"صباحًا" أسفل العمارة التي تقطن بها وداد مازالت السيارة التي بها الشباب واقفة، وكانوا نائمون بداخلها، استيقظ شاب منهم كان ينام على الأريكة من الخلف على أثر سماع صوت سيارة أخرى توقفت أمام باب العمارة مباشرةً. فاعتدل بجلسته ووكز أصدقائه ليستيقظوا. "إيه ياعم في إيه." أشار له قائلاً: "بص هناك كده."
دعك عينيه بيده أولًا كي يزيل أثر النعاس ونظروا جميعًا لتلك السيارة التي هبط سائقها واتجه ليفتح بابها، فتدلى رجل من السيارة ببدلة سوداء رسمية وبيده تبغ ينفث دخانه، وولج للعمارة بهيبة ووقار. انتفض الشاب الذي كان بالسيارة وهو يقول: "أنا لازم أبلغ أيمن باشا بسرعة يمكن أخته في خطر." وأخرج هاتفه من جيب بنطاله وجاء برقم أيمن ليهاتفه، وقال وهو ينتظر الرد: "شهاب روح العمارة شوف إيه اللي هيحصل بسرعة."
وترجل الذي كان بجانبه متوجهًا إلى العمارة. "بمنزل وصال" كان جالس شقيقها أيمن بملابسه الرسمية، وبيده يحمل فنجانًا من القهوة يرتشف منه، استمع لرنين هاتفه الذي كان أمامه أعلى الطاولة فألتقطه واستقبل المكالمة قائلاً: "أيوة يا محمد في جديد." رد الشاب محمد: "أيوة يا أيمن باشا في واحد دخل العمارة وشكله راجل غني، أنا قلبي بيقولي إن العمارة دي مشبوهة يابيه." تحدث أيمن بصوتًا حاد قائلاً:
"اتصرف يا محمد، خرج وصال وصاحبتها من العمارة دي بأي طريقة." أجاب محمد: "ماشي يباشا أنا هتصرف، أطمن أنت." زفر أيمن بعمق وهو يقول: "وصال أمانة عندك يا محمد، أي حاجة تحصل معاك تقولي فورًا." محمد بتريث: "تمام يباشا." أنهى أيمن المكالمة وتنهد بضيق، فأقتربت منه نجلاء بخطوات بطيئة وقالت: "أنت عرفت مكان وصال ولا إيه يا أيمن." حدجها أيمن ببصره وقال بإمتعاض: "نجلاء أنا بحذرك أنسي وصال خالص أنتي فاهمة."
واستقام من مكانه وغادر منزله. فألقت نجلاء السباب عليه بعدما اختفى من تحت أنظارها. "في شقة وداد" ولج الرجل للداخل، وجلس واضعًا ساقًا على الأخرى وتابع وهو ينفث دخانه: "فين البنات دول يا وداد." أجابت وداد قائلة: "في الأوضة جوة يا ياسامح بيه، أصل أنا عطيتهم الأمان خفت يهربوا مني، هروح أخبط عليهم." هز الرجل رأسه دون أن ينبس ببنت شفة، وكان يقف على مقربة منه إحدى رجاله. "بغرفة الفتيات"
واقفة قدر أمام المرآة تلف خمارها، بينما جالسة وصال على طرف الفراش تمشط شعر رهف. "الحمدلله لاقيت خيط أخيط بيه الأدناء ده." ردت وصال قائلة: "الحمدلله، إن شاء الله نخلص من ده كله ونشتري كام طقم ليكي أنا عارفة إن هدومي مش هتناسبك." كادت قدر أن ترد عليها حتى قاطعها صوت الطرق على الباب وقول وداد: "أصحوا يابنات يلا عاوزاكم برة." غمغمت قدر قائلة: "تمام هنخرج دلوقتي."
عادت وداد مرة أخرى إلى صالون شقتها وخرجت الفتيات الثلاث بعد دقائق معدودة، وقفوا في دهشة ينظرون إلى ذلك الرجل والذي بجانبه، ونظر لهم الرجل يتفحصهم بدقة أثارت رعبهم وكأنهم عراة أمامه. وأحست قدر بنظراته فمالت على أذن وصال قائلة: "تعالي نرجع الأوضة ناخد الشنط ونمشي من هنا يلا بسرعة." ردت وصال بتردد: "مش مفروض نسلم عليها الأول وبعدين نمشي."
