وليد... وليد ما تمشيش بعيد عن عيني.
صدح صوتها تنادي طفلها الذي لم يبلغ من العمر سوى خمس سنوات. الذكرى الأجمل والنسخة المتطابقة لجود. كانت تجلس في تلك الحديقة التي أتى بها جود إليها ليحتفلا معًا بكتب كتابهما، والتي أتت به هي أيضًا إليها لتهديه هديته الأولى لكونهما أتمّا عامًا يعرفان بعضهما. ويجلس بجانبها إسلام الذي يلاعب صغيرته أريج البالغة من العمر ثلاثة أعوام والتي تضرب الأرض كي تركض خلف وليد. وكذلك أروى التي تحاول الاعتناء بمالك ابن شهد ومروان، المشاغب والذي لا يجلس بمكان إلا ويفتعل المشاكل. في حين تهتم شهد بملك توأم مالك واللذان يبلغان من العمر أربعة أعوام.
أتى مروان مقاطعًا ذلك الضجيج من صوت الصغار وتذمر الأمهات: جيت بالأكل يا بشر. واد يا وليد تعالى هنا. يلا عشان ناكل. عاد وليد يضرب كفيه معًا ينفض عنه ذلك الغبار لتتحرك مريم بزجاجة مياه صغيرة وأخذته لمكان بعيد بعض الشيء ونظفت يديه وفمه وهي تتحدث بابتسامة: مبسوط يا وليد؟ نظر لها بعينيه التي تأثر قلبها ألف مرة في اليوم الواحد، لكونها ترى بعينيه الناعسة نظرة حبيب عمرها وروحها الذي رحل مبكرًا، أبكر مما كانت تتخيل. تنهدت
بعمق حينما أتاها صوته: مبسوط يا ماما. وأنتي مش مبسوطة؟ أومأت مريم بابتسامة ليقبلها وليد في وجنتها بحب قبل أن ترفعه عن الأرض وتضمه بين ذراعيها تستنشق عبيره الطفولي والذي تقسم أنه سيكون جود مصغرًا في كل شيء. عادت به حيث يجلس الجميع وبدأوا في تناول طعامهم في جو ملئ بتذمر الأطفال وتنهيدة الأمهات وضجر من الرجال. إسلام بهدوء: مريم ماما كلمتني تاني عشان آآ..
مريم مقاطعة: أنا مش هسيب شقتي يا إسلام وبقولهالك للمرة الألف. أنا مش هسيب شقتي. مروان بهدوء: مريم أهلك خايفين عليكي. يعني حتى لو ترجعي شقتك يا ستي خميس وجمعة مثلًا وباقي الأسبوع قضيه معاهم. مريم بضيق: وأنا أتنطط من هنا لهنا ليه؟ أنا في شقتي ومرتاحة أنا وابني فيها. مفيش داعي تشغلوا بالكم يا جماعة.
تنهد كل من إسلام ومروان لصلابة رأسها. فهم منذ وفاة جود من فترة تبلغ حوالي العامين وهما يتحدثان إليها بشأن العودة لمنزل والدها وترفض كل مرة رفضًا قاطعًا. شهد محاولة تغيير الأجواء: متيجوا نعمل طلعة جوية على البت رقية والواد معاذ ونخضهم. وحشوني أوي ولاد اللذينة دول. مريم بابتسامة: وماله. لو الشباب موافقين نروح. إسلام بسخرية: شباب إيه بقى. هي بقى فيها شباب. أروى وهي تحاوط ذراعه بحب: مهما تكبر هتفضل شباب يا عمري.
تحمحم مروان وهو يتمتم: إيه يا عم إسلام. مش كده يعني. ده أنتوا حتى بينكوا حتة بت مبتسبكيش لأمها من دلوقتي. إسلام بضحكة جانبية: وأنت مالك. مروان بغيظ: في جيبي يا خفة. يلا يا جماعة قوموا نرتب الجو ده ونطب على سي معاذ شوية عشان نروح وكده بارك الله في يوم الجمعة وبارك الله في جمعتنا وبتمنى ما تتكررش تاني طالما هيبقي فينا من التسبيل والنحنحة. ضحكت شهد بخفة وهي تتحدث بمزاح: وإحنا نسبل برضه يا حبيبي ولا يهمك حاجة.
