الفصل 49 | من 50 فصل

رواية كبد المعاناه الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم نور ناصر

المشاهدات
20
كلمة
4,663
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

توسعت عيني وبقيت أحدق بشدة وقلت: ماذا؟ سافر؟ تأثرت كثيراً مثلك، لم يعلمني هو أيضاً ولم يعطني خبر مسبق. اتصلت به فأخبرني أنه ليس في البلد وغادر. صمت ولم أعلم ما الذي أقوله. "الم تكوني تعرفين أنتِ الآخرة؟ "لا." تنهدت وأضفت: "شكراً يا سامر." أغلقت الهاتف وأنا لا أصدق، هل سليم سافر حقاً؟ كيف هكذا من يوم وليلة؟ لماذا إذاً لم يخبرني أو يتصل بي على الأقل؟ كيف تفعل هذا يا سليم وكأنك لا تهتم لأمري أبداً؟ كيف تتركني وتذهب؟

هل أنت غاضب مني لما فعلت؟ لذلك اعتذر لك، لكن لماذا تسافر؟ ويقول سامر أنك لم تعلمه أيضاً؟ هل تتصرف من عقلك؟ أخذت طائرتك وقلعت ونحن نظن أنك هنا ونتفاجأ أنك على بعد أميال. أشعر بالغضب الشديد من فعلتك هذه ولن أتحدث معك ثانياً لتتعلم، أنك أخطأت بفعلتك وكأنني لست بحياتك. كنت جالسة وحزينة وغاضبة في آن واحد لأنه لم يتصل بي لحد الآن اعتذر أو يبرر سبب سفره هذا. مر اليوم ولم أسمع صوته من سليم.

حتى رن هاتفي في المساء حيث كنت جالسة مع أمي. نظرت فوجدته سليم، ابتسمت وذهبت لأرد عليه. قبل أن أفتح المكالمة تذكرت ما فعله، فغضبت ومثلت الضيق. رددت وقلت: "ماذا تريد؟ قلتها ببرود ليأتيني رداً منه: "اعتذر." كنت مشتاقة لصوته كثيراً مما زال غضبي، لكن نبرته كانت غريبة ولم أفهمها. قلت: "هل أنت بخير؟ "أجل." "لماذا سافرت دون أن تخبرني يا سليم؟ "طرأ أمر وكان علي الذهاب." "ولماذا لم تتصل بي منذ ذلك اليوم؟

"اعتذر يا ديما، لم يكن بيدي." لم أود أن أضغط عليه فيبدو ليس هذا وقته وكأنه مهموم وحزين. قلت: "متى ستعود؟ "لا أعلم." صمت قليلاً بحزن وقلت: "تعود سالماً." قلتها وكأنني أنهي المكالمة الذي تبدو منطفئة من البداية، فأنا أريد الحديث معه لكنه يبدو أنه لا يريد أو ثمة شيء يشغله، حتى أنني شعرت أنه يتصل بي ليس سوى لأنه يجب عليه فعل هذا.

أغلق المكالمة بينما أنا طالعت الهاتف بحزن، فظننت أنه سيخيب ظني ويتحدث معي، لكن ظني لم يخب هذه المرة. مرت أيام ولم يتحدث معي ثانياً منذ تلك المكالمة، حيث أصاب قلبي الحزن والتضايق منه كثيراً. هل أعماله تشغله لذلك الحد؟

حل علينا الشهر الكريم وبدأ الصيام. وبدل من أن أكون سعيدة كنت مهمومة بك، وتفكيري يشل كعادته إليك. صليت الفجر ودعيت لك أن كان لديك كربة أن يحلها الله ويفرجها من عنده، فهو عليم بكل شيء. وأنا أضع لك عذر غيابك هذا، فإن بعض الظن إثم، والغائب لديه حجة. وحججي لك كثيرة يا سليم، فلا أحب أن أجعلك بعيداً مخطئاً أبداً، أريد أن تكون أنت الصح وأنا الخطأ. لكنني حزينة كثيراً يا سليم. تتذكر عندما أخبرتني أنك لا تريد أن ترى حزناً على وجهي؟

