كانت تتوسد صدره رافعة رأسها للأعلى تتأمل ملامحه بهدوء. وأخذت تتدفق إليها ذكرياتها معه بعد أن عادا من العمرة. دلفا للمنزل بهدوء وتوتر. لا أحد منهما يعلم ما عليه فعله الآن. حتى قطع هو هذا التوتر متمتمًا بهدوء: هدومنا هتفضل في أوضة واحدة عشان بس الجماعة لو جم كده ما يبقاش فيه سين وجيم كتير. أنا هنام في الأوضة بتاعة جود، وأنتِ هتنامي في أوضتنا عادي.
أومأت شهد بهدوء ليتحرك هو تجاه الغرفة وأخذ ثيابًا له ومنشفة، ومن ثم دلف لغرفة جود. تحركت هي ودلفت إلى الغرفة وأغلقت الباب وهي تتنفس بسرعة. فركت يديها معًا متمتمة: استعنا على الشقا بالله.
بدلت ثيابها لبنطال كحلي برمودا سادة تمامًا بجيوب، يعلوها تيشرت بينك بحمالات عريضة بالإضافة لحمالات أخرى تسقط عن الكتف، مكتوب عليه من الصدر بعض الكلمات الإنجليزية باللون الكحلي وبخلفية بيضاء. ومن ثم بعثرت خصلاتها السوداء ورفعتها للأعلى بعشوائية، وأزالت أي آثار لمساحيق التجميل، فكانت هي كما هي فقط. وخرجت من الغرفة وألقت نظرة إلى اليمين واليسار قبل أن تغلق الباب وتتحرك في المنزل بحرية لتستكشفه.
انتهت من استكشاف المنزل ودلفت للمطبخ بهدوء، وقد أسعدها كثيرًا أنها وجدت حليب ونسكافيه. فبدأت بعمل كوب نسكافيه بعد صراع دام لدقائق على أن تحضر كوبين لا واحد، ولكنها أخذت قرارها سريعًا بأن تحضر لنفسها فقط، وإن خرج هو وأراد ستحضر آخر من أجله. أنهت تحضير النسكافيه وهمت بالخروج لكنها توقفت وهي تراه يدلف للمطبخ ببنطال برمودا أبيض وصدره عارٍ تمامًا إلا من تلك المنشفة التي يضعها على عنقه. تسمر مكانه وهو يراها بتلك الهيئة، كما توترت هي الأخرى من هيئته.
مروان وهو يخفض نظره سريعًا: آآ... آسف أنا بصيت على أوضتك كانت مقفولة فكرتك نمت. شهد وقد وجدت أن الحجة نفسها تليق بها: وأنا كمان بصيت على أوضتك شفتها مقفولة فكرتك نمت. تحب أعملك نسكافيه معايا؟ نظر لها مروان باستغراب قبل أن يتحدث بهدوء: آآ... مـ ماشي... هدخل ألبس وأجي. أومأت شهد بخفة ليعود مروان أدراجه للغرفة وهو يتمتم في نفسه: إخوات إزاي بس!!! ... هي مش ناوية على بر أنا عارف... آاااخ.
بينما عادت شهد وحضرت كوبًا آخر من أجله وخرجت تنتظره في غرفة الجلوس وبيدها الريموت الخاص بالتلفزيون. عاد مروان ليجدها تشاهد قناة سبيستون التي تعرض كارتون الفتيات الخارقات. زم شفتيه وهو يتمتم في نفسه: أتاريها كانت بتقول ما تغيرش القناة اللي بأتفرج عليها وخليك أخ متحضر.
جلس على المقعد الآخر محاولًا تجنب النظر لها، ولكنه يشاهد التلفاز في ضجر، لا يفهم ما الذي يجذب الفتيات التافهات في كارتونات كهذه. نظر لها أخيرًا ليجدها تبتسم للشاشة أحيانًا، وأحيانًا أخرى تضم يديها وترفعها لصدرها في حماس، وأحيانًا أخرى تضم بين حاجبيها وأخرى تزم شفتيها. باختصار كأنها هي من تحيا بداخل الكارتون. ابتسم بداخله على طفوليتها قبل أن يجذب الريموت بخفة من جانبها دون أن تشعر وقام بكتابة رقم ما على الشاشة، لتتغير القناة لـ CBC سفرة.