إسلام بضحكة جانبية: مبلاش أنتوا عشان توأم العنب دول. ضحك الجميع. في حين كانت مريم تضحك وهي تحاول إخفاء الألم الذي ينبض بقلبها وهي تعود بذاكرتها لذكرى زواجها منذ خمسة أعوام.
حيث كانت تقف أمام المرآة تلقي نظرة أخيرة على نفسها وتبتسم باتساع. فاليوم ستُزف لمن دق قلبها له. ستصبح عروسة. وليس هذا فقط، بل سيأخذها الليلة ليسافرا إلى السعودية لقضاء مناسك العمرة. وقد اتفق مع مروان وإسلام وسيذهبون جميعًا الليلة. وقد رتب جود كل شيء، بحيث ستقام حفلة بسيطة في أحد الحدائق الواسعة وسيذهبون إلى هناك من بعد الظهيرة ليحتفلوا جميعًا بزواجهم ومن ثم سيعودون قبيل المغرب ليتجهزوا للسفر.
طرقات على باب غرفتها جعلتها تنتبه إليه سريعًا. دلفت والدتها لتأخذها بين أحضانها بحب متمتمة بالدعوات لها والسعادة أينما كانت. لتبتسم لها مريم بحب قبل أن تنظر لوالدها الذي يجاهد لإخفاء دموعه. اقتربت منه سريعًا واحتضنته بحب ليشدد على احتضانها وهو يتمتم لها بالدعاء كذلك.
وما هي إلا ثوانٍ حتى سمعت صوت طرقات على باب المنزل ليفتحه سفيان سريعًا فيتبين جود الذي يرتدي حلته الكحلية والتي أظهرت مدى وسامته فيها وأناقته مع تسريحته التي لا تتغير أبدًا بشعره المائل للاصفرار منه إلى البني، ولحيته الخفيفة والمنمقة. لتخفض عينيها سريعًا وهي تراه يتفحصها بفستانها الأبيض السادة تمامًا، مع خمارها الأبيض الذي زاد من وقارها وبهاء طلتها وتلك الطرحة الشفافة التي تعلو الخمار لتصل للأرض من خلفها وتفترش مساحة واسعة على الأرضية مع وجهها الخالي من مساحيق التجميل إلا من كحل عينيها الذي يبرز خضراوتيها بعناية. ليقطع تأملاته وابتسامته تلك صوت والد مريم الذي يتحدث بابتسامة واسعة لرؤيته الحب جليًا
بأعين جود لابنته: البقية زمانهم على وصول. كلها ساعات وأبقوا اتأملوا براحتكم. تحمحم جود بحرج قبل أن يتقدم ويحتضن والد مريم الذي بارك له بحب وتمتم له بالدعوات. ثم قبل يد والدة مريم واحتضنها كذلك لتتمتم بالدعوات هي الأخرى قبل أن تأخذ زوجها من يده وينزلا للأسفل في انتظار البقية.
اقترب جود من مريم بخطوات هادئة ثم مال إليها ممسكًا بوجهها بين راحتي يده لتنظر هي بعينيه وترى حبه لها يشع بهما فتبتسم بخجل. قبل أن يقترب جود مقبلًا أرنبة أنفها بهدوء ويبتعد قليلًا متمتمًا: وأخيرًا. مريم بابتسامة: أخيرًا. جود بغمزة: طالعة زي القمر. وحشتيني. مريم بابتسامة خجولة: وأنت كمان وحشتني أوي. وطالع آخر شياكة في الكحلي. جود بمزاح: أنا شيك في كل حاجة. مريم وهي تبتسم
بخفة محاوطة عنقه بيديها: أنت القمر الخاص بيا أنا وبس. أنت كل الحلو بعيوني. لا. أنت عيوني نفسهم. أنت الهوا وأنت الحياة. جود متحمحمًا: حبيبتي أنا بقول ننزل عشان أنتي كده هتبقي في خطر مني. مريم بدلال ولا تزال تحاوط عنقه: لا. أنت الأمان وكل الأمان. أمسك جود بيديها التي تحاوطه وأنزلهما قبل أن يمسك يدها بيده ويسحبها خلفه متمتمًا بضجر: لا ما هو أنا بشر يعني. ولو منزلناش دلوقتي مش هننزل خالص.