أنا حزينة الآن ومشتاقة إليك كثيراً. كم خططت لهذا الشهر وأن تقضيه معي، لكنك الآن بعيد. كم تمنيت أن اليوم الأول في رمضان تشاركني إياه. متى ستحين عودتك؟ جاءت آية في بداية اليوم باكراً، كنت أظهر سعادتي بينما من داخلي غير ذلك. لكن من منا سيحزن في رمضان المبارك الذي يحل علينا من سنة لأخرى؟

أمهلت نفسي بأنه قريباً سيعود. وقضيت اليوم مع عائلتي وتمنيت أن تتصل بي تعيد علي تسألني كيف مر اليوم، لكنك لم تفعل. كم يؤلمني قلبي من تجاهلك لي وكأنني شيء عابر بمجرد أن سافرت لا تتذكره. كيف لك أن تكون بهذه القسوة وقلبي يشتعل بنيران الاشتياق واللهفة لرؤيتك والتفكير فيك ملياً، أنك تأخذ وقتي كله ولا حاجة لي بوقت منفرد عنكم.

مر سبعة أيام على غيابك وأنا في حالتي هذه. في الصباح رن هاتفي فذهبت إليه سريعاً فأنا أنتظر أي هاتف منك. وبالفعل ابتهج قلبي عندما وجدته أنت. رددت عليك وقبل أن أتحدث سبقتني وقلت: "بعد قليل سأصل." ابتسمت ولم أستطع أن أوصف لك مدى سعادتي بهذا الخبر الذي حل علي. "حقاً؟ "أريد مقابلتك."

كانت نبرتك جافة ولم أفهمها، لكنني سعدت وكنت أنا الأخرى أريد رؤيتك بشدة. سألتك أين فأخبرتني بالمكان ثم أغلقت. ذهبت لغرفتي وبدلت ملابسي ورتبت حديثاً معك وأسئلة كثيرة أطرحها عليك. أين كنت وماذا حدث لتذهب؟ ولماذا لم تحدثني؟ أسئلة كثيرة داخلي، لكنني أعلم أنه فور رؤيتي لك سيتلاشى كل شيء. حتى الغضب والضيق الذي كنت سأحاول أن أمثله عليك من أجل أن تصالحني سيتلاشى وأخبرك كم اشتقت إليك، فأنا كالحمقاء أمامك.

أخبرت أمي أنني ذاهبة لمقابلة سليم. سألتني: "هل جاء؟ "أجل، حدثني وهو في طائرته ويريد مقابلتي." "هل سيأتي لمقابلتك هكذا سريعاً؟ ألا يجب أن يستريح من السفر؟ قالتها أمي بتعجب وكنت بالفعل أتساءل عن هذا، فأنت بإمكانك أن تتصل تخبرني أنك جئت ونتقابل في الليل. لماذا هذه السرعة؟ ذهبت إلى المكان الذي أخبرني. نظرت، كان واقفاً عند سيارته. ابتسمت عندما رأيته فاشتقت إليه كثيراً. "سليم."

قلتها نداء له لينتبه لوجودي. نظر إلي. سرت تجاهه وأنا سعيدة كثيراً لرؤيته، لكن أحاول ألا أظهر هذا على وجهي وأن أمثل الهدوء، لا الغضب ولا الاشتياق. "لماذا لم تنتظر حتى تعود لمنزلك وتستريح؟ "أريد التحدث معك." نظرت له ومن نبرته قلت: "كنا تحدثنا في الليل، ما الفرق؟ ولماذا سافرت وجئت هكذا فجأة كما ذهبت؟ "سأعود ثانية." نظرت له بشدة وقلت: "ماذا؟ تعود؟ هل أتيت ومن ثم ستذهب ثانية؟

قلتها بدهشة وحزن شديد في قلبي. تذهب ثانية يا سليم، وأنا التي ظننت أنك جئت لتبقى معي وتعوضني عن الأيام التي مرت علي من دونك. تريد أن تتركني ثانية. كان صامتاً ولا يرد علي. قلت: "لماذا ستعود؟ لم يرد علي، كان لا يتطلع بي ويخفي أنظاره وكان ثمة شيء ما. "سليم." خفض عينيه بينما هدأ حزني وقلق أن يكون به شيء أنا لا أعرفه. اقتربت منه وأمسكت يده بحب وقلت: "سليم، ماذا هناك؟ رفع أنظاره إلي قال: "اعتذر يا ديما."

