الفصل 8 | من 18 فصل

رواية قدر و وصال الفصل الثامن 8 - بقلم هدير ممدوح

المشاهدات
19
كلمة
4,802
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

الغد، كل الخوف من الغد، الذي لا نعلم ما يحويه لنا، فبثواني معدودة تقلب الحياة موازينها وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وتجد نفسك كالغريق فهذه الحياة تنتظر النجاة. جالس أيمن بمكتبه بارتياحية بعدما أخبره محمد بما حدث فطمئن قلبه على شقيقته وأوصاه بحمايتها. زفر بعمق وهو يتذكر كيف اكتشف حقيقة زوجته. انتظرت الخادمة خروج أيمن من منزله وعندما رأته يغادر خرجت خلفه تنادي باسمه فتوقف يستمع لها قائلاً: _أيوة يا ثناء، في حاجة.

فغمغمت ثناء بتردد: _يعلم ربنا أنا بحب قد إيه آنسة وصال عشان كده هقولك باللي سمعته. تنبه أيمن لحديثها وقال باهتمام: _سامعك قولي. فأفصحت ثناء بارتباك: _الخادمة: امبارح بليل سمعت الست نجلاء بتكلم واحد اسمه أحمد بعتاه يدور على ست وصال عشان يمضيها غصبًا عنها تنازل بأسهمها فالشركة. غلت الدماء في عروقه قهراً من أعمال زوجته وقال بوجه مقتضب: _ثناء بعد كده عاوزك تراقبي نجلاء طول ما هي داخل البيت تمام.

كانت تنقل له أخبارها ومحادثتها مع أحمد حتى جاءت له بتلك الحقيقة الساحقة فتذكر حديثها عندما أتته بوجه مكفهر قائلة: _أيمن بيه في حاجة سمعتها ومقدرتش أقولك على التليفون زي كل مرة وأنت فشغلك. انتفض أيمن من مجلسه وقال: _سمعتي إيه يا ثناء، قولي حالاً، في حاجة حصلت لـ وصال. هتفت ثناء سريعاً تطمئنه: _لا، لا ست وصال بخير. اطمئن قلبه وجلس مرة أخرى على الأريكة وهو يقول بصوت متعب: _أومال في ايه بس يا ثناء. تحدثت ثناء وأخرجت

ما بجوفها دفعة واحدة: _بصراحة كده الست نجلاء بتخونك مع واحد اسمه وائل سمعتها بتقوله ياحبيبي، وكمان زعقت معاه وقالت متنساش أني أنا لعبت فراس أيمن عشان يستثمر فلوسه والناس اللي بعتها من ضمن لعبتي وأن احنا اللي نصبنا عليه تمام. كان لحديثها ذلك وقع مرير على قلبه فأزدرد لعابه وهو يقول: _روحي ياثناء على شغلك. أشفقت العاملة على حالته وغادرت من أمامه. خرج أيمن بعد هنيهة من شروده على صوت طرق على باب مكتبه فغمغم قائلاً: _أدخل.

دلف شاب طويل نحيف الجسد ذات بشرة بيضاء معلقًا برقبته id مكتوب عليه اسمه "وائل عبد المجيد". تقدم وائل من أيمن وجلس أمامه فلم تكن تفصل بينهم غير طاولة المكتب، كان يود أيمن لو يقف ليهشم عظامه ولكنه أراد الانتقام منهم على طريقته ولأول مرة يحمد الله على عدم إنجابه منها بأطفال. للمرة الثانية يخرجه وائل من شروده قائلاً: _إيه يابرنس اللي شاغل بالك كده. مال أيمن بجزعه على الطاولة وهو ينظر له بتحدي ظهر بعينه:

_مين طلب منك تقعد. تعجب وائل من لهجته تلك وقال: _مالك ياعمنا اظاهر أن في حد معكنن على مزاجك النهاردة، بس روق بالك كده، ده أنا جايلك بحتة عرض إنما إيه هيكسبك ملايين. عاد أيمن بجسده للوراء مستندًا بظهره على كرسيه وقال بحده جعل الآخر ينتفض من مجلسه: _أطلع برة. وثب وائل واقفًا وقال: _في إيه يا أيمن أنت مش على بعضك النهاردة ليه؟ زمجر أيمن بحدة قائلاً: _أطلع برة يا وائل مش عاوز أشوف وشك.