نظرت له في غضب وهي تتمتم: أنت بتغير القناة ليه... دي أحلى حتة في الكارتون... هات الريموت. مروان رافعًا كتفيه بلامبالاة: أديكي بتقولي أحلى حتة في الكارتون... يعني سمعتيه قبل كده... اسمعي سي بي سفرة واتعلمي حاجة مفيدة. شهد بتذمر: إحنا هنبدأها من أولها كده... هقوم أعضك لو ما ادتنيش الريموت يا مروان. مروان بلامبالاة: اعتمدي على أسلحتك وخذيه. شهد بتحذير: أنا ما بهزرش لعلمك... هعضك بجد. مروان بلامبالاة: شششش.
تحركت شهد بخفة وبهدوء تام وهي تتحدث بتحذير: هات الريموت يا مروان. نظر لها مروان وهي تتقدم منه ورمش عدة مرات وهو يفكر إن كانت ستفعلها حقًا. لكنها فاجأته وهي تقفز فوقه مما جعله يتمدد إلى الأريكة ويضع اليد التي تحمل الريموت تحت ظهره وهي ترفعه من ملابسه كي ترفع يده وتأخذ منه الريموت: هاااات... قرب يخلص بقى هااات. مروان بضحكة: أوعي يا مجنونة هاموت تحت إيدك. نظرت له شهد وهي تضيق عينيها ومن ثم رفعت الوسادة ووضعتها
فوق رأسه وهي تتحدث بضجر: هات الريموت. مروان بالكاد يخرج صوته: هاموت يخرب بيتك... يا مجنونة ما تخلينيش أتجنن عليكي. وفجأة ترك الريموت من يده وقام بمحاوطتها وبحركة سريعة كانت هي الممددة إلى الأريكة وهو في الأعلى ينظر لها بابتسامة ساخرة: أنتِ مش قدي وأنتِ شبه الفراخ المبلولة كده.
صمت قليلًا يتأمل ملامحها الهادئة بعينيها البنية الداكنة وأنفها الصغير وبشرتها النقية وخصلاتها المتمردة على جبينها وفوق وجنتها. ومن دون أن يشعر تحركت يده وأزاح خصلاتها عن وجهها لترمش هي بسرعة وقلبها يضرب طبولًا وتحدثت أخيرًا بخفوت: آآ... خـ خلاص مـ مش عايزاه... أوعي كده.
دفعته عنها وهي تقول جملتها الأخيرة قبل أن تركض للغرفة وهي تضع يدها فوق قلبها الذي يضرب بعنف وابتسامة عابثة اعتلت ثغرها قبل أن تلقي بنفسها فوق الفراش بسعادة. بينما يجلس هو إلى الأريكة وهو يحرك يده فوق وجهه بضيق متمتمًا في نفسه: إيه الغباء اللي عملته ده! ... بس هي اللي بدأت... أوووف بقى... يا ترى زمانها بتقول عليّ إيه دلوقتي... وأنا مالي ما تقول اللي تقوله... يوووه بقى...
وسي بي سفرة إيه دي اللي جايبها لها تستفاد منها... هو إيه عك وخلاص. تنهد بقلة حيلة وهو يرفع الأكواب عن الطاولة وقام بتنظيفهما ووضعهما في مكانهما وعاد لغرفته يتذكر تلك الدقيقة ويراجع شعوره مجددًا. ومن دون أن يشعر ارتسمت ابتسامة خفيفة فوق ثغره قبل أن يسقط في نوم عميق.
عادت من ذكرياتها على تململه بنومه وتصبب جبينه بالعرق وهو يهذي بكلمات لم تفهمها، فرفعت نفسها سريعًا وهي تحاول إيقاظه حينما علمت أنه بداخل كابوس كتلك التي تراوده كثيرًا منذ وفاة جود. شهد بهدوء: مروان... مروان حبيبي اصحى... مروان. فتح عينيه فجأة واعتدل سريعًا يلتقط أنفاسه ثم نظر حوله في الغرفة قبل أن يتنهد بتعب لتقرأ هي بعض آيات القرآن من أجله حتى هدأ وعاد مجددًا للنوم بعدما أعطته كوبًا من الماء ليرتشفه دفعة واحدة.
