تروحوا البيت؟ قالت سلمى: "لا يا لؤي، الأفضل نروح بسرعة." كانت غرام شبه مغيبة عن ما يحدث حولها، فهناك خنجر في قلبها ولازالت الطعنة قوية. عند أسد:
اتصل بالطبيب لإحضار ممرضة خاصة لرعاية والده. وقرر السفر إلى البلد لأول مرة لاسترجاع زوجته، فقد أخطأ كثيرًا وهذا أقل ما يجب فعله. طلب من السائق. قال أسد: "عم أنور، فاكر لما روحت أجيب غرام من البلد؟ رد السائق أنور: "أيوة يا أسد باشا." قال أسد: "طب تعالى وصلني ل هناك لأني معرفش الطريق." رد السائق: "أمرك." وبدأ رحلته للسفر إلى البلد، وهو يفكر كيف يعيدها مرة أخرى. عند لؤي: وصل أمام العمارة الخاصة بسلمى.
قال لؤي: "هفوت عليكم بالليل تكون الانسة ارتاحت شوية." ولم ينطق اسمها، فقد حذرته سلمى أن يظهر أنه يعرف حقيقة أمرها. صعدت سلمى ومعها غرام. استقبلتهم والدة سلمى بترحاب. قصت سلمى حكاية غرام لوالديها. قالت والدة سلمى رحاب: "رحاب يا عيني عليكي يا بنتي، دا انتي استحملتي كتير، وهو اللي خسران، بكرة يندم على اللي عمله فيكي." ثم نظرت رحاب إلى سلمى.
قالت رحاب: "خديها يا سلمى أوضتك وهاتي لينا غيار، خليها تاخد شاور وتفوق كدا على ما أجهز ليكم الغدا." كانت غرام صامتة مصدومة مما حدث. دخلت حجرة سلمى وبدأت في البكاء. قال والد سلمى أشرف: "أشرف البنت دي صعبانة عليا أوووي ولازم نقف جنبها ونجيب لها حقها." قالت رحاب: "هنجيب حقها إزاي؟ مش سامع سلمى بنقولك إن أسد دا يبقى ابن عمها ومش بس كدا، كمان جوزها. يعني ممكن يقلب الدنيا علينا." قال أشرف: "ربنا ما بينساش حد."
قالت رحاب: "ونعم بالله. هقوم أحضر ليكم الغدا، تلاقيها يا عيني ما أكلتش حاجة." كانت سلمى ونعم الصديقة لغرام، حيث كانت تواسيها نفسيًا وساعدتها أن تهدأ وطلبت منها أن تأخذ شاور وتستبدل ملابسها. وبعد مرور ساعة، كانت رحاب قد جهزت الغداء. وكى ترفع الحرج عن غرام، قالت رحاب: "يلا يا سلمى انتي وغرام، أنا عملت الغدا، وانتم بقي خطوة على السفرة." ومن اللحظة دي أنا عندي بنتين. واقتربت من غرام واحتضنتها.
كانت غرام في حاجة شديدة لهذا الحضن، لقد فقدت جميع من كانوا يحنوا عليها. ذهبت غرام مع سلمى وجهزوا السفرة وجلسوا جميعًا لتناول الطعام. كان أشرف يتناول الأحاديث الفكاهية كي يخرج غرام من حزنها. وبالفعل بكلماته البسيطة استطاع أن يجعل البسمة ترتسم على وجهها. بعد تناول الغداء، قامت الفتيات برفع الأطباق وصممت غرام بأن تنظف المطبخ مع سلمى. كانت غرام تشعر بطيبتهم وحبهم ومعاملتهم الحسنة.
قالت غرام: "فلم أجد من أسرتي ومن زوجي أي معاملة ولو بسيطة." قالت سلمى: "ما تفكريش كتير يا غرام. انسى الفترة دي، واللي باعك بيعيه، وانتي مش محتاجة منهم حاجة. انتي كاتبة مشهورة ومتفوقة في الدراسة، وبكرة هما اللي هيجروا وراكي عشان تسامحيهم." قالت غرام: "أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا سلمى انتي وطنط وأنكل على دعمكم ليا." قالت سلمى: "بس يا رخمة، مفيش شكر بين الأخوات." مر أكثر من ثلاث ساعات حتى وصل السائق أمام منزل غرام.
نزل أسد ورن جرس الباب عدة مرات ولا أحد يجيب. عاد إلى السائق. قال أسد: "مليش حد موجود. يا ترى هى هتكون فين؟ قال السائق: "ممكن تكون عند الحاج إبراهيم. صديق جدها هو ساكن قريب من هنا." بدأ أسد يقلق عليها ولا يدري ما السبب في هذا القلق. قاد السائق السيارة إلى منزل الحاج إبراهيم. ووصلوا إليها. استقبلهم الحاج إبراهيم بترحاب ودعاهم للدخول. وما أن جلسوا ليتساءل الحاج إبراهيم. قال إبراهيم: "أومال بنتنا غرام ما جيتش معاكم ليه؟
ليها وحشة كتير." ليقف أسد مذهولًا. قال أسد: "عايز تقول إن غرام مش عندك هنا؟ قال إبراهيم: "من وقت ما سافرت ليكم وهي ما رجعتش. هو في إيه يا ابني؟ قال أسد: "طب ممكن تكون راحت لمين هنا؟ قال إبراهيم: "غرام ما كانتش مختلطة بحد من أهل البلد. وجدها كان ديما بيخاف عليها ومخصص ليها سيارة توديها الجامعة وترجعها، عشان محدش يضايقها."
