الفصل 14 | من 14 فصل

رواية قدر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
24
كلمة
5,442
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

خرجت كل البلد وتجمعت أمام المستشفى حين وصل إليهم خبر وفاة قدر. بين صدمة وعدم تصديق، وانهيار جميع نساء وفَتَيات البلد. وسط كلمات كثيرة عن أن السبب خلف موتها هو أصلان. إلا أن خروج أصلان برفقة رمزي من باب المستشفى، وبين ذراعيه ابنته، جعل الصمت يخيم على الجميع. خاصة حين قال أصلان والدموع تغرق عينيه: –قدر ماتت بعد ما قدرت تغير كل الحاجات الغلط إللي كنا كلنا مصدقينها.

قدر ماتت بعد ما زرعت بذور النور، بعد ما فتحت كل أبواب الحق والنور والصح. صمت لثوانٍ ثم نظر إلى الصغيرة وقال: –أنا أصلان الزيني بعترف قدامكم بكل أخطائي، بعترف بغروري وغبائي، بعترف إني ظلمت قدر، بعترف إني طلبت منها إنها تسامحني. وبيتعهد قدامكم كمان على إني أكمل كل اللي هي بدأته. بتعهد إني أعمل مع بنتها كل اللي هي اتحرمت منه، وكل بنات البلد.

رمزي كان ينظر إليه بعدم تصديق. ورغم سعادته بموقفه، إلا أنه لم يستطع مسامحته على كل ما عانته قدر منه. صحيح سيكمل معه ما بدأته قدر، إلا أن كل ما كان شاهدًا عليه من ظلم وقع على قدر بسبب أصلان سيظل واقفًا بينه وبين أصلان. وأيضًا لن يبتعد عن الصغيرة. كانت جنازة قدر كبيرة، كبر ما قامت به من تغيير واقع مؤسف وأفكار نابية أكل الدهر عليها وشرب. الدموع والدعاء لم يتوقف حتى انتهى كل شيء.

وكل ذلك وأصلان يحمل الصغيرة بيد، وباليد الأخرى يحمل نعش زوجته التي لم يكن لها يومًا زوج، بل كان قيدًا كبيرًا استطاعت أن تكسره وتحطم غروره ووضعته أسفل قدميها. وهذا ما يستحقه. هو يعلم ذلك، ويعلم أيضًا أن عليه التكفير عن كل ما حدث قديمًا. بدأت الناس بالرحيل، وأصلان على وقفته أمام شاهد قبرها. ينظر إليه بصمت، لكن من داخله هناك ألف صوت يتحدث. صوت يصرخ أن تسامحه، وصوت آخر يرجوها أن تعود، وصوت آخر يصرخ به يخبره أنه ظالم.

جلس أرضًا وأراح الصغيرة الغارقة في نوم على قدمه. ونظر إلى القبر وقال غير منتبه لوجود رمزي وسناء حتى الآن: –زمان يوم ما اتولدتي كنت أنا عندي سبع سنين. كنتي حلوة أوي يا قدر، كنت شبه الملائكة. كنت بقعد جنبك بالساعات أمسك إيدك وألمس خدك. لحد يوم جدي دخل الأوضة ولأول مرة يضربني بسببك.

فضل يزعق فيا ويقولي: "إنت راجل، والراجل قلبه ما يبقاش حنين. عمك الخايب بعد كل سنين جوازه دي رايح يجبلنا العار، يجبلنا بنت جاب خدامة، مش كفاية عمتك". كنت بسمعه وأنا مش فاهم حاجة، وإيه المشكلة إنك بنت. ساعتها مسكني من دراعي وسحبني لحد سريرك وشالك بإيد واحدة وحطك على الأرض وقال لي بغضب: "ده مكانها، أي بت مكانها تحت رجلك، إنت فاهم؟

هزيت راسي آه وأنا كل جسمي بيترعش خايف عليكي من نومة الأرض. وهو عمال يتحرك خايف يدوس عليكي بالغلط. لكن... لكن إللي حصل إنه... إنه. لم يستطع إكمال حديثه، لكنه ضم الصغيرة إلى صدره بقوة وهو يكمل بصوت باكي: –لكنه داس عليكي بالقصد. حط رجله فوق بطنك وقال لي: "شايف هي فين تحت رجلي؟ ". ونزل رجله

