الفصل 3 | من 18 فصل

رواية قدر و وصال الفصل الثالث 3 - بقلم هدير ممدوح

المشاهدات
23
كلمة
2,500
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

الألم الفقد لا يُشفى أبدًا، يظل هناك شرخ بالقلب لا يمكن شفاؤه ولا يستطيع أحد رؤيته. مر يومان دون أي أحداث جديدة، واليوم هو الثالث. تأتي الجيران وكل من سمع بخبر العزاء. تجلس قدر بينهن بملامح باهتة ومقلتين محمرتين من أثر الدموع، متشحة بالسوداء. تجلس على يمينها وصال التي لم تتركها طيلة هذه الأيام. مع آخر امرأة خرجت من المنزل، احنت قدر رأسها على كتف وصال قائلة: -الأيام دي تقيلة على قلبي أوي يا وصال.

راح دمعها يهوي في صمتٍ ثقيل على النفس، ثم أتبعت تقول: -حاسة روحي بتنسحب مني بالبطيء. تلات أيام مرت وصوت أمي غايب، حركتها واستقبالها لينا، ضحكتها ومواقفنا الجميلة. مابين يوم وليلة كل حاجة اتسرقت. أحنا فعلاً مش بنعرف قيمة الحاجة دي غير لما تضيع من إيدنا. أجابتها وصال وهي تضمها إليها، تؤزرها في محنتها العسيرة:

-مش هقولك أنسي.. لأنك مش هتقدري. أهلي اتوفوا من سنين، وقتها حسيت نفس الإحساس ده. خسارتهم صعبة ووجع عمره ما بينتهي. الكل بيشوفني سعيدة وبضحك، بس محدش بيشوفني نص الليل وأنا ببكي كل يوم على خسارتهم. ألقت عبارتها الأخيرة تلك وأجهشت بالبكاء، فأعتدلت قدر بجلستها وعانقتها لعل يخف الألم الاثنان، ونطقت بإيمان نابع من قلبها: -لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والله وحده قادر على ترميم هذا الألم. قاطع عانقهم رنين هاتف وصال،

فأبتعدت عنها قدر قائلة: -ردي يا وصال، تلاقي أخوكي. أنا هطلع أشوف رهف. قالت وصال برفق: -متقلقيش على رهف، هي نامت دلوقتي وأنتي خليكي. أومأت قدر دون النطق ببنت شفة، بينما ردت وصال على هاتفها قائلة: -ألو يا أيمن. جاءها صوت شقيقها الحاد: -وصال، النهاردة اليوم التالت أظن كفاية كده. أنتي عملتي الواجب وزيادة، عاوزك النهاردة تكوني في البيت. تحدثت وصال بصوت منخفض وهي تقف من مكانها مبتعدة عن صديقتها حتى لا تستمع لحديثها، وقالت:

-أيمن، أنا مستحيل أسيب قدر ورهف غير أما أطمن عليهم، عشان كده هفضل كام يوم تاني هنا. أجابها أيمن في حنق مصحوب بالامتعاض: -يعني إيه كام يوم كمان؟ أنتي ناوية تفضلي هناك العمر كله؟ اسمعي، النهاردة تكوني في البيت. أنهى أيمن المكالمة، لتزفر وصال بغيظ من شقيقها. فكل ما يشغل

بالها الآن هو حديث سيد: "الحقي أشبعي من صحبتك الكام يوم دول علشان هتوحشك الأيام الجاية." لا تعلم ما المغزى مما قاله، هي فقط خائفة أن يصيب صديقتها أي مكروه، فكيف تتركها بمفردها بهذا المنزل.. ومع ذاك الرجل الذي لا ينوي خيرًا. أحست بيد توضع على كتفها، فاستدارت لتتفاجئ بقدر تهمس وهي تمسك بيدها واضعة إياها بين كفيها:

-وصال حبيبتي وأختي الغالية التي ولدت من رحم الحياة لتكن لي سند وملجأ، شكرًا ليكي على وقفتك معايا، ودلوقتي أنتي لازم ترجعي بيتك. ردت وصال بابتسامة قائلة: -هو فيه بين الأخوات شكر ياقدر؟ أنا متأكدة لو الأدوار اتبدلت كنتي أنتي هتكوني بدالي. بخصوص رجوعي لأهلي لأ مش هرجع غير أما أطمن عليكِ... كادت أن تكمل كلمتها الأخيرة، ليستمعوا لذلك الصوت المشمئز "سيد": -أنا بقول أن كفاياكي كده يا حلوة، شوفي طريقك بقا خلينا نعيش حياتنا.

