مر ثلاث سنوات. كنت جالساً في منزلي على الفراش وطفلة تجلس منتصفنا تلعب بلعبة صغيرة. "إنها جميلة كوالدها"، قلتها بمزاح وأنا أنظر إلى رماس. غضبت أروى. نظرت إلي وقالت: "تقصد كوالدتها". ابتسمت عليها: "إنكما الاثنتان، لا يوجد أجمل منكما". ابتسمت فشعرت بسعادة. كنت أحب الجلوس معهم كثيراً، لكن العمل يأخذني منهم. قبلت رأسها وقبلت طفلتي وأخبرتهم أن علي الذهاب. ودعتهم وتوجهت للشركة.
كانت الشركة قد عادت لتحسن كثيراً وارتفعت من جديد وعاد اسمها كالسابق، ويمكن أفضل. نظراً لعمل سليم بجهد وإرهاق شديد، فهو لم يكن يتركه لثانية، ولا يدع شيئاً غير وهو متمم إكماله. يمكن لأنه كان يجد العمل يشغله. في منتصف اليوم، كنت جالساً في مكتبي. رن هاتفي. نظرت ووجدته سليم. ابتسمت ورديت عليه: "مرحباً يا رجل". "سأعود غداً". "تصل سالماً، في انتظارك".
أقفل وسعدت لمحادثته. عاش سليم وحيداً كل هذه الفترة. عاد لبروده وطبيعته وجموخه، وصارم وقليلاً ما يتحدث ونراه. هل تسألون عن أريا؟
انتقلت إلى رحمة الله. وكم كان موتها أثراً كبيراً علينا والحزن ملأ قلوبنا. كان سليم حزيناً كثيراً ويعاقب نفسه ظناً بأنه سبب موتها. لكني أخبرته أنه ليس لديه ذنب وأنها كانت مريضة. وكانت مرحلتها متأخرة ولا يوجد النجاة منها. وهو قد فعل ما بإستطاعته ولم يتركها للحظة. حتى أنه ضحى بسعادته من أجلها. وبقي تعيساً مهموماً شارداً لكي تسعد هي. فلا داعي أن يحمل نفسه أكثر من ذلك وأنها عند الله أفضل بكثير من هنا. فرحمها الله من ذاك العذاب.
اليوم التالي، بقيت ولم أذهب للشركة. رن هاتفي وكان سليم. ذهبت ورديت عليه. وعندما انتهيت، عدت ثانياً. نظرت أروى لي بتساؤل فقلت: "هذا سليم". "هل جاء؟ "أجل. يزور السيدة ياسمين وابنتها". أومأت برأسها ثم صمتت قليلاً وقالت: "هل تعتقد أنها ستأتي؟ "ألم تخبريها؟ "بلى. لكن تعلم أنها عادت منذ أيام ولا أريدها أن تضايق مني لأي سبب كان، أو تعود غاضبة أو حزينة. فهي تجاوزت الأمر بصعوبة".
صمت ولم أرد، فأنا لا أجد كلاماً أقوله. كانت ديما قد سافرت مع أخيها وابتعدت عن هنا ولم تتواصل مع أحد وانقطعت عن الجميع لفترة حتى بدأت في الظهور من جديد ومن ثم عادت. أخبرتني أروى أنها رأت ديما عند عودتها منفعلة ومبهجة ولا يوجد بها شيء كما غادرت. ديما قد عانت، لكن سليم عانى الكثير. لا أعلم عما مرت به ديما. لكني رأيت ما مر به سليم. ***
وصلت. ترجلت من السيارة. خلعت نظارتي السوداء الذي كنت أرتديها. تقدمت وقرعت الجرس وفتح لي الباب وكانت السيدة ياسمين. رحبت بي ودعتني للدخول. "العم سليم جاء". كان هذا الصوت من خلفها. نظرت ووجدتها جنى. ركضت إلي واحتضنتني. ابتسمت عليها. كانت ترتدي ملابس المدرسة الذي قدمتها لها فيها. قالت السيدة ياسمين: "جنى ابتعدي ليدخل". فردت جنى بحرج: "آسفة". دخلت وجلست قليلاً معها أسلم عليهم وأرى إن كان يلزمهم شيء.
أتحدث مع جنى قليلاً وكيف هي في المذاكرة ومدرستها. أخبرتني أنها سعيدة هناك وتحصل على علامات جيدة. فسعدت كثيراً لسماع هذا. لم أطل بللجلوس واستأذنت بالذهاب. "تعالي معي"، قلتها لجنى وأنا أمد يدي إليها. نظرت لي، اقتربت وأمسكت يدي وخرجنا. نظرت للحارس فاومأ لي بتفهم. فتح صندوق السيارة وأخرج هدية كنت قد اشتريتها إليها. سعدت كثيراً وقفزت إليه تأخذها. "لم يكن هناك داعٍ بأن تتعب نفسك"، قالتها السيدة ياسمين.
فقلت: "لا يوجد أي تعب في إسعادها". "أشكرك على كل شيء سيد سليم، إنك شخص نبيل. كان مصطفى محقاً في أن يؤمنك علينا، وجنى تحبك وتعتبرك بمكانته". نظرت لجنى وابتسمت ابتسامة خفيفة. فأنا مهما فعلت لن أسد مكانه والدها وافتقادها له وخصوصاً حين تكبر. لكن سأحاول قدر استطاعتي ألا تحتاج لشيء. ذهبت بعدما ودعتهم وكانت تلوح لي بسعادة مما أسعدني ذلك. *** رن هاتفي وكنت في السيارة. كان سامر المتصل. "ماذا هناك؟ "أين أنت؟ "لماذا؟
"أتتمزح، إنني في انتظارك". "نؤجلها لغداً. فأنا جئت من السفر للتو". "لا. هيا لا تتأخر". تنهدت وقلت: "حسناً". أقفلت الهاتف وأخبرت السائق أن يتوجه لمنزله. وصلت. ترجلت من السيارة. أخبرت الحراس أن يبقوا لحين خروجي. وتقدمت قرعت الجرس ففتحت لي الخادمة. "يا مرحباً بأخي العزيز". جاء الصوت من الداخل وكان سامر. اقترب مني. "ألم أخبرك ألا تتأخر؟ "هل هكذا تأخرت؟ "لا"، قالها بمزاح. نظرت له. ابتسم وقال: "لندخل".