من عليكي وقال لي بأمر: "ارفع رجلك ودوس عليها". مقدرتش أعمل كده، بس هو صرخ فيا إني أدوس عليكي. وقتها كنت خايف وأنتِ بدأتِ تصرخي. وعمي ومرات عمي جم على صوت صريخك. مرات عمي مستحملتش المنظر ووقعت من طولها. وعمي فضل واقف ساكت، عينيه ثابتة على رجلي اللي دايسة على بنته اللي لسه مكملتش كام يوم. ومش في إيده حاجة يعملها بسبب جبروت جدي اللي مكنش حد يقدر يقف قدامه.

سناء كانت تستمع إلى كلمات أصلان بصدمة وعدم تصديق. كل ذلك الماضي، كانت دائمًا تسأل نفسها كيف كره أصلان قدر ولماذا. ولما غادر أخوها البلد دون عودة. وكيف توفت زوجته فجأة ودون مقدمات. رمزي كان يشعر بالزهول. هل هناك حقد وغل وغضب إلى تلك الدرجة؟ ولا يستطيع استيعاب كره الحاج رضوان للبنات بتلك الطريقة البشعة. نظر إلى زوجته وبدأ يتخيل هل حدث معها نفس الشيء حين ولدت. هل قال عليها عار؟

ووضعها أسفل قدميه بتلك البشاعة ودون أن يشعر ضمها بشدة إلى صدره بخوف. انتبه لكلمات أصلان من جديد: –من يومها وكل يوم جدي كان يعمل نفس الحركة. يجيبك

ويحطك تحت رجلي ويقولي: "علشان تتعود إنها خدامتك، وإن مكانها تحت رجلك". زرع جوايا كرهك. ومع مرور الأيام والسنين، كنت كل ما أذيكي بأي شكل جدي يكافئني. مرة فلوس، ومرة العجلة اللي كنت عايزها. ومرة لبس أشكال وألوان، ومرة الموتوسيكل اللي كنت بحلم بيه. والعربية والبعثة. أحلامي كلها مجابة. كنت كل يوم أتفنّن في أذيتك. جدي زي ما قتل أحلامك، قتل الطفل الطيب البريء اللي جوايا. دفن حبك اللي اتولد مع أول مرة شوفت فيها عيونك البريئة، وخلق الكره والغضب والاستغلال.

ضم ابنته أكثر إلى صدره وهو يقول: –سامحيني يا قدر. سامحيني. وأنا أوعدك إني هكمل كل اللي أنتِ بدأتيه. هعمل مع بنتي كل اللي أنتِ اتحرمتي منه وكل اللي أنتِ كنتِ بتحلمي بيه وبتتمنيه. هكون ليها الأب والسند والأمان. هكون ليها مفتاح لكل الأبواب المقفولة. هفتخر ببنتي وهفرح بيها. اطمني يا قدر، اطمني. ظل صامتًا ينظر إلى القبر بعيون شديدة الحمرة من أثر البكاء. حاول رمزي أن يتمالك نفسه سريعًا. واقترب من أصلان وجلس بجانبه وقال:

–قوم يا أصلان. كده غلط على البنت الصغيرة. –اسمها قدر. قالها أصلان بإقرار. ليبتسم رمزي ابتسامة صغيرة حزينة وهو يقول: –قوم علشان خاطر قدر. البنت ما تستحملش كل ده. وكأنه عاد إلى وعيه. نظر إلى الصغيرة بقلق ثم أومأ بنعم. وقف على قدميه واقترب من شاهد القبر ووضع يديه عليه وهو يقول: –أوعدك يا قدر إني أعيش كل اللي جاي من عمري أكفّر عن كل ذنوبي وأخطائي في حق ربنا وحقك. وأوعدك إني أحافظ على قدر الصغيرة بعمري. ***