مسدت صدره بحنان ثم تحركت من جانبه كي تلقي نظرة على طفليها، وعادت لتتوسد صدره بهدوء، وقد فاجأها وهو يضع يده يعبث بخصلاتها بهدوء. شهد: أنت صاحي؟ مروان بابتسامة: أه... أنتِ ما نمتيش؟ شهد بضحكة خفيفة وهي ترفع نفسها عنه لتنظر بعينيها داخل عينيه: لا ما نمتش... كنت بأتأمل ملامحك. مروان بنصف عين: أممممم ولقيتي اللي ضايع منك في ملامحي؟ ضربته بخفة على صدره وهي تتمتم: بطل غلاسة بقى... لا بجد... افتكرت أول يوم لينا مع بعض هنا.
ضحك مروان بخفة وهو يتمتم مقلدًا صوتها: أنت بتغير القناة ليه... دي أحلى حتة في الكارتون... هات الريموت. شهد بغيظ: بلاااش لحسن أنت وقعت بلسانك وقلت لي على أحاسيسك اللي اتبعثرت يومها. مروان وهو يدفعها لصدره: نامي يا شهد... الواحد يندم إنه بيفضفض لك... نامي. ضحكت شهد بخفة قبل أن يذهبا في سبات عميق.
كانت تجلس فوق الأريكة الإسفنجية شبيهة تلك التي صنعها إسلام من أجلها، وقد صنعها جود لها كذلك حينما أخبره إسلام بحبها للجلوس عليها عند القراءة، تميل برأسها للخلف فتتحرر خصلاتها من ذاك المشبك لتلامس الأرضية. لم تجرؤ على الاقتراب من خصلاتها وقصها لعلمها مسبقًا أن جود يحب الشعر الطويل، كما أنها لا تتركه منسابًا لأنه غير موجود معها الآن، فقد كان يسحب مشبك شعرها ويتركه منسابًا لتتلاعب أصابعه بخصلاتها، حتى اعتادت على النوم مع تلك الحركة. ومنذ أن رحل، ووليد يفعلها من أجلها، لقد كان فعلًا لا إرادي من طفل صغير لم يبلغ من العمر وقتها سوى ثلاث سنوات، والآن أصبح عمره خمس سنوات وقد لازمته تلك العادة، حتى هو لم يعد يستطيع النوم دون أن يلاعب خصلات والدته.
تنهدت بتعب وهي تعيد خصلاتها من جديد إلى مشبك شعرها، ومن ثم رفعت هاتفها لترى تلك الصور التي جمعتها بجود، وابتسمت بألم وهي تتذكر آخر يوم له معها قبل أن يأتيها خبر وفاته. وقتها كانت تقف في المطبخ وتقوم بتحضير وجبة الإفطار من أجله، كانت تقلب الأومليت حينما أحاطها من الخلف طابعًا قبلة رقيقة على كتفها وهو يستنشق عبير خصلاتها بحب: بتعملي إيه يا أجمل صباحاتي؟ مريم بابتسامة: بأعملك الأومليت يا قدري... وبعدين ابعد شوية...
دلوقتي وليد ينط لك هنا ويقولك بابا إيب (بابا عيب) ضحك جود بخفة وهو يتمتم: الواد ده يكبر بس شوية وأنا هأعزله في أوضة في الجنينة زي المنبوذين... هو أنا ناقص يا أختي... لا عارف أتلايم عليكي صبح ولا حتى ليل! لم يتمم جملته حتى أتاه صوت وليد من الخلف: بابا إيب. ابتعد جود عن مريم التي تضحك عليه وذهب تجاه وليد متمتمًا بغيظ: أنت يلا مش عايز لك أخ ولا أخت يا واد؟ أنهى جملته وهو يحمل وليد من ثيابه تحت ضحكاته هو ومريم. رفعه
جود وقبله بقوة وهو يتمتم: خدودك بطعم خدود أمك... فراولة. وليد ببراءة: ماما فلاولة. جود: آه فلاولة فلاولة بصراحة. مريم وهي تضربه على كتفه بخفة: بس يا جود... بتعلم إيه للواد! جود بضحكة: أنا مااالي. جلس ثلاثتهم حول مائدة الطعام ليتحدث جود بعد عدة دقائق من الصمت: حبيبتي أنا احتمال أتأخر شوية النهار ده... عندي شوية حاجات هأظبطهم عشان موضوع المصنع قديم. مريم بتساؤل: المصنع قديم؟ ... طب وأنت محتاج تشغل مصنع قديم في إيه؟
جود: لا لا مش محتاج أشغل المصنع كمصنع... أنا محتاج موقع المصنع... في مشروع صغير كده في بالي بأفكر فيه من فترة طويلة... وإن شاء الله لو المهندسين قالوا إنه ينفع هنشترك أنا ومروان وإسلام في المشروع ده... وربنا ييسرها. مريم بابتسامة: ربنا يكتب لك الخير يا حبيبي وتحقق اللي بتتمناه يا رب. قبل جود يدها بحب قبل أن يتحرك لدورة المياه كي يغتسل ويرتدي ثيابه للذهاب إلى العمل.
