يجلس على ذلك الكرسي منذ أمس. بعد أن جمع كل رجاله وأعاد توزيعهم على الأرض في انتظار ذلك المشتري المزعوم. هو لم ير شيئًا جيدًا يومًا من ذلك الأصلان. هو يشبه الحاج رضوان كثيرًا، ولكنّه أيضًا لا يشعر بالانتماء إلى تلك الأرض، وإلا لما فكّر يومًا في بيعها. أم هو يفعل كل ذلك حتى يضيق الخناق على قدر؟ هل وصل به الحقد والكراهية إلى تلك الدرجة؟ أن يُجرّدها من مصدر رزقها، والشعور بالأمان في وسط بيتها وأرضها.
هز رأسه بـ "لا" وهو يلوم نفسه على تفكيره. أي أمان وأملاك؟ فكل شيء بيده هو. وتلك المسكينة ما هي إلا مستقبل لكل أفعاله ونتائجها. أخذ نفسًا عميقًا. سيقوم بالأمر. صحيح هو لن يُلقّن ذلك القذر درسًا، لكن على الأقل في المستقبل القريب، والقريب جدًا، ما سيفعله سيكون صفعة قوية على وجه أصلان. وكم يتمنى أن يكون موجودًا ليرى تأثير تلك الصفعة عليه.
انتبه من أفكاره على بعض الأصوات العالية ليرتفع حاجبيه بصدمة وهو يرى بعض رجال البلدة وشبابها، الذي يعمل معظمهم في الأرض، يقفون أمام بوابة قصر الزيني. اقترب منهم وهو يرفع يديه ليوقف سيل كلماتهم الذي لم يفهم منه شيئًا، وقال: خير يا رجالة، في إيه؟ ليقترب أحدهم، وهو أكبرهم سنًا، وقال: سمعنا باللي حصل، وكلنا هنقف معاك. أرضنا ميخدهاش حد غريب. ابتسم رمزي ابتسامة سعادة وفخر، وقال بصدق:
شكرًا يا رجالة. متقلقوش، الأرض مش هتروح لحد غريب. مش هقبل بده أبدًا. أنا عايزكم بس تروحوا على شغلكم. الأرض محتاجاكم، والورش والمدرسة. مش عايزين حاجة توقفنا. لهمهم الجميع موافقًا، وبدأوا في التحرك والذهاب إلى عملهم. ليضرب رمزي الأرض بعصاته، وبداخله يقسم على تلقين ذلك الأصلان درسًا لن ينساه يومًا. *** كانت سناء تشعر بالقلق. لم يعد رمزي منذ خرج بعد إفاقة قدر.
كانت قدر تتابع حركتها من النافذة إلى باب الغرفة، ثم تجلس قليلاً وتعود، تتوجه إلى النافذة وإلى الباب. طيب ما تتصلي بيه. قالتها قدر بابتسامة مشاغبة، لتنظر إليها سناء ببعض الخجل، لتكمل كلماتها: عمي راجل عاقل وهادي، متقلقيش عليه. هيتصرف بعقل. جلست سناء على الكرسي القريب من سرير قدر، وقالت: عارفة، ومتأكدة أنه قادر يحل أي موضوع بهدوء. بس غصب عني بقلق عليه وكأنه ابني. غصب عني بخاف عليه وكأنه حتة مني.