ظلت سناء واقفة مكانها بين ذراعي زوجها تتابع خطوات أصلان الواهنة. ثم نظرت إلى رمزي بحيرة وقلق. ليربت على كتفها بحنان وقال بهدوء: –جهزي ببرونة قدر. أنتِ محتاجة ترتاحي. أومأت بنعم وتحركت تنفذ ما قال. وبعد عدة دقائق كانت تدلف إلى غرفتها. استقبلها هو باحتواء وحنان وأخذها مباشرة إلى الحمام. ساعدها في أخذ حمام دافئ. وها هي تسكن صدره الحاني. –أنا خايفة أوي يا رمزي. –من إيه يا سناء؟ نظرت إليه وقالت بتأكيد: –أصلان. أومأ

بنعم وقال ببعض الشرود: –أنا النهارده اتفاجأت بكل اللي حصل. كلام أصلان واللي الحج رضوان كان بيزرعه فيه. أنا حقيقي مش قادر أصدق كره الحج رضوان للبنات. صمت لثوانٍ ثم قال: –أنا مش قادر أفهم كل اللي حصل النهارده ولا قادر أستوعب صدمة أصلان وكل اللي حصل معاه النهارده. صدمة موت قدر محدش فينا قادر يستوعبها. البلد كلها حزينة عليها. تبكي سناء وهي تقول:

–يا حبيبتي يا بنتي. يا حبيبتي. أنا مش قادرة أصدق. عاشت عمرها كله مقهورة وماتت صغيرة من غير ما تلحق تتهنى وتفرح بنجاحها ولا تفرح ببنتها. ربت على ظهرها وهو يقول: –متقوليش كده يا سناء، حرام. كل شيء مكتوب وده قضاء الله. أومأت بنعم وهي تقول: –ونعم بالله. خيم الصمت عليهم لثوانٍ. كل منهم عقله سارح في أفكاره وما يشغله. نظر إليها لعدة ثوانٍ ثم ناداها بصوته الحاني: –سناء. نظرت إليه باستفهام ليقول باستفهام:

–هو الحج رضوان كان بيعمل معاكي إيه وأنتِ صغيرة؟ تجمعت الدموع في عينيها وهي تقول: –مكنش بيعاملني أصلًا. كنت نكرة بالنسبة له زي أي كرسي في البيت لا بيحس ولا بيتكلم. نظرت إليه وقالت بألم:

–عارف يا رمزي عمره ما طبطب عليا. عمره ما اهتم يجيب لي هدوم. كنت بشوفه ديمًا بيفضل أخواتي عليا. كل اللي يطلبوه أو اللي حتى مطلبوهوش بيكون موجود عندهم وأنا أبسط الحاجات محرومة منها. حتى قدر لما كانت لسه بيبي وكانت تعيط كان ممكن يضربها علشان كده كنت على طول ببعدها عنه. شهقت بصوت عالٍ أثر بكائها وأكملت قائلة:

–يوم أنت ما اتقدمت علشان تخطبني. هو وافق واتفق معاكم وخلص كل حاجة من غير أنا ما أعرف. ويومها كنت فاكرة إن الدنيا لسه عايزة تظلمني وكنت فاكرة إنك زيه. ابتسمت من بين دموعها وقالت: –بس ربنا حب يهاديني بهدية كبيرة ونعمة عايشة فيها عمري كله. ضمها بحنان وظل يربت على ظهرها. غلب النوم عينيها بين ذراعيه وفوق صدره الحاني. وظل هو يربت على ظهرها وعقله يفكر في كلماتها ويتصور كيف عاشت وما كان إحساسها يوم زواجها منه. أغمض عينيه

بألم ولم يجد ما يقوله سوى: –الله يرحمك يا حج رضوان ويغفر لك كل ذنوبك وأخطائك وظلمك. *** دخل أصلان الغرفة وأغلق الباب خلفه. وظل ينظر إلى أركانها لعدة دقائق يتخيل قدر بها، كيف تتحرك فيها ومكان نومها. وقعت عيناه على علاقة الملابس وذلك الثوب الخاص بها المعلق هناك. تحرك ليضع الصغيرة النائمة في منتصف السرير وتوجه إليها يمسك ذلك الثوب من فوقها. وقربه من أنفه وأغمض عينيه وهو يملأ صدره برائحتها التي اشتاق إليها.