خرج من غرفته ليجد مريم تركض خلف وليد ويضحكان بصوت عالٍ فابتسم بحب لهذا الجمال الذي لم يكن ليتخيله يومًا، لتقترب منه مريم وتتعلق بعنقه وهي تتمتم: ما تتأخرش كتير عليّ... عشان بتوحشني قوي. جود بنظرة عبث: حركة واحدة كمان وهأقولك بلا شركة بلا مشروع... وأنا أصلًا بأتلكك. مريم بضحكة خفيفة: لا لا روح شغلك يا حياتي وما تتأخرش عننا. قبلها جود قبلة خاطفة ومن ثم احتضنها بقوة، لينقبض قلبها على الفور مع هذه الضمة.
كأنها تدرك بداخلها أن تلك هي الضمة الأخيرة منه إليها. تحرك جود بهدوء وقبّل وليد واحتضنه كذلك قبل أن يلقي قبلة في الهواء لمريم التي التقطتها بدرامية ووضعتها تجاه قلبها ليبتسم لها بحب ومن ثم أغلق باب المنزل لتجلس مريم إلى الأريكة وهي تشعر بانقباضة قلبها التي تكاد تجعله ينفجر.
ولكنها تركت وليد يلعب وتحركت سريعًا تجاه دورة المياه وتوضأت وخرجت تصلي وهي تبكي بقوة ولا تعلم سببًا لبكائها هذا. لكنها تبكي وتدعو من صميم قلبها أن يحفظ الله لها زوجها ويحميه من كل سوء. وبقيت في توتر تام طوال النهار حتى أتاها اتصال من جود فتنفست بعمق قبل أن تجيب ليأتيها صوته الذي يطيب قلبها ويهدئ نفسها: وحشتيني. مريم بابتسامة: وأنت كمان وحشتني قوي. عامل إيه؟
جود وهو يأخذ شهيقًا طويلًا: الحمد لله ماشي الحال. ظبطت كل حاجة على قد التنفيذ الحمد لله. شكلها خطوة كويسة قوي يا مريم. ادعي لي ربنا يكرمني وأحقق اللي بأتمناه في المكان ده. مريم بحنان: طول ما أنت قريب من ربنا هيحقق لك الخير كله يا قلب مريم. ربنا يكتب لك الخير حبيبي. الخير وبس. جود بصوت خفيض: بأحبك.
مريم وضربات قلبها قد ازدادت. ليس تنغمًا بعذوبة الكلمة منه كالعادة، بل ازدادت اضطرابًا، قلقًا، خوفًا من مصير مجهول. ومن دون شعور تساقطت دموعها وهي تتحدث بتأتأة وضعف: وأنا.. وأنا بأحبك.. بأحبك قوي يا جود.. بأحبك قوي. جود بقلق: مريم حبيبتي مالك؟ أنتي تـ.. لم يتمم جود كلمته، فإذا بأصوات غريبة وكأنها صعقات كهرباء وفجأة انقطع الخط لتصرخ مريم باسمه: جوووود.
أنزلت الهاتف وأعادت الاتصال به لعدة مرات ولكن لا يأتيها سوى إجابة واحدة فقط (الهاتف الذي طلبته غير متاح الآن) هاتفت إسلام لتجد هاتفه قيد الانتظار لكنه أجاب على الفور بصوت يشوبه القلق: مـ مريم؟ مريم ببحة: جـ جود فين؟ جود يا إسلام كان بيكلمني وفجأة الخط قطع.. إسلام جود فين. كانت تتحدث وهي تشهق من كثرة دموعها وأطرافها ترتعش رعبًا.