ابتسمت قدر ابتسامة حزينة، وقالت: كان نفسي أحس الإحساس ده، أو حد يحسه ناحيتي. كان نفسي أحس إن في حد بيخاف عليا وكأني حتة منه. شعرت سناء بالحزن والشفقة على تلك الصغيرة التي ظلمتها الحياة ولم ينصفها أحد. وقبل أن تقول أي شيء يواسيها، أكملت قدر قائلة بثقة:
بس أنا مش هحرم بنتي من الإحساس ده. هكون الظهر اللي تتسند عليه، والحضن اللي يساعها في كل حالاتها. هخلي أحلامها بوسع الكون، وأخليها قادرة تكسر كل القيود وتعيش زي ما ربنا قال، تاخد كل حقوقها وتعمل كل واجباتها. ابتسمت سناء بمحبة، وربتت على كتف ابنة أخيها، وقالت بحب: إن شاء الله يا قدر. أنتِ قدرتي تغيري كتير. قدرتي تفتحي عقول كتير وتغيري تفكير ناس كتير. مين يقول إن في ورش نسيج وإللي شغال فيها بنات؟
مين يقول إن في مدرسة بنات مخصوص بتتبني في البلد؟ ... أنتِ انتصرتي يا قدر. لسه. قالتها قدر بقوة غاضبة، واحتدت نظراتها وهي تكمل: انتصاري الحقيقي أما أصلان يشوف بعينه إللي أنا عملته وحققته. ظلت سناء صامتة تنظر إليها بشفقة ممزوجة بفخر وبعض الألم. *** لم يطل انتظار رمزي لمشتري الأرض المزعوم، حين وصل أمام بيت الزيني. ترجل من سيارته، ينظر إلى ذاك الجمع من الرجال الواقف خلف رجل ذي هيبة يجلس فوق مقعد خشبي بهيبة لا يخطئها أحد.
تجمد الموقف لعدة ثوانٍ، يتبادل فيها الرجلان النظرات، حتى قال رمزي بهدوئه المعهود: كرسي للضيف يا خلف. ليتحرك شاب صغير الهيئة وأحضر كرسيًا خشبيًا ووضعه أمام رمزي، وابتعد ينظر إلى الرجل من جديد، حتى عاد إلى مكانه. أشار رمزي إلى الضيف وهو يقول: اتفضل اقعد، علشان في كلام لازم تسمعه الأول.
اقترب الرجل وجلس على الكرسي، ورمزي يتأمله. رجل أربعيني، صاحب مظهر مقبول، وأيضًا يبدو عليه الهدوء والرصانة. لم ير شرًا في عينيه أو استعدادًا لحرب يتوقعها، أو نظرة انتصار. اسمعني كويس يا أستاذ، علشان نوفر على بعض الوقت والمجهود. رفع الرجل عينيه ينظر إلى الرجال خلف رمزي، ثم عاد بنظرة إليه وهو يقول باستفهام: هو أنا ليه حاسس إن في حاجة غلط؟ أو في مصيبة أو كارثة؟ أنا جاي أستلم الأرض اللي اشتريتها.
اقترب رمزي قليلاً من الرجل، حين استند بكوعيه على فخذيه، وقال بهدوء يصل حد البرود: ما هي دي المصيبة. أرض الزيني مش للبيع. أنا معايا عقود سليمة. عارف، والبيع صحيح مية في المية، بس برضوا أرض الزيني مش للبيع. قال رمزي كلماته بحزم شديد جعل الرجل يبتلع باقي كلماته. عاد رمزي لجلسته الأولى، وأكمل قائلاً: اسمع يا أستاذ، فلوسك اللي دفعتها هاتخدها، وفوقهم 100 ألف، وتعمل تنازل عن الأرض لأصحابها الحقيقيين. قطّب الرجل حاجبيه،
وقال بعصبية: صح، بس الأرض برضوا مش للبيع. وعاد لجلسته الأولى، ورفع يده يشير إلى الرجال خلفه: بس أنا والرجالة بنقولك غلط. هتاخد فلوسك وفوقهم 150 ألف، وتعمل تنازل عنها دلوقتي. ثم عاد يستند على فخذه، وقال بغمزة: أصل أنت مش هتقدر تدخل الأرض، وأنت الأولى بالفرق، ولا إيه؟ وعاد يعتدل في جلسته، وارتسمت على شفتيه ابتسامة انتصار. ظل الرجل صامتًا لعدة ثوانٍ، ثم أومأ بنعم. يقول رمزي بصوت عالٍ: العقود يا متر.
ثم وقف وهو يشير للرجل أن يسير بجواره، وقال موضحًا: هنروح لأصحاب الأرض علشان نخلص، متقلقش. ثم وقف أمام الرجل، وقال: هتمشي من هنا معاك فلوسك، وورق أرضنا معانا. وارتسمت نفس الابتسامة المنتصرة على وجهه من جديد، وهو يفتح باب السيارة للرجل الذي صعد إليها دون أن يقول شيئًا. فقد فرض رمزي بهيبته عليه الصمت فقط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!