كانت قدر تسترق نظرها إلى ذاك الجالس بأرتياح حتى وثب قائمًا يقترب باتجاههن، فأزدادت ضربات قلبها خوفًا من القادم واستدارت لتعود وقالت هامسة لوصال: "يلا تعالي ألحقيني." أسرع الرجل بخطواته وأمسك معصمها وتحدث قائلاً: "أنا عجباني البت دي يا وداد جهزوها." نظرت قدر بذعر خلفها لتجد رجلًا يبدو ببداية قرنه الأربعين ذو ملامح جذابة مختلطة مع تجاعيد وجهه القليلة وقد خط شعره الشيب. فقالت قدر منتفضة وهي تنظر بعينه
الذي قرأت بها سوء النية: "أنت إزاي تتجرأ وتمسك أيدي بالطريقة دي." "عند نجلاء" انتظرت مغادرة زوجها وجاءت برقم أحمد على هاتفها لتتصل به. انتظرت قليلًا حتى جاءها صوته: "أيوة يا نجلاء." فقالت له بحدة: "انت فين دلوقتي." يرد أحمد بحنق: "أنا خلاص اهو داخل على العمارة اللي فيها شقتي، هموت وأنام." أجابت نجلاء بنبرة غاضبة: "يعني إيه، أنت نزلت من اسكندرية." أحمد بلامبالاة: "أيوه يا نجلاء." هتفت نجلاء بإمتعاض:
"بس ده ماكنش اتفاقنا ووصال لسة فـ اسكندرية." أحمد بتريث عكسها: "وأنا كنت هعمل إيه يعني ما أنا قولتلك على كل اللي حصل." زفرت نجلاء بقوة وقالت: "أحنا لازم نبعد قدر عن وصال أنا عاوزاك توصلني لجوز أمها فأسرع وقت." "أسفل العمارة" واقف محمد مع صديقه ينتظرون أي خبر منه، وقاطعهم مجيئه المهرولًا إليهم وأخرج الكلام من جوفه دفعة واحدة وقال: "الشقة دي مشبوهة يا محمد والبنات في خطر." زفر بعمق فقد تأكد من شكوكه ولكنه ألقى
على مسامعه تلك الكلمة: "انت متأكد." رد شهاب بضيق قائلاً: "أيوه ياعم أنا سمعته بيقول جهزوا البنت دي يا وداد." جاءهم صوت صديقهم الآخر قائلاً: "طيب هنتصرف إزاي دلوقتي، وهنعمل إيه." "في الأعلى" تحدثت وصال وهي تحاول إبعاد ذاك الرجل عن صديقتها فقبضت على يده تحاول نزعها، وهي تصيح بحدة: "أبعد عنها وإلا...... فقالت وداد ساخرة:
"وإلا إيه ياحلوة، الشارع كله مفهوش حد ساكن فيه والعمارة مفيش غيري ساكن فيها حتى خالتك سامية نقلت، فاسمعي الكلام وخلي اليوم يعدي لأن كده كده الباشا هياخد صاحبتك." "مستحيل" خرجت من جوف قدر الذي ظهر على ملامحها الثبات والقوة عكس داخلها تمامًا وقلبها الذي يكاد أن يتوقف من شدة الخوف. فاسترسلت قائلة: "على جثتي أني أخلي حد يقربلي أنتِ فاهمة." أقتربت منها رهف والدمع أخذ يتسابق على وجنتيها وقالت بخفوت:
"ما تسيبنيش ياقدر زي ماما." أقتربت منهم وداد قائلة بفظاظة: "لا بقولك إيه منك ليها، إحنا مش هنفضل فالفيلم الهندي ده كتير." واستدارت ناظرة للشاب الذي جاء مع سامح واسترسلت حديثها بنبرة خالية من أي رحمة: "قرب ياعماد أمسك الكبيرة وأنا الصغيرة خلي الباشا ياخد البنت دي ونخلص." وبالفعل اقترب المدعو عماد وقبض على رسغها بقوة ومال على أذنها قائلاً بخفوت: "الباشا ياخد صاحبتك وافضالك أنا ياجميل." صرخت وصال قائلة:
"بتقول إيه انت كمان ياحيوان انت والباشا بتاعك ده هتندموا صدقني." تحدث سامح ببرود يناسب شخصيته: "سامح المدكور مش بيتهدد ياحلوة، ولسة دورك جاي." ووجه نظره إلى قدر واسترسل قائلاً: "يلا ياجميل عشان يومنا طويل." وشد على عضدها ليسحبها خلفه فعلى صراخ وصال وبكاء رهف.
