خرجت نظرت لديما وجدتها واقف عند السيارة والسائق بجانبها. نظرت إليّ لم أفهم. اقتربت منها وجدت عيناها محمرتان وممتلئة بالدموع ومتصنمة في مكانها وتتطلع بعيداً. اقتربت منها قلت: ديما. نظرت إليّ وعيناها ترتجفان قالت: مم.. مالك. كنت أعلم ذلك الحقير، أتذكره جيداً. لما تنطق باسمه الآن؟ نظرت للسائق قال سريعاً: لا أعلم يا سيدي، وجدتها تنطق بذلك الاسم وتنظر للرجل وخائفة هكذا. سألتها لكنها لم تجب: رجل! نظرت لديما قلت: ما الأمر؟
قالت: لقد رأيته، إنه هنا. سالت دموع من عيناها قالت: جاء لي.. سوف يأخذني، لن يتركني. قلت: ماذا بك يا ديما. بكت قالت: لا أريد أن أذهب معه. نظرت حولي باستغراب وأين هو ذلك الوغد؟ هل رأته حقاً؟ أخبرتها أن تدخل حتى لا ينظر أحد إليها. جاءت أروى نظرت لديما وإليّ. قالت: ماذا هناك؟ أدخلت ديما السيارة وكانت تبكي ولم تتوقف. جلست بجانبها وأروى تنظر لنا. قلت: أخبريني ما الأمر، لماذا تبكين؟ رفعت
وجهها وقالت بصوت مترجي: لا تدعه يأخذني يا سليم، لا تسمح له. شعرت بالغضب والحزن من حال ديما. قلت: اهدئي، لن يأخذك، أنا معك. قالت ببكاء وخوف وصوت مرعب: أنا لا أريد، لا أريد. جمعت قبضتي بضيق واحمرت عيناي بغضب شديد من حال ديما بسبب ذلك النذل. كانت حالتها مثل ذلك اليوم الذي لم أنساه. نظرت لها، تعالا صوت بكائها قالت: لا أريد الذهاب معه، أبعده عني. قلت: ماذا فعل يا ديما؟ قلتها بتساؤل وأنا أنظر لها، ثم أمسكتها
من كتفيها قلت بغضب: ماذا فعل لكِ ذلك الوغد لتكوني كذلك؟ ماذا حدث في ذلك اليوم قبل أن آتي؟ بكت ديما أكثر وكنت مشد عليها بيدي. قالت أروى: سليم، ما خطبك؟ الفتاة تبكي، لما تغضب عليها؟ دعها. لم أعيرها اهتمام. نظرت لديما قلت بصوت مرتفع: أخبريني هيا، أريد أن أعرف ما الأمر. ما كانت تلك العلامة التي عليك وفستانك المشقوق وحالة الجنون التي كانت لديك وصراخك بأن أبعده عنكِ مثل الآن. ماذا فعل لكِ يا ديما؟ هل آذاكِ ذلك الحقير؟
سأقتله. أنتِ تدفعينني لارتكاب جريمة. نظرت لها، خففت من يدي على كتفيها وكنت حزين عليها. كان قلبي ينفطر لرؤيتها خائفة ومرتعبة هكذا. قلت بهدوء وحزن: اعتذر، توقفي عن البكاء. لن يستطيع فعل شيء لكِ، أوعدك. اقتربت منها، رفعت يدي ومسكت وجهها، جعلتها تنظر إليّ. قلت: يكفي، أرجوكِ. قلتها بلهجة حانية، قمت بمسح دموعها وكأنني أزيح حزني أنا. فدموعها تهمني بشدة، لا أود رؤية عيناها هالكة وخائفة وحزينة ومرتعبة هكذا. قلت: اهدئي، حسناً.
أومأت برأسها وكانت دموعها توقفت عن السيل. نظرت لها وكانت تنظر إليّ. لم أكن أريد الابتعاد، أردت أن أبقى بجانبها وأطمئنها. لكني عدت للواقع عندما نظرت ليدها ورأيت الخاتم العالق بأحد أصابعها فشعرت بالضيق والغضب. ابتعدت عنها وخرجت وعدت إلى مقعدي بعدما تأكدت أنها هدأت قليلاً. أخبرت السائق أن يذهب. تضايقت من نفسي فيما أفعله وكيف أنسى دائماً بأنها مرتبطة الآن. لما لا أريد إقناع نفسي بذلك.