ضحكت مريم بخفة وهي ترى توتره وهو يسحبها خلفه حتى نزلا لأسفل البناية تزامنًا مع وصول إسلام بسيارته وبجانبه يجلس والد أروى في حين تجلس أروى بفستانها الأبيض ووالدتها في الخلف. وكذلك مروان الذي يجلس هو وشهد في الخلف بينما يقود معاذ وبجانبه رقية. ويليهما والد رقية بسيارته.
هكذا اجتمع الجميع وركبت مريم في الخلف بجانب والدتها ومعهما سفيان بينما قاد جود السيارة وبجانبه والد مريم. وانطلقوا حيث المعازيم في الحديقة الواسعة التي استأجرها كل من مروان وجود وإسلام ليقضوا بها النهار بأكمله. ولم تكن الحديقة مزينة سوى بالبلالين التي تتعلق إلى أغصان الأشجار وكذلك الورود الصناعية. فقد اهتم جود لكون الحديقة لا تحوي أي ورود من أجل مريم. وقد اهتم مروان بوضع مكبرات صوت في ثلاث أركان لتعلو منه أصوات الدف
الذي اتفقوا جميعًا على أن يكون الدف ولا وجود للأغاني في فرحتهم هذه. كانت الأطفال تمرح في الحديقة وتركض هنا وهناك في حين يجلس الأهالي والأصدقاء إلى الطاولات المرصوصة بعناية في الحديقة. بينما يوجد ست مقاعد تراصت بجانب بعضها لتبني فاصل بعرض الحديقة من أجل العرسان.
دلفت مريم ممسكة بيد جود وبدأوا بالترحيب بضيوفهم. وكذلك دلف بعدهما إسلام الذي يرتدي حلته السوداء الأنيقة ويرفع شعره للأعلى وقد أزال لحيته تمامًا، وبيده أروى التي ترتدي فستانها الأبيض الأكثر نقاءً وتفتحًا من درجة فستان مريم ويزداد اتساعًا عنه كذلك ببعض الكشكشات الطولية البسيطة. ويشبهه كونه سادة تمامًا إلا من تلك الشعيرات التي تشبه الريش الأبيض على أساور أكمامها وتحمل بيدها باقة من نفس الشعيرات الموجودة بأكمام فستانها، مع خمارها الأبيض الذي زاد الفستان أناقة وزادها هي وقارًا.
ويأتي من خلفهم مروان الذي يرتدي حلته السوداء كذلك مع لحيته المنمقة والمصففة بعناية وشعره المصفف للأعلى. وكأنهم اتفقوا جميعًا على أن يظهروا بنفس تسريحة الشعر. ويمسك بيده شهد التي ترتدي فستانها الأبيض الذي تقع درجته بين درجة فستان أروى الحليبية ودرجة فستان مريم المائلة للسكري، من عدة طبقات من التول الشفاف وليس بالواسع كثيرًا وسادة تمامًا إلا من الصدر الذي تتداخل فيه النقوش ببراعة لتعطيه مظهرًا أكثر جمالًا مع حجابها الأبيض البسيط وكذلك طرحتها الشفافة الطويلة.