عاد ليجلس على السرير وبين يديه فستانها يذكر نفسه بوجهها الملائكي يوم مولدها. وكيف كانت تنظر إليه بعيونها الصغيرة وتُبتسم لحركات وجهه المضحكة. أغمض عينيه لتسيل تلك الدمعة فوق خده وهو يتذكر كل ما كان يقوم به معها. حتى يرضى جده. وما كان يحدث بعيدًا عن عينيه كان يتفاخر به أمامه حتى يرى الرضا يرتسم على ملامحه.

رفع عينيه ينظر إلى صغيرته ليبتسم رغماً عنه. وتذكر حديث قدر عن مذكراتها. فمد يديه أسفل الوسادة وأخرجها وقربها إلى فمه وقبلها عدة قبلات. ثم وضعها بجانب الصغيرة وبالجهة الأخرى منها وضع فستان قدر وتحرك إلى الحمام ليأخذ حمامًا دافئًا. لم يتأخر. وقبل أن يعود إلى صغيرته أحضر سجادة الصلاة الخاصة بقدر ووقف بين يدي الله يصلي.

كان يقرأ الآيات التي يتذكرها ودموع عينيه تغرق وجهه. وحين يسجد كان يدعو الله أن يغفر له ذنوبه، أن يتقبله، أن يجعله أبًا جيدًا لابنته، أن لا يحرمها من كل ما حرمت منه أمها. أن يقدره أن يكمل مسيرة قدر. يبكي ويدعو. ويعد الله أن يتغير، أن لا يعود إلى ما كان عليه مرة أخرى. أن يكون لابنته الأب الحامي والحاني. الأمان والحماية. حين انتهى من صلاته جلس سريعًا على السرير وفتح المذكرات وبدأ في قراءتها.

كان يبكي بقهر وهو يرى خط يديها المرتعشة تصف يوم حاوط عنقها يريد قتلها. ويوم قرر أن يحرمها من إكمال دراستها. ليغمض عينيه وهو يقول: –والله كان غصب عني. كان غصب عني. كان لازم أبقى مميز عند جدي. كان لازم يكون شايفني الراجل اللي هو عايزه. أنا آسف يا قدر، أنا آسف. أخذ نفسًا عميقًا لعله يهدئ من شهقات بكائه ثم عاد يكمل باقي مذكراتها.

حين كانت تراه يشتري ملابس جديدة وحين تطلب شيئًا يرفض جدها بشكل قاطع ويحضر لها ملابس قديمة من خزانة جدتها ويلقيها لها أرضًا وهو يأمرها بأن ترتدي هذه الملابس ولا تطلب شيئًا آخر. أغمض عينيه بألم ثم فتحهما وعاد ليقرأ كلماتها وإحساسها حين سافر ليكمل تعليمه وحين عاد ويوم تزوجها وانتهك حرمة جسدها بوحشية وعنف وغضب. وحين توفي جده ويوم غادر.

كل الألم النفسي التي شعرت به طوال حياتها وكل الخوف والقلق. كل الكره الذي كان يسكن قلبها تجاهه وتجاه جدها. وحزنها من أبوها الذي تركها وهرب. إحساسها بالأمان بجوار زوج عمتها وحنانه وتشبيهها له أنه مثال للرجل الحقيقي التي تحلم به كل فتاة أن يكون حبيبها أو أخيها أو والدها. هو المثال والقدوة الذي يجب أن يتبعها ويقتدي به كل الرجال.

رفع عينيه عن المذكرات ونظر إلى ابنته وهو يعدها بصمت أن يكون الأب التي تفتخر به طوال حياتها ويكون لها الصديق والصدر الحاني والداعم لها بكل خطوات حياتها. أخذ نفسًا عميقًا وعاد من جديد يقرأ كلماتها. طريق كفاحها وكيف استطاعت تغيير العقول المتحجرة الصدئة وكيف حاربت طواحين الهواء حتى استطاعت إثبات قدراتها ونيتها الطيبة في جعل كل النساء يستطعن أخذ حقهن من تلك الحياة الظالمة.