هتفت وصال بتهديد: -أوعى تفكر أننا ضعاف، أنا في ثواني من اتصال واحد مني أوديك في داهية. تقدم سيد منها مبتسم بسخرية قائلاً في تهكم يثير الاشمئزاز: -عال عال يا ست وصال. أمسك ذراعها وثناه خلف ظهرها، لتصرخ هي بألم، فقال مزمجرًا: -وداهية إيه بقا اللي هتوديني فيها؟ ها يا ست وصال عايز أعرف. تحدثت قدر وهي تحاول إبعاده عن صديقتها هاتفة بغضب: -ابعد إيدك عنها أحسنلك، وإلا قسماً بالله فوراً أروح على أقرب قسم وأبلغ عنك.

بدل سيد نظره إلى قدر، تاركاً يد وصال وهو يقهقه بصوتٍ عالٍ كأنما ألقى إليه أحدهم نكتة، قائلاً في سخرية: -آنسة قدر بقا ليها صوت. وتبدلت نبرة صوته متابعاً بشر: أحسنلك ترجعي القطة الهادية اللطيفة من تاني، متنسيش أختك الجميلة اللي نايمة فوق. حطي عقلك في راسك. ولوح بسبابته أمام وجه وصال وما زال نظره معلقًا بقدر وهو يصيح: -وأنتي عايز أرجع ألاقيكي مشيتي. تركهم وانصرف، لتلتفت وصال لقدر قائلة:

-قدر خلينا نروح نقدم بلاغ فيه وهما أكيد هيتصرفوا. تراخى جسد قدر وارتمت على أقرب أريكة منهم وقالت في إعياء: -أنا تعبت يا وصال تعبت. دلوقتي المتحكم فيا هو الخوف وبس. أقتربت وصال منها قائلة وهي تقف أمامها: -أنا معاكي وهوكل محامي كبير وهيتحبس. نظرت لها قدر قائلة بإحباط: -مش بالسهولة دي يا وصال. أنا مش معايا دليل يدينه حتى، هو هيكذب كل حاجة أنا هقولها. مفيش حاجة هتحصل غير أني هتفضح وبس.

جثت وصال على ركبتيها أرضًا وهمست بنبرة ودودة وهي تضم كف قدر بين راحتيها، علها تبث في قلبها الأمان، وتغير من رأيها: -على الأقل نخوفه ويعمل حساب لأي حركة هيعملها. ابتسمت قدر ساخرة، وقالت في مرارة: -أنا عارفة الشخص ده كويس، هو عايزني ولو عملت زي كده هيؤذي أقرب حد ليا. وصال وهي تشد على يدها: -أوعك تخلي الخوف يسيطر عليكِ. ابتعلت قدر لعابها وهي تغمغم: -الأحسن أنك تمشي من هنا يا وصال، ده أفضل لينا كلنا. فنفت وصال بإصرار:

-أنا مستحيل أسيبك مع الراجل ده. نظرت لها قدر بأعين تفيض بالدمع وبنبرة متوسلة، وأردفت تقول: -أرجوكِ يا وصال أمشي من هنا، أنا مش عايزة غير كده. كادت وصال أن تعترض، لتقول قدر بنبرة توسل: -أرجوكي أمشي يا وصال. هزت وصال رأسها باستسلام واستقامت من مكانها عازمة على ترك المنزل.