لم أفهم على ماذا يعتذر، على غيابه وسفره. ابتسمت ابتسامة خفيفة قلت: "لا بأس، لست حزينة منك." صمت ثانياً ولم يرد علي. نظرت له واتفحص ملامح وجهه قلت: "هل أخبرتني ماذا هناك وفيما كنت تريدني؟ نظر لي، تعجبت من نظرته. تنهد وكنت أنتظر كلامه. تنهد وقال: "سأتزوج أريا." تحولت ملامحي لصدمة وتركت يده على الفور وابتعدت عنه، وأشعر وكأن الوقت توقف من عند هذه اللحظة. ما هذا الذي سمعته؟ هل قال سيتزوج؟ هل سمعت صحيح؟ بتأكيد أتوهم.

"هـ... هل قلت... أريا؟ نظر لي وصمت ولم يتحدث. نظرت له، ابتسمت رغماً عني. ابتسمت لأحاول أن أجعله يعلم أن أكشفه. قلت: "تمزح معي؟ قلتها بنبرة راجية تكبح بكاء خوفاً أن يكذبني وأنه ليس مزاح. لم يرد علي. ابتسمت أكثر واقتربت منه قلت ودموع تجتمع في عيني: "س... سليم، أنت تمزح صحيح؟ أم أنا سمعت خطأ؟ "لا."

قالها وهو لا ينظر لي ووقعت كلمته علي كصاعقة تشقني لنصفين من فرط الصدمة. شعرت بثقل قدمي، عدت للوراء مبتعدة عنه. كنت سأقع، اقترب مني لكنني رفعت يدي أمنعه من الاقتراب. نظر لي بحزن فنظرت له وأتذكر الأحداث الماضية وتغيرت. قلت بصوت ضعيف: "هـه... هل سافرت من أجلها؟ خفض نظراته وكأن كلامي صحيح. فهو ذهب فجأة وعاد ويقول أنه يعود ثانية وأتفاجأ بما قاله. "هل... ك... كنت هناك معها؟

سالت دموع من عيني وصوتي مبحوح. صوت يرجوه بنفي وأخبرني الحقيقة وكفى مزاحاً. ثمة شيء خاطئ وأنه يكذب فيما يقوله. صرخت بغضب وقلت: "تحدث! "أجل." "أجل؟! قلتها بصدمة ثم ابتسمت وتساقطت دموع وقلت: "قال أجل... يا لحماقتي، كنت أدعو لك هنا وأنت هناك معها. أيها الخائن النذل. كم أنا حمقاء وغبية، كم أنا مقرفة من نفسي، كم ألعن نفسي على هذا القلب اللعين الذي أحبك." "ديما." "اصمت! قلتها

بغضب شديد وصوت مرتفع: "لم أخدعك، أنا أحبك، لم يكن... "أنت كاذب يا سليم." قلتها بهدوء ودموعي متجمدة، إن شائت التحدث لتخبرك مدى الشعور الذي بداخلي لأجعلك تبكي وتنظف ذلك القلب القاسي من أذيتك لي.

"أنت لم تحبني قط. إنها تلك الأكذوبة التي أوهمت نفسك بها وتعايشت معها. أنك مخطئ، أنت لم تحبني يوماً بل كان شعوراً كاذب ظننته حب. أنك تحبها لأريا. هي فقط لا غير من تحبها، يجب أن تقنع نفسك بهذا ولا نكذب على كلانا. لا أعلم ما الذي استفدته من أذيتي، ماذا فعلت لك لتكسرني بهذا الشكل؟ "اسمعيني، صدقيني أنا... "الصدق؟ قلتها بسخرية. نظرت له قلت: "أي صدق هذا؟

أنك كاذب، لطالما كنت كذلك. أن الكذب يجري في عروقك. ما الذنب الذي ارتكبته لتكون حياتي جحيماً هكذا؟ هل هي ثقتي المفرطة؟ ممكن لأنني في قمة الغباء لأن أحبك. أنت أسوأ اختيار يا سليم قد أخذته يوماً. لم يكن علي أن أحب ثانياً من البداية." كان يطالعني بحزن وكأنه مشفق علي. فقلت: "سلمتك قلبي، أعادته لي محطماً." "أرجوك توقفي عن اتهاماتك لي." "أرجوك أنت، يكفي. أي اتهامات هذه؟ لماذا ما زلت ترتدي هذا القناع الخادع؟