وصلوا جميعًا حيث مقاعدهم وجلسوا إليها في وضح النهار وقد علت المكبرات بأسماء الله الحسنى مع دلوفهم. ومن بعدها بدأت أناشيد الدف. ليقف الشباب ويكونوا حلقة رقص ويرقصون في جهة معًا وقد كان كل شاب يذهب لطاولات المعازيم ويعودون بالرجال كبارًا وشبابًا وحتى الصغار. وبدأوا يرقصون معًا. وكذلك اتجهت الفتيات واجتمعن نساء كبار وفتيات وبدأن يصفقن بخفة مكونين حلقة يحجبون الرؤية عن مريم وشهد وأروى اللاتي يرقصن بداخل الحلقة بعيدًا عن
الأعين. وظلت الفرحة غامرة والبهجة تغزو المكان لفترة من الوقت حتى أتى أحد الشباب العاملين بالمكان وتوقف بجانب جود وأخبره شيئًا ما بأذنه. ليومئ جود بخفة قبل أن يفصل المكبرات ويمسك بالمايك مؤذنًا لصلاة العصر. وقد دهش الجميع من جمال نبرته في الأذان. وما أن انتهى حتى تدافع الرجال واحدًا تلو الآخر إلى تلك الخراطيم التي أحضرها العاملون بالمكان وبدأوا في الوضوء. في حين كانت الفتيات قد أتممن وضوءهن قبل الخروج من منازلهن. ومن
تشككت في وضوئها ذهبت لدورة المياه الملحقة بالمكان وتوضأت. وما أن انتهوا من الوضوء حتى وجدوا عمال آخرين قد وضعوا سجادة عريضة على العشب الأخضر كما انسدلت ستائر من خلف الرجال تصل من آخر شجرة بالحديقة من اليمين إلى آخر شجرة من اليسار لتحجب الحريم عنهم ومن خلف الحريم كذلك أُسدلت ستارة بنفس الحجم لتحجبهم عمن خلفهم. وقد أصرّ جود على أن يكون الإمام هو والد مريم. وبالفعل أتموا صلاة العصر. ومن ثم رُفعت الستائر وبدأ الجميع في
العودة إلى أماكنهم. ليأتي مصور الكاميرا معلنًا عن التقاط الصور للجميع. وبالفعل بدأوا في التقاط الصور للحضور تارة وللعرسان تارة أخرى ومن ثم العرسان مع الأهالي وبعدها العرسان ومن خلفهم المعازيم. ثم بدأ العمال بعدها في الإتيان بأطباق الجاتوه ووزعوا على الطاولات مع الصودا بأنواعها.
بقيت البهجة تسود المكان حتى قبيل المغرب بساعة تقريبًا. وبدأ المعازيم في الانصراف لعلمهم بسفر العرسان لقضاء مناسك العمرة ولذلك تم العرس في وضح النهار. ومن بعدها تحركت السيارات كل لمنزله الجديد. ليبدلوا ثيابهم استعدادًا للسفر. على وعد بالالتقاء أمام منزل والد مريم والانطلاق من هناك. دلفت مريم لمنزلها بعدما أفسح لها جود طريقًا. وما كادت تنظر حولها حتى شهقت بسبب رفع جود لها عن الأرض. مريم بخجل: آآ.. إيه؟!
جود بغمزة: أي أنتِ! مريم بابتسامة: يدوب نغيّر ونصلّي عشان ما نتأخرش. جود بغيظ: صبرني يا رب. تحرك بها تجاه غرفتهما ووضعها أرضًا وقَبّل جبينها بحب وهو يتمتم: يلا غيري هدومك في الحمام اللي هنا وأنا هغيّر في الحمام اللي بره، واتوضي عشان هنصلي المغرب سوا. أومأت مريم بابتسامة لتطول النظرة بينهما، نظرة تحمل كل معاني الحب والعشق، نظرة تبوح بمدى اشتياق كل منهما للآخر، نظرة أبلغ من الحروف، أبلغ من كل شيء قد يوحي بالحب.
تجرأت مريم وقامت برفع نفسها حتى أصبحت في مستوى رأسه وقامت بتقبيل وجنته قُبلة خاطفة ثم ركضت متجهة إلى دورة المياه، تاركة خلفها جود الذي يبتسم بحب، ثم واضع أطراف أصابعه على وجنته حيث قَبّلته للتو، تنهد باستسلام وأخذ ثيابًا وغادر الغرفة، لتتنهد مريم براحة حينما سمعت صوت باب الغرفة يُغلق، ومن ثم وضعت يدها على وجنتها وابتسمت باتساع لمشاعرها وضربات قلبها.