حتى أتاها صوت إسلام: اهدي عشان خاطري.. اهدي عشان وليد.. أنا.. أنا في الطريق.. جاي لك حبيبتي أهو.. اتماسكي واهدي عشان وليد.. جود هيبقي بخير ما تخافيش.. ادعي له ماشي.. مريم.. مريم خليكي معايا.. مريم.. مريم ردي عليّ.. ألو.. مريم.. مرييييم.
كان يصرخ في الهاتف لتجيبه في حين كانت تنظر هي لنقطة واحدة فقط وعقلها قد توقف تمامًا عن كل شيء حولها. ولم تعد للواقع إلا على لمسة صغيرها الذي ينظر لها بعيون تتجمع بها الدموع لتحمله وتضمه بقوة لفترة لم تعرف مداها حتى أتاها صوت الباب وطرقاته العالية. ليجفل وليد وتحركت هي تجاه الباب لتفتحه ويظهر إسلام من خلفه وهو في حالة يرثى لها.
ازدرد إسلام ريقه محاولًا استجماع شجاعته ولكن لا شيء. قدماه لا تحملانه. لسانه لا يطاوعه كي يخبرها بخبر كهذا. قرأت مريم ذعر عينيه وتوتره وتردده لتتحدث بخفوت: جـ جود كويس؟ صمت إسلام مزدردًا ريقه يبحث عن صوته لتجفله مريم بصرخة باسمه فيتحدث بعدها ببحة: كـ كان في الموقع و.. وحصل مـ ماس كـ كهربا و.. مريم وهي تنتفض: وإيه؟ جود فين؟ انطق جود فيييين؟
انتشلها إسلام لصدره وأخذ يضغط عليها داخل أحضانه حتى لا تسقط منهارة. الأمر ليس سهلًا عليها أبدًا. انهارت مريم بين ذراعيه لتسقط في أحضانه فاقدة للوعي. ليميل إسلام حاملًا إياها بسرعة ودلف لغرفتها وأخرج لها ملابس وألبسها إياها سريعًا كي يأخذها إلى المستشفى.
نظر تجاه باب الغرفة ليجد وليد يبكي بصمت وعينيه معلقة على مريم فركض تجاهه وحمله متمتمًا: ما تخافش يا وليد.. ما تخافش حبيبي ماما كويسة.. يلا يا بطل عشان نمشي سوا وأجيب لك بسكوت وشاي؟
أومأ وليد تباعًا وهو يمسح دموعه ليقبله إسلام بخفة ومن ثم وضعه إلى الأرض وتحرك وحمل مريم بين ذراعيه وتحدث إلى وليد كي يتحرك معه. وقد تبعه الصغير بلا تردد أو حديث. حتى خرج إسلام ووضع مريم بالسيارة ووليد بجانبه وانطلق إلى أقرب مستشفى. واستقبلوها سريعًا. في حين اتصل إسلام بأروى وطلب منها الحضور لأخذ وليد. خرج الطبيب بعد بعض الوقت ليركض إسلام تجاهه: هتبقى كويسة مش كده؟
تحدث الطبيب بروتينية: هي تعرضت لصدمة نفسية جامدة. وحاليًا إحنا في انتظارها تفوق عشان نحدد مدى تأثير الصدمة عليها. بس لازم تبعد الفترة الجاية عن أي ضغوط نفسية أو عصبية. ألف سلامة. تحرك الطبيب ليجلس إسلام إلى المقعد بجانب وليد ويضع رأسه بين يديه. في نفس الوقت الذي وصلت به أروى وركضت تجاه إسلام ببكاء: إيه اللي حصل؟ مريم مالها؟ في إيه يا إسلام؟
إسلام ببحة: جود.. راح المصنع عشان يبدأ يؤسس للمشروع اللي بيفكر فيه من زمن.. بس حصل ماس كهربا و.. وحريق جامد.. ومروان راح بس.. بس كل حاجة كانت رماد. شهقت أروى وهي تضع يدها على فمها وهي تردد: لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله.. لا لا لا إن شاء الله هو كويس.. إن شاء الله كويس ما حصلوش حاجة.. يا رب يا رب ما توجعش قلبها بيه يا رب.. يا رب يا رب.