نظر لي بشدة. تنهدت وقلت ودموع تسقط من عيني: "لم أعد بإمكاني أن ألتمس لك الأعذار." "لكن لدي عذراً، أنا لن أتزوج... صرخت بغضب وقلت: "كفاك كذباً، أي هذر هذا على ما تقوله وما تفعله وما تنوي فعله؟ نظرت له بحنق وقلت: "تريد أن تتزوجها، لتذهبا للجحيم. لماذا تسألني؟ أشك بأنك قد تزوجتها بالفعل. لتذهب وتقيم زفافاً يشهد عليه الجميع ولتحل عني وتتركني، لتبقى مع من اخترتها ودعني وشأني. أسمعت؟ اذهب إليها، إنها في انتظارك."

نظر لي بشدة. خطوت للخلف وقلت: "تأكد من هذا اليوم سامحيك من حياتي كما محوت غيرك." صببت تلك الكلمات الغاضبة وذهبت تاركة إياه. وضعت يدي عند أيسر صدري الذي يؤلمني وأغمضت عيني بضيق لتتساقط دموعي، غير مراعية أنني بمكان عام والجميع ينظر إلي. أنني على وشك الانهيار. كم أنا ضعيفة، بت أكره نفسي كثيراً. ***

دفعت كلماتها إلي بكل غضبك وفتكت بي ثم رحلتي. تسقط رجولتك عندما تندم امرأة على حبها لك. ألمني رؤيتك هكذا وأنتِ تنعتيني بالخائن والنذل وأنني أسوأ اختيار لك. تألمت حين قولك أنك ستنسينني وتمحينني من حياتك. شعرت بالخوف الشديد من هذه الفكرة وشعرت بانكسار. كأنكسار قلبك. لكنني لم أحب أحداً غيرك ولم أخدعك يوماً. تتخلين عني دون أن تعرفي شيئاً، لكنني لن أتركك. أنا لم أشأ حدوث ذلك فلا تتركيني.

مر وقت وتركتها حتى تهدأ، لكن نيراني أنا في ثورتها. في المساء ذهبت لمنزلها وبدا الأجواء غير جيدة ويبدو أنهم عرفوا من ديما كل شيء وعما دار بيننا. جلست مع السيد يونس الذي صدمني حين أخبرني أنه سيحل رباطنا. "سيد يونس، اسمعني. أعلم أنك غاضب، لكني أحب ديما."

"اسمعني أنت يا سليم، ابنتي تحملت الكثير. لم أعد قادراً على رؤيتها تعاني أكثر من هذا. يلزم لها الراحة بعد كل هذه المعاناة. وإن كانت راحتها في إبعادك عنها، فأنا سأفعل أي شيء من أجلها وإن وصل لقتلك. لذلك أخبرك أنك لم يعد هناك ما يربط بها." "لكني أحبها، أقسم لك أنا لا أتلاعب بها أبداً." "عجيب أمرك، تحبها وتريد الزواج من غيرها." ماذا أفعل؟ هل أتراجع؟ كنت

سأتحدث لكنه سبقني وقال: "من فضلك لا أريد سماع شيء آخر، كفى ثقلاً على ديما ليس لطاقتها كل هذا بأن يحدث لها. ظننت أنك الشخص الذي قادر على إسعادها، لكن اتضح العكس. أنك تسبب لها الأذى يا سليم." صدمت من ما يقوله وشعرت بكون شديد حاولت إخفائه. بماذا أخبركم؟

ليعطني أحد فرصة. أنا لا أريد تركها. أعلم أنها غاضبة مني، لتقول ما تريده وسأفعله. أخبرته أن كان بإمكاني أن أراها لكنه منع. كنت أشعر وكأن وجودي غير مرحب به. لا أعلم عما رأوه بديما وكيف عادت لهنا. وقفت أعلن لهم ذهابي. فتح الباب وكنت سأخرج لكن جاء صوت أوقفني. "انتظر." التفت نظرت، وجدتها هي. كانت واقفة عند الدرج وتنظر لي بغضب شديد وعين حمراء متجمعة بها الدموع. وجدتها تقذف شيئاً إلي، وكان خاتمها.