أنهت ارتداء فستانها السماوي الهادئ والذي يعلوه خمارها السماوي كذلك لتفتح باب غرفتها بخفة تبحث عنه فوجدته يقف إلى الشرفة ينظر للحديقة بالخارج، اقتربت بهدوء وحاوطته من الخلف ليبتسم بخفة قبل أن يمد يده ويجذبها بخفة لتكون هي في المقدمة ويحاوطها هو واضعًا ذقنه على رأسها محتضنًا إياها بتملك لتسترخي بين يديه وتستند برأسها على صدره. جود ببحة خفيفة: أنا أسعد إنسان في الدنيا النهارده. مريم وهي تمسك
بيديه التي تحاوط خصرها: وأنا من أسعد ما يكون، طول عمري بدعي ربنا بالعوض والخير، والنهارده اتأكدت إنك كل العوض وكل الخير، أنا بحبك أوي يا جود. حررها جود لتواجهه وهو يرفع رأسها بطرف إصبعه: وأنتِ عشقي والحياة، وكل اللي فات من صبر كانت نتيجته ومكافأته أنتِ. ابتسمت بخفة ليقترب ببطء منها، ولكن صوت الأذان الذي أعلن عن تلبية النداء جعل مريم تتحمحم بهدوء وهي تتحدث ببحة خفيفة: الـ .. المغرب.
حاوط جود كتفها بهدوء واصطحبها ليكون إمامها في أول صلاة لهما بمنزلهما، ولن تكون الأخيرة كذلك. أفاقت مريم من شرودها على يد إسلام الذي تحدث بهدوء: مريم أنتِ كويسة؟ مريم وهي ترمش عدة مرات: آه آه يا حبيبي كويسة الحمد لله، نمشي؟ أومأ إسلام ليستعد الجميع للذهاب حيث منزل رقية ومعاذ.
كانت تروي بعض مزروعات الورود الموجودة بالبلكون الخاص بغرفة الضيوف حينما رأت سيارتين تقفان أمام البوابة الفاصلة بين حديقة منزلها والشارع الخارجي، خرجت بسرعة حينما علمت هوية القادمين إليها، لتفتح ذراعيها كي تُلقي شهد بنفسها بين أحضانها، تعانقت الفتاتان بحب حقيقي، لطالما كانتا كالشقيقتين، ومن ثم عانقت مريم وأروى ورحبت بالرجال، مالت بعدها إلى ملك التي تسير بهدوء ممسكة بيد مروان ورفعتها لأحضانها لتغرقها بوابل من القبلات، ومن بعدها أخذ مالك نصيبه في ضجر ورفض تام لحملها له، وهذه عادته، لا يحب أن يُحمل أبدًا.
وأخيرًا أخذت أريج من يد إسلام بعدما احتضنت وليد بحب، ودلفت لتسمح لهم جميعًا بالمرور وأخذت تلاعب أريج وتقبلها كل دقيقتين، فهي فتاة بوجه ملائكي، جمعت في ملامحها بين والدها ذو العيون المائلة للاخضرار ووالدتها صاحبة العيون الزرقاء المائلة للرمادي، فأصبحت عينا الطفلة ملونة، كلما دققت النظر بهما ترى لونًا مختلفًا، أحيانًا رمادية وأحيانًا زرقاء وأحيانًا خضراء، بالإضافة لنقاء بشرتها وشعرها البني المسترسل، أخذت لونه من أروى بينما نعومته من إسلام، كما أنها مليئة بعض الشيء ومن يحملها لا يتردد في أكلها.
شهد بتساؤل: هو معاذ في الشركة ولا إيه؟ رقية بتأكيد: أيوه، زمانه على وصول. بدأت مريم في الشعور بحرقة وتآكل في انفها ولديها رغبة شديدة في العطاس، هناك تآكل داخل أنفها، وكل فنية وأخرى ترفع المنديل إليها وتحاول جاهدة أن تُنهي هذا التآكل حتى دمعت عيناها بغزارة، كأنها كانت تنتظر فقط أول قطرة دمعة لتتحرك الدموع بتلقائية وتدفق إلى وجهها. أروى بخضة وهي تركض تجاه مريم: مريم مالك؟ حبيبتي أنتِ تعبانة؟ في إيه؟
نظر لها إسلام بتفحص ليعلم أنها تجاهد للتنفس بطبيعية، فتحدث إلى رقية بتساؤل: هو في ورد هنا؟
ضربت رقية جبينها براحة يدها قبل أن تضع أريج فوق قدم إسلام وهي تركض تجاه البلكون وأغلقته نهائيًا وأخذت تعتذر لمريم التي رفعت يدها كعلامة "اللا مشكلة"، ثم تحركت مع أروى ورقية تجاه دورة المياه، وبعد أن أغلقت الباب عليها جلست إلى حافة البانيو ودخلت بنوبة بكاء هستيري وهي تحافظ قدر الإمكان على ألا يخرج صوتها، تود التوقف عن البكاء، تود الخروج من دورة المياه، ولكنها لا تستطيع، لقد غادرتها الروح منذ عامين، هي تحيا فقط من أجل وليد، وتمسك عينيها عن الاسترسال في الدموع من أجله، لكن كل شيء قد فاق احتمالها، فتركت العنان لعينيها كي تأتي بكل الألم، علها ترتاح ولو قليلًا.