وصلنا عند منزل جدي، سعدت أروى كثيراً بعدما كانت تنظر لي من وقت لآخر بصمت. قالت: سليم، هيا، سيسعدون كثيراً برؤيتك معي. فتح باب السيارة، نزلنا. قالت ديما بصوت خائف: سليم. نظرت أروى إليّ. اقتربت منها قلت: نعم. قالت: إلى أين أنت ذاهب؟ قلت: سندخل للمنزل. قالت: لا تتركني. توترت، لكن لما هذه النبرة التي على وشك الانهيار من جديد؟ قلت: ستأتين معي وبعدها أوصلك. قالت: لا أريد، لا تبتعد فقط. أمسكت أروى يدي،
اقتربت مني قالت: سيوصلك السائق يا ديما وأيضاً الحراس معك، لا تخافي. نظرت ديما إليّ وامتلأت عيناها بالدموع وأدارت بوجهها ناحية أخرى. قالت: هيا يا سليم. أخذتني أروى وأنا أتذكر نظرة الخيبة والخذلان لديما لي مما طلبته مني وأنا لم أفعله. لا أعلم كيف تؤثرين علي بتلك الطريقة وبنظرة واحدة قادرة على هلاكي وتنويمي. توقفت، وضعت يدي على يد أروى التي تمسك بها ذراعي. قلت: سأعود بعدما أوصلها، ادخلي أنتِ. قالت: توصلها!
لست بحاجة لفعل ذلك، هي معها. قاطعتها قلت: ادخلي هيا. أبعدت يدها، نظرت إليّ ولديما من خلفي ثم أخبرتني ألا أتأخر وذهبت. تنهدت وعدت لديما. جلست، نظرت لها، كانت لا تزال لا تنظر إليّ. أود أن أخبرها أني جئت من أجلها ولم أتركها كما طلبت لتنظر لي الآن، لكنها لم تفعل. هل حزينة مني؟ اتصل سامر بي لتأخرها، فأخبرته أنها لن تأتي وستذهب لمنزلها. وصلنا لمنزل السيد يونس.
نظرت لديما ولصمتها طوال الطريق ونظرها من النافذة ثانياً، مما أحزنني رؤيتها هكذا. إنها تذكرني باليوم ذاته. هل تذكرها له أثر هذا الصمت؟ نزلت من السيارة، اقتربت منها وفتحت الباب، أخبرتها أننا وصلنا. فنزلت، نظرت للمكان وعلمت أنها في منزلها. خطونا للداخل ثم قرعت الجرس، ففتح الباب وكانت والدتها لديما. نظرت لها وتذكرتها في صغري. قالت: ديما. اقتربت منها بقلق. كنت سأتحدث لكن وجدت شخص جعلني أصمت، كان شهاب ومعه السيد يونس.
نظر شهاب إليّ باستغراب ولديما. قال السيد يونس: سليم. قلت: ديما كانت متعبة قليلاً. ووجدت شهاب يقترب من ديما بخوف ويمسك يدها قال: أنتِ بخير. نظرت له، أخذ ديما لداخل. شعرت بالغضب ونيران كبيرة تتضخم من داخلي. جمعت قبضتي، شعرت بألم في معدتي وحريق داخلها. التفت وذهبت. أوقفني السيد يونس، شكرني ودعاني لدخول. لكني أخبرته أن علي الذهاب. كان الألم من داخلي يزداد وعادت القرحة إليّ، وكله بسببك يا ديما.
إن قرحتي تعود برؤيتكم معاً وحبكم الظاهر بينكم. أشعر بالضيق. ليتني لم آتِ لهنا وأراكِ. ليتني لم أستمع لكِ يا ديما. أصبحتِ كالمرض الذي يصعب شفاؤه. أدعو ربي أن يشفيني من حبك الذي بات يؤلمني، أصبح كالوباء. دخلت السيارة وأخبرت السائق أن يذهب. أخرجت منديلاً وسعلت بقوة وشعرت بألم في حلقي من قوة سعالي والحرارة التي تندفع من معدتي إلى صدري ثم إلى حلقي وفمي. تدريجياً، الألم يرتفع ويزداد. أبعدت المنديل وجدت دماء.