"لتذهب به إلى الجحيم، ليس لي حاجة به."

تجمعت دموع بعيني وأنا أطالعها ثم التفت وذهبت وحرمتني من رؤيتها للمرة الأخيرة. انخفضت والتقط الخاتم من على الأرض. طالعته بحزن وأتذكرها وهي تخبرني أنها لن تخلعه يوماً ولم تكن لتخلعه لأنه يذكرها بي. وعندما ستخلعه ستكون قد أعلنت نسياني. كم يتألم المرء حين يرى نفسه يُمحى في حياة من يحبه ويشاهد نسيانه بعينه لهذا الحد. كرهتني. أخبرتك من قبل أن نسيانك لي يعني موتي، وها أنتِ تخبريني أني لم أعد فارق معك لحد الموت. يبدو أن النهاية ليست منصفة لكلينا.

سأكتفي بك حلماً فواقعك ليس لي. ***

ها أنا أجلس في الحديقة أستنشق الهواء لعلى ألفظ آخر أنفاسي، فكنت قد سكنت نفسي بغرفتي طيلة هذه الفترة. أبكي وأكتم بكائي منعاً أن يسمعه أحد. أشعر بألم في قلبي وأتغاضى عنه كونه ألم عادي، لكنه كان مرضي. مرضي الذي عاد إلي لحد الموت. ولا يوجد رجعة منه. مستسلمة إليه وأرضى بقضاء الله، لأني ميتة على كل حال. أنظر لنفسي في المرأة يومياً مراراً أشاهدني وملامحي الذي بدأت في التغير وانتشار المرض في جسدي. أمشط شعري لأجده يتساقط لأصرخ من بكائي وأشهق بحزن، فبرغم ذلك أنا أحب شكلي وأحب شعري كثيراً. كيف سأعود لهذه الفترة من جديد؟

إنني لم أصدق أنني تخطيت هذا المرض الخبيث وعدت لعافيتي، لكنه أتاني وكأنه يخبرني أن لا رحيل وفرار من الموت. الموت كسحابة فوق كل منا ومحكمة عليه بعدم الرحيل. لكن موتي سيكون مؤلم. كان والداي يبكيان يومياً علي ويترجوني أن أذهب لخضوع فحوصات لكنني لا أريد. فقد تعبت كثيراً من الجلسات الكيميائية قديماً، كيف سأعود لها ثانياً؟

لا أحد يشعر بما مررت به. إنه لمن الصعب أن يكون لدي طاقة وإرادة في أن أفعلها ثانياً. أنا مستسلمة وراضية بالموت على أن أعود لتجربة فاشلة نسبتها ١٪. هذا المرض لن ولن يتركني فلماذا أحاول؟ وعلى من أحاول؟ أنا لا أريد الحياة من الأساس. كم هي مؤلمة، أو لنقلها كم يؤلم المرء نفسه حيث يجعل حياته سوداء بعينه. كنت أمتنع عن الطعام وكأنني أعجل موتي. كان والداي يتعذبان معي كثيراً وأنا قلبي قاسٍ عليهم.

في يوم كنت جالسة في غرفتي كعادتي وجدت الباب يفتح وكانت أمي. كنت مستلقية لا أتحدث. "أريا." صمت ولم أرد عليها. "سليم هنا." صدمت والتفت ونظرت لها بشدة ولا أصدق. هل سليم حقاً هنا؟ هل جاء؟ منذ متى ولماذا جاء؟ "هل بإمكاني الدخول؟ كان هذا صوته من خلف أمي. أفسحت له مجالاً للدخول و بالفعل رأيته. شعرت بالسعادة لرؤيته فكم من مدة الذي لم ألتق به. اقترب مني وجلس بجانبي. نظرت له. اعتدلت وكانت دموع متجمعة لى عيني.