صوت صفعة تردد صداها بالمكان وألجم ألسنتهم وهم يرون ذلك سامح متسع العينين ينظر لقدر بأعين أطل منها الغضب ولو كانت تخرج نيران لأحرقتها، بينما لا تعلم هي من أين أتتها تلك القوة. نفضت يدها من بين قبضته ورفعتها وهبطت به على وجهه. طال الصمت ثواني معدودة، حتى آتاهم صوت طرقات قوية على باب الشقة التي كانت النجاة للفتيات. تحدث سامح ومازالت أعينه على فريسته قائلاً: "أنتي مستنية حد يا وداد." انتفضت وداد قائلة:
"لا ياخويا، وأنا هستنى مين يعني." "أفتحي" هكذا استمعت إلى صوته الخالي من أي مشاعر. تركت وداد يد وصال وهي تخطو للأمام وقالت: "اتخبى في أي مكان ياسامح بيه." ونظرت للفتيات قائلة بتهديد: "لو سمعت صوت واحدة فيكم هشوهلها وشها الحلو ده." بالفعل امتثل سامح لأمرها وتوجه هو وعماد إلى المطبخ للأختباء وتقدمت وصال أمسكت بيد رهف ووقفا بجانب قدر الساكنة بمكانها.
قامت وداد بفتح الباب لتجد شابًا واقفًا ولم يكن غير محمد الذي هتف قائلاً: "ست وداد، ست وداد في مباحث واقفة تحت قدام العمارة أنا سمعتهم بيتكلموا فالتليفون." انقبض قلب وداد وقالت: "كلام إيه ده ياواد، أنا حتى أول مرة أشوفك هنا." ابتلع محمد ريقه خوفًا من فشل خطته وقال: "أنا ساكن فالشارع اللي ورا ومتابعك وعارف كل حاجة عنك." استرسل حديثه بغمزة واتمنى اكون ايدك اليمين وتبلي ريقي بحاجة من اللي عندك. نظرت له بشك، فتابع قائلاً:
"لو مش مصدقاني بصي وشوفي بعينك أنا نبهتك." ألقى جملته وغادر من أمامها منتظرًا نتائج خطته التي يتمنى نجاحها. توجهت هي سريعاً للشرفة فوجدت شابين ينظرون للأعلى فهرولت للخارج وهي تدب على صدرها قائلة: "يامصيبتي ياسامح بيه في مباحث واقفة تحت قدام العمارة." خرج سامح ومعه عماد وقال بوجه مقتضب وملامح لا تبشر بالخير: "أنا مش هتحرك غير والبنت دي معايا، لازم أدفعها تمن القلم ده غالي." علا صوت وصال وهي تقول:
"دلوقتي ياست وداد هيبقا في ناس هتسمعنا لو صرخنا أحسنل...... قاطعتهم وداد قائلة بتهديد: "اخرسي لقطعلك لسانك ده يابت." وتوجهت أنظارها إلى سامح وأدرفت بترجي: "أبوس أيدك ياسامح بيه أمشي من هنا، أنا مش حمل مصايب تانية." تحدث عماد لرب عمله قائلاً بتأييد: "وداد عندها حق يباشا إحنا لازم نمشي من هنا، كده أنت بتوقع نفسك في مصايب أنت في غنى عنها."
