الفصل 1 | من 38 فصل

رواية قدر صبا الفصل الأول 1 - بقلم سمية رشاد

المشاهدات
25
كلمة
1,836
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

كان جالساً في مكتبه الفاخر ذي التراث الفرنسي الكلاسيكي، الذي يعم معظمه اللون الأسود الداكن. على ذلك المقعد الوثير، كان يقوم بمراجعة بعض الأوراق المتواجدة بين يديه بإصغاء واهتمام كبيرين، محاولاً صب كل تركيزه عليهما دون الانغماس في أي شيء آخر.

ولكن يبدو أن لعقله رأي آخر. فسرعان ما برزت مفاصل يديه واحتدت نظرات عينيه بغضب عندما تذكر ما حدث معه بالأمس. حينما عاد من الشركة في الساعة السادسة مساءً، وذهب إلى غرفة أبيه بسبب إخبار الخادمة له بأن والده طلب منها إعلامه بأن يذهب إلى غرفته بعد عودته من الشركة مباشرة.

دلف إلى غرفة والده ذات التراث العتيق، المطلية بذلك اللون الأبيض المائل للصفار قليلاً، بينما كانت أثاثها مدهوناً باللون البني القاتم. دارت عيناه في جميع أرجاء الغرفة بحثاً عنه، وسرعان ما وقعت عيناه عليه وهو يراه جالساً برفقة عمته صفية، التي كانت تبكي بانهيار ووالده يحاول تهدئتها. انتفضت أوصاله بفزع بعدما رأى هيئتها تلك، فهرول تجاهها وهو يهتف بقلق واضطراب: "عمتي مالك يا حبيبتي؟ بتبكي ليه؟ في إيه؟ إيه اللي حصل؟

رفعت نظرها إليه بعدما استمعت إلى صوته الذي كانت بحاجة له في هذا الوقت، وسرعان ما ألقت بجسدها داخل أحضانه وظلت تبكي وهي تردد بتشنج وارتجاف: "بنتي هتروح مني يا مصعب، بنتي هتروح مني." عقد حاجبيه باندهاش بعدما استمع إلى كلماتها التي لم يفطن منها شيئاً، ثم وجه نظراته المحتارة تجاه والده، الذي كان يتابع بعينيه ما يحدث بقلة حيلة، قائلاً بتساؤل: "في إيه يا بابا؟ إيه اللي حصل ومالها صبا؟

تنهد والده بحرارة ثم أجابه وهو يشير إلى شقيقته التي مازالت على حالها منذ أن علمت بتلك الكارثة التي حلت بها: "خد عمتك أوضتها وتعالى." أومأ إليه بإيجاب بعدما تيقن من نظراته بأن شيئاً عظيماً حل بهم، ثم أمسك يد عمته بعدما قبل جبينها بحنان واتجه بها إلى غرفتها، مساندًا إياها برفق، ثم وضعها فوق فراشها بهدوء. اتجه إلى الخارج عائدًا إلى والده مرة أخرى بذهن شارد، يفكر في الأمر الذي جعل عمته تنهار بهذه الطريقة.

شعر بالضيق يحتل أوصاله ويتملك قلبه بعدما رأى تلك الدمعات العزيزة التي كانت تتلألأ في عينيها. فالعمة صفية من أقرب الناس وأحبهم إلى قلبه. فهذه المرأة تركت بيتها وحياتها السابقة وجاءت منزل شقيقها بعد وفاة زوجته أثناء ولادتها لابنتها الصغرى ضحى. جاءت إليهم حينها وتركت بيت زوجها الراحل الذي استشهد أثناء حراسته لأحد المنافذ الدولية بعد زواجه منها بشهرين. ربما ما جعلها تستطيع اجتياز تلك الفترة حينها هو خبر حملها بابنتها صبا، والتي جعلتها قادرة على مواجهة المصاعب من أجلها.