أغلق المذكرات وهو ينتبه لصوت الصغيرة التي استيقظت من نومها وتريد طعامها. اقترب منها يحملها بين يديه بحنان وقبل جبينها وهو يقول: –جعانة يا صغيرة. حاضر يا حبيبة بابا أنتِ بس تأمري. وأحضر الببرونة الخاصة بها وضمها إلى صدره وبدأ في إطعامها الحليب برفق. ***

في صباح اليوم التالي كانت سناء رغم انشغالها بجميع النساء الموجودات في المنزل لتقديم واجب العزاء، إلا أن عقلها بأكمله مشغول بالصغيرة. الذي يرفض والدها تركها ولو لحظة واحدة لدرجة أنه الآن يجلس في سرادق العزاء وهي بين ذراعيه. كان رمزي ينظر إلى أصلان وبداخله يفكر: سبحان الله يهدّي من يشاء ويضل من يشاء. يعز من يشاء ويذل من يشاء. هذا أصلان الذي لم يهتم لأحد يومًا. الذي أنهى أيام العزاء حين وفاة جده وغادر دون أن ينظر خلفه.

الآن هو حزين. عينيه تمتلئ بالدموع. يحتضن ابنته دون أن يهتم لكلمات الناس ونظراتهم المندهشة. يداعبها بيديه ويرسل أحد العمال ليحضر لها وجبتها من الحليب في موعدها. حين انتهى العزاء وعادوا الرجال إلى المنزل، وقفت سناء أمام أصلان وقالت: –هات البنت علشان تعرف تنام. متقلقش عليها أنا هخلي بالي منها. اقترب أصلان خطوة من عمته وأحنى رأسه يقبل رأسها أمام نظرات رمزي الزاهلة وصدمة سناء التي جحظت عينيها بعدم تصديق، خاصة حين قال:

–متقلقيش يا عمتي. أنا مخلي بالي منها. وبعدين أنتِ حامل دلوقتي والمجهود غلط عليكي. عايزين أخ أو أخت قدر تلعب معاهم. وتحرك ليصعد إلى غرفته وهو يقول: –تصبحوا على خير. –مش هتتعشى يا أصلان؟ قالها رمزي مستفهماً لينظر إليه أصلان ويقول بابتسامة صغيرة: –مش جعان يا عمي. تصبحوا على خير.

وصعد إلى غرفته. ومثل الليلة الماضية وضع الصغيرة في منتصف السرير ودلف إلى الحمام ثم وقف بين يدي الله يصلي ويستغفر ويعلن توبته وندمه. ثم يقرأ مذكرات قدر وبضع آيات من الذكر الحكيم. ثم يأخذ الصغيرة بين ذراعيه وينام. مرت عدة أيام لم يختلف حاله عن الأيام الأولى حتى ذلك اليوم الذي وقف فيه أمام رمزي وقال: –عمي أنا عايز أكمل معاك كل اللي قدر بدأته. كان رمزي ينظر إليه بشك وتفحص ليقول أصلان موضحًا:

–عارف إنك مش مصدق كل التغيير اللي حصل. لكن إنك لا تهدّي من أحببت والله يهدّي من يشاء. ابتسم رمزي ابتسامة صغيرة ليكمل أصلان كلماته: –أنا مش هكون مكان قدر، ربنا يرحمها. اعتبرني مساعد ليك، متطوع، خدامك وتحت أمرك. قطب رمزي حاجبيه بضيق ليكمل أصلان قائلاً بتوسل: –أنا عايز أكمل اللي هي كانت بتحلم بيه. يمكن ده يكفّر ولو جزء بسيط من اللي عملته فيها. عايز حلمها يكتمل، واسمها كل الناس تعرفه. عايز بنتي لما تكبر الدنيا

