الفصل 2 | من 38 فصل

رواية قدر صبا الفصل الثاني 2 - بقلم سمية رشاد

المشاهدات
25
كلمة
2,813
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

خرجت من ذلك الجناح المتواجد في الدور الثاني من الجهة الشمالية فتاة ترتدي ملحفة سوداء مع نقابها المماثل للون الملحفة الذي تعتبره تاجها بعدما قَبَّلت يد والدتها واستمعت إلى دعوتها الصادقة التي تنير قلبها وتجعلها قادرة على مواجهة مصاعب اليوم. اتجهت إلى غرفة توجد في الجهة اليمنى في نفس الدور، ثم طرقت بابها عدة طرقات بمرح وهي تهتف بغناء: "صحي النوم صحي النوم."

توقفت عن مواصلة الطرق بعدما وجدت تلك الفتاة ذات البشرة البيضاء الصافية والقامة القصيرة نوعًا ما تطالعها بابتسامتها الهادئة وعينيها البنيتين اللتين تتنافسان مع القهوة للوصول إلى لون الشوكولاتة التي لا يتنازع على محبتها اثنان. "تعالي ادخلي يا صبا على ما ألف الطرحة بس."

أجابتها صبا وهي ترفع نقابها الأسود عن وجهها كاشفة عن ملامح وجهها الطفولية التي تنبعث البراءة من محياها، وعينيها الزيتونيتين اللتين ظهرتا بسخاء بعدما كانتا تتوارى خلف نقابها الذي كان طرفاه متعانقين بنفور سمح لعينيها برؤية ما يظهر أمامها دون معاناة. "هو مفيش مرة أجي ألاقيكي خلصتي لبس؟ ابتسمت ضحى بخفوت وهي تجيبها بمرح كعادتها: "خلاص بقا يا صبا، المفروض تكوني خدتي على كدا." أجابتها صبا بابتسامة مماثلة لتلك

التي أغدقتها بها الأخرى: "ماشي يا أختي، آه صح، اعملي حسابك هروح أجيب نقاب بعد ما نخلص محاضرات." أومأت إليها ضحى بهدوء بعدما انتهت من ارتداء حجابها، وسرعان ما توقفت حركتها بقلق وهي تنظر إلى هاتفها قائلة: "طب استني أتصل بأبيه مصعب أقول له." أجابتها صبا باستعجال: "ما تقولي لخالو وخلاص." هزت رأسها بالنفي وهي تعبث قليلًا بأزرار هاتفها قائلة: "عشان ما يتضايقش، أنتِ عارفه إنه لو اتأخرت نص ساعة بيتعصب."

أومأت رأسها عدة مرات بتفهم ثم هتفت بهدوء وهي تنهض من على الفراش الذي كانت تجلس عليه قائلة: "طب اخلصي اتصلي بيه، وبعدين مش أبيه أحمد الكبير، بتستأذني من أبيه مصعب ليه؟ هزت رأسها بيأس وهي تجيبها بضيق مصطنع: "أنتِ عارفه إن أبيه مصعب هو اللي بيهتم بالحاجات دي، وبعدين أبيه أحمد مسافر مع فجر عند أهلها، أنتِ عارفه إنها بقالها فترة كبيرة ما راحتش، إما صدقت رضى يروح معاها."

أومأت إليها بإيجاب ثم هتفت وهي تقف أمام المرآة الكبيرة المتواجدة في الغرفة وتعدل من وضعية نقابها بعدما أنزلته مرة أخرى: "طب يلا بسرعة عشان ما نتأخرش." هزت رأسها بإيجاب ثم رفعت هاتفها على أذنها اليمنى وهي تقترب من صبا وتنفض بعض الغبار الذي تطاير على ردائها من الخلف، ثم هزت قدمها اليسرى بانتظار إجابة شقيقها.

كان الآخر مستمرًا في مراجعة بعض الملفات الخاصة بإحدى الصفقات الهامة بالنسبة له بتركيز واهتمام شديدين، ولكن توقف فجأة بعدما استمع إلى رنين هاتفه الذي أوقفه عن تلك الدوامة التي كان منشغلًا بها. أبعد رأسه عن الأوراق القابعة بين يديه ثم فتح هاتفه مجيبًا على شقيقته بعدما التفت إلى اسمها حينما: "ألو." أجابته ضحى بتوتر وهي تنظر إلى صبا التي تتابعها بترقب:

"لو سمحت يا أبيه، هروح مع صبا بعد الجامعة نجيب نقاب وهنيجي بسرعة إن شاء الله." هز رأسه بإيجاب وكأنها تنظر إليه ثم أجابها وهو يتفحص المكتب بعينيه: "تمام، ما تتأخروش."