دخلنا وقابلت أروى. رحبت بي. شكرتها وجلسنا. سألت سامر عن ابنته. أخبرني أنها جالسة بإحدى الغرف تلعب وإن كنت أريد أن أراها فأخبرته. بلا، فلا داعي لإزعاجها. مر وقت قليل ثم سمعنا جرس الباب. تعجبت، فهل ينتظرون أحداً؟ "علي الذهاب". نظر لي سامر. وقفت، فوقف هو الآخر وقال: "ما الذي تهذي به؟ وصلت للتو". "مرة أخرى يا سامر". ليقاطعنا صوت أنثوي من خلفي: "أين هي؟
لم أستوعب ولم أصدق أذناي، لكن صدقت دقات قلبي وذلك الشعور الذي لا أكذبه ولطالما كان صادقاً. نظرت ناحية الصوت. "لتعلمي أني جئت فقط لرماس وليس لك..... صمتت ولم تكمل كلامها عندما رأتني وتبدلت ملامحها. وقفت ونظرت لها. كانت ترتدي جيب أبيض وبلوزة وردية وتفرد شعرها بطريقة جميلة كعادتها. إن رأيتك للمرة الألف، لن تتغير تلك النبضة الذي أشعر بها حين أراك. هل أنتِ من تقفين أمامي؟
أشعر وكأني بحلم، حلم لا أريد الاستيقاظ منه أبداً. هل عادت حقاً؟ هل هي من تراها عيناي الآن؟ هل قابلتها ثانياً؟ "تعالي يا ديما". قالتها أروى لها وهي تتقدم منها. لكنها واقفه متصنمة وتنظر لي. ثم أبعدت أنظارها وقالت: "أعتذر. لم أعرف أن يوجد أحد". إنها تقصدني أنا. باتت تعتبرني أحداً بالنسبة إليها. "إنه سليم. اجلسي". نظرت لي ثم نظرت لها وقالت: "لا داعي. أين رماس؟ "هناك". أشارت لها أروى فقالت: "هل بإمكاني الذهاب إليها؟
"بالطبع". "عن إذنكم". لم تتطلع بي وذهبت. شعرت بالحزن. لكن يكفي أني رأيتها. نظرت لها وهي تذهب وعيناي لا تريد مفارقتها. نظرت لسامر وهل كان مخططاً لهذا؟ أحضرني حتى ألتقي بها. نظرت للغرفة الذي دخلت بها ديما. وجدتني أذهب إليها وأتركهم.
تقدمت منها وقفت عند الباب. نظرت لها. كانت جالسة على الأرض بجانب رماس والألعاب تشكلها محيطة بهم وكانت ترسم ابتسامة جميلة وهي تتطلع بهم. هي تبتسم ويا ضياعي أنا. عادت لي روحي بلقائك. كنت أعلم أن الدواء منك. أنك دوائي. فلما هذا البعد؟ كانا يضعون مكعبات فوق بعضها. بدت كطفلة مثلها تماماً. أم أني الذي أراها كذلك؟
اختلت توازن بنائهم. اقتربت منه وأمسكته. لكن ديما كان قد سبقتني. فطبقت يدي على يدها. نظرت لي. فنظرت لها. ثم تعانقت العينان. هل لي بأن أخبرك أن قلبي يسلم عليك؟ ألا تسمعي موجات صوته الذي يرسلها إليك؟ أليس هذا كلامك؟
اختفت ابتسامتها فور رؤيتي. ثم سحبت يدها بسرعة. نظرت لها ومن ردة فعلها. عادت لجلستها دون أن تعيرني اهتماماً كأني لست موجوداً. تنهدت ولم أكترث كثيراً. انحنيت وجلست بجانبهم. فكنت أريد أن أشارك الجلسة بأي طريقة. لطالما كنت أحب أن أشاركها في كل تفصيلة تعيشها. نظرت لها وكانت تعطي إشارات لرماس. تداعبها وتمرح معها. ولا تعلم أني أتابعها وهناك أنظار تثقبها. "كيف حالك؟
نظرت لي ومن وجودي بجانبها. أبعدت أنظارها لرماس ولم ترد علي. مما أحزنني تجاهلها كثيراً. فكم من الوقت مضى وتمنيت لقائها كثيراً. كنت أطالع نجوماً في الليل ويرسم لي وجهك. كانت ذكرياتك الشيء الوحيد الذي يلهمني للغد. كنت أعيش بعذاب من أجلك. بسبب ما تعرضت له مني. "ديما". قلتها نداء لها لعلها تتطلع إلي وتلقي علي نظرة واحدة يرتوي منها شوقي. لكنها لم ترد علي. اعتدلت ووقفت لذهاب. أمسكت يدها لكنها أفلتتها بغضب وقالت: "كيف تجرؤ؟
لم أصدق ردة فعلها لمجرد مسكي ليدها ولم تكن نيتي بسوء. "أعتذر. لكن هل جلستِ؟ "لا أجلس مع رجل غريب عني". كذبت أذناي وأن ما سمعته خطأ. ذهبت ولم تعيرني اهتماماً البتة. نظرت لها وهي تذهب. أخفضت رأسي بحزن وأسى. لماذا تهوى تعذيبي؟ كنت أركض بحثاً عنك. لكن والدك منعني بشدة وأخبرني أني أسبب لك الأذى. "سيد يونس، أخبرني أين هي ديما". قلتها له وكنت في مكتبه. فرد وقال: "ألم أحذرك مما تفعله؟
"لن أهدا حتى أعلم أين هي. حتى هاتفها قامت بتغييره. أين ذهبت؟ أرجوك". "إن جئت ثانياً سأتحدث مع الشرطة. ولهم الحرية فيما سيفعلونه بك". قلت بصوت مرتفع غاضب: "هل تراني مبالياً لأمري؟ أنا لا يشغلني غير ديما. أين هي الآن؟ "اخرج من هنا". "لن أذهب وسأظل آتي لك، لتخبرني بمكانها حتى لا أعرفها بطريقتي". "وما شأنك بها؟
أفق يا سليم من هذا التهور حتى لا أتخذ إجراء بشأنك. ديما سافرت. سافرت لأنها تريد الابتعاد عن كل ما يذكرها بك. لكي تستريح مما عانيته. ابنتي تريد الراحة. ألا يحق لها ذلك؟ شعرت بوخزة أيسر صدري وتبخرت كلماتي وزال غضبي. تستريح مني وذهبت لأن تنساني؟ هل ابتعدت بسببى أنا؟ "إنك سببت لها أذى كبير. هل لك بأن تتخيل أن أرى ابنتي بهذه الحالة واقفاً صامتاً دون أن أساعدها في تخطيك؟ نظرت له بشدة. تنهد وقال:
"لن تفهم لأنك لست أباً بعد". عن من يقول إنه لا يفهم؟ أنا! إنني أحترق بكلماته القاذفة نحوي. إنه يتحدث عن حبيبتي. حبيبتي الذي قمت بكسر قلبها دون قصد. "اذهب لزوجتك يا سليم ودع ديما ترى حياتها". "كيف لي بأن أشرح لك؟ صدقني هذا ليس زواجاً ولن يكون. إنه لـ...