كلها تشاور عليها وتقول: "بنت قدر أهي". دي بنت قدر. اقترب خطوة من رمزي وأمسك بيده بتوسل: –أرجوك يا عمي. أنا هبقي من إيدك دي لإيدك دي. هكون موجود بس علشان أنفذ اللي تأمرني بيه. ربت رمزي على كتف أصلان وقال بهدوئه المعهود: –يا ابني أنا فخور بيك وإنك رجعت لربنا ولعقلك. يمكن اتأخرت لكن إنك تتوب وترجع للصح حتى لو متأخر أحسن من إنك تفضل في ضلالك. أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء أكمل قائلاً:

–ده مالك ومال بنتك. وأنت أولى الناس إنك تديره. هفهمك كل حاجة ماشية إزاي وأنت أكيد قد المسؤلية. وبالفعل من اليوم التالي ترك أصلان قدر عند سناء رغم أن قلبه يرتعش خوفًا عليها. ويشعر أن قلبه وعقله لا يفكرون سوا بها. إلا أنه كان يسير خلف رمزي كتلميذ نجيب يريد أن يتعلم كل شيء وأن يحصل على رضا المعلم في النهاية.

كان جميع أهل البلد يشاهدون حالته. جسده الهزيل وذقنه النامية. التزامه بأداء الفروض في المسجد. الابتعاد عن أي مظهر من مظاهر التفاخر والرياء. معاملته مع جميع الناس بتواضع وبساطة. وأيضًا اهتمامه بابنته. واحترامه الواضح لزوج عمته وعمته أيضًا. متابعته لبناء المدارس وتقديم المساعدة لكل فقير محتاج وتكفل بأكثر من فتاة حتى تستطيع دخول المدرسة. ***

بعد مرور أربع سنوات. كان يسير جوار ابنته التي ترتدي الزي المدرسي. ويحمل هو عنها حقيبتها. لتقول الصغيرة: –أنا هروح مدرسة ماما. يبتسم بسعادة وهو يقول مؤكدًا للمرة التي لا يذكر عددها: –أيوه يا قدر. المدرسة باسم ماما وهي اللي كانت السبب في بنائها. تصفق الصغيرة كما كل مرة يخبرها بنفس الجملة وتقول من جديد: –وكمان على اسمي. ليضحك بصوت عالٍ وهو يقول: –أيوه على اسمك. لأن اسمك زي اسم ماما. وقفت الصغيرة ووضعت

يدها حول خصرها وقالت: –فين مصروفك يا سي بابا؟ لينحني أمامها ويمد يديه لها بورقة مالية وقال باحترام: –هو أنا أقدر أنسى مصروف الآنسة قدر؟ أخذت المال من يديه وسارت جواره بهدوء حتى وصلت إلى ذلك البيت الصغير الذي يسبق المدرسة بعدة أمتار فقط. واقتربت من الباب ووضعت المال من أسفله كما شاهدت والدها يفعل أكثر من مرة. كان يتابع حركتها وما قامت به بذهول وعدم تصديق. حين رفعت عيونها إليه ابتسمت وقالت: –مصروفك بيعمل تده.

لينحني ويحملها ويقبل أعلى رأسها ووجنتيها وهو يقول: –أنتِ أشطر بنوتة في الدنيا وربنا بيحبك أوي وماما فرحانة بيكي أوي. ابتسمت الصغيرة براءة وبدأت في مداعبة شعيرات ذقنه حتى وصلوا إلى المدرسة. ودعها بعدة قبلات وأعاد عليها نصائحه بأن تنتظره داخل المدرسة وأن لا تغادر بمفردها أو بصحبة أي شخص مهما كان سواه هو فقط. أومأت بنعم وأشارت له بالسلام ودخلت إلى المدرسة.