فجاءتني سعلة ثانية فشعرت بتعب أكبر عن ذي قبل. قال السائق بتساؤل وقلق: سيدي، أنت بخير. أخبرته أن يتجه للطبيب الذي ذهبت له مرة وأخبرني أنها قرحة ويجب أن أهتم بنفسي. وبعد فترة لم تأتِ القرحة، لكنها عادت برؤية شهاب. ذهبت لطبيبي وتفحصني وكتب لي علاجاً وأخبرني أن أقوم بتحاليل وأخضع لأشعة وأن أبتعد عن ما يزعجني وألم إليّ. رأيتِ يا ديما، أنه يتحدث عنكِ. أصبحتِ مصدر إزعاج وألم لي. إنه يقول عنكِ ذلك، لست أنا.
لو أخبرته أن القرحة تعود إليّ برؤيتكِ لأخبرني أن أبتعد عنكِ. لكنه من المستحيل أن يحدث ذلك. لما لا يحدث ذلك يا ديما؟ لما؟ أليس من حقي التخلص منكِ والعيش براحة؟ أي راحة تلك التي سأحصل عليها في بعدك؟ أنا مجنون... مجنون بكِ. أحبكِ بشدة، كجحيم إهمالكِ لي تماماً. أتعمق بالتفكير بكِ فأنسی العالم بأكمله. قلبي لا يستطيع العيش بدونكِ، فلما تحرمينه منكِ؟ أحببتكِ حبًا نقيًا بشكل يؤذيني قادماً.
لم أفقد أحد كما أفقدتكِ ولم أعشق أحد كما عشقتكِ. ألم يغريكِ شيء غير قلبي لتهلكيه؟ عدت لمنزل جدي، قرعت الجرس ففتح الباب وكانت أروى. كانت تنظر لي نظرات غريبة. قالت بضيق: لما تأخرت؟ ابتعدت وخطوت لداخل بدون أن أرد عليها فأشعر بتعب. نظرت لأمي وجدي ووالدي أروى. اقتربت أمي مني بابتسامة واحتضنتني وكانت سعيدة بأنني جئت وسأقيم هنا لمدة كما كانت تود أن أكون قريب منها. بينما أتذكر الأيام التي كنت فيها هنا مع ديما.
سلم علي والدا أروى، رددت عليهم بسلام. شعرت أمي بي ونبرة صوتي الضعيفة. قالت: ماذا بك يا بني؟ أنت بخير. قلت: أجل.. عن إذنكم. صعدت لغرفتي، نظرت للغرفة المجاورة لي تذكرتها. تنهدت ودخلت لغرفتي، وضعت العلاج الذي أعطاه لي الطبيب على المنضدة وجلست على السرير. قمت بخلع سترتي، وأثناء ذلك فتح الباب وكانت أروى. تضايقت لأنها لم تطرق الباب. اقتربت مني، وقفت أمامي. قالت بشك: أين كنت كل ذلك؟ قلت: عند الطبيب.
تحول وجهها لقلق وخوف قالت: لماذا؟ هل أنت مريض؟ قلت: لا، كنت أرى ذراعي. قالت: وماذا قال لك؟ طمئني، أريد أن أبدل ملابسي. قلت: دعني أساعدك. قالت: لا داعي. اقتربت مني، نظرت لها وإني مانعت، خلعت السترة من عليّ. قلت: إن احتجتك سأناديك. نظرت لي وصمتت، ابتعدت وخرجت بالفعل.
في المساء كنت جالس في غرفتي أعمل على الاب توب، وأخبرت سامر بأنني سأعود للشركة بعد يومين، على الرغم من أنني لا أريد العودة حتى لا أرى ديما وتعود قرحتي من جديد. رن هاتفي. قالت: كيف حالك الآن يا أخي؟ قلت: الحمد لله. قالت: إن لم تمنع سفري لآتيت لأني أريد رؤيتك كـ.. قلت: لا داعي. صمتت قليلاً ثم قالت بصوت يجهش بالبكاء: لما تتحدث معي بتلك الطريقة الجافة؟ لن أتحدث مع أب.. معه ثانياً وقطعت الأمر من أجلك.