فاق من شروده بعدما وصل إلى غرفة والده، الذي وجده مازال جالساً على ذلك المقعد الذي كان يجلس عليه قبل رحيله بملامح وجهه المتجهمة، فهتف إليه وهو يطالعه بتساؤل: "في إيه يا بابا ومالها صبا؟ أجابه والده وهو يستند بجبينه على أنامل يده مغمضاً عينيه بضيق: "طبعاً انت عارف جد صبا وعارف طبعه." أومأ إليه مصعب بإيجاب ثم عقد حاجبيه باندهاش وهو يهتف إليه بتساؤل قائلاً: "ماله هو عمل حاجة لعمتي؟ مش هو مسافر أصلاً؟

تنهد عثمان بحرارة ثم أجابه بهدوء زافراً نفساً عميقاً إلى الخارج: "هيرجع من السفر كمان أسبوع." عقد مصعب حاجبيه باستعجاب ثم هتف وهو يطالع والده بتساؤل: "مين قالك يا بابا؟ وبعدين دا علاقته إيه ببكاء عمتي؟ أجابه عثمان بقلة حيلة وهو يستند على المقعد بإحدى يديه:

"سمية، عمة صبا، كانت هنا الصبح قاعدة مع عمتك وبتقولها إن الحاج صالح هينزل من السفر كمان أسبوع، وأنه ناوي ياخد صبا معاه هناك في السعودية عشان صبا تفضل جنبه، لأن انت عارف هو بيحب صبا أد إيه." أجابه بتشدق وهو ينظر إليه بغضب مما استمع إليه: "إزاي يعني ياخدها من أمها؟ هو كل حاجة عنده بالقوة؟ مش كفاية المعاملة اللي كان بيعامل بيها عمتي وكان بيتهمها إنها نحس والكلام الفاضي ده؟ وبعدين مين هيسمح له بكدا؟

زي ما القانون وقف مع عمتي وكان من حقها حضانة بنتها وهي صغيرة، زمان هيقف معاها دلوقتي." أومأ إليه بإيجاب وهو يعلم بصدق كلماته جيداً، فهو أكثر من يعلم بتلك المعاملة التي كانت تعامل بها شقيقته في الشهور القليلة التي عاشتها في ذلك المنزل. "عمتك قالت كده لسمية؟ قالت لها إنه ناوي يجوزها ابن عمها حتى لو بالغصب، وإنه مستعد يعمل أي حاجة عشان ياخد صبا."

نهض مصعب من مقعده وهو يدور في الغرفة ذهاباً وإياباً بغضب يكاد يحرق اليابس والماء، فهو منذ صغره لا يطيق سماع اسم صالح لمعرفته بمعاملته الوضيعة لعمته. يتذكر جيداً كيف كان يأتي إلى منزل أبيه ويوبخها بالعديد من الكلمات التي لا يقبلها بشر، وها هو عاد مرة أخرى بحجته التي لا تنتهي. "يجوزها كمان بالغصب؟ هو الراجل ده مخه سِف ولا إيه؟ نهرُه عثمان بضيق وهو يهتف إليه بتهذيب: "مصعب عيب كده، احترم إنه راجل كبير حتى لو عمل إيه."

صوب نظراته إلى الأسفل ثم هتف إليه بخجل دون أن ينظر إليه: "آسف يا بابا. طب حضرتك ناوي تعمل إيه؟ أجابه عثمان وهو ينظر أمامه بعقل شارد: "أنا فكرت كتير وملقتش غير حل واحد، والحل ده في إيدك انت." نظر إليه مصعب باندهاش ثم هتف وهو يطالعه بتساؤل: "أنا؟ طب إزاي؟ أجابه بصرامة وهو ينظر إليه بترقب كي يستبين ردة فعله: "إنك تتجوز صبا." مصعب بصعقة: "نعم! انت بتقول إيه يا بابا؟ إيه الكلام ده؟

انت عارف إن صبا زي أختي بالظبط، وبعدين هي متنفعش ليا خالص، دي جاهلة ومتشددة أوي." عثمان بعصبية: "جاهلة ومتشددة؟ هي عشان محترمة ومتدينة تقول عليها كده؟