وجد قدميه تأخذانه إلى قبرها. وقف هناك يقرأ الفاتحة ثم بدأ يقص عليها كل ما حدث. وكيف تم فتح مصنع نسيج صغير يحمل اسمها. وكيف أصبح لهم محل كبير للملابس الجاهزة من عمل المصنع والمشاعل. وأن تم افتتاح المدرسة الإعدادية والعمل على قدم وساق في المدرسة الثانوية أيضًا. طمأنها على ابنتها. وأنه ما زال على العهد الذي عاهده لها يوم وفاتها حين رآها في الحلم وحلف لها أنه لن يتراجع عن طريقها ولن يعود إلى ضلاله القديم. ***

توجه إلى المصنع مباشرة ليجد يحيى ابن عمته يقف بجوار والده الذي يتابع كل شيء بنفسه داخل المصنع. اقترب منه وحمله وهو يقول: –إزيك يا بطل أخبار الشغل إيه؟ –وحش أوي يا أصلان. رفع أصلان حاجبيه باندهاش مصطنع وقال: –وحش أوي ليه يا باشمهندس يحيى؟ وأنت سكت لما لقيت الشغل وحش؟ ضحك رمزي على ذلك الحوار الطفولي الذي يدور خلفه. وعادت ضحكته حين قال ولده: –الألوان وحشة والمتن باهت. –يا خبر! كل ده لا الأمر ده ما يتسكتش عليه.

أجابه أصلان بجدية ولم يتمكن رمزي من تمالك نفسه ليكمل أصلان باستفهام: –طيب وأنت رأيك إيه يا هندسة؟ –معرفش. بس الوضع مش أطمن. ليضحك أصلان بصوت عالٍ وهو يضم الصغير ويقبله بسعادة: –والله أنت سكر كده وأنا بحبك أوي. نظر إليه رمزي وقال بمرح: –مناقشة قوية وهادفة الصراحة. ليحاول أصلان كتم ضحكاته في نفس اللحظة الذي قال يحيى بهدوء: –أنا أكبر اتجوز. ليرفع أصلان عينيه مباشرة إلى عيون رمزي الذي ابتسم بوقار وقال:

–المهم هي توافق عليك يا ابني. فهم أصلان ما وراء كلمات رمزي لكنه ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: –اكسب قلبها بالحب والاهتمام والخوف عليها. اكسب احترامها بتقديرك ليها وتفهمك واستيعابك لمشاعرها. واحترم عقلها. ساعتها هتكسب قلبها وساعتها هتوافق عليك. كان الصغير ينظر إليه بعدم فهم ليبتسم ابتسامة واسعة ويقبل جنته وأعاده يقف جوار والده الذي ينظر إلى أصلان باحترام. لقد تعلم أصلان الدرس. فهم واستوعب وآمن. ولن يعود لضلاله القديم. ***

في إحدى الليالي وبعد أن غطت قدر في نوم عميق. أخذ أصلان مذكرات قدر الذي حفظها عن ظهر قلب. فهو يقرأها يوميًا منذ وفاتها وحتى تلك اللحظة. حفظ كلماتها. وشعر بها. متى كانت تضحك ومتى كانت تبكي. ومتى ارتعدت يديها بحزن. نظر إلى ابنته التي تتوسط سريره وأخذ نفسًا عميقًا وأمسك القلم وعند الصفحة الأخيرة بالمذكرات كتب:

"تألمتي حبيبتي ولم أكن بجوارك يومًا أخفف عنك، بل كنت سببًا في عذابك وألمك ودموعك. الاعتذار لم يعد له معنى يا قدر. لن يعيدك لي، ولن يعد الزمن لأغير كل ما حدث، لأقف في وجه جدي وأعترض على كل ما قام به. لكن أعدك أن أكون الأب التي تستحقه ابنتي. أن لا أبخل عليها يومًا بحبي وحناني ودعمي. أن أظل بجانبها طوال حياتها. الملجأ المفتوح دائمًا لدموعها وشكواها وضحكتها. أن لا أبخل عليها بمالي. أن أزرع بداخلها القوة وأنها قادرة على

التحدي والوقوف في وجه المصاعب والحياة. أن أكون دائمًا لها لا عليها. قدر، كان طلبك الأخير أن أعطي تلك المذكرات لابنتنا لكنني لم أستطع فعل ذلك. لا أريد أن أشوه صورتي في عيونها. لا أريد أن أخسرها. لا أريد أن ترى أصلان القديم. أعتذر منكِ حبيبتي لكنني سوف أفعل مثلك. أكتب أنا أيضًا مذكراتي وأضعهم سويًا. وحين آتي إليكِ ستجدهم هي. لكن بعد أن أكون أنهيت رسالتي معها وكفرت عن ذنبي في حقك. أنا آسف وأعلم أن كلمة اعتذار لن تكفي

لكنني لن أتوقف عن قولها لك كل ليلة."