أعلمي أني أخطأت، لكن لا تعاقبيني بتلك الطريقة، وتعلمي أني لن أتحمل رؤيتك حزين مني وتحاول إخفاء ذلك ببرودك هذا. اعتذر يا سليم، لن تتكرر، لطالما كنت أخطئ وتسامحني. قلت: تعترفين بأنكِ أخطأتِ. قالت: أعترف بخطئي لأني خبأت عنك. قلت: ألا ترين أن علاقتك به كل هذه المدة خطأ؟ ألا ترين أنكِ كنتِ كل ذلك الوقت تكذبين علي؟ كم قابلتيه؟ كم مرة تحدثتِ معه وقام بخداعك لتسامحيه ويجعلكِ حزينة على فراقه هكذا؟
لا تكذبي علي، أعلم أنكِ لو لي لكنتِ حدثتيه فوراً. لا أذكركِ يا ريم بما فعله.. أتريدينني أن أقول لكِ عن ما كنتِ تعانين منه وراءه؟ بإمكاني أن أجعلكِ تكرهينه وأقلب الطاولة عليه، لكنني لا أريد أن أذكركِ بماضيكِ القديم حتى لا تحزني. هل هو يهتم بألمكِ أكثر مني؟ ليس كذلك. لأنه إن كان يهتم لما فعل ما فعله؟ لما جعلكِ تبتعدين عنه؟
لقد ذهب لكِ أولاً لأنه يعلم كم أنتِ طيبة ويعلم أنكِ تفتقدينه كونه أبًا وسيستطيع أن يجعلكِ تحبينه وتسامحينه بلحظة. وبالفعل، لقد نجح في ذلك. أتعلمين، لقد زاد كرهي لهذا الرجل أكثر، فقد سعى لأن يأخذ أختي وجعلها تكذب علي. قالت: لا يا سليم، ليس هو، أنا من كذبت لكن خوفاً من حزنك. لطالما كان لا يريدني أن أفعل شيئاً يضايقك ويسألني عنك ويتمنى رؤيتك والحديث معك.
صدقني، أبي طوال هذه السنوات وهو يريد إصلاح كل شيء ولا أن يدمره ويجعلك تكرهه أكثر. قلت لك لا تنعتيه بأبيكِ، هذا ليس أبًا ولن يكون كذلك. تقولين أنه يريد إصلاح كل شيء؟ لكن لا يوجد ما يسعى لإصلاحه. وإن حاول لذلك، اعلمي جيداً أني لن أعطيه الفرصة ليقترب منكم وسأكون عائقاً له، مثلما كان عائقاً دوماً بحياتي. قالت: لما كل هذا الكره؟ مهما فعلت لن تستطيع حل ربطك به وأنك ابنه. ابتسمت وقلت بسخرية: هل أنتِ غبية؟
أم تتعمدين أن أراكِ هكذا. عدت لوجهي وقلت ببرود: لقد حللته بالفعل منذ زمن، أي أني لست ابناً لأحد. وإن كانت رابطة الدم، فليت دمائي تصفى. أقفلت الهاتف وكنت أشعر بالغضب من تلك المكالمة. لن أنسى ما فعله يا ريم، لن أنسى. وهو يغادر ويهجر أمي وبكائك وصرخاتك المدوية في أركان المنزل مع كلمات أمي له برجاء وأن يبقى، لكنه لم يستمع لها وذهب. حتى أني أوقفته. قلت: أرجوك يا أبي، لا تترك أمي. هل أنت غاضب مني؟
سأفعل ما تريده، سأكون مهذباً، سأسمع كلامك، لن أسبب لك الإزعاج، سترى ذلك بنفسك، لن أتشاقى وألعب. لكن لا تذهب وتتركنا. أيضاً، أيضاً ريم، كيف ستتركها؟ لا تذهب يا أبي، لا تبتعد عنا. كنت أرجوه وصوتي على وشك البكاء ودموع متجمدة في عيني. نظر لي وصمت ولم يتحدث. قالت جدتي: سلييييم. نظرت للصوت ووجدته جدي قالها بحدة: إياك والانحناء لأحد. قلت: لكن يا جدي، إنه أبي، ليس أحداً. نظر لي أبي،
فصاح بي جدي وقال: سلييم، افسح له، لا أريد ابناً عاقاً كهذا أن يكون في منزلي. ليتك أنت من مت وحامد ما زال على قيد الحياة، فكنت سأراك ابني ولن تموت بداخلي كالآن. نظر لجدّي فوجدته يذهب. نظرت له وكنت سأذهب له، فاوقفني جدي واقترب مني. قال: لا تترجى أحداً ولا تحنِ رأسك له، أياً يكن من هو. نظرت لجدّي ونظرت لأمي الذي كانت وجهها غارق بدموع. شعرت بحريق، كان حريق قلبي من رؤيتها بكائها وحزنها لزوجها الذي هجرها للتو.