وبينما هي في وصلة بكائها تلك عادت إليها ذكرياتها من حيث توقفت، حينما صلت المغرب وجود إمامها. أنهى صلاته بها ومن ثم التفت إليها وأمسك بكفها وأخذ يسبح عليهما بابتسامة، لتزداد ابتسامتها هي الأخرى وتردد التسبيح معه حتى انتهيا، ليقترب جود طابعًا قُبلة رقيقة فوق جبينها، فقاطعهما صوت هاتف جود الذي أعلن عن اتصال من مروان يخبره بكونه قد تحرك لمنزل والد إسلام، فتحرك جود ومريم كذلك، والتقى الجميع هناك.
وبعد السلامات والدعوات التي صاحبت كل زوجين انطلقوا تجاه المطار لتبدأ رحلة العمرة التي لطالما حلمت بها مريم وأروى كذلك، وشهد مؤخرًا، وها هي أمنيتهم تتحقق. أدوا جميعًا مناسك العمرة، وحان وقت العودة.
استقبلهم الأهل في المطار، وأصر والد رقية على أن يذهبوا جميعًا معه إلى الفيلا لأن رقية قد حضرت الغداء من أجل الجميع، وبالفعل اتجهوا حيث الفيلا وقضوا وقتًا لا بأس به، وبعدها عاد كل زوج إلى منزله الذي لم يُسكن بعد، في حين أخذ جود مريم إلى منزل والدها تحت تساؤلها المستمر عن السبب لكنه يراوغ في الإجابة. وصلا أخيرًا وصعدا للأعلى لتأخذها والدتها إلى غرفتها. شهقت مريم وهي ترى فستان زفافها فوق الفراش، وما كادت تبتسم
حتى أتاها صوته الدافئ: النهارده هنعتبره فرحنا. مريم بابتسامة ودموع تلتمع في عينيها: عـ عشان كده. جود مقاطعًا: عشان كده ما قربتلكيش طول فترة وجودنا في السعودية، هنبدأ حياتنا من جديد، الليلة دي. ركضت مريم محتضنة إياه بقوة وهي تتمتم: ربنا يخليك لقلبي. جود وهو يمسد شعرها بحنان: طب إيه رأيك نلغي الفكرة ونعتبرك لبستيه ونبات هنا كمان مش لازم نروح. مريم وهي تدفعه للخارج: لا لا، أنا نص ساعة وهطلعلك ونروح.
ضحك جود عليها ومن ثم ذهب ليجلس مع والدها، في حين اقتربت مريم من فستان زفافها واحتضنته بقوة قبل أن تدلف لدورة المياه وتأخذ حمامًا سريعًا ومن ثم ارتدت فستانها وخرجت لهم، لتبتسم والدتها بدموع ووالدها بحنان، في حين اقترب جود ومد يده لها لتعلق يدها بيده ثم استأذنا للمغادرة لبدء حياتهما الجديدة. وصل بها حيث المنزل، وصعدا للأعلى في هدوء ليحملها جود بين يديه إلى أن دلف غرفتهما وبعدها قَبّل
جبينها بعمق وهو يتمتم: اتوضي يلا عشان نصلي سوا. أومأت بابتسامة لتركض سريعًا وتوضأت وصلى بها سنة الزواج، وبعدها التفت إليها متمتمًا بالدعاء حتى انتهى ووقف وأوقفها معه ليتحدث ببحة خفيفة: نورتي بيتك وحياتي يا نور دربي. مريم بابتسامة: أنت النور يا سيد الناس. جذبها جود بخفة إلى أحضانه يستشعر قربها منه ويستمع لضربات قلبها الثائرة التي تتعارك مع ضربات قلبه هو الآخر ليأخذها بعد ذلك إلى جنته لتصبح زوجته قولًا وفعلًا.