تنهدت براحة بعدما استمعت إلى موافقته، فهو نادرًا ما يوافقها على الذهاب إلى أي مكان بمفردها، وكأنها دُرَّته المكنونة التي يأبى أن تنكشف أمام العيان فيطمعون باختلاسها. أبعدت الهاتف عن مسامعها بعدما استمعت إلى ذلك الصفير الدال على انتهاء المحادثة، ثم أخبرت صبا بموافقته واتجهت معها إلى الجامعة بحماس بينما هو عاد بتفكيره إلى تلك الصبا التي جعلت النوم يتهرب من جفنيه طيلة الليلة السابقة، يفكر في أمر زواجه المبهم منها كيف سيتزوج بهذه الطريقة التي لا تعد طريقة لأي زيجة ومِمَّن؟

مِمَّن صبا طفلته التي تربت على يديه ولم يك يفرق بينها وبين شقيقته. يشعر بالحيرة تحتل أركانه وتنهش عقله من فرط اندهاشه مما يحدث حوله، كل شيء حدث بسرعة، بسرعة متناهية، والده عرض عليه الأمر وهو وافق مجبرًا ولا طريق للعودة مرة ثانية. هز رأسه بضيق وهو يحاول أن يدلف في حالة اللامبالاة التي كانت دائمًا تبعد عقله عن أي شيء يعكر صفوه. رتب أوراقه التي كان منغمسًا بمراجعتها قبل محادثة شقيقته وكاد يعاود العمل عليها مرة أخرى ولكنه توقف ثانيًا وهو يشعر بمن يقتحم المكتب مرة واحدة دون استئذان فهتف

بضيق وهو يطالعه بقلة حيلة: "نفسي مرة تخبط قبل ما تدخل." أجابه الآخر بعدم اكتراث بعدما جذب كوب القهوة الموضوع أمامه وارتشف منه قليلًا ثم ردَّه إلى مكانه مرة أخرى: "خلاص بقا يا صاصا." احمرت عينا مصعب من الغضب وضغط على قبضة يده بضيق وهو يهتف إليه بعصبية: "قلت لك ما تقولش ليا كدا تاني يا يوسف." عقد يوسف حاجبيه باندهاش من غضبه المُبالَغ فيه ثم هتف إليه بتساؤل: "طب اهدي يا عم، مالك في إيه؟

أشاح مصعب بنظره إلى الجهة الأخرى مجيبًا إياه بنفي: "مفيش." هتف إليه يوسف بقلق بعدما تأكد من شكوكه بأن صديقه ليس على ما يرام: "ما تقول في إيه يا مصعب، أنت هتخبي على صاحبك؟ زفر مصعب ثم قص عليه موضوع زواجه من صبا وعدم التوافق بينه وبينها كيف نهره والده بعدما أخبره بذلك فهتف إليه يوسف بعدما أومأ إليه بتفهم: "طب أنت متضايق ليه يا مصعب؟ مش أنت هتطلقها؟

وبعدين أنت غلطان إزاي تتكلم عليها بالطريقة دي قدام والدك، وعلى فكره دي إنسانة محترمة جدًا، فكر يمكن تغير موقفك." طالعه مصعب باندهاش ثم هتف إليه بتساؤل: "وأنت عارفها منين يا خفيف؟ أجابه يوسف بهدوء: "شوفتها مرة وأنا عندك فتحت لي الباب وما رفعتش عنيها عليا وأنا واقف." أومأ إليه مصعب بتفهم ثم هتف إليه قائلًا بصدق: "آه هي الصراحة إما بتكون بتكلمني أنا أو أحمد على طول كدا من ساعة ما التزمت ولبست نقاب." هتف إليه يوسف بحماس

في محاولة منه لإقناعه: "خلاص يا صاحبي، وبعدين افتح قلبك يمكن تحبها." عقد حاجبيه بعدم اقتناع وهو يهتف إليه باستنكار: "يا ابني دي زي أختي افهم." هز يوسف رأسه نافيًا بعدما تنهد بحرارة قائلًا بمهاودة: "مفيش حاجة اسمها زي أختي قدام مش من محارمك يا مصعب، فكر كويس وربنا ييسر لك الأمور يا صاحبي."

نظر إليه مصعب بعقل شارد وهو يفكر في تلك المعضلة التي دلفت على حياته ولا يستطيع الخروج منها فنهض يوسف دون أن يردف بشيء تاركًا إياه غارقًا في نوبة تفكيره عله يستطيع إقناع نفسه والرضا بما قسمه الله له. كانت صبا تسير خلف ضحى في بهو المنزل تابعة إياها للذهاب إلى الجامعة ولكن قبل أن تخطو من باب المنزل توقفت وهي تستمع إلى خالها (عثمان) يهتف باسمها. عقدت حاجبيها باندهاش وسرعان ما عادت مهرولة إليه، ثم وقفت

أمامه بهدوء قائلة بتساؤل: "نعم يا خالو؟ هتف إليها بتساؤل وهو ينظر إليها بتفحص: "أنتو رايحين الجامعة يا حبيبتي؟ هزت رأسها بإيجاب وهي تجيبه: "آه يا خالو، وإن شاء الله بعد الجامعة هنروح أنا وضحى نشتري نقاب وهنيجي بسرعة." أومأ إليها بإيجاب ثم تنهد بحرارة وهو يهتف بغموض: "ماشي يا حبيبتي، أما تيجوا ابقي تعالي لي عشان عايزك في موضوع مهم." عقدت حاجبيها