جز وائل على أسنانه بغيظ وخرج من المكتب متوعدًا له بالانتقام لأهانته تلك.

يقفون أمام ذلك المنزل الذي تستطيع رؤية مساحته الكبيرة، فكان يتميز بسور قصير من الخارج وبابٍ حديدي في منتصفه وأمامه تقف قدر ووصال وشاب بجانبهم وبيده حقيبة وصال. خطا للأمام وفتح الباب فدلفوا جميعهم للداخل ينظرون حولهم بإعجاب لتصميم هذا المنزل الذي محفوف من كلا جانبيه بحديقة تسلب الألباب من روعتها. تقدموا للأمام وصعدوا ثلاث درجات ليقابلهم باب آخر فطرق الشاب عدة مرات حتى أطلت عليهم امرأة في الثلاثين

من عمرها وقالت باحترام: _نورت ياعلاء بيه. فأجابها وهو يمد له يده بالحقيبة: _تسلمي يا أم نور، خدي الشنطة دي طلعيها على أوضة الضيوف. حملت الحقيبة وغادرت من أمامهم فتحدث هو قائلاً: _أتفضلوا. خطت أقدامهم للداخل وهو أمامهم حتى توقف جميعهم بمنتصف المنزل الذي كان يتميز بأثاث راقٍ. استمعوا إلى صوت خطوات أحدهم فتقدمت منهم امرأة واتجهت إلى الشاب تعانقه بشوق وتحدثت قائلة: _نورت بيتك ياعلاء يابني. فبدالها هو العناق قائلاً:

_بنورك ياست الكل. ابتعدت عنه ونظرت إلى قدر ووصال تتفحصهما بنظرها وقالت بدهشة: _مين دول ياعلاء. _دول ضيوفي يا أمي هينورونا كام يوم. أمتعض وجهها وقالت: _أنت متعلمتش من الدرس الأول ولا إيه، جايب البنات دي ليه هنا. علا صوت علاء الحاد قائلاً: _قدر ووصال ورهف هيفضلوا معانا فترة، ومش عاوز مناقشة في الموضوع ده. ردت أمه بحنق وهي تناظرهم: _ويا ترى جايين بأي مصيبة، ومصيرك معاهم يكون إيه. كتم غضبه بداخله وقال:

_أمي ياريت نتناقش في المكتب. واستدار للفتيات قبل مغادرته وقال: _أستريحوا لحد ما نيجي. غادر من أمامهم الشاب والمرأة ولم يغفل عن نظراتها المشمئزة لهما. ارتمت وصال بجسدها على الأريكة وجلست رهف بجانبها وتحدثت قائلة: _وادي أهو شخص كمان مش مرحب بوجودنا، مش عارفين أمتى هنرتاح من ده كله. جلست قدر بجانبهم وقالت: _لو رجعنا حياتنا هتدمر، بس على الأقل هنا أمان لينا. تحدثت وصال:

_الحمدلله إن قدرنا نوصل لـ ملك وإلا مكناش هنعرف نعمل إيه. وشردت فيما حدث معهما. "عودة إلى الوراء" هتفت وصال صائحة بملامح مبتهجة: _الحمدلله ملك هتساعدنا. وقالت هتبعتلنا شاب اسمه علاء، هو اللي كان مسئول عن قضيتها. ردت قدر تحمد ربنا وزينت ابتسامة ثغرها وقالت: _وحشاني ملك جداً، آخر مرة شوفتها مع امتحان آخر العام في الكلية وبعدين نقلت على إسكندرية، حقيقي من الناس القريبة على قلبي. ردت وصال قائلة:

_أنا قلت لازم ألاقي شخص نكون واثقين فيه أنا وأنتي، ولو ماكنتش مسافرة أكيد كنا روحنا عندها، بس كويس خلينا واقفين منتظرين الشاب، أنا وصفت لها المكان وقالت إنه هيجي. انتظروا لما يقارب النصف ساعة. حتى أتت سيارة ووقفت بالقرب منهم فترجل منها شاب طويل، عريض المنكبين، ذات بشرة خمرية، عينان بنيتان ضيقتان، ذات أنف غليظ بعض الشيء. تحدثت وصال الذي أطل من عينيها الإعجاب:

_ينهار أبيض لو ده طلع علاء، طول بعرض إيه. استرسلت مازحة، ووقعت صريعة بهواه. نكزتها قدر وقالت بنبرة حادة: _غضي بصرك. تقدم منهم الشاب قائلاً: _آنسة قدر ووصال؟ أجابت قدر بخفوت: _أيوة أحنا. مد الشاب يده لها قائلاً: _مع حضرتك المقدم علاء رفعت، أستاذة ملك كلمتني عن حضراتكم. ارتبكت نبرة قدر قائلة: _عُذراً مش بسلم على رجالة. تحمحم بخجل وارجع يده بجانبه وقال وهو يشير على سيارته: _اتفضلوا، اركبوا هنروح على بيتي. "بمكتب علاء"

تعالت أصواتهم بداخله فتحدثت والدته بحدة: _مصيبة تانية يابني ليه بتعمل كده. زفر بعمق محاولاً كظم غيظه قائلاً: _يا أمي البنات دول وضعهم مختلف عن اللي كانت قبل، وبعدين تخيلي أخواتي البنات مكانهم ترضي ترميهم في الشارع كده. هتفت صائحة: _وفين أهاليهم ها، وبعدين أنا بناتي مفيش مقارنة بينهم وبين اللي برة دول؛ أنا بناتي متربيين أحسن تربية، ومش هسمح لهم يباتوا في بيت حد غريب. جذب علاء كفوف والدته ضاغطاً عليها برفق وتحدث:

_أمي، اوثقي فيا المرة دي، أوعدك إن مفيش حاجة هتتكرر، دول غير اللي قبلهم. نفضت يده مبتعدة عنه وقالت: _على راحتك بس خليك فاكر، جملتي أنت اللي هتتعب في الآخر. رد بتريث: _حاضر يا أمي، أتمنى تعامليهم كويس الفترة اللي هيقعدوا فيها. حدقته بنظرات غاضبة متوجهة إلى الخارج. فأردف قائلاً قبل خروجها: _بلغي أم نور تعملي فنجان قهوة، وتبعتلي البنات على هنا. لم ترد على حديثه بل ذهبت دون أن تنبس ببنت شفة.

بعد قليل دلفت العاملة وبيدها كوب القهوة ومن خلفها الفتيات، وكان يجلس هو خلف طاولة مكتبه العريضة وأمامه كرسيان. وضعت العاملة الكوب أعلى الطاولة وقالت: _تأمر بحاجة تانية يا علاء بيه. _لا روحي انتي يا أم نور، بس خدي الأمورة الصغيرة دي معاكي هاتيلها شوكولاتة. تحدثت قدر لشقيقتها: _روحي يارهف مع طنط. فذهبت الصغيرة مع العاملة دون التفوه بشيء. تحدث علاء مشيرًا لهما: _اتفضلوا ارتاحوا.