وكان صوت ريم مختلط بصوت أمي. أسمعهما الاثنان وأشعر بشعلة غضب غير قادرة على الانطفاء. كرهته عند تلك اللحظة وتحول رجائي لعودته بالألا أراه ثانياً. كنت أرى أمي تبكي بغرفتها ليلاً وتتذكره وتقوم بعرض ألبوم الصور أمامها وتنهمل دموعها. لم يكن بيدي أن أجفف وجهها، تركتها تبكي ليزيل حزنها وتنعم به. لكن الأمر قد ازداد ولياليها كثرت وبكائها لم يكن يتوقف وغضبي يزداد أكثر.
في يوم كانت في غرفة ريم، تسللت غرفتها وأخذت ألبوم الصور الذي تنظر فيه. ألقت نظرة وجدت صور لي معه وأنا طفل ونحن نلعب وأنا أكبر تدريجياً. لماذا فعلت ذلك؟ لماذا أنهيت كل تلك البهجة بغبائك وأنانية؟ أخذت الألبوم، وقفت في الحديقة بعيداً، قمت بإشعال عود كبريت ودفعته إليه حتى أمسكت النيران به وأحرقته كاملاً. كنت أنظر للنيران ومعها أرى كرهي المتطاير. ذلك الدخان كان شيطاني وغليلي وتلك النار هي ثورة غضبي.
قمت بإخفاء رماد الذكريات تلك ورميتها بعيداً. وظلت أمي تبحث عنه لأيام وأسابيع وشهور ولم تعلم أين هو. وسألتني عنه، فبدوت لا مبالياً وبرودي وكأنني لا أعرف. إلى اليوم لا يعرف أحد أني أنا من أخذت الألبوم من غرفة أمي وأنني أنا من أحرقته. حتى لا تنظر له حين تتشاقى وتحن لرجل مثل هذا. حتى أنتِ يا ريم، رأيتِ ما يجعلكِ تكرهينه، فلما سامحتيه على ما فعله؟ أتتذكرين في مدرستك الابتدائية عندما ركضتِ إليّ وتبكين بحزن وتسألينني:
قالت: أين أبي؟ قلت: ماذا؟ قالت: أليس لدي أب؟ شعرت بالغضب لكن تمالكت وقلت بجمود: لقد مات.. إنه ميت. لقد حسنت صورته عندك بكونه ميتاً لسنوات، لكن وجدت دموعك تنهمر وتحتضنيني وتقولين لي: قالت: لماذا تركتني؟ أريد أبًا مثل أصدقائي. حزنت وبات حزني مؤلمًا، احتضنتك قلت: أنا أبوكِ يا ريم. عاهدت أن أكون كذلك، أهتم بكِ. ورغم اهتمام جدي بنا، إلى أنني كنت أريد تحمل المسؤولية. لم تكن المسؤولية صعبة كثيراً.