"لا أريد أن أسمع شيئاً. لا يوجد أي مبرر واحد لك. صدقني أريد أن أخلق لك عذراً لكي أعلم أني لم أختر شخصاً خاطئاً لابنتي، فأنا من وافقتك عليك في البداية. لكنني قد أخطأت وأعترف بذلك. ولن أسامح نفسي لأني جعلتك تؤذي ابنتي بذلك الشكل". نظرت له وحزنت كثيراً. أنا لم أعد أعرف ما علي فعله. لما يحدث لي ذلك؟ ما الجريمة التي ارتكبتها؟ هل تشككوني بحبي الأبدي لديما الذي لم يقل لذرة واحدة لكل هذه السنين؟
تأتون أنتم وتجعلونني أشكك به. تظنونني أتلاعب بها. حتى أنتِ يا ديما تظنين أني لا أحبك. كيف لكم أن تتهموني بهذه التهمة الشنيعة؟ لما أخذوكي مني؟ لما تحرمينني منكِ أنتِ الأخرى بهذا البعد؟ لما تخلّيتِ عني يا ديما؟ لما لم تستمعي لي؟ أعترف بأني نذل وسببت لك الحزن والألم لكن بدون قصد. أنا مضطر.
منذ ذلك اليوم وكلام والدك عني يتردد في أذناي بشكل يومي. كل دقيقة أسمعه وأسمع توبيخه وحثه لي على أن أتركك بسلام. السلام والراحة الذي ستجدينها في ابتعادي عنك. استمعت له بالفعل عندما ربط كلامه بكلامك في ذلك اليوم وانكسارك أمام عيناي الذي شاهدته. صدقته كونى أذى كبير عليك. صدقت كونى خطأ اختيار. ويا ليتني لم أصدق.
أردت أن أخبره بصدق حبي. أردت لو أعطيتني فرصة لكي أشرح لك. لكنك ذهبتِ وتخليتي عني ولم تسمعي لي. أعلنتِ خيانتي لكِ وأنني مخادع دون أن تفهمي شيئاً. وتعلمي أن لا حياة بدونك.
أنا لا يغمض لي جفن وأنتم بعيدون عني. لا أعرف مكانك. لا أعرف إن كنتِ بخير أم لا. لا أعلم حالتك. كل ما يصوّر لي صورتك الأخيرة المحفوظة بذهني وأنتِ تخبرينني أنكِ ستنسينني البتة. مشهدكِ وأنتِ غاضبة ودموع تسيل من عينيكِ وأنا سببها. لو تعلمي كم حملت لكِ من حب لما كانت هذه ردة فعلك لرؤيتي.
جمعني الله بكِ من جديد وكأنه يخبرني أنكِ ما زلتِ لي، وستظلين لي. عاد لقائنا الذي لن أحله إلا بمسامحتكِ لي ومغفرتكِ الذي تيقنت بها في أحلامي وسماعها منكِ. أجل، كنتِ تزورينني وتحثينني على معرفة أين أنتِ. كنا نتبادل الأحاديث في أحلامي. كنتِ تميلين على كتفي وأخبركِ كم أتعذب بغيابكِ وأبوح لكِ ما عندي. قبلت يدكِ في الحلم. ليت شفاهي طمست قبل أن أجد طيفكِ يتلاشى من أمامي وأفيق على واقعي المؤلم.
نظرت لرماس وهي جالسة تلعب براءة. تذكرتها وهي جالسة بجانبها ومبتسمة ومجيئي عكر لها صفوها وجعلها تغادر مبتعدة عني. باتت لا تطيق جلوسي حتى. وقفت وخرجت من الغرفة. قابلت سامر. نظر لي. "أين كنت؟ *** "لماذا لم تخبريني أنه هنا؟ قلتها لأروى بتساؤل وأنا جالسة معها. صمتت ولم ترد. نظرت لها بشدة وقلت وأنا أتفحص ملامح وجهها: "هل كنتِ تعرفين؟ "أعرف ماذا؟
"أروى لا تدعي الجهل. لما لتخبريني أن آتي اليوم لزيارتك مادمتِ تعرفين أنه عاد وسيزوركم؟ "اشتقت إليك". "كنتِ معي منذ يومين. لما هذا اليوم؟ "بربك يا ديما لم يكن في نيتي شيء. اقترحته عليكِ وانتي وافقتي". لم أرد وتذكرتها وهي تحدثني وكان بالفعل قد اقترح ذلك اليوم وسألتني أن كنت أستطيع المجيء أم لا. لكنني وافقتها فلم يكن علي شيء. نظرت لها وصمت. تذكرته عندما تحدث معي فشعرت بالضيق. لكن تساءلت أين هي زوجته العزيزة؟
نسيت أن حياته بالخارج ولن يطيل ويعود لها. "هل تحدثتما؟ قالتها أروى بتردد. نظرت لها قلت ببرود: "ولماذا نتحدث؟ "لا أقصد. لكن كان بينكم... قاطعتها وقلت: "لم يكن بيننا شيء يا أروى. ولن يكون". تنهدت أخفضت أنظاري وأكملت: "إنه الآن متزوج. ماذا عساكِ لتقولي هذا الآن؟ نظرت لي بشدة وقالت: "ألا تعرفين؟ قلت بتعجب: "أعرف ماذا؟ "أن أريا توفيت من سنتين تقريباً". نظرت لها بصدمة ولم أصدق ما تقوله. هل أريا ماتت؟ لكن كيف؟
هل هو الآن ليس متزوجاً؟ تنهدت وقلت: "رحمها الله". فلا يجب أن نشمت في الموت. أجل، إنها ابتعدت بعدما كنت أفعل المستحيل بإبعادها. ذهبت بعدما دمرتنا. لكن لأقول أنه من اختارها، أو أنا من تدمرت. فهو كان يحبها. على كلٍ، إنها الآن عند الله. ولم أكرهها للحد الذي أسعد بموتها. رحمها الله. ما حدث كان ماضي. ماضٍ وانتهى ولا يوجد بيني وبينها شيء. ذهبت أروى. نظرت لها ثم عادت. اقتربت مني وأعطتني سي دي. "ما هذا؟