جلست قدر وأمامها وصال. فمال بجزعه للأمام سانداً مرفقيه على الطاولة وقال بصوت رخيم: _مين فيكم قدر. "أنا" هكذا خرجت الكلمة من جوفها، فقال وهو يحدقها بنظرات غامضة: _مفهمتش من ملك كتير، بس قالت إن زوج والدتك بيتحرش بيكي. شعرت قدر بالإحراج، فتحدثت وصال بدلاً عنها فهي تعلم مدى حساسية صديقتها من هذا الموضوع: _أيوة فعلاً يا أستاذ علاء. حدقها بنظرات باردة وقال: _أظن الحديث مكنش متوجه ليكي يا آنسة وصال.

إغتاظت الفتيات من رده اللفظي. فقالت قدر: _هو إحنا فتحنا تحقيق. أجابها وهو ينقل بصره إليها: _لو حابة تعتبريه كده اعتبريه. هتفت وصال صائحة: _حضرتك بتتكلم ليه كده معانا، وبعدين أنا رديت عشان عارفة حالة قدر. انفعل علاء قائلاً بغضب وتحدث بنظرات ثاقبة على قدر:

_أنتي مش محامي الدفاع عنها يا آنسة، وهي مش طفلة صغيرة، هي هنا ضحية لراجل قذر بيحاول يرضي رغباته القذرة، نظرة الخوف والضعف وقلة الثقة اللي قادر أشوفها في عيونها وحركتها؛ عايزها تتمحي، هي مش مجرمة تمام. تفهمت وصال فعلته ولكن هتفت قدر بصوت حاد: _أنا مش ضعيفة ولا خايفة من حاجة وأقدر أعتمد على نفسي. _لو قادرة تعتمدي على نفسك مكنتيش هربتي. هكذا خرجت الكلمات من جوفه. فوثبت قدر قائمة وقالت بتحدي:

_لو وجودنا هنا مش مرحب بيه فأحنا نمشي فوراً. وكادت أن تخطو ومعها وصال فأفزعهم صوته الذي علا فجأة: _أستني عندك. أوقفها هادرًا بمجرد أن تحركت أقدامهم واسترسل قائلاً: _غلطك إن كل مشكلة بتقابليها بالهروب وده مش حل. استدارت له قائلة: _انت عاوز إيه بالظبط، هو المفروض كنت أقعد هناك وأستنى أما أخسر شرفي. قال علاء برفق:

_لا يا آنسة قدر، كل اللي أنا عاوزه إنك تكوني قوية، أنتِ مش مذنبة عشان تتوتري فورًا وتخافي، ودلوقتي أتمنى تقعدوا ونتكلم بهدوء. تبادلتا الفتيات النظر قليلاً وجلسوا مرة أخرى. ترجلت نجلاء من سيارتها أمام منزل بسيط في إحدى الأحياء وكان برفقتها أحمد الذي قال: _أهو ياستي ده بيت إسلام، اللي قاعد معاه سيد. المهم بعد التعب ده كله أنا هاخد فلوسي أمتى. نجلاء بامتعاض:

_جرا إيه يا أحمد مش قادر تصبر نخلص الحوار ده وبعدين نشوف موضوعك. قالت جملتها وهي تخطو أمامه وطرقت عدة مرات على المنزل، فتحدث هو: _متعودتش حد يتجاهلني كده بس هعديها. أجابته بفظاظة وهي تطرق الباب: _من هنا ورايح اتعود على كده. انفتح باب المنزل وطل منه سيد الذي نظر لها يتفحصها وسرعان ما قال: _إيه اللي جايبك ياست أنتي. إجابته هي بلامبالاة: _مش هتقولنا اتفضلوا ولا إيه. سيد: _عاوزة إيه أخلصي معنديش وقت. تحدثت هي ببرود:

_جاية أقولك ابعد قدر عن وصال. قهقه هو ساخرًا وقال: _أنتي فاكرة لعبتك دي هتمشي عليا، أنا عارف كويس إن قدر هي اللي بعتاكي. امتعض وجهها وقالت بحدة: _قدر مين دي اللي تبعتني، أنت اتجننت ياراجل أنت. احتدت نبرة سيد قائلاً: _أمشي من قدامي البيت أحسنلك. هدأت نبرتها قليلاً واردفت: _مش همشي من هنا قبل ما أتفق معاك، ابعد قدر عن طريق وصال. هدر قائلاً: _مش لما أبقى عارف مكانها الأول. غمغمت قائلة:

_أنا هعرف مكانها وهبلغك بيه وانت فورًا هتروح تاخدها ونخلص، المهم تبعدها من طريقي. عقد حاجبيه وقال: _وانتي إيه اللي بينك وبين قدر. أجابت بنبرة باردة: _ولا حاجة، أنا ووصال بينا حساب، ومش هيتصفى غير لما قدر تبعد عنها. صمت سيد قليلاً يفكر بحديثها وكل هذا حدث تحت أنظار أحمد الغير مبالي بشيء، فأردف سيد: _موافق. ابتسمت بمكر وتابعت وهي تمد يدها له بهاتفها وقالت: _اكتب رقمك هنا، وأنا هبلغك بمكانها في أسرع وقت. "في مكتب علاء"

علا زفيره غاضبًا وألقى ما على الطاولة أثر نوبة غضبه، وهو يتذكر كيف كانت تسرد له مضايقات المدعو سيد لها، وكيف تنجو من براثنه كل مرة، ولما يغفل عن ملامح وجهها التي كانت تتغير من الخوف إلى الخجل، والحزن والتوتر. تحدث صائحًا بغضب وهو يسند بكفيه على الطاولة: _حيوان، حيوان، وديني ما سايبك. هدأت أنفاسه قليلاً: _فأخرج هاتفه من جيب بنطاله وضغط عدة مرات ليضعه على أذنه منتظرًا ردًا من الجهة الأخرى.

_الو علاء باشا، عاش من سمع صوتك يا أخي. هتف علاء سريعًا: _انت فالقاهرة ياهشام. رد هشام: _أيوة ياعم قلقتني في حاجة معاك ولا إيه. أجاب علاء بغموض: _عاوزك في خدمة.

كانت جالسة على الفراش بغرفة الضيوف وبجانبها شقيقتها نائمة. بعد سردها ما حدث معها لعلاء تذكرت تلك الذكرى المؤلمة، بالأصل هي لم تنساها أبدًا، حين خرجت والدتها ذات يوم من المنزل وظنت بأنها بأمان لأنه كان بعمله ولكنها تفاجئت بمجيئه باكرًا. كانت جالسة أعلى الأريكة تشاهد إحدى الأفلام المفضلة لديها ولكنها استشعرت أنفاسًا حارقة تضرب عنقها فأنتفضت تنظر خلفها لتجد كابوسها المرعب. وثبت واقفة عازمة على المغادرة فتفاجئت به يجذبها من معصمها وكانت تحول بينهم الأريكة

خرج صوتها المرتجف قائلة: _سيب إيدي يا عمو سيد مينفعش كده. ابتسم ساخرًا وهو يقول: _عمو إيه بقا، قوليلي ياحبيبي، نفسي أسمعها منك. حاولت نزع يدها من قبضته المحكمة عليها ولم تستطع بينما مر هو ليقف أمامها مباشرة لا يفصل بينهم شيء فتفاجئت بسحبه لها ودفعها على الحائط وكمم فمها بكفه الضخم وقال: _لو سمعت صوتك الحلو ده طلع هزعلك.

حاولت مقاومته بكل قوتها لتفك حصاره، وهبطت دموعها وما كاد أن يقترب منها حتى استمع إلى صوت باب المنزل يفتح. تساقطت دموعها دون أن تشعر، فأنتزعتها وصال من شرودها وهي تربت على كتفها، وقالت: _قومي ياقدر ياحبيبتي خديلك شاور كده ينعش جسمك واتوضي عشان تصلي، وامسحي دموعك دي، وأهو الضابط علاء معانا ووعدك هيجيبلك حقك. هزت قدر رأسها دون أن تنطق ببنت شفة، متوجهة إلى المرحاض الملحق بالغرفة.