احتضنها إسلام بهدوء وهي تردد دون توقف بالدعوات ودموعها تسيل بصمت حتى انتبهت لوليد الذي يجلس متحجرًا بمكانه ينظر لهما بعيون مستفهمة باكية. فابتعدت عن إسلام وقامت بحمل وليد ومن ثم جففت دموعه وأخبرت إسلام أنها ستذهب به إلى جدته وستعود من أجل مريم. وبالفعل غادرت أروى تاركة إسلام في ألمه وتخبطه وخوفه. ولم يمر الكثير من الوقت حتى أخبرته الممرضة بأن مريم ستستعيد وعيها بعد دقائق. وغادرت لتأتي أروى وتسأله عما جد.
فتحدث بخفوت: مروان هناك.. وقلت له على حالة مريم وقال لي ما تسيبهاش.. وهناك لقوا كذا جثة. أروى ببكاء: جود منهم؟ إسلام بألم: في واحدة منهم مشكوك إنه جود.. فراحوا المستشفى وهناك هيعملوا تحاليل. أروى وهي تتنهد بألم: يا ربي يا مريم.. هتعمل إيه يا إسلام؟ مريم مش هتتحمل خبر زي ده؟ إسلام بقلق: مش عارف يا أروى مش عارف.. الممرضة قالت إنها هتفوق بعد شوية.
لم يمر الكثير من الوقت حتى أتى الطبيب ودلف لغرفة مريم لنصف ساعة تقريبًا ومن ثم خرج وعلامات الاستياء على وجهه. إسلام بتساؤل: في إيه؟ مالها؟ هي كويسة صح؟ الطبيب بحزن: للأسف.. صعوبة حالتها وصلتها إنها تفقد النطق. إسلام بعدم فهم: قصدك إيه؟ يعني إيه فقدت النطق؟
الطبيب: فقدت النطق جزئيًا.. هي محتاجة ناس تكون واثقة فيها وبتحبها بجد يكونوا حواليها ويحاولوا معاها عشان ترجع تتكلم تاني.. فقد النطق ده برغبتها.. هي محتاجة تفوق بس. وضع إسلام يده على وجهه ليربت الطبيب على كتفه بخفة: مهما كانت الصدمة قوية.. هتقدر تتعايش معاها.. بس عايزة الدافع لكده.. ألف سلامة عليها. غادر الطبيب تاركًا إسلام الذي ضمته أروى إلى صدرها باكيًا وأخذت تربت
على ظهره تقويه متمتمة: لازم تكون قوي عشانها.. لازم تقوي يا إسلام.. أنت أقرب الناس ليها.. لازم تفوقها وتقويها.. هي محتاجة لك حبيبي. بقيت تتحدث إليه حتى استعاد بعضًا من شجاعته ودلف إليها وجلس إلى جانبها في حين تجلس هي ناظرة إلى الشرفة بصمت تام. ضمها إسلام إلى صدره لتنفجر باكية.. دموعها تنساب فقط.. دموع فقط.. لا نحيب.. لا شهقات.. فقط دموع. هدأت وانتظمت أنفاسها ليعلم إسلام فورًا أنها ذهبت في سبات عميق.
وقد بقيت على حالتها هذه ليومين متتاليين.. وقد ظهرت أيضًا نتيجة التحليل خلال هذين اليومين إيجابية مع مروان. فكان الجميع في حالة يرثى لها حقًا.. فالفقيد غالٍ. تم دفن جثمان جود.. وأخذ مروان وبجانبه إسلام ومعاذ العزاء.. ولم تترك مريم منزلها وكذلك والدتها لم تتركها أبدًا. حتى مر أكثر من أسبوعين على دفن جود.. وصمت مريم وذبولها بسبب عدم تناولها للطعام.. وتحيا فقط على تلك المغذيات التي يعطيها لها الطبيب.
دلف إسلام إليها ذات يوم ليجدها تنظر لتلك العلبة التي تحوي قلمًا وكبك وسبحة وساعة بني اللون.. وقد علم أنها نفس الهدية التي أحضرتها له احتفالًا بمرور عام على تعرفها عليه.. تنظر للعلبة بصمت تام.. لا دموع.. لا حراك.. لا رد فعل.. لا شيء أبدًا. جلس إلى جانبها بهدوء لتتحول نظراتها إليه. إسلام بابتسامة: حبيبة قلبي عاملة إيه؟ مريم: ............