كان يعلم أنهم معهم كامل الحق فإن قُبض عليه سيتلوث أسمه وسيتضرر عمله خاصةً وأنه رجل أعمال. فغمغم قائلاً ومازال نظره معلقًا على قدر: "هنمشي يا وداد هنمشي." وبالفعل مر من أمامهم وخرج هو وعماد صافعًا الباب خلفه بحدة انتفض على أثرها جسد قدر. توجهت وصال للداخل جاذبة حقائبهم تحت أنظار وداد التي تحدثت ما أن رأتها: "على فين العزم هو دخول الحمام زي خروجه." رفعت وصال سبابتها بوجهها وقالت بتهديد:
"والله العظيم لو سمعت صوتك لكون مصوتة، وإن مجاش حد على صوتي هخنقك بأيدي دي وأريح العالم منك." صرخت وداد بهم قائلة: "اطلعوا برة بيتي يلا برة." غادروا الفتيات العمارة تحت أنظار الشباب الذين كانوا بسيارتهم فأسعدهم نجاح خطتهم. وللمرة الثانية يتلقون ضربة من الحياة، فالطريق صعب المسير، وخاصةً أن لم تكن تعرف أين وجهتك.. فتهيمُ هائمًا على وجهك في الطرقات دون سبيل. لا يعلمون كم من الوقت مر، ولكن الصمت كان رفيقهم.
حتى قاطعه صوت وصال التي قالت بخفوت وندم: "أنا آسفة ياقدر، بسببي عشتي يوم من أسوأ أيام حياتك." وقفت قدر مكانها وناظرتها بأعين ارتسم بها الغضب والقهر وتحدثت بحدة قائلة: "قولتلك الست دي مش مظبوطة بلاش نقعد هنا، شوفتي إيه اللي حصل." وصال بندم: "أنا آسفة ياقدر حقك عليا، أنا بس قلت اهو مكان يحمينا.... لا تعرف كيف خرج صوتها بكل هذه القوة حين قالت بصوت ممزوج بالوجع:
"أنا محدش حاسس بيا يا وصال افهمي أنا وصلت بيا إن الحل الأنسب هو الانتحار، وبعدها أرجع استغفر وأقول سامحني يارب، الحكاية دايما غير الكل ما شايفها في جزء خفي جوة كل شخص فينا عن الكل." انسابت دموعها على وجنتيها واسترسلت قائلة: "بنبقا عايشين في ضغط، خوف، قلق، بس بنبين الجزء القوي منا، بنحاول بكل قوتنا."
احتضنتها وصال أثر كلماتها التي مزقت قلبها ولم تستطع قول شيء سوى البكاء، ورهف تنظر إليهم بأعين تتلألأ بها الدموع هي لا تفهم الكثير من حديثهم ولكنها تبكي لبكاء شقيقتها. ألقت وصال بالصمت جانبًا واردفت قائلة ببكاء وهي مازالت تعانقها: "متقوليش كده ياقدر أنا اتعودت عليكي قوية انتي الحيط اللي بتكي عليه وقت ضعفي وببقا واثقة إنه عمره ما هيميل، أو هييجي يوم ويقع." ابتسمت قدر ساخرة من وسط دموعها:
"وأنا اتعمدت أظهر كده يا وصال بس أنا اضعف من ما تتخيلي." أجابت وصال: "والله دموعك بتنزل سكاكين على قلبي." ألقت رهف بجسدها عليهم تحوطهم بيدها الصغيرة أسفل ظهرهم قائلة: "خلاص بقا، انتو هتزعلوا من بعض؟ تركوا بعضهم وسحبت قدر شقيقتها تعانقها وبيدها الأخرى مسحت دموع وصال قائلة: "بس أنا مش ببين ضعفي غير ليك زي ما أنا سندك أنتي كمان سندي يا وصال قدر مش بتكون كاملة من غير وصال." ابتسمت وصال قائلة بصوت متحشرج من أثر البكاء:
"ووصال كمان مش بتكون كاملة من غير قدر." تحدثت رهف بطفولة عفوية: "طب إيه رايكم تتجوزوا وكده نعيش كلنا مع بعض." صدرت ضحكة من الفتيات فتذمرت رهف وقالت: "من شوية كنتو قالبينها نكد ولما أنا اتكلمت بتضحكوا عليا." تحدثت وصال بوجه فرح مبتسم: "وكده تبقا رهف ضحكت وصال و قدر." ابتسمت رهف برضا. وقالت قدر بِحيرة وقلق غزا ملامحها: "دلوقتي هنروح فين؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!