عاد أيمن من عمله وصعد إلى غرفته دون إعطاء أي انتباه لزوجته التي تنادي باسمه وتلاحقه. دلف لغرفة نومه وهي خلفه فاستمع إلى صوتها الغاضب: _أنا مش بنادى يا أيمن مالك كده من يوم ما وصال ما مشيت وأنت متغير عليا هو في إيه بالظبط. ألقى بجاكت بدلته على الفراش واخرج مفاتيحه وهاتفه من جيبه ووضعهما أعلى الطاولة التي كانت تتوسط الغرفة وتوجه إلى خزانة الملابس يخرج ثياب بيتية مريحة، ولم يعبئ لها على الإطلاق. فجزت هي على

أسنانها بغيظ منه وقالت: _هو أنا كلبة يا أيمن عشان بكلمك ومش معبرني. أجابها ساخرًا وهو يجلس على فراشه نازعًا حذائه وقال: _لا، بس الكلبة أحسن وأوفى منك. صدمت من حديثه لتقول: _أنت تقصد إيه. للمرة الثانية لم يعيرها أي انتباه بل أخذ ملابسه متوجهًا للمرحاض ناظرًا لها بابتسامة استفزتها. فسبته بعدما غادر من أمامها وقالت بحنق: _داهية تاخدك.

واتجهت للطاولة وجذبت هاتفه وقامت بفتحه لتبحث عن شخص يدعو محمد فهذا الاسم الذي استمعت له، أخذت تبحث بالأرقام لتقوم بإرسال رسالة لها كان مضمونها "محمد ابعتلي عنوان وصال"، ولم يخب ظنها عندما استجاب لها المدعو محمد وقام بإرسال العنوان فحفظته وقامت بحذف الرسائل ووضعت الهاتف مكانه. خرجت قدر من المرحاض لتتفاجأ بـ شهقات وصال العالية ودموعها المنهمرة، فهرولت إليها سريعًا قائلة: _وصال فيه إيه مالك.

تحدثت وصال بصوت ممزوج بالبكاء ومدت يدها لها بالهاتف الذي كان بين كفها وقالت بخفوت: _خطب. عقدت قدر حاجبيها بتعجب ونظرت للهاتف لتجده يضيء على مقطع فيديو يجمع شخصان يتبادلان الخواتم فتنهدت قدر قائلة: _تاني يا وصال، تاني، قولتلك من الأول متعلقيش قلبك بالشخص ده انتي طالبة وهو دكتورك في الجامعة. زادت شهقات وصال قائلة: _أنتي مش قادرة تحسي بيا، أنا قلبي واجعني أوي. هتفت وصال قائلة وهي تزيل دموعها:

_صدقيني ده مجرد إعجاب من ناحيتك لشخص منبهرة بشخصيته وده خير ليكي كل الخير صدقيني يا حبيبتي. ابتلعت وصال غصة بصدرها قائلة: _سيبيني يا قدر، عاوزة أقعد لوحدي. جلست قدر بجانبها على الأريكة وحاوطتها بيدها قائلة: _أنا عمري ما هسيبك وأنتي في الحالة دي. ظلت وصال بضع ثوانٍ بحضن صديقتها ورفعت رأسها قائلة: _هو ممكن الخطوبة متكملش ويبقا من نصيبي أنا صح.