قال أسد في نفسه: "يعني غرام كانت طالبة جامعية. طبعًا أكيد دي كانت بتقرأ الروشتة الإنجليزية بطلاقة. إيه اللي أنا بفكر فيه دلوقتي؟ يا ترى روحتي فين يا غرام؟ ترك أرقام هواتفه الخاصة للحاج إبراهيم. قال أسد: "لو غرام ظهرت في أي وقت ياريت تتصل عليا." وأخذ السائق وغادر وهو يشعر بالندم على ما فعله. عند غرام: طلبت من سلمى بإحضار بعض الأوراق، فهي بحاجة ملحة للكتابة، فعالم الروايات هي العالم الذي تعشقه وتعيش معه حياتها الوردية.
أحضرت لها سلمى ما طلبت وجلست غرام في سرد قصتها وكان عنوانها "روايتي كاس الغرام". "أنه الكأس الذي نجرعه من أيدي من نحبهم. قد يكون لذيذًا ولكنه في الغالب بطعم العسل المر. نحن نعيش عالمنا عالم مليء بالأحقاد والظلم. من أقرب الناس إلينا." وظلت تكتب والأفكار تواردها. فهي قصتها التي عاشتها على أرض الواقع. أتى المساء حيث حضر لؤي. قال لؤي: "أنا مش عارف أقدر أساعدك بإيه يا آنسة." صمتت.
قالت غرام: "اسمي غرام يا أستاذ لؤي. وأتمنى اللي حصل النهارده يكون سر بينا. مش عايزة أستاذ أسد يعرف حاجة عن اللي حصل معايا. إحنا كل اللي بيربطنا شغل، مش أكتر." قال لؤي: "من غير ما تطلبي دا وعد. كنت حابب أعرفك إن أسد بلغني إن بكرة حضرتك هتيجي توقعي العقد بالتجديد." قالت غرام وهي تحاول أن تبدو متماسكة من أجل حلمها: "أكيد إن شاء الله بكرة على ميعادنا." قال لؤي: "هيكون في انتظارك."
قالت سلمى: "لؤي، هو ما ينفعش تأجل دا على ما غرام تشد حيلها شوية؟ لتقاطعها غرام. قالت غرام: "لا يا سلمى، أنا كويسة ودا شغل." ونظرت إلى لؤي. وأكملت: "لو سمحت تكونوا مجهزين لي الفلوس نقدًا." قال لؤي: "طبعًا دا حقك." استأذنهم لؤي وغادر. قالت سلمى: "ناوية على إيه يا غرام؟ قالت غرام: "دار النشر دي طلعت من أملاكي. عمي أداني كل الأوراق اللي تثبت ميراثي عن والدي." قالت سلمى: "طب ناويه على إيه؟
قالت غرام: "مش وقته، صبرًا جميلًا. وكله هيدوق من نفس الكاس." قالت سلمى: "أنا خاېفة عليكي يا غرام. أوقات الانتقام بيدمر صاحبه." قالت غرام: "سلمى اِطمني، أنا دوقت الظلم، وبالتالي مش هظلم. بس كل واحد يدوق من نفس الكاس." مضى الليل وأتى الصباح. استيقظ أسد ونظر إلى الأريكة فكانت فارغة. شعر بالأسى. يشعر أنه فقدها للأبد. اتصل على لؤي للاعتذار عن الحضور اليوم. قال لؤي: "ما ينفعش النهارده بالاخص." قال أسد: "ليه؟
قال لؤي: "يعني، انت ناسي الكاتبة المجهولة وميعاد توقيع العقد؟ قال أسد: "آه صحيح. طب تمام، ساعة وأكون عندك." نزل أسد إلى والده للاطمئنان عليها. قال أسد: "صباح الخير يا بابا، عامل إيه دلوقتي؟ قال عادل: "أنا أحسن الحمد لله. أومال فين غرام؟ معقول ما تسألش عليا؟ قال أسد بحزن: "لا طبعًا سألت عليك، بس هي خرجت عندها مشوار ولما ترجع هتجيلك." قال عادل: "غرام بنت عمك كنز يا أسد، حافظ عليها يا ابني."
هز رأسه أسد بالموافقة وتركه. وقاد سيارته إلى المؤسسة. عند غرام: ارتدت من ملابس سلمى وكانتغاية في الجمال. وقررت الذهاب إلى المؤسسة بكل ثقة. أوصلتها سلمى إلى هنا. قالت سلمى: "أنا هنتظرك هنا في الكافيه دا، وأول ما تخلصي رني عليا عشان نروح سوا." قالت غرام: "تمام." وتركتها وذهبت إلى المؤسسة. حيث كان أسد في انتظارها. وما أن رأته استغربت هيأته وشموخه التي تعودت عليه، فكان يبدو عليه الانكسار. بعد أن ألقت التحية عليها،
قال أسد بطريقة رسمية: "اتفضلي العقود." وأخرج حقيبة بها الأموال. قال أسد: "ودا نصيبك اللي اتفقنا عليه." قامت غرام بالتوقيع على العقود وأخذت حقيبة الأموال وكادت أن تغادر. ليستوقفها صوت أسد. قال أسد: "غراااام."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!