سبحان الله، دلوقتي اللي بيكون على حق وبيخاف ربنا وبيعمل كل حاجة عشان يرضيه بنقول عليه جاهل. تعرف انت اللي جاهل، أيوه انت اللي جاهل بأمور دينك ومش عارف إيه واجباتك تجاه دينك. عارف لو انت كنت مش جاهل زي ما بقول، مكنتش هتقول عليها كل ده. بس أنا اللي غلطان إني كنت سايبك انت وإخواتك على راحتكم ومش بقربكم من ربنا." مصعب:

"يا بابا ما أنا بصلي وبصوم وبعمل كل الفروض، هي اللي بتفرض على نفسها حاجات مش عليها، مش كفاية خلت ضحى بقت معقدة زيها." عثمان: "هو انت فاكر إن الإسلام صلاة وصوم بس؟ لا يا ابني، الإسلام مفهومه أكبر من كده بكتير. الإسلام ده حاجة جميلة جداً وعبادات كتير، وأنا متأكد إن صبا هي الوحيدة اللي هتقدر تعرفك دينك كويس وتغير فكرتك دي." مصعب بعدم اقتناع:

"طب يا بابا شوف حل تاني غير إني أتزوجها. ده أنا مش عارف شكلها، وبعدين دا أنا أكبر منها بكتير، دي بتقولي يا أبيه زي ضحى." عثمان:

"الفرق بينكم تسع سنين مش كبير أوي يعني، وبعدين الرسول صلى الله عليه وسلم كان الفرق بينه وبين السيدة عائشة كبير جداً وبالرغم من كده كانت أحب زوجاته إليه. مش بالسن يا حبيبي والله. وحتى لو أنت مش عايز تتجوزها، اعقد عليها وبعد كده أما يجيلها نصيبها ابقى طلقها، ولو إني أشك إنك تطلقها، بس اعقد عليها بس عشان خاطر عمتك وعشان خاطري." مصعب بتفكير:

"ماشي يا بابا، هعقد عليها بس متنتظرش مني غير كده. وبعدين هيجيلها نصيبها إزاي وهيا متجوزاني؟ عثمان: "مش هنعرف حد غير جدها بس عشان نسكته." مصعب: "حاضر يا بابا، أنا رايح أوضتي، عايز مني حاجة؟ عثمان: "لا يا حبيبي، روح انت استريح، وأنا هروح لعمتك أطمنها، أصلها منهارة." مصعب: "ماشي يا بابا، سلام."

ذهب عثمان إلى غرفة أخته وأخبرها بالحل الذي توصل إليه، وفرحت صفية كثيراً بهذا الخبر، فهي تحب مصعب كثيراً كأنه ابنها، فهو تربى على يدها. فاق مصعب من شروده على دقات على باب مكتبه، فأذن للطارق بالدخول. السكرتيرة بدلع: "اتفضل يا فندم، دا الملف اللي حضرتك طلبته." مصعب: "ماشي، حطيه عندك وهاتي لي فنجان قهوة عشان عندي صداع." اقتربت منه السكرتيرة بدلع وجاءت لتضع يدها على رأسه، فأبعدها عنه بعنف وقال: "إيه اللي انتي بتعمليه ده؟

انتي إيه؟ مفيش أخلاق خالص! انتي إزاي تتجرأي وتعملي كده؟ السكرتيرة بتوتر: "أنا آسفة يا فندم." مصعب: "روحي اجرِ اخرجِ بره، وأقسم بالله لو اتكررت تاني ما هتقعدي في الشركة ثانية واحدة." خرجت السكرتيرة بحرج وزفر بضيق بعد خروجها. تذكر صبا عندما كانت تعطيه القهوة ذات مرة فلمست يده بالغصب، فأبعدتها كمن لدغتها حية، بالرغم من أنها كانت ترتدي جوانتي في يدها، فتبسم وقال: "دي لو شافت المياصة بتاعة مها (السكرتيرة)

هتقيم عليها الحد."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...