تستمع إلى لوم عمتها التي تقف أمامها الآن وهي تضع يديها حول خصرها، خاصة بعد عودتهم من عند الطبيبة التي أخبرتهم أن قدر ضعيفة جداً، وأيضاً دخولها الشهر التاسع منذ عدة أيام قليلة، وأن هذا الجهد ليس في صالحها. "من النهاردة هتسمعي كلامي، واللي هقوله بس هو اللي هيتنفذ." "ضحكت قدر بصوت عالٍ في نفس اللحظة التي دلف فيها رمزي من الباب وهو يقول بعد أن استمع لكلمات سناء الموبخة: "اسمعي كلام عمتك يا قدر، ومتقلقيش على الشغل."
نظرت سناء إلى زوجها بسعادة وابتسامة واسعة ليكمل كلماته بعد غمز لها: "المشاغل المديرون فيها شايفين شغلهم كويس وأنا هتابعهم… وابني المدرسة خلاص قرب يخلص، وما كمل أسبوع بالكتير والوزارة تفتتحها." كانت قدر تستمع لكلمات رمزي والدموع تتجمع في عينيها. وضعت يدها فوق
بروز معدتها وقالت بثقة: "لولا وقفتك معايا يا بابا، أنا مكنتش عرفت أعمل أي حاجة… أنا مش قادرة أستنى لحد ما أشوف المدرسة بتتفتح والبنات بيدخلوها علشان يتعلموا فيها… وبنتي أما تكبر وتدخلها وكل الناس يحكولها أن المدرسة دي أمها هي اللي كانت السبب في بنائها في بلدنا." جلست سناء بجانبها وضمتها إلى صدرها وهي تقول بفخر: "قدرتي يا قدر تغيري حال بلدنا من حال لحال… كسرتي الأقفال المصدية ورجعتي الناس لعقولهم وضميرهم."
نظرت إليها قدر وقالت: "مش لوحدي يا عمتي… أنا لو كنت لوحدي من غير بابا رمزي كانت البلد كلها قتلتني أو دفنوني حية." جلس رمزي على الكرسي وهو يقول ببعض التأكيد: "أكيد مكنوش هيسبوكي في حالك، بس أنتِ قوية يا قدر ومحدش كان هيقدر يقف قصادك، أنتِ بتحاربي عشان بنتك وده أكبر دافع جواكي." ابتسمت قدر لكلمات رمزي المشجعة والحنان والدفء التي تشعر بهم داخل ذراعي عمتها، وعقلها ينبئها أن هذه التسع أشهر الفائتة هي من أفضل أيام عمرها.
*** كان يدور حول نفسه كالأسد الحبيس… يشعر من داخله بنار حارق. ملايين الجنيهات ضاعت هباءً دون جدوى ودون أن تعود عليه بأي نفع. ماذا يفعل؟ لقد حاول لعدة مرات الوصول إلى صافي، ولكن لم يستطع. وفي نهاية المطاف علم أنه قد تم إعلان خطبتها لإحدى رجال الأعمال وصديق مقرب لوالدها.
إذًا فكل الأبواب قد أغلقت في وجهه، حتى ذلك الرجل الذي صدق أنه صديقه اكتشف أيضًا أنه أحد أذرع حسام رفعت، والذي أرسل إليه تحذيرًا قوي اللهجة أن يبتعد عنه وعن ابنته، وألا يفتح لنفسه أبواب الجحيم، وأنه سوف يتركه يعمل كما يشاء. ولكن إذا اقترب منه أو من المؤسسة الخاصة به أو ابنته، سوف يجد ما لا يسرّه.
جلس على الأريكة الكبيرة وعلى وجهه غضب العالم. الشعور بالخسارة ليس بأمر هين، وهو لم يعتد على الخسارة. اعتاد طوال حياته أن تكون أوامره مطاعة، أنه فوق الجميع، وكان ماله يدعمه. أما الآن… ماذا سيفعل؟ لقد صرف كل المال الذي كان بالبنك، وأيضًا ثمن الأرض. لم يعد يملك شيئًا سوى تلك الشقة الكبيرة التي يسكن فيها.
وقف سريعًا وعيونه تلمع بفكرة سوف تجعله يحقق حلمه القديم، شركة الهندسة الخاصة به. لكنه وقف مكانه حين حضرت قدر إلى عقله. أخذ نفسًا عميقًا وهو يفكر في تبعات قراره، ولكن غروره وكرهه لها لم يسمح له ولو لثانية واحدة بالتفكير، وتحرك من فوره لتنفيذ ما يريد. *** بعد مرور عدة أيام، غادرت سناء المطبخ متجهة إلى الهاتف الذي لم يتوقف رنينه. وحين أجابت، قطبت جبينها ببعض الضيق حين وصل إليها صوت أصلان السائل: "أنتِ مين؟
ظلت صامتة لثوانٍ ثم قالت بصوت قوي: "أنا عمتك." كان دوره في الصمت لعدة ثوانٍ: "كويس إنك أنتِ اللي رديتي عليا، الواحد مش ناقص قرف." قطبت سناء حاجبيها بضيق وكادت أن تجيبه حين أكمل هو: "عرفي بنت أخوكي أني جاي آخر الأسبوع عشان هبيع البيت، عرفيها تشوف لها أي زريبة تقعد فيها لحد ما ربنا ياخدها وأخلص منها." "إيه اللي أنت بتقوله ده يا أصلان…. بيت إيه اللي تبيعه… بيت الزيني، أنت أكيد اتجننت."