"ستجدين الحقيقة هنا. الحقيقة الذي لم تسمعيها وذهبتِ ابتعاداً عنا جميعاً". نظرت لها بعدم فهم فاكملت وقالت بتفسير: "تركت أريا هذا لكي مع سامر وأخبرني أن أعطيه لكِ". نظرت إلى السي دي بإستغراب. فما علاقتي بها لتترك لي شيئاً قبل مماتها؟ لم نكن أحباب بل كنت أبغضها وهي تعرف ذلك. فهل تركت لي ذكرى لأبغضها أكثر؟ ماذا تريد مني ثانياً؟ "ما الذي فيه؟ "ستعرفين حين تشاهديه". "وأنا لن أشاهد شيئاً". نظرت لي بشدة وقالت:
"لكن يا ديما، سليم... قاطعتها وقلت بلا مبالاة وهدوء: "سليم شخص دخل إلى حياتي وتلاشى كأي ذكرى عابرة". صمتت فهي لم تتوقع رداً كهذا مني. أو بتلك النبرة الذي تحدثت فيها. وكأنها تأكدت أنه لم يعد لي شيء به. "لنجلس بالخارج قليلاً". نظرت بتعجب وتقصد بالخارج كيف؟ معهم؟ "لا". "لماذا؟ "هكذا". لا أعلم هل تنتظر مني أن أجلس معه أنا؟ لا أريد رؤيته قط. "لماذا؟ نظرت لها من إعادة سؤالها ونبرتها. ونظرت الشك لي.
"لا تريدين الجلوس مع سليم؟ "لا شيء يا أروى". "لنخرج إذا". نظرت لها. وقفت. قالت: "هيا يا ديما". تنهدت بضيق ووقفت وذهبت معها. خرجنا وكنت أسير وكأني أود التراجع. وفي ذات الوقت لا أود أن أجعل من نفسي أحمق للمرة الثانية وغبية في عين أحد. إنه مجرد شخص لا يفرق معي. لتظهر قوتي وأنه لا شيء بالنسبة لي. أما ابتعادي عن الأماكن المتواجد بها عمداً، يوقنه أني أهتم به.
تقدمنا وجلسنا. وكان جالس مع سامر. نظرت له والتقت عيني بعينه. وكان يتطلع بي. أبعدت أنظاري. كانوا يتبادلون الأحاديث وكنت صامته. إلى أن قالت أروى: "ما رأيكم بأن نحظى بعشاء اليوم؟ نظرت لها. قال سامر: "فكرة جيدة. ولنجلس معاً لوقت أطول. ما رأيكم؟ لم أعلق. وهو الآخر صمت. نظرت له ووجدته ينظر لي. لم أفهم نظرته. وكأنه يرى إذا كنت موافقة أم لا. كم أنا غبية؟ هل ما زلت أصدق أني أستطيع فهمه؟
هل ما زلت أعيش تلك الأكذوبة بأني أرى صدق عينيه؟ عينيه الذي قامت بخيانتي وتلقيت منه أكبر صفعة بحياتي. "هل لديكم مانع؟ قالها سامر بتساؤل. فرد عليه وقال: "لا". فردت أنا وقلت ببرود: "أجل". نظروا لي بأستغراب. فأردفت قائله: "لا أريد أن أتأخر على العودة. لتستمعوا أنتم". نظرت لي أروى بشدة وقالت: "هل ستعودين اليوم؟ "أجل". "إنك لم تبقي غير ثمانية أيام".
صمت ولم أرد. فكنت أعيش بالخارج مع أخي. فهو يدرس هناك وأنا أقيم معه. كان أخي من بقى معي كل هذه الفترة. وهو من اقترح علي أن أذهب معه ووافقت ابتعاداً عن هنا. وكانت فكرته جيدة. فاستطعت أن آخذ أنفاسي هناك وأنا معه دون قيد يخنقني ابتعاداً عن الجميع. "لتبقي يا ديما". "لا أستطيع يا أروى". فدراسة إياد ستبدأ ويجب أن يعود وسأعود معه.
"لتأتي معنا اليوم إذا. فأنا أشتاق لجلستك. لن يحدث شيء إذا شاركتينا العشاء. إنك ذاهبة على كل حال". ماذا أقول لك؟ كيف أفهمك أني لا أريد؟ نظرت لها قلت: "لا". نظرت لي بحزن. فجاء صوت وكان هو: "لن أذهب". نظرنا له فاكمل وقال: "بإمكانك أن تذهبي إن كنتِ سبب رفضك. فلن أذهب. لا أريد أن أزعجك على أي حال". "لست السبب سيد سليم". قلتها ببرود. نظر لي. فأردفت قائله:
"لا علاقة لك بالموضوع. إن كنت لا تريد الذهاب فهذا يعود لك. أما أنا التي أرفض وبدون سبب". كنت أقول كلماتي بهدوء وثقة. وكان هو ينظر لي وصمت ولم يعلق. أبعدت أنظاري. فأنا أشعر بالضيق حين أنظر له. أتذكر كيف كنت غبية وما زلت. أرى غبائي عندما أراك. "هل توافقين من أجلي؟ نظرت لاروى. قالتها برجاء. تنهدت وكنت سأتحدث.
"إن اعترضتِ لن أسمح لكِ بالذهاب. لن تبقي معنا كثيراً وتريدين العودة بهذه السرعة. هل تعلمين هذه فرصة من أجل أن أبقيكِ". نظرت لها ولم أعلق على كلامها. كان الأمر منهياً بالنسبة لي. لكن إصرار أروى أرغمني على الموافقة. فكنت أريد أن أخبرها أن تصمت. فنحن لسنا بمفردنا. كان يتطلعون بي حتى وافقت. فابتسمت وكأنها انتصرت علي. كنت قد بدأت أتضايق من تلك الجلسة الذي تجمعني به. أخبرتها أن نذهب. فأومأت لي وذهبنا.