"ظننت أني لن أراك ثانياً." "لماذا تقولين هذا؟ سالت دموع من عيني عندما تذكرت شكلي وأن ملامحي باتت تعود قبيحة. دفعته إلي وعانقته وبكيت. أعلم أن هذا العناق ليس من حقي لكنني اشتقت إليه كثيراً. ليكون عناقي معك الأخير. وجدت يرفع ذراعه ويربت علي. "لماذا تجلسين هنا وحدك؟ ألم أحذرك من قبل من هذه العزلة؟

صمت ولم أرد عليه فهذه العزلة هي من تنتشلني من الحزن الذي أنا فيه، وهي سبب في عودة مرضي. ذلك الحزن الذي لا أستطيع أن أكبحه يتملك قلبي حتى أصابه ذلك المرض. أبعدني عنه برفق. نظرت له قال: "هيا لنذهب." "لا." "للمشفى لنخضع لفحص سريع." "لا." قلتها بخوف. نظر لي قال: "أنا معك."

"لا يا سليم.. لا. إن عدت لهذه الأشياء وهذا العلاج الكيميائي لن يزيدني إلا موتاً بالألم. يستساقط شعري، ستبهت ملامحي، سأصير كعجوز من هذه الكيموات الذي أتعرض لها، سوف أصبح قبيحة المنظر. لا أريد. صدقني كان يؤلم لكنني تحملت رغماً عني."

"تحملي هذه المرة وستكون الأخيرة. لنكن للعلاج وتبقين بالشفاء من الله. لا تستسلمي، أعلم أنك أقوى من ذلك. لن تكوني قبيحة ولن تتغير ملامحك، يجب أن تتعالجي وتتيقني من شفائك هذه المرة. لماذا أرجعتِ نفسك للوراء هكذا بعدما تقدمتي الكثير وأصبحتي في المرحلة الأخيرة، لكن بعزلتك هذه، عدتي لنقطة الصفر." خفضت رأسي وبكيت. فهو محق، لكن حزني لا أتحكم به. "لا تبكي يا أريا، سيكون كل شيء بخير." نظرت وهل حقاً يقصد ما يعنيه؟

لطالما كان يبشرني خيراً واستقوى به. لكن كيف هو معي؟ وكيف جاء؟ هل اتصل به أحد وأخبره؟ هل أنت يا أبي؟ وهل سليم تركها لديما وجاء إلي؟ هل سمحت له؟ ماذا يهمني؟ المهم أنه جاء ومعي فقد تحسنت بمجرد رؤيتي له.

أخبرني أن أبدل ملابسي لنذهب. أومأت له فذهب. وكانت أمي تتطلع بي وتبتسم بحزن لأنها تراني سعيدة. ذهبت مع سليم وقبل أن أدخل للفحوصات أمسكت يده بخوف فأنا لا أعلم ما الذي سينتج ويظهر في الفحص. هل هي نقطة مبشرة أم نقطة سوداء. ربت على يدي الممسكة بي بمعنى أن أطمئن. رحب جونى بي وهو طبيبي المختص الذي أتى لي ذات يوم ويصر علي للعودة لكنني رفضت بحدة وأنني لن أعود. لكن سليم أعادني. كنت خائفة أنظر لسليم وأنا ذاهبة فيزول خوفي.

عندما انتهيت ذهبت لسليم وجدتهم يتحدثون وصمتوا عندما اقتربت منهم. تعجبت لكن كانت ملامح سليم يبدو عليها الحزن لكنه حاول إخفاءه من رؤيتي. لم أعلم ما الذي دار بينهم ليحزن سليم. لم أكن أريده أن يذهب ويتركني. أخبرته أن يأتي ويجلس معنا في المنزل. ورحب أبي به لكن سليم عارض الفكرة وأخبرني أنه سيأتي يومياً إلي ولن يتركني وسيكون بجانبي.

وبالفعل كان سليم يأتي إلي ويقضي الكثير من الوقت. كنت أشعر بالسعادة الكبيرة وهو معي. لم أكن مبالية بأحد غيره. لكنه كان شارداً كثيراً في الوقت. في يوم ذهبنا لإجراء فحوصات ثانية وهي كاملة علي. أتممتها وذهبت لسليم. أخذه الطبيب على جانب ولم أعلم فيما يتحدثا. ثم عاد وكانت ملامحه خالية من التعبيرات. "هل هناك شيء؟ قلتها بتساؤل. فرد: "لا، هيا لنذهب." أومأت له وذهبت معه. كنا جالسين وأنا أتأمله وهو صامت منذ مجيئنا ولم يتحدث.