أنهى كلماته وأغلق المذكرات وتوجه إلى الخزانة يفتحها وفتح تلك الخزانة الصغيرة التي اشتراها منذ يومين فقط ليضع بها تلك المذكرات وأيضًا اشترى أجندة مشابهة للخاصة بقدر حتى يكتب بها كل ما بداخله ويقص على ابنته كل ما حدث ويحدث وما سوف يحدث. فتح أول صفحة بالمذكرات وكتب بها: "إلى ابنتي الغالية قدر" وبالصفحة الثانية كتب:

"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: «وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ* مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرَفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ *وَ أَنْذِرَ النَّاسُ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ ». «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ». ﴿ إِلَّا

الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [الْبَقَرَةُ: 160] ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النِّسَاءُ: 27]"

وبالصفحة الثالثة بدأ يكتب كل ما كان يحدث قديمًا. *** بعد مرور خمس عشر سنة كان يجلس كل من رمزي وسناء وأصلان على طاولة الطعام يتكلمون في بعض الأمور الخاصة بالعمل. حين اقترب منهم يحيى وجلس مكانه بغضب. لينظر إليه الجميع باندهاش. ولكن دخول قدر العاصف وهي تقول بغضب:

–أنا مش بقلل منك يا يحيى. أصلاً مينفعش أعمل كده. بس متنساش إن أنا اللي بدير المشغل وأنا أكتر حد فاهم أموره والدنيا ماشية فيه إزاي. وأكيد مش هسمح إنك تيجي تعدل عليا وقدام العمال. كان الجميع يتابع ما يحدث بصمت. فهذه ليست المرة الأولى التي يقف فيها الاثنان أمام بعضهما البعض مثل الديوك. –أنا مش بعدل عليكي يا قدر. أنا بس كنت بتناقش معاكي. لكن متقلقيش من النهارده أنا مش هتكلم معاكي في أي حاجة. ولا حتى هخاف عليكي.

وتحرك ليصعد إلى غرفته ليوقفه صوت أصلان الذي ناداه بصوت عالٍ. ليعود ويقف أمامه بصمت. ليقف أصلان ويواجه ابنته التي توترت عينيها ليقول: –كلنا بنحترمك وبنحترم قراراتك في الشغل. بس كمان أنتِ لسه صغيرة وممكن يكون في حاجات متخديش بالك منها. وبعدين زي ما أنتِ عايزة الناس تحترمك لازم أنتِ كمان تحترميهم.

–أنت حقك تزعل من قدر ومن الموقف اللي حصل. لكن أبدًا أوعى تقول إنك مالكش دعوة بيها. أنا بطمن في وجودك جنبها يا يحيى. أنت صمام الأمان ليها وأنا مش موجود جنبها. –ومين قال لحضرتك إني هتخلى عن مسؤولياتي. صحيح أنا أصغر منها بكام شهر. لكن أنا راجل وعارف واجباتي كويس وحقوقكم كلكم عليا. أجاب على كلمات أصلان ليبتسم الجميع ويشعرون بالفخر به. لتقول قدر بصوت هادئ: –أنا آسفة يا يحيى مقصدش اللي حصل.

خيم الصمت لعدة لحظات حتى تحرك يحيى ليجلس مكانه من جديد وهو يقول: –طيب يلا اقعدي كلي أكيد مأكلتيش حاجة طول اليوم كالعادة. ليجلسوا جميعًا يتناولون الطعام. ولكن أصلان كان يفكر: "بنتك كبرت يا قدر. كبرت قوي. وبقت زي ما أنتِ كنتي بتحلمي. الله يرحمك يا قدر وأنا آسف يا حبيبتي." تمت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...