حل المساء. أخبرتني أروى أنها ستذهب لتجهز نفسها. أومأت لها بتفهم. جلست بمفردي. نظرت في الساعة. ثم وقعت عيناي على ذاك الاب توب. نظرت له وجاء في خاطري شيء. نظرت إلى السي دي الذي أعطتني إياه أروى. وقلت أني لن أراه. نظرت له وإلى الاب توب. سرت تجاهه وجلست ثم فتحته. وكنت مترددة. لأن قلبي هذه المرة هو من يحركني. ذاك الغبي لقد عاد لحماقته.
زفرت بضيق وأدخلت السي دي. أغمضت عيناي. وكأني فتحت جرحاً حاولت تضميده كل ذلك. لكنه لم يزول. "ديما". كان هذا صوت أنثوي منهك. رفعت أنظاري إلى الاب توب. وصدمت حين وجدت أريا جالسة على فراش. كان شعرها منساقط. وجهها شاحب مصفر. لم أصدق ما تراه عيناي. أني تعرفت عليها من لون عيناها. هل هذه الشقراء الذي كنت أغار منها ولجمالها ولبشرتها وجسدها وكل شيء فيها؟ كيف باتت هكذا؟ "أتمنى أن تري هذا الفيديو. سجلته لكِ لكي أعتذر منكِ".
نظرت لها بإستغراب. أكملت وقالت: "أعتذر منكِ ومن سليم. صديقي الذي استغللته بسبب حبي الشديد له. فأردت أن يكون معي بأي طريقة. لأني لم أكن أريد سواه". جمعت قبضتي بضيق. فلماذا تقول لي هذا؟ فلقد تزوجها وحدث ما كانت تتمناه. لما تخبرني بذلك؟ تريد أن تغضبني؟ ألا يجب أن تتقي يوماً لمماتك؟ "لكن سليم كان يهتم بي ولم يكن يتركني. تحت مسمى الصداقة. كان يشعر بالذنب. يظن أن مرضي قد زاد سوءاً بسببه". صدمت. فهل قالت مرضها؟
هل مرضها قد اشتد عليها؟ وها هي في الفيديو طريحة الفراش.
"علمت أنكم ابتعدتم. ولم يعد بينكم أي صلة. وذلك بسببي. لا أعلم عما دار بينكم. لكنني كنت متأكدة من حدوث شيء كهذا. لم أبالِ. فأردت سليم أن يكون معي. لكن سليم لم يتركني ولم يبتعد أو يتخلى عني كما أردت. لأنه كان يعرف أن لا نجاة لي من الموت. فلم يكن هناك أي نسبة لشفائي. وقد احتل المرض جسدي. فلا يوجد فرار من مصيري. ليس كما ظننتي أنه يحبني وكان يستغلك. بل هو أحبك بصدق شديد. رأيته بأم عيني. كان يعاني من كثرة التفكير فيكِ. كنت أراه شارداً حزيناً مهموماً. زالت بسمته الذي كنتِ أنتِ سببها. لم يستطع أحد أن يجعل سليم يضحك أو يبتسم كالبقية غيرك. أنكِ أنتِ فقط يا ديما من تحتلين قلبه. كنت أرى انكساراً به يخفيه عن الجميع. يظهر ثباتاً من الخارج وداخله عكس ذلك".
تجمعت بعيني دموع. أخذت نفساً عميقاً لكي أتماسك.
"كنت أشاهده يومياً بسبب بقائه معي في المشفى طوال اليوم. أراه في الليل حتى أنام وهو لا يغفل. كان ينظر لخاتمكِ الذي لم تخلعيه لحد الآن. ينظر إليه وكأنه يتذكركِ. برغم كل ما رأيته من سليم. وكان علي أن أرد ديني له. أنانيتي لم تسمح لي بأن أخبره أن يذهب لكِ. أردت أن يكون معي حتى وإن كان عقله وقلبه لكِ. أردت أن يكون هو لي. لم أعلم أنه سيكون تعيساً لهذا الحد وأسبب هذا الكم من الحزن إليه. كنت أعلم لكنني كنت أكابر. أنني خذلته وخذلت صداقتنا. فكيف لصديق أن يفعل ذلك بصديقه؟
والثاني يضحي من أجله. أعترف أني أنانية كثيراً. لكن حبي له أعمى. أردت أن أنفرد به. تماديت في أنانيتي وتمادى قلبي الذي سبب الأذى لمن أحبه". اخفضت رأسي وحزن طغى على قلبي. جمعت قبضتي واتمالكني. "أعتذر منكِ ومن سليم. أعتذر منكما أنتما الاثنان. عندما ترين هذا الفيديو لا أعلم هل سأكون موجودة أم لا. لكن أتمنى أن تشاهديه سريعاً. سامحيني يا ديما. عودي لسليم. لا ذنب له. أنه من تعذب أكثر من أي أحد". "لن أسامحك".
قلتها بصوت ضعيف هامس يكبح دموعاً على وشك التساقط. ليتني لم أشاهد شيئاً. ليتني لم أرى الحقيقة. ليتني بقيت غافلة عنها. لن أسامحك يا أريا. أنكِ دمرتينا بحبكِ الجنوني له. اخترتِ سعادتكِ على حساب سعادتنا نحن. لا أعلم هل أفرح فيكِ أم أحزن لحالتكِ. لا أعلم لماذا فعلتِ هذا. لماذا فعلتم هذا جميعاً؟ لن أسامحكم. أنتِ لا تعلمين عما مررت به في كل يوم في هذه الفترة. بسببكم أنتما الاثنان. "ديما".
كان هذا صوتها لأروى. سحبت السي دي بسرعة وأقفلت الاب. دخلت ونظرت لي. حاولت أن أخفي عيناي. قلت: "هل انتهيتِ؟ "أجل. لنذهب". أومأت لها وذهبت معها. بعدما أخذت نفساً واعتدلت وتأكدت أن لا شيء يظهر علي. ونحن نسير للخارج تذكرت هاتفي. فكان ليس معي. علمت أني نسيته. قالت أروى عندما توقفت: "ماذا هناك؟ "هاتفي لقد نسيته. سأحضره". أومأت لي فذهبت. دخلت إلى الغرفة الذي كنت جالسة فيها. بحثت عن الهاتف. أين هو؟
ظللت أبحث حتى وجدته. كان على المنضدة. تنهدت وذهبت. خرجت وتوقفت عندما وجدته واقفا. تذكرت كلام أريا عنه. نظر لي. فألقيت أنظاري بحثاً عن أروى وسامر. "أين هم؟ قلتها بتساؤل. فرد علي وقال: "ذهبوا عندما تأخرتي. أخبروني أن نلحق بهم". نظرت له بشدة وضاقت ملامحي: "ذهبت أروى وتركتني". "سبقونا ليس إلا". "وهل ظنت أني سأذهب معك؟ كيف تتركينني مع رجل غريب من الأساس؟ نظر لي. فامسكت هاتفي وهاتفتها لأروى وأنا مشتعلة غاضبة. "ديما".