صعدت قدر إلى غرفة رهف وجلست على طرف الفراش ببطء كي لا توقظ شقيقتها، ونظرت إلى الطاولة الصغيرة التي كانت بجانبها، ومدت يدها تلتقط بروازًا به صورة يجمعها مع والدتها ورهف. امتلأت عينيها بالدموع وهي تلامس وجه والدتها في الصورة بشوقٍ عظيم ملأ ثناياها، وذرفت عينيها دموع الحنين إليها. استدارت رهف على جانبها ونظرت إلى قدر بحزن، ثم استوت جالسة على طرف الفراش بجوارها، ووضعت كفها على كتفها في هدوء، وانبعث

صوتها الطفولي الحزين يهمس: -قدر، هو ممكن عمو سيد يتجوز ويسبنا في الشارع؟ فربتت قدر على ظهرها في رقة، وغمغمت بنحيب: -لو سابنا فـ ربنا (سبحانه وتعالى) معانا يا رهف. واستطردت وهي تعتدل: -يلا تعالي كملي نومك يا رهف. "في منزل وصال" صعدت للأعلى، وبينما هي في طريقها لغرفتها، أوقفها صوت زوجة أخيها وهي تلفظ اسمها. فوقفت خلف الباب تسترق السمع، وتناهى لمسامعها نجلاء تقول:

-قولتلك الحل في وصال، وأهو شوفت بعينك أخدوا مكانك في الشركة وأنت بقيت ولا حاجة. إيه هتروح تلف على الشركات عشان حد يشغلك، والفرصة دي تضيع من إيدك. كانت واقفة هي أمامه وهو جالس على طرف الفراش، ورد قائلاً: -قوللي هنعمل إيه، إزاي هنخليها تمضي وأحنا عارفين كويس أنها ممكن تحس بكده وتقلب الدنيا علينا. ابتسمت نجلاء بخبث وانتصار، فقد كانت تحاول طيلة اليومين أن تجعله ينصت لها وها قد وصلت إلى مبتغاها، فقالت

بنبرة يغزوها الارتياح: -هرن بـ أحمد يجيب معاه شابين يكتفوها ونمضيها على تنازل الأسهم بتاعتها ليك وبكده خلصنا. ومتقلقش، هتاخد كمان قرصة ودن عشان لو فكرت تحكي لحد. شهقت وصال بذعر وفرت دمعة من عينيها بكل حزن وصدمة. هل ما استمعته كان حقيقة؟ هل حقًا أخوها يحاول سرقة ميراثها وبأبشع الطرق؟ ركضت سريعًا إلى غرفتها تحتمي بداخلها، وأغلقت بابها واستندت بظهرها عليه وأذنت لدموعها بالنزول، ثم جلست بانهيار تبكي على حالها.

بغرفة أخيها، اتسعت عيناه بصدمة على ما قالته زوجته، ونظر لها باشمئزاز قائلاً: -اللي أنتي بتتكلمي عنها دي أختي. شباب إيه اللي هتجيبيها؟ وبعدين أنا هاخد الأسهم لفترة مؤقتة وهرجعهم ليها. لوت نجلاء فمها وقالت بحدة: -عندك حل تاني؟ اعتدل أيمن واقفًا وقال: -اطلعي أنتي من الموضوع وأنا هتصرف. هروح أغير هدومي وأخد شاور تكون وصال رجعت وقولي لـ سهر "العاملة" تجهز الأكل.

ذهب هو من أمامها، فنظرت هي لأثره بغيظ وهي تحاول السيطرة على غضبها.

عند وصال، لم تدع انهيارها يدوم كثيرًا، فأخرجت حقيبة كانت بجانب خزانة ملابسها، وضعتها على فراشها، وفتحت ضلفتي الخزانة وأخرجت بعض الملابس وضعتها بعشوائية داخلها، وأغلقت الحقيبة. وأخذت حقيبة يد صغيرة بعدما وضعت بها بعض النقود وخرجت من الغرفة وهي تنظر بحذر على يمينها وشمالها حتى هبطت للأسفل وفتحت الباب الرئيسي وغادرت من المنزل بأكمله وهي حذرة من ألا يراها أحد.

خرجت نجلاء من غرفتها متوجهة لغرفة وصال وهمت بفتح الباب، عندما أوقفتها صوت العاملة وهي تقول: -ست وصال طلعت من البيت يانجلاء هانم. نجلاء بدهشة: -وهي جت إمتى وخرجت إمتى؟ سهر "العاملة": -أنا شوفتها وهي بتفتح الباب الرئيسي وكان في إيدها شنطة سفر وخرجت. غمغمت نجلاء: -شنطة سفر. ردت سهر: -أيوه، وكمان أول ما جت، شوفتها واقفة قدام أوضة حضرتك وغالباً سمعت حاجة وجرت لأوضتها وهي بتبكي. نجلاء بصدمة: -ينهار أسود، لتكون سمعت حاجة.