"سليم." نظر لي فقلت: "ما الأمر؟ لما تبدو حزيناً؟ صمت ولم يرد علي. اقتربت منه قلت: "ما الذي أخبرك به جونى؟ نظر لي وكان بالفعل للأمر علاقة بي. "لم يخبرني بشيء." "أتحدث عن الفحوصات، كيف كانت؟ "جيدة." هذا هو؟ ليست هكذا. إنه يكذب. شعرت بالحزن وتجمعت في عيني الدموع. نظرت له قلت بابتسامة: "أنا لا أخاف من الموت." نظر لي بشدة وقال: "ما الذي تقولينه؟ "الحقيقة الذي تخبئها." "أي حقيقة هذه؟ أنك تتفوهين بالهراء.. ستكونين بخير."

قالها بغضب. أمسكت يده وما زالت ابتسامتي على وجهي: "لا تخفِ شيئاً عني وصارحني." نظر لي وصمت واخفض عينيه بحزن. "لا تبتعد عني يا سليم، أنا لا أريد غير هذا." نظر لي فقد قلتها بنبرة رجاء له، فإن كانت أيامي قليلة أريدها أن تكون معك. وإن كانت لدي فرصة للشفاء لأستغل وقت مرضي في أن أكون قريبة منك. "أنا معك." قالها لي فأبتسمت له وسعدت. ربت على يدي وقال: "ستكونين بخير، تحلي بالقوة."

أومأت له بالطاعة. بقى سليم بقربي في أيام بقائه هنا. كم كنت سعيدة. تمنيت وقت بقائه معي لا ينتهي. كان يخبرني أن أخرج وعدم الجلوس في غرفتي أي كان. كنت أستمع له وأبقى مع والدي وأشاركهم الجلسة. كنت أجلس ويأتي يجلس معي. كان يخبرني أن هذه الأمور جيدة لي والهواء النقي لي. كنت أتحدث معه وأخلق مواضيع للنقاش. وأخبرني بمعاد الجلسة. حزنت وخشيت منها لكنه مادام معي لا أخاف من شيء.

في يوم أخبرني سليم أنه سيسافر. حزنت كثيراً وغضبت عليه بأنه سيتركني ولم يفِ بوعده. لكنه أخبرني أنه سيعود سريعاً ولن يتأخر. فسعدت كثيراً فقد ظننت أنه سيعود لديما دون رجعة. فأنا أعلم أنها مستحيل أن تكون تعرف بأن سليم معي وتسمح له. وأعلم أن سليم يحبها فسيختارها هي بالطبع. فسأكون قد مت لثلاث مرات. حين اكتشفت حبه لها، وحين يختارها، وحين مماتي لقضاء هذا المرض علي. سألته إن كان سيتأخر لكنه نفى. فأخبرته أن في انتظاره. فور عودته يأتي إلي. أومأ لي وذهب. وها أنا أعود من ذاكرتي وجالسة في الحديقة أستنشق الهواء وأفي بوعدي له. كنت أنتظره فقد قال أنه لن يتأخر وأنا أثق به. أم أنه لن يعود؟

تلك الفكرة تخيفني كثيراً بأني لن أراه ثانية. وأنا جالسة وجدته يظهر ولم أصدق أنني رأيته وقد عاد. ابتسمت وأنا أطالعه ومتى جاء. كانت ملامحه متغيرة كثيراً، وكأن ثمة شيء ما حدث. سأل عن حالي فسعدت وأخبرته أنني بخير عندما رأيته. جلس بجانبي. نظرت له بتفحص قلت: "ما الأمر؟ كان صامتاً ولا يتحدث. سألته ثانية فنظر لي وكأن خالي من التعبيرات. أخبرني أن حل رباطه من ديما. صدمت كثيراً ولم أصدق ما أسمعه. فكيف حدث هذا؟

حزنت لأنني السبب بالطبع. فحدث ما كنت أتوقعه. أظنها لديما لم تقبل بهذا وخيرته من بيننا. لكن هل ابتعدت عنه ولم تربطهما صلة بعد الأن؟ هل سليم جاء إلي وتركها ولم يبتعد عني؟ هل فعل ذلك حقاً من أجلي؟ هل اختارني أنا؟ لا أصدق هذا. لقد عاد سليم إلي حقاً وسيكون معي ولن يبتعد عنني. ماذا أريد أكثر من ذلك؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...