إسلام بتنهيدة: مريم حبيبتي.. وليد محتاجك.. وأنا محتاجك.. وأروى محتاجاكي.. كلنا محتاجينك.. لازم تحاولي تخرجي من الحالة دي يا مريم.. جود عمره ما هيكون مرتاح في تربته وأنتِ بتعذبي نفسك وتعذبي ابنك كده.. ابنك أمانة يا مريم لازم تحافظي عليها حبيبتي.. وفي سنه ده محتاجك أكثر من أي وقت ثاني.. ما تحرميهوش منك يا مريم.
تنهد ببعض الألم وهو يجذبها لأحضانه لتحاوطه هي الأخرى بصمت تام.. تعلم صدق كلماته.. تشعر بكل شيء يدور حولها.. تعلم أن وليد يحتاج إليها.. تعلم أن جود لن يكون سعيدًا أو مرتاحًا أبدًا وهي بهذه الحال.. إسلام مُحق.. يجب أن تكون الأم والأب لوليد الآن.. ستسعى لأن يكون وليد هو جود آخر.. انتظمت أنفاسها ليضعها إسلام بهدوء إلى فراشها ويخرج بهدوء.
مر يومين آخرين وبدأت مريم تتحرك.. وبدأت تأكل.. بدأت تحاول التحدث حتى تمكنت من ذلك.. لم يتركها أحد منهم.. كانوا جميعًا بجانبها.. حتى تمكنت من العودة للحياة.. خارجيًا على الأقل.. فروحها فارقتها مع زوجها.. هي تحيا الآن جسدًا لا أكثر.. لكن قلبها يخبرها دومًا بشيء آخر.. لا تعلم صحته. بدأت تندمج مع الجميع مجددًا ولكن بتحفظ كبير.. ورفضت رفضًا قاطعًا أن تترك منزلها لأي سبب كان.
استفاقت من ذكرياتها على يد وليد الذي يتثاءب واضعًا يده اليمنى على فمه واليسرى على فخذها.. أمات مريم إليه وأخذته إلى أحضانها بقوة.. ومن ثم أخذته بهدوء وبدلت ثيابه وجعلته يتوضأ بتأنٍ ومن ثم أخذته وبقيت تعلمه كيفية الصلاة.. ومن ثم بدأت في تحضير فطور من أجلهما.. حتى دق الباب وخرج وليد صارخًا: خالو وريجو جم. ضحكت مريم بخفة ليفتح وليد الباب ويجد إسلام بمفرده. وليد بضجر: ريجو فين؟ إسلام زامًا
شفتيه: ما تحترم نفسك يا عم أنت.. ده أنا أبوها وما بأقولهاش ريجو دي. مريم من خلف وليد: ابني يقول اللي هو عايزه. إسلام وهو يدفع وليد للداخل: أوعى يا ابني دخلني كده.. وأريج راحت لتيتا. وليد وهو يجذب يد مريم: ماما عايز أروح لتيتا. إسلام رافعًا إحدى حاجبيه: لا يا حبيب أمك هي مش عند تيتا بتاعتك.. هي عند تيتا الثانية. تنهد وليد قبل أن يدلف للمطبخ مجددًا. لتضحك مريم على فعلته، واقترب إسلام محتضنًا إياها وهو يتمتم:
"قولي لابنك يبعد عينه عن بنتي لأخرمهاله." مريم وهي تضربه على ظهره بخفة: "ملكش دعوة بيهم." إسلام رافعًا يديه باستسلام: "أنا ساكت ومستسلم أهو." دلف معها لبعض الوقت ثم غادر متجهًا للشركة وقد اتخذ قراره أخيرًا. كان يجلس في مكتب جود بالشركة يراجع بعض الأوراق حينما دلف إسلام سريعًا وهو يتمتم: "لقيتها يا برنسسسس." مروان: "يابني آدم بطل جنانك ده." إسلام: "ياعم فوكك.. المهم.. إحنا هنطلع طلعة إسكندرية أسبوع كامل." مروان:
"أشمعنا إسكندرية؟ إسلام بهدوء: "مش عارف بس تقريبًا مرحناهاش قبل كده أنا ومريم." مروان: "ماشي مفيش مشكلة.. إيه الوقت المناسب برأيك؟ إسلام: "نخلص بس من شحنة المواد الجديدة دي.. وبعدها نطلعلنا أسبوع.. أنت هتخلص فيها إمتى؟ مروان وهو ينظر للأوراق أمامه: "يومين وهتخلص." إسلام: "ميه ميه.. يبقى نرتب للأسبوع الجاي." مروان: "افرض مريم رفضت؟ إسلام بغمزة:
"سيب الموضوع ده عليا.. أنا هظبطه ولو معرفتش هكلمك تخلي شهد تكلمها وأروى هخليها تكلمها برضه.. هتوافق متقلقش." مروان بهدوء: "ع البركة.. هننزل في فندق ولا هنقعد فين الأسبوع ده؟ إسلام بضجر: "ياعم فندق إيه وبتاع إيه بس.. إحنا ناخدلنا شقة مفروشة إيجار.. تبقى فيها أربع أوض نوم وكل واحد وعياله." مروان: "أنت متأكد إن الموضوع ده هيبقى فيه خير لمريم مش وجع زيادة؟ إسلام بتنهيدة:
"هنحاول نلهيها يا مروان.. أنا مش قادر أسامح نفسي على قعدتها دي وأنا مش قادر أعمل عشانها حاجة." مروان بتنهيدة ألم وحزن: "اللي راح يستاهل يا إسلام.. المهم.. خد منهم الأكيد وأنا في خلال اليومين دول هسأل على مكان مناسب." إسلام: "على البركة.. يلا هطير أنا.. محتاج حاجة؟ مروان بابتسامة: "تسلم يا حبيبي."