ألقت جملتها تلك وهرولت إلى غرفتها. "بمنزل قدر"

حاولت النوم لتهرب من واقعها المؤلم، تشعر بانقباض قلبها كأن شيئًا سيئًا سيحدث، هذا ما يخبرها به حدسها اللعين. استمعت إلى صوت باب المنزل يفتح، فهي تعلم كل العلم من القادم. ازدادت ضربات قلبها وكأنها طبول تقرع، الخوف يسيطر عليها. اعتدلت واقفة و قامت بفتح أدراج التسريحة تبحث عن مفتاح لتقفل الغرفة، ولكن دون جدوى، فهي لا تعلم أين يتواجد. استمعت إلى صوت خطوات تقترب منها، فنظرت بين أختها النائمة والطاولة الصغيرة، فأخذت تسحب

الطاولة بكل قوتها لتضعها خلف الباب. نجحت بذلك ووضعت يدها أعلى صدرها وتنفست الصعداء وقد شعرت بالراحة قليلًا، فظنت أن الطاولة هي خلاصها. ولكن لم يدوم طويلاً هذا الشعور لتسمع إلى صوت طرقات على الباب قوية. أخذت ترجع إلى الوراء بخوف، الذعر يظهر على ملامح وجهها الشاحب، وحبيبات العرق أخذت تتجمع.

فاقت رهف وهي تنظر لها قائلة: -قدر إيه فيه مين بيخبط كده؟ كانت قدر بعالم آخر تتنفس بصوت عالٍ كغريق بنهر أمواجه هائجة تلقيها إلى منتصف المحيط، لا تعلم كيف النجاة. وبمن تستغيث؟ ومن ذا ينجدها؟ نزعت رهف الغطاء من عليها واقتربت من قدر وأمسكت بيدها وهي تنظر لها قائلة: -قدر مالك أنتي كده بتخوفيني.

سارع سيد من الخارج بدفع الباب لينجح بذلك، ولج للداخل وهو ينظر لهم بابتسامة مشمئزة. تقدم منهم بخطوات بطيئة كالأسد الجائع الذي يستعد للهجوم على فريسته. بدلت رهف نظرها بينه وبين أختها المذعورة، وقالت: -عمو سيد أنت بتعمل إيه هنا؟ أنت كده بتخوفنا. تحدث سيد الذي تفوح منه رائحة كريهة، فعلموا أنه ليس بوعيه وأنه شارب الآن. تحدث وهو يخطو مترنحًا: -اطلعي أنتي برة ياحلوة، أنا وأختك ليلتنا صباحي.

كاد أن يتعثر بطريقه ليجذب يد رهف التي تعلقت يدها الأخرى بيد شقيقتها، فسارعت قدر بإمساك يدها بقوة قائلة: -ابعد عن أختي يا سيد أحسنلك، لحسن والله أصوت وألم عليك كل أهل الحارة. قهقه سيد بسخرية وسحب رهف بقوة حتى وقعت أرضًا ليقول لها: -اطلعي برة الأوضة ياحلوة. سارعت قدر قائلة: -اطلعي اطلبي مساعدة يارهف من أي حد بسرعة. أتهم صوت سيد مقهقهًا وهو يخرج المفتاح من جيب بنطاله قائلاً:

-أنا قفلت الباب ياحلوة. من النهاردة أنتي ملكي أنا ولوحدي، وحتى لو صرختي الساعة دلوقتي 12 والجيران في سابع نومة. وعلى حين غفلة منه مدت قدر يدها وسحبت منه المفتاح وألقته لشقيقتها قائلة بلهفة: -بسرعة يارهف بسرعة. أخذت شقيقتها المفتاح والدمع أيضًا أخذ طريقًا على وجنتيها، ركضت للأسفل وهي تستمع لصراخ شقيقتها...

ودموعها راحت تسيل ببطء مميت، وهي لا تدري ما يحدث، لكن ثمة شيء يحثها على مساعدة أختها. قلبها ينبئها إن شقيقتها تواجه خطرًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...