قالها وهو يقترب مني. فرجعت للوراء بضيق. فتوقف عندما شاهد رده فعلي من تقربه. "توقفي". قالها برجاء. بينما أنا لم أعره اهتماماً. لم ترد أروى على الهاتف. التفت لأذهب. فامسكني. أبعدته عني وقلت: "من تظن نفسك؟ "اهدئي يا ديما". "ابتعد". "حسناً اعتذر. لكن توقفي رجاءً. الناس يتطلعون بنا".
نظرت له. فقد قالها بحرج ورجاء. وكنت بالفعل أسبب الحرج له. كانت الأنظار حولنا بسبب صوتي وغضبي عليه. نظرت له وكنت قد هدأت. لكنني ما زلت متضايقة كثيراً. أشار لي. تنهدت وسرت تجاه السيارة بتردد وأشعر بالغضب الشديد. لكن في نهاية المطاف ركبت معه. ودلف هو الآخر وذهب. كنا طوال الطريق صامتين. أنظر للنافذة وكأنه غير موجود. كنت أريد أن نصل بأسرع وقت. فلا يعجبني ما أنا فيه. "لما ابتعدتِ؟
كانت تلك الجملة منه. لم أنظر له ولم أرد. فماذا يقصد بما قاله. وجدته أوقف السيارة. لم أعلق. وكان بيننا الصمت بلحظات. "لماذا لا تنظرين إلي؟ "اذهب". قلتها مغيره الحديث. فصمت قليلاً ثم قال: "كنت أراسلك يومياً. لم أعلم أنكِ غيرتِ رقمك. لماذا غادرتِ؟ كان يتحدث بنبرة حزينة شعرت بها. وحزنت وتضايقت وتسرب إلى الغضب. لأني حزنت وتأثرت به. وأنه يقلب في شيء قد فات. "اذهب". قلتها بحده. نظر لي. فنظرت له وقلت بغضب: "ستذهب أم أنزل؟
"لما تحدثينني هكذا؟ قالها بنبرة منكسرة لم أعهدها منه من قبل. فزاد غضبي لأني خدعت به. التفت وامسكت مقبض الباب وفتحت لأنزل. فأمسك يدي وأجلسني. أفلتها بقوة. "اعتذر". قالها بحزن وقلة حيلة. نظرت له. تنهدت ونظر أمامه وأدار المحرك وذهب. لفت انتباهي يده وخاتمه الذي بالفعل لا يزال يرتديه وبحوزته. لم أهتم. ونظرت أمامي.
وصلنا. وكنت أنظر لتلك الشوارع الذي يسلكها وتعجبت من وجودنا هنا. فكانت شوارع أعرفها جيداً. وصلنا إلى المطعم. ترجلت من السيارة ودخلنا. وكنت أسبقه. فأنا لا أريد السير معه. كان أروى وسامر ينتظرونا. نظروا لي وله. "لما تأخرتم؟ قالها سامر بتساؤل. لم أرد. وصمت هو أيضاً. نظروا لنا. ثم أخذت أروى. فكنت غاضبة منها كثيراً. "لما ذهبتم وتركتموني؟ "كان سليم معك". "تلك هي المشكلة يا أروى. إنه غريب عني. كيف تتركينني معه؟
"لم أعلم أن الأمر سيضايقك هكذا. لما أفكر في هذا؟ نظرت لها وزفرت بضيق. ثم ذهبنا. تقدمنا وجلسنا معهم. وكنت. نظروا لي ولم يعلقوا. فكان هو الآخر صامتاً. كنا لا نتحدث. كان أروى وسامر يطالعونا ويحاولان أن يتناقشا. لكني لا أرد على أحداً. كنت أكتفي بالجلوس وأجيد الصمت. انتهينا. وسعدت لأني ذاهبة. خرجنا. "سامر". قالها سليم نداء له. فاقترب منه وقال: "ماذا؟ "انتبه عليكم". نظرنا له بإستغراب وبما يقصد بالانتباه.
"حسناً. إلى أين أنت ذاهب؟ "مكان قريب من هنا. من ثم أعود". نظر لي. فأدرت بوجهي بلا مبالاة. أخبرتني أروى أن نذهب. ركبنا السيارة. ثم دخل سامر وقاد مبتعداً من هنا. نظرت خلفي من الزجاج. وكان ينظر لي. تنهدت ونظرت أمامي. رن هاتفي. نظرت ووجدته إياد. رديت عليه. "أين أنتِ؟ "عائدة". "أخبريني لأخذك لنصل للمطار سوياً". صمت قليلاً. وكان دقات قلبي تعلو. تنهدت وقلت: "سألقاك هناك". "حسناً".
أقفلت الهاتف. وأخبرت سامر أن يتوجه إلى المطار. نظروا لي بشدة وأني ذاهبة. لكن أومأ لي بالموافقة. ها أنا أقدم للابتعاد. سأذهب ثانياً. وأتمنى حين عودتي ألا نتقابل ثانياً. ***
كنت أقود السيارة متوجهاً لمكان سيخرجني من الحزن الذي أنا فيه. أتذكر معاملتها الجافة وتحدثها معي وخوفها مني وابتعادها عني كونى رجل غريب عنها. وعادت لوضع فوارق وحواجز بيننا كأنها لا تعرفني. ابتعدت لأميال وسار سد بيننا يحجب الرؤية. حتى أني أبعدت عيناي عنك خشية أن أضعف وتغضبي. فالثبات أمام عينك جهاد.