حزن أمي وأختي الذي أراهما دوماً. سعت أمي لإخفاء الأمر لكنها لا تعلم أني أبقى في الليل حتى أرى إن كانت تبكي أم لا. أختي الذي حرصت على أن تكون بجانبها طوال الوقت حتى لا تشعر بأي فقد ولا أن يقولن أصدقاؤها شيئًا يزعجها. وبعد كل ذلك يا ريم تقولين أبي، أبي الذي تركك طفلة رضيعة تحتاجين له، ترك عائلته وتركنا جميعًا بأنانية. وتقولين يريد إصلاح كل شيء. ليته بإمكانه فعل ذلك. جاء لي بندمه، فماذا سأفعل به أنا؟
هل سيعوض ما شعرت به ودموع أمي الذي رأيتها وبكائك اشتياقاً له؟ سيعوض ما رأيته منكما وجعلني أكره أكثر. لن يعوض شيئًا. إن كنتِ نسيتِ يا ريم، وإن كانت أمي كذلك، إن كان الجميع نسي، فأنا لن أنسى. كنت جالس أعمل، فتح الباب وكانت أروى. قلت: هل يمكنك أن تطرقي الباب قبلاً يا أروى؟ قالت: اعتذر، لكنك لست غريبة عني يا سليم، أنا زوجتك، لا تنسي. لم أعلق على كلامها، فاقتربت وجلست بجانبي. قالت: هل ستظل في الغرفة؟ ألن تنزل للجلوس معنا؟
قلت: سأنتهي وأنزل. اقتربت مني، نظرت لها ووجدتها تعانقني، تسند رأسها على صدري بهدوء. توترت من قربها مني. قالت: اشتقت لك. رفعت رأسها ونظرت لي، وكنت أنظر أمامي بارتباك. قلت: سليم، متى يحين موعد زواجنا؟ هل سأستطيع يا أروى؟ سأستطيع إكمال الزفاف وعرض زواجي بكِ رسمياً؟ سأستطيع فعلها وارتباطي بامرأة وقلبي لامرأة أخرى. ستقبلينها يا أروى؟ قالت: لدي عمل، أنتِ تعطليني. قلت: دعك منه الآن. مدت يدها وأغلقت الاب توب.
نظرت لها، فنظرت لي. توترت، نظرت أمامي قلت: حسناً، لننزل. ابتسمت قالت: حقاً. أبعدتها عني، تنهدت فور ابتعادها. وقفت واقتربت مني وأمسكت يدي. نظرت لها ولسعادتها وبهجتها لأنني سأنزل فقط للجلوس. ابتسمت لها ونزلنا. نظروا لنا فور نزولنا وابتسموا ورحبوا بنا لجلستهم، والذي أسعد والديها برؤيتنا معاً. جلسنا معهم وأروى بجانبي، وأخذت أحاديث تسرد. كانوا يسألون عن زواجنا، وتخجل أروى وتخبرهم أنها في انتظاري.
أخبرتنا أحد الخدم عن العشاء، فجلسنا على المائدة وأكلنا، وكانت أروى تبدي اهتماماً كبيراً لي. قررت المحاولة. سأحاول أن أتحرر من حبك المؤلم يا ديما. ساسعى لفك قيده والأغلال من على عنقي. بات حبك مؤلمًا لي وأصبحت أعشق ذاك الألم. لكن هل إن استمرت سأتحمل رؤيتك تتزوجين من رجل آخر؟ لن أتحمل، فلذلك علي التخلص من حبك سريعًا حتى لا أفتعل جريمة تجعل زواجك يتأجل. جريمة لن يأتي بعدها ندم.
إن طال هذا الجنون فبإمكاني فعل أي شيء لتكوني لي. وإن هدأ جنوني وثور حبّي سأحاول التحكم بنفسي وألم قلبي وتسلطه على خلايا عقلي وشل تفكيري. الأمر يلزم له القوة. لكن مقدار القوة لن يكفي لمقدار حبك. في اليوم التالي كنت جالس بغرفة المعيشة وأريا بجانبي. قالت بتساؤل: ما رأيك بهذا؟ نظرت لها، كانت تمسك بالهاتف وتعرض صورة لخاتمين. قلت: أجل، جميل. قالت: حقاً. أومأت لها. ثم سمعت رنين هاتفي وكان سامر. نظرت وذهبت لأرد عليه.
قالت: سليم. قلت: نعم. قالت: إنها تعرف من أنت الآن. تعجبت وقلت: ماذا تقول؟ لا أفهم. قالت أريا: قلت لك توقفي. كان ذلك صوت أريا وكان مرتفعاً. التفت ونظرت وتفاجأت كثيراً برؤية ديما. نظرت لها بتعجب ولأريا من خلفها. قالت أريا بضيق: كيف تدخلي هكذا؟ نظرت لديما بتعجب من وجودها. سارت تجاهي، وقفت أمامي مباشرة. نظرت لها ولنظرتها الغريبة الموجهة لي. قلت: ديما.. هل هناك شيء ما؟ قالت: تعرف من أنا صحيح يا سليم؟ ابتسمت
بسخرية وأردفت قائلة: أم ألقبك بـ.. الولد الآلي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!