وبعد فترة من الوقت كانت يده تعبث بخصلاتها وابتسامة حب ترتسم فوق ثغره قبل أن يقبل رأسها بهدوء ويذهب في سبات عميق مثلها. طرقات على الباب أعادت مريم للواقع من جديد لتستنشق ما بأنفها وهي تتحدث ببحة أثر البكاء: أيوه ثواني. أتاها صوت إسلام القلق: مريم حبيبتي أنتِ كويسة؟ مريم: كويسة، هغسل بس وأظبط خماري وجاية، خلي عينك على وليد. إسلام: حاضر.
خرج إسلام إليهم بملامح حزينة من أجل أخته التي تذبل يومًا بعد يوم، يراها ويرى ضعفها وقلة حيلتها ويرى انطفاء وجهها، لكن ليس بيده شيء. أروى بقلق: ها، كويسة؟ إسلام بتنهيدة: ما أظنش يا أروى، إحنا لازم نحاول نخرجها من اللي هي فيه ده، مش هينفع كده أبدًا. قاطعه صوت وليد الذي يتحدث ببراءة: خالو، ريجو عايزة تروح البحر. نظر له إسلام مطولًا ومن ثم رفعه وأخذ يقبله بحب وهو يتمتم: يخربيت جمال أمك أنت وأريج.
حول نظره للجميع وهو يتمتم: إيه رأيكم في طلعة مصيف؟ نظر له مروان بسخرية: فكرة ما لهاش مثيل، فكرت فيها لوحدك ولا حد قالها لك! إسلام بهدوء: اسمع بس، إحنا لازم نغير الأجواء دي، أهو على إيدك، مريم أهي بتنطفي يوم عن يوم، غير إنها لازقة في بيتها مش عايزة تتزحزح منه، لولا إصرارنا على الخروج الجمعة ده ما كانتش طلعت، فنغير جو يا عم مروان ونخرج العيال برضه. مروان بتنهيدة: ما عنديش مانع، بس بتفكر في إيه برضه؟
إسلام بغمزة: همخمخ وأقول لك. كان يجلس إلى الحديقة أمام تلك الغرفة الصغيرة المُلحق بها دورة مياه صغيرة، يستند بظهره إلى الباب ناظرًا للسماء في هدوء تام، قاطع هذا الهدوء صوتٌ محبب إلى قلبه وهي تتمتم: سرحان في إيه يا عبد الله. نظر لها بابتسامة وهو يسحب الوسادة الموضوعة خلف ظهره ويضعها أرضًا كي تجلس إليها. تمتمت من جديد: لسه يابني مصمم على اللي في دماغك؟ تحدث بهدوء ولم تختفِ ابتسامته: أنتِ زهقتي مني ولا إيه؟!
نظرت له بعتاب وهي تتمتم: عيب كلامك ده والله، أنا عاملة عليك وعايزة راحتك. تمتم بهدوء: ما تشغليش بالك يا ست الكل، هتتعدل، مصيرها في يوم تتعدل. نظرت له بحزن عارم فهي تشعر بحرقة قلبه رغم نقائه، تشعر بحزنه الذي يجاهد لإخفائه بابتسامة يرسمها فوق ثغره، تشعر بتخبطه وقلة حيلته وخوفه من اكتشاف ماضيه، تشعر بكل شيء يدور بخلده. قاطع تأملها له صوته ببحته المميزة مجددًا: عمي محمود اتأخر؟
نفت بخفة وهي تتمتم: لا يا حبيبي، أنت عارف ظروف الكافيه، يوم ييجي بدري ويوم لا، الناس هنا يابني اللي بيحزن ويتعب فيهم بيروحوا على مكان يكون طالل ع البحر، ويفضلوا بالساعات سرحانين مع الموج، تلاقي الواحد ولا الواحدة منهم قاعدة من سبعة مثلًا والساعة تعدي نص الليل وهو ولا هي على نفس القعدة، البحر ساحر وصندوق أسرار أمين، بيسمع لكل اللي بيشتكي وبيطري على قلبك. وعمك محمود عشان كافيهه على البحر فمتعرض كتير لحالات زي دي.