لكن استوقفني شيئاً حين كنتِ معي في السيارة وكنتِ ستنزلين. وأمسكتك. التقت عيناه انعكاس ضوء لشيء على رقبتك. كانت قلادتي. قلادتي الذي ألبستها لكِ وحذرتكِ من خلعها. فكيف هي معكِ؟ شعرت بسعادة لرؤيتها. لكن سرعان ما اختفت سعادتي بسبب معاملتكِ لي. إن كنتِ ما زلتِ تحبينني لما تكابرين وتعذبينني؟ صدقيني لقد تعذبت كثيراً. للحد الذي لو علمتِ بما مررت به، لفتحتِ لي ضلعيكِ وتواسيني كما كنتِ تفعلين.
توقفت بالسيارة عندما وصلت. تنهدت وترجلت من السيارة. نظرت أمامي وسرت لداخل هذه الحديقة. إنها ذاتها الذي جعلتني أقابلها وجمعتني بصغيرتي. هل يحق لي القول عنها ذلك لحد الآن؟ لطالما كنتِ صغيرتي. أخشي عليكِ وأخشي علي منكِ. أذيتكِ كثيراً. أذيتنا نحن الاثنان. لماذا لم تعطني فرصة لأن تسمعيني وأفهمكِ الأمر؟
وأنا ابتعدت عنكِ عندما رأيتني أؤذيكِ بهذا الشكل وأن الجميع يرى كم تتعذبين بسببي. لقد حرمتني منكِ لسعادتكِ وراحتكِ. بينما راحتي كانت راكضة إليكِ يومياً. لم أرى راحة منذ ذلك اليوم. بل كنت أعيش في جحيم. تقدمت ونظرت حولي. وأتذكر ذكرياتي الطفولية الذي لم أعيشها غير معها هي. ذلك الولد يتمنى لو أن الوقت لم يمضِ. يتمنى لو تعاد ذكرى له مع صديقته. الذي كان يمتلكها دون أن يستطيع أحداً إبعادها عنه. لماذا كبرنا؟
ولماذا لم تبقي أنتِ صغيرة؟ لما يفرقنا القدر ويعاد تجميعنا؟ أعلم أنكِ لن تكوني لي. فأنا من ضيعتكِ بيدي. لكن أتمنى ألا تكوني لأحد غيري.
كان علي أن أفعل ذلك لأريا. لم أستطع تركها. وأنا من أعاد مرضها. لم أقترب منها. كنت أبقى معها وأدعو أن تشفى فقط. كنت أعذب وأنا أتذكركِ بكل شهيق أخذه. كنت أكتم داخلي الوجع والألم ولا أحد يعرف عنه غيري. كتب علي أن أضحي بسعادتي من أجل الجميع. شخص مثلي ليس من حقه أن يسعد أو تكتمل سعادته يوماً. مقدر لي أن أكون هكذا وأنا راضٍ بقدرى.
جلست وأنا أشعر بالاختناق. فتحت أزرار قميصي. ونظرت للسماء. وبداخلي جبل من الهموم. أريد البوح به. لقد هلكت من الكتمان والصمود. ولم يعد لي طاقة لهذا. اخفضت رأسي وأغمضت عيناي بضيق. "تبدو متعباً". رفعت وجهي ونظرت للصوت. ووجدت طفلة صغيرة في الخامسة من عمرها. ذو الشعر الصغير والعينان الممتلئة بالبراءة. احمرت عيناي وأنا أنظر لها. وشعرت بحرقة بهما أثر دموعاً تتجمع. وقد تحررت من قيودي وتريد الخروج. "هل أنت حزين؟
قالتها ببرائة. فسالت دمعة من عيني وأنا أنظر لها. وكم اشتقت لصغيرتي. كم تمنيت أن أراكِ ثانياً. "أنا آسف حبيبتي". "على ماذا تتأسف؟ "لأني آذيتك. أنكِ الآن مجروحة مني. ابتعدتِ عني كثيراً. وأنتِ الآن في طريقك للابتعاد وتركى". "لم أبتعد". نظرت لها. أضافت بابتسامة هادئة: "أنا معك دائماً".
سالت دموع من عيني وأنا أنظر لها وملامحها. أعيدها لذاكرتي. مدت يدي لألمسها. فقد اشتقت إليها. لكن وجدت ذلك الطيف يتلاشى من أمامي. وأفيق على واقعي المؤلم. لم يكن سوى صورة لحلم لن يتحقق. أنتِ لستِ هنا. أنتِ منبعثة من داخلي ليس إلا. *** كنت جالسة وأتذكره. كنت أشعر بشعور فقدته. كنت أقلب أحداث اليوم المتسارعة. ما سمعته وشاهدته. "أوقف السيارة". قلتها لسامر. نظرت لي أروى. قال سامر: "هل هناك شيء؟ "توقف يا سامر".
قلتها بإنفعال. فتوقف على الفور. نظروا لي. فتحت الباب وخرجت دون أن أتحدث بكلمة. كنت أركض. فأنا أعرف هذه الشوارع جيداً. لماذا حدث معنا ذلك؟ لماذا تفرقنا بهذا الشكل وعاش كل منا بعذاب؟ لما تحملنا ما لا قدرة لنا على تحمله؟
وصلت إلى المكان الذي حددته. وجدت سيارته موجودة. إذا كنت محقة. أنت أتيت لهنا. دخلت إلى الحديقة. التفت بأنظاري بحثاً عليه. إلى أن وجدته جالساً ويخفض رأسه ويمسكها بكلتا يديه. نظرت له وسرت تجاهه ببطء وأنا أطالعه بحزن من جلسته. اقتربت منه وأصبحت أمامه وهو لا يشعر بي وبوجودي. انخفضت وجلست على ركبتي وأصبحت مقابله. قربت يدي وأمسكت يده الذي يمسك بها رأسه. فرفع رأسه ونظر لي. وجدت دموعاً على وجه. لم أصدق. هل كان يبكي؟
نظرت لعينيه والحزن الذي بهم. وهو ينظر لي وكأنه غير مصدق أني أمامه. بينما أنا أطالع ملامحه المنهكة. فكم من الحزن خبأت يا سليم لأراك ضعيفاً هكذا. قربت يدي من وجهه ولامسته. فقد اشتقت إليه كثيراً. نظر ليدي وكنت أمسح دموعه. اخفض عيناه وقال بحزن وصوت ضعيف: "ديما. سامحيني".