كادت قدر أن ترد عليها، فتفاجئت بفتح الباب عليهم ودلف فتاة بيضاء البشرة، بعينين خضراوين ولكن يبدو أنها في عقدها الثلاثين. أردفت الفتاة قائلة: _أسفة لدخولي بالطريقة دي، أنا أميرة أخت علاء، لما عرفت إن عندنا ضيوف قلت أجي أتعرف عليكم، وسمعت حديثكم بالصدفة. أجابت قدر وقد ارتسمت ابتسامة على ثغرها: _أهلًا بحضرتك. جلست بجانبهم قائلة:

_حبيت زميلي في الجامعة، ودايمًا كنت بحس بشعور متبادل، فضلت أدعي وأقول يارب يطلع بيحبني ونتجوز وربنا استجاب. انشرح صدر وصال قليلاً وشعاع أمل تسلل لقلبها ولكن لم يدم كثيرًا حتى استرسلت أميرة حديثها قائلة:

_واتجوزنا فعلاً ورُزقت بأجمل حاجة في الدنيا بنتي جوري، وبعد كده معاملته اتغيرت جدًا وابتدا يواجهني، ويقولي إنه بيحب بنت خالته وعاوز يطلقني وعشت أسوأ أيام حياتي ما بين ضرب وإهانة، مقدرتش أستحمل وبلغت علاء. فرت دمعة دون إرادة منها فأزاحتها سريعًا وتابعت. واطلقت وأنا عمري 25 سنة ودلوقتي أنا 30 وجوري 5 سنوات هعرفكم عليها بكرة لأنها نامت دلوقتي. تأثرت الفتيات بحديثها، فحين استطردت هي قائلة:

_مش كل اللي بنتمناه خير يا وصال، أنا كنت مفكرة لو متجوزتش من ياسر حياتي هتقف ومش هقدر أكمل، بس أهو قدامكم أنا بخير وبقيت أقوى. أزاحت وصال دموعها التي لم تجف بعد وقد فهمت الرسالة ونظرت لها مبتسمة وقالت: _شكراً يا أميرة. بدالتها أميرة الابتسامة وقالت: _أنا ما صدقت إن عندنا ضيوف يلا نتعرف واحكولي كل حاجة عنكم. وظل الفتيات يتسامرون عن حياتهم على أمل أن يأتي الغد محملاً بالأفراح.

دقت الساعة التاسعة صباحًا والفتيات بغرفتهم مستيقظات، جالسات في حيرة من أمرهن لا يعلمن هل يهبطن للأسفل، أم يظللن بالغرفة. قاطع شرودهن صوت طرقات على الباب، لتتقدم وصاله منه تفتحه فتجد أميرة فنظرت لها باسمة. فتحدثت الأخرى قائلة وهي تنظر لهيئتهن: _صباح الخير يا بنات بما إنكم جاهزين تعالوا يلا ننزل نفطر. ناظرتهن الفتيات بحرج فتفهمت هي قائلة: _يلا بقا حتى عشان الأمورة الصغيرة دي.

لحقوا بها الفتيات بعد إصرارها فوقفوا أمام طاولة كبيرة عليها بعض من الأطعمة وتترأسها والدة علاء فقط، التي امتعض وجهها عند رؤيتهن وقالت بتهكم: _إيه يا أميرة من أمتى وأحنا بنجيب الغريب يقعد معانا على الفطور، لو عاوزين يفطروا دخليهم جوة المطبخ مع الخدم. ابتلعوا الفتيات تلك الإهانة ومالت قدر على أذن وصال وقالت: _أنا مش هقعد في البيت ده ثانية واحدة بعد الإهانة دي. أيدت وصال رأيها عازمتين على العودة لأخذ أغراضهن والمغادرة.