قالت سناء معترضة ليصرخ بها بصوت عالٍ: "ده بيتي وأنا حر فيه… أنتِ أصلاً قاعدة في بيتي بتعملي إيه؟ عرفي بنت أخوكي اللي أنا أمرت بيه ومتدخليش في اللي ملكيش فيه يا… عمتي."
وأغلق الهاتف دون أن يسمح لها بالرد، وهي بالأساس لم تكن في حالة تسمح لها بالرد. هي تعلم أخلاق أصلان وتعلم تكبره وتجبره، لكن أن يصل به الأمر أن يبيع بيت والدها ويطرد زوجته، بعد أن أخبرهم رمزي أن أصلان قد سحب كل الأموال الموجودة بالبنك… وبدأ عقلها يدور في دوائر الحيرة والقلق. ماذا ستفعل وكيف ستخبر قدر بالأمر؟ وماذا سيكون رد فعل رمزي؟ ***
صعدت إلى غرفة قدر وعقلها سارح في الأفكار… وكل ما يقوم به أصلان وتقارنه بما يقوم به رمزي. وبالأساس لا يوجد وجه تشابه في أي شيء، لكن هناك فروق… فروق كبيرة كفرق السماء والأرض أو الماء والنار، الجميل والقبيح. طرق الباب وحين وصلها صوت قدر فتحت الباب ودلفت لتجد قدر تقف أمام طاولة الزينة تجفف شعرها وجسدها يحاوطه مأزر الحمام. اقتربت منها سريعًا وهي تقول بلوم: "أخذتي حمامك لوحدك؟ أفرضى كنت اتزحلقتي أو دوختي."
ابتسمت قدر بسعادة لحنان سناء التي تتشربه منها كأرض عطشى جفت، وكل قطرة منها تحييها وتعيد إليها الحياة وتنبت أزهارًا ورودًا: "كنت حرانه أوي.. وحاسة أن التكييف مش عامل أي فرق في الأوضة." نظرت سناء إلى المكيف وعادت بنظرها إليها وقالت: "الأوضة متلجة يا قدر.. إزاي مش حاسة بالبرودة دي." رفعت قدر كتفيها بلا علم لتكمل سناء قائلة وهي تتحرك تغلق المكيف: "تعالى ألبسك هدومك عشان متبرديش." بعد عدة دقائق تمددت قدر بإرهاق
وقالت بابتسامة صغيرة: "أنا مش قادرة أتغدى دلوقتي، هنام ولما أصحى هبقى آكل." ربتت سناء على كتفها وقالت بحنان: "ماشي يا حبيبتي ارتاحي ونامي." وأعادت تشغيل المكيف ولكن بحرارة معتدلة وأغلقت الإضاءة وغادرت الغرفة. لن تخبرها… سوف تخبر رمزي أولاً وترى ما رأيه. ولكن قبل أن تتحرك شعرت بدوار قوي. ظلت على وقفتها لعدة ثوانٍ وقد تصل لدقائق. وحين استعادت اتزانها نفخت
بضيق وهي تقول ببعض الغضب: "حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا أصلان، حرقت دمي وعليت ضغطي." وعادت إلى المطبخ تباشر تجهيز الغداء حتى حضور رمزي. *** على طاولة الطعام كانت شارده تعبث فقط بالطعام ولم تتناول شيئًا. كان يلاحظ حالتها الغريبة منذ عودته، ولكن انتظر أن تتحدث من نفسها، خاصة بعد أن اطمأن أن قدر بخير، لكنها لم تتحدث. مد يديه يحتضن يديها المستريحة فوق طاولة الطعام لتنظر إليه باستفهام،
ليقول هو ببعض القلق: "مالك يا سناء.. شكلك مش طبيعي… إيه اللي حصل؟ أخذت نفسًا عميقًا وهي تنظر إليه بخوف وقلق، ليقول بقلق أكبر وقلبه يخبره أن هناك شيء كبير قد حدث: "متوقفيش قلبي يا سناء، فهميني في إيه؟ "أصلان اتصل النهارده." قالتها سريعًا وكأنها تلقي بهم كبير من فوق كتفيها، ليقطب جبينه بغضب قائلاً: "مصيبة إيه المرادي اللي جاية من وراه؟ ظلت صامتة تنظر إليه بخوف،
ولكنها قالت باستسلام: "اتصل عشان يبلغ قدر أنه جاي آخر الأسبوع عشان يبيع البيت وأنها تشوف لها مكان تاني تقعد فيه." كان رمزي ينظر إليها بصدمة واندهاش. ماذا يفعل هذا المغرور؟ وأين الحاج رضوان الآن؟ ليرى حفيده الذي باع كل شيء كان له يومًا ما… ليرى ذلك الحفيد الذي فضله على قدر… وهو يبيع وقدر تشتري، هو يهدم وقدر تبني، هو يخسر وقدر تفوز. عاد من أفكاره ونظر إلى سناء وقال مستفهماً: "قدر عرفت؟
هزت رأسها بـ "لا"، ليقول هو بعد أن أخذ نفسًا عميقًا ببعض الراحة وقال بأمر: "أنا هقولها." أومأت بنعم وقالت: "بس…" ولم تستطع إكمال كلماتها، ليربت على يديها برفق وهو يقول بحنان مليء بالثقة والأمان: "متقلقيش… أنا موجود وهقف له ومش هسمح أبدًا ليه أنه يأذي قدر أو يهد اللي هي بنته." انحنت تقبل يديه بحب واحترام وقالت بصدق خالص من قلبها: "ربنا يبارك لنا في عمرك يا رمزي." ابتسم لها بحنان وقبل رأسها بحب واحتواء
وقال بابتسامته الحنون: "ويبارك ليا في عمرك يا قلب رمزي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!