لم أعلق على كلامه. فتحت ذراعي إليه. نظر لي وكنت أرسم ابتسامة خفيفة حزينة. اندفع إلي وعانقني بشوق. فبادلته العناق وسالت دموع من عيني بصمت. أخرجت العذاب الذي تعذبته لثلاث سنين لبشاعة أفكاري وأنت مبتعد عني. "لما فعلت ذلك يا سليم؟ لما جعلتني أكرهك بهذا الشكل؟ لماذا أوصلتنا لهنا؟ أصبحت أنا الطرف الذي يبكي. فهذا العناق أضعفني. طوق علي بذراعيه ومسد على شعري وقال: "أحمق. لطالما كنت أحمق معك. فلتغفري لي حبيبتي".
"هل أحببتني حقاً؟ قلتها ببكاء. فأنا لم أعد أعرفك وأفهمك. "لم ينبض لأحد غيرك". توقفت عن البكاء. أبعدني برفق. رفعت أنظاري إليه. وكان يطالعني. إلى أن قال: "ديما. تتزوجينى؟ *** مرت أربعة شهور. توقفت بالسيارة. فكنت قد وصلت. "سليم. إلى أين تأخذني؟ قلتها له بتساؤل. فكنت أضع عصبة على عينيها. فتحت باب السيارة لها وأمسكت يدها وقلت: "هيا". أمسكت يدي بخوف. ابتسمت عليها. "أين نحن؟ "ستعرفين بعد قليل".
سرت وكانت تعتمد علي. لأنها لا ترى. وأنا أطالعها. كنت قد أحضرتها لمنزلها. المنزل الذي ستشاركينني فيه عما قريب. أحضرتها بمفردها دون فوارق أو حواجز أو خوف. ديما الآن زوجتي. فلقد عقدنا قرانا منذ أسبوعين بعد خلافات كثيرة حدثت مع والدها بسبب رجوعي لها. لكنني لم أتركها حتى وافق أخيراً. وها هي الآن معي. حاولت خلال هذه الفترة أن أفعل لها ما ينسيها عما قد مر. حاولت أن أعوضنا نحن الاثنان عن معاناتنا في الفراق الذي طال. لكنه قد حل.
توقفت فتوقفت معي. اقتربت منها. "هل وصلنا؟ لم أرد عليها. قمت بفك الرباط وحررتها. ابتعدت عنها. فتحت عيناها ونظرت لي. ثم نظرت حولها وارتسم على وجهها الدهشة. "سليم. أ... أين نحن؟ "إنه قصركِ أميرتي". نظرت لي بصدمة وشهقت. وضعت يديها على فمها وهي تتطلع حولها. "لقد وعدتك أن أبني لكِ قلعة. أعتذر لأني نكثت وعدي". نظرت لي بشدة. قالت بسعادة: "هل تمزح معي؟ اقتربت مني وعانقتني. ابتسمت ابتسامة خفيفة وبادلتها العناق. "أحبكِ".
قلت ذلك لها. فهي السعادة الذي طلبتها من الله يومياً. لا أصدق أن أحلامي تتحقق. مر أربعة أيام. وقد تم زفافنا الذي حضرت له كثيراً ليكون لائقاً بحبيبتي وتسعد. كان هذا اليوم رائعاً. لا أريده أن ينتهي. وفي ذات اليوم كنت محترقاً وأغار من الأنظار الذي تثقبها. أريد أن أغادر وهي معي بأي طريقة.
دخلت إلى الغرفة. كانت واقفة في منتصفها كالملاك بذلك الفستان الأبيض وذلك الوجه البريء. كانت تتطلع في الغرفة. فأنا صممتها كما تريد هي. نظرت لي. توترت. ابتسمت عليها. أمسكت بيدها. أجلستها وجلست مقابلها. "هل فعلت كل هذا من أجلي؟ "لا". عقدت حاجبيها. قالت: "لا! كيف هذا؟ هل ستتزوج من امرأة أخرى وأنا لا أعرف؟ لذلك أخذت هذا القصر ليتسع لك؟ ابتسمت. قلت: "مستحيل. ولا تتفوهي بهراء".
أدارت بوجهها بإنزعاج. امسكته وأدرته إلي. كانت كالطفلة. "وجب علي وعد. وكان علي تنفيذه". نظرت لي. ثم ابتسمت. فكنت أقصد وعدي لها ونحن صغار. قالت بمزاح: "لكنك كنت ولداً وكنت طفلة في هذا الوقت". "وهل هذا يعني أني لا أفي بوعدي؟ ابتسمت. وقالت بمزاح: "اتخذته كوعد رجال إذا". "بل كعهد علي". نظرت لي. مددت يدي في جيبي. نظرت لي. وتفاجأت. فكان طوقها. ذلك مشبك الشعر الذي وقع منها لآخر لقاء بصغيرتي. "تساءلت لما هذا معك؟
"كان ذكرى منك. كلما اشتقت لك أنظر إليه وأتذكرك. تعاهدت أن أعيده لك في الوقت المناسب". نظرت لها. اقتربت ووضعته بشعرها. وأرجعت خصلاتها به. نظرت لها. وتجسدت صورتها وهي صغيرة. "وماذا إن لم نكن لنلتقي؟ كان سيبقى معك؟ "كنت سأقلب الدنيا رأساً على عقب. لألتقي بصغيرتي". خرجت ضحكة خفيفة منها. ابتسمت. ثم نظرت لي وقالت: "لكن القدر جمعنا بهذا". نظرت لها. وكانت تشير على جسدي أسفل صدري. أضافت بمزاح:
"هذا ما جمعنا. أنك معك جزءً من كبدي. أي أن هناك رباط بيننا". أبتسمت. رفعت أنظاري إليها. قلت: "أنتِ معكِ قلبي". نظرت لي وصمتت. أمسكت يدها. قلت: "ما عساي لا أحمل كبد المعاناة من أجل جزء كبد. بل معاناتي كانت من قلبي. وأريد أن تكمل معاناتي على يديكِ أنتِ فقط". وسط الحديث. هي ابتسمت ونسيت ماذا أقول. فعيناها تجيد دوماً إرباكي. لا زلت أبحث عن سر تعلقي. تعلقي الشديد بكِ.
لقد جاء اليوم الذي سنعيش فيه معاً إلى الأبد. بعفويتنا. بضحكاتنا وأفراحنا وأحزاننا. سنمضي أيامنا بالطريقة الذي نريدها. أننا تزوجنا وسنكمل حبنا في عالمنا الخاص. ذلك العالم الذي بنيناه معاً بكل حب. النهاية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!