دلف من باب الكافيه بهدوء وهو ينظر للمكان بتفحص.. إنه مكان ساحر حقًا.. هدوء تام.. لا يقطعه سوى صوت الأمواج التي ترتطم بقوة مع هذا الحاجز عند الشاطئ. الطاولات الخشبية والمقاعد البندقية.. ذات الوسائد الإسفنجية البيج ويحاوط الكافيه زجاج كامل يطل على البحر مباشرة.. كما أن لون المكان يتمتع بالعسلي الهادئ المحبب والمريح. تنهد براحة وهو يدلف للمكان قبل أن يأتيه صوت محمود مبتسمًا: "عجبك المكان؟ تحدث بخفوت:
"أنا إزاي بقالي سنتين هنا ومفكرتش أجي معاك طول الفترة دي؟ محمود بابتسامة: "يا حبيبي أنت كنت في إيه ولا إيه؟ .. وبعدين أديك هنا أهو يا سيدي." ابتسم بهدوء متمتمًا: "أنا والله مش عارف أشكرك إزاي يا راجل يا طيب." ربت محمود على كتفه بهدوء متمتمًا: "المكان مكانك يا ابني.. مكان ما تحب اقعد.. اشكي للبحر هيسمعك.. واسرح في ملكوت ربنا هتلاقي الأمور بسيطة.. مصيرها هتتعدل يا ابني." ابتسم بهدوء قبل أن يتحدث:
"أنا هساعدك هنا الأول وآخر اليوم أبقى أقعد براحتي.. بس بقولك إيه.. تعمل حسابك إني بعد ما آخد ع الشغل هنا هتجيب رحمتك وترجَّع أيام زمان وتحيي الحب من جديد." ابتسم محمود بحب وهو يتمتم: "ربنا يسعدك يا ابني."
أماء بخفة قبل أن يتحركا للداخل وبدأ محمود بتعريفه على كل شخص وكل ركن بالمكان وقد باشر العمل معه حيث يخرج أحيانًا ليوصل المشروبات لطالبيها.. وأحيانًا يذهب لشراء ما ينقصهم.. وأحيانًا أخرى يساعد ذاك الذي يلمّع الزجاج كل فترة.. صادق الجميع.. بل وبعض الزوار كذلك.. أصبح لديه أصدقاء وأحباب في وقت وجيز لا يتعدى الأيام القلائل.
اندمج سريعًا مع المكان وأصبح جزءًا لا يتجزأ منه.. يعمل به صباحًا.. ويجلس ليلًا إلى الشاطئ.. يتأمل تلاطم أمواجه.. أو يتأمل الغروب الساحر.. أو يتمتع بتلك الأضواء الخافتة التي تعطي للمكان روحًا وبهجة.. ولكن أفكاره الدائرة حول حقيقته تجعل سعادته وراحته لا تدوم كثيرًا. فمن ذاك الذي يجهل هويته وأصله ويحيى قرير العين مرتاح البال؟
وهو غير جاهل لهويته وأصله فقط.. بل ويمتلك خلفية سيئة جدًا عما حدث معه كذلك.. وبداخله ظن يكاد يفتك به!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!