ابتسم بهدوء وهو يتمتم: انا إزاي كل الفترة دي مفكرتش ولا مرة أروح معاه! اتسعت ابتسامتها وهي تتمتم: والله هيفرح بيك قوي لو قلت له إنك عاوز تروح معاه. أومأ بهدوء متمتمًا: خلاص بكرة أروح معاه وأساعده كمان. ابتسمت بسعادة وحزن في نفس الوقت، فهي تود أن يشغل وقته حتى لا يصاب بالجنون من كثرة التفكير ومحاولة التذكر، وفي نفس الوقت تتمنى لو بإمكانه العودة لعائلته، ربما هو يظلمهم بتخيله أنهم هم من فعلوا به هذا.
تحركت بخفة وهي تتمتم: هروح أجيب لنا كوبايتين سحلب ونقعد نستنى عمك محمود سوا. أومأ لها بابتسامة لتغادر وهي تدعو بداخلها ألف دعاء من أجله. ليغيب هو داخل أفكاره من جديد، ترى من يكون؟ وما الذي حدث معه؟ ولما لا يذكر أي شيء عن حياته السابقة؟ كيف وصل به الحال لأن يجده العم محمود على طريق صحراوي ويأخذه ويهتم به حتى يعود للحياة، يعود للحياة جسد بلا قلب أو روح أو حتى، أو حتى ذاكرة، من فعل به هذا؟
قطع وصلة أفكاره صوتها من جديد، جلست بجانبه وبدأت تقص له عن حبها هي ومحمود، وكيف يعيشان برضا تام راضين بقضاء الله الذي قضى بألا يكون لهم أبناء، وكيف أن هذا القضاء جعلهما متمسكين ببعضهما أكثر وأكثر. ليقاطع حديثهما صوته الضاحك: يا شيخة حرام عليكي دماغ الراجل، بقالك سنتين بتعيدي في نفس الكلام، ده أنا لو سألته هيطلع عارف حكايتنا أكثر مني أنا شخصيًا. ضحكا معًا قبل أن يجلس
معهما بهدوء وهو يتمتم: عامل إيه يا عبد الله يا ابني؟ أومأ بخفة وهو يتمتم: كويس الحمد لله يا راجل يا طيب. ليتابع العم محمود موجهًا حديثه لزوجته: وأنت يا رحمتي؟ عاملة إيه؟ تحدثت رحمة بهدوء: دلوقتي بقيت كويسة. ضحك بخفة وهو يتمتم: قوم يا عم محمود خد رحمتك وادخلوا بيتكم، مش عايز وصلة الرومانسية تتم تحت ضوء القمر أنا. ضحكا بخفة على كلماته قبل أن يتحدث العم محمود مجددًا: برضه يا بني مصمم تفضل في الأوضة دي؟
أنا مش عارف أومال لو مش بتعتبرنا أهلك كنت عملت إيه! تحدث بهدوء: إحنا مش اتفقنا إني هفضل على راحتي؟ أنا راحتي هنا. العم محمود: زي ما تحب يا بني. ليتابع بهدوء: بقول لك يا عم محمود، مش محتاجني معاك في الكافيه؟ العم محمود بابتسامة: ده يوم سعدي يا بني لو جيت وقفت معايا. تحدث بابتسامة: خلاص إن شاء الله من الصبح هاجي معاك. مسد العم محمود على كتفه بخفة متمتمًا: ربنا يكرمك يا بني وينور لك دربك.
ثم تنهد بهدوء وهو يتابع: طب يلا نستأذن إحنا عشان عاوز أريح لي شوية. أومأ بهدوء وابتسامة: تصبحوا على خير. العم محمود: تلاقي الخير يا بني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!