وصلت طائرتها بعد عدد قليل من الساعات حاولت خلالها النوم ولكن عبثاً، تفكيرها المستمر منعها من ذلك. لا تريد أن يتعلق بها أحد، لطالما فضلت الوحدة كي لا يتعلق بها، فلا يوجد صديقات لها ولا أصدقاء ولا أحد بحياتها سوى علاقاتها بالعمل. لكن جاد اقتحم هذه الوحدة بطريقة ما. لا تعلم لماذا سمحت له بذلك. هل لأنها أرادت دفن الألم؟ أم لأنها سئمت من العيش بمفردها؟
أو ربما لأنها رأت في عينيه بريق الألم عند وفاة أمه، وهو ذات البريق الذي كان في عينيها عند وفاة والديها؟
فساعدته لأنها لم ترد أن يتألم أحد مثلها مجدداً. هي لا تريد رؤية ناره آخر بأي أحد ولا بأي شكل، لأنها ترى أنها ولدت فقط لتتجرع كأس من الألم. حاولت حماية جميع من حولها من لمس ذلك الكأس، بالاخص يوسف وميرال. على الرغم من أنهما يتيمان، ولكنها نجحت حرفياً بابعاد هذا الشعور عنهما تماماً وأصبحا ورأيا فيها الأم والأب بذات الوقت. رغم القسوة والجبروت الذي يظهر عليها بالعمل، فهي حنونة بشكل كبير. فحتى ذلك المدير المقصر، رغم فشله
بما أوكلته به، إلا أنها لم تطرده وحتى لم تخصم من راتبه بدل الخطأ الذي حصل، ليس تهاوناً منها بالعمل، فهي نجحت سابقاً بتحديد من قام بالاختلاس وغير بالحسابات. ولكن عطفا منها على حاله، فهي تعلم بأنه المعيل الوحيد لعائلته. هذه نارة، يوسف بقوة يوسف وصرامته، وحنان وعطف ميرال جمعت الاثنين بداخلها فأصبحت شخصا قمة بالتناقض، جعلت الجميع ينظر لها كعلامة استفهام كبيرة. وصلت لنقطة واحدة بتفكيرها بأنها يجب أن تبعد جاد قبل أن تكبر
مشاعره ناحيتها أكثر، فهي لا تفكر بدخول أي ارتباط مع أحد وتريد البقاء بعيدة عن الجميع برأيها الخاص أن ذلك أفضل لهم. ولكن بالحقيقة التي هي تنكرها، هي خائفة من أن تحب أحدهم وتتعلق به ويرحل. هي تخشى أن يتعلق أحد بها بشدة فيضحي بحياته من أجلها. تعلم أنها أضعف من أي تجربة، فهي كذبت عندما قالت "بعد فترة أطول تصبح لا تشعر بالألم". لو كان كذلك، أليست عشر سنوات كافية لتنسى ألمها وتمضي قدماً بحياتها؟
على كل حال، تعلم ما عليها فعله. نزلت من الطائرة بثقة عالية وثبات، فهي الآن على وشك خوض الحرب التي استعدت لها طوال عشر سنوات. حان الوقت لتعيد حقها وحق والديها. السائق: تفضلي سيدتي من هنا.
وصلت نارة للفندق الذي أقامت به مع والديها بزيارتها السابقة إلى إسبانيا قبل أن يستقروا بها، وأصرت على طلب الجناح نفسه 203 المطل على البحر، فل طالما عشقت أمها هذا المنظر، فكان والدها يحرص دائماً على استئجار الغرف المطلة على البحر، حتى أن قصرهم القديم أيضاً كانت غرفة والديها تطل على البحر. وصلت للغرفة ووقفت أمام بابها لثوان. قال عامل الفندق: هل هناك مشكلة سيدتي؟ نارة: كلا.
دخلت الجناح بهدوء وهي تمعن النظر في كل زاوية منه. على الرغم من تغير ديكور الفندق، إلا أنها محتفظة بكل زاوية بهذا الجناح، فقد كانوا يأتون إلى هنا كل عطلة وكانت تحب ذلك جداً، وكانت تصر على زيارة قصر الحمراء في كل مرة بعد أن قرأت قصيدة نزار قباني "في مدخل الحمراء". وبدأت ذاكرتها تسترجع كل تلك الأيام الجميلة وابتسمت لها ولم تبكِ هذا المرة. بعد ساعة من تأمل الجناح، دخلت إلى الحمام وأخذت حماماً سريعاً وبدلت ملابسها وخرجت وتوجهت إلى بهو الفندق كي تقابل ماريانا.
(ماريانا هي مساعدة نارة بإسبانيا، فقد افتتحت فرعاً جديداً لشركتها بإسبانيا وعينت ماريانا لمتابعة العمل هنا بغيابها)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!