حتى آتاهم صوت علاء من الخلف يتقدم نحوهم: _إيه يا أمي من أمتى وأحنا بنهين ضيوفنا ونعاملهم بالطريقة دي. ردت قدر عليه قائلة: _بعد إذن حضرتك يا علاء بيه إحنا هنا مش عشان نعمل مشاكل بينك وبين الست الوالدة فوراً هنمشي من هنا. حدقها علاء بنظراته وقال: _أنتي أمي. "نعم" هكذا خرجت الأحرف من جوفها متعجبة. فقال هو: _موجهتش كلامي ليكي. وعاد بنظره إلى والدته وهتف بحدة:

_اللي يهين ضيوفي يبقى بيهيني أنا كمان، ولو قدر ووصال مشيوا من البيت ده، يبقى أنا كمان ماليش قعاد فيه، ويا ريت منخليش أي ماضي يأثر علينا مفهوم. أجابت أميرة: _مفهوم يا علاء، وبعدين أنت عارف إن ماما متقصد. كادت أن تكمل حديثها ليهتف هو: _من غير مبررات، أتمنى يكون كلامي اتوضح للجميع. وثبت والدته قائمة بعدما حدقته بنظرات عاتبة، فلم يبالي لها. فقالت أميرة للفتيات: _يلا يابنات أنتو لسة واقفين ليه اقعدوا، ناكل سوا.

تبدلت نبرة علاء وقال بلين: _يلا يابنات اقعدوا افطروا. مالت قدر مرة أخرى على أذن وصال وقالت: _ده ملبوس ولا إيه. فأجابتها وصال قائلة بمرح: _اسكتي بس، يا خراشي عليه وهو بيزعق قمر يا ولاد. فوكزتها قدر قائلة: _اللي يشوفك دلوقتي، ما يشوفكيش امبارح وانتي فالقة نفسك من العياط على دكر بط. قاطع همسهم صوت أميرة قائلة: _إيه يا علاء مش هتفطر معانا. فأجابها هو: _لا، ورايا شغل ضروري لازم أمشي.

وبالفعل غادر علاء من أمامهن، وجلسوا الفتيات يتناولوا بعض اللقمات فقالت أميرة: _أتمنى متزعلوش من ماما، أصل خايفة على علاء ليتكرر معاه نفس اللي حصل قبل كده. قالت وصال بفضول: _وإيه اللي حصل معاه قبل كده؟! نفت أميرة قائلة: _حاجة مش مهمة يعني، المهم إيه رأيكم بعد الفطار نروح المول نجيب شوية حاجات وكمان قدر تشتري لبس ليها ولأختها لأن ملاحظة إنه ما لحقتش تجيب هدوم. ردت وصال قائلة: _تمام معاكي. وهزت قدر رأسها بنعم.

بعد قليل من الوقت كانوا الفتيات يختارون ملابس لهم بعناية فأخذت قدر دريس بلون الأبيض به بعض النقوش الملونة ودلفت لـ لبروفة لقياسه، والفتيات بقسم ملابس الأطفال ينتقون إحدى البلوزات لرهف. مر أكثر من خمسة عشر دقيقة ومازالت قدر بالداخل فتحدثت أميرة: _هي قدر طولت كده ليه. فقالت وصال: _مش عارفه أنا قلقت عليها، خليكي انتي مع رهف وأنا هروح أشوفها. هزت أميرة رأسها بنعم، وتوجهت وصال لقسم الملابس التي به قدر،

وجدت العاملة أمامها فقالت: _لو سمحتي هي الآنسة اللي جت معانا لسه مخرجتش من البروفة. أجابتها الأخرى: _معرفش الحقيقة أنا انشغلت مع الزباين، بس المتأكدة منه أنها مفيش جوة لأن فيه زبونة لسه داخلة. انقبض قلب وصال خوفًا على صديقتها وغادرت تبحث بالأقسام الجانبية فلم تجدها رجعت للقسم الذي به أميرة ورهف وقالت وهي تلتقط أنفاسها: _دورت على قدر في كل مكان مفيش ليها أي أثر. صدمت أميرة من حديثها وأردفت:

_هيكون راحت فين يعني، أكيد هتكون هنا. تلألأ الدمع في عيني وصال قائلة: _أنا خايفة، معقول يكون سيد وصلنّا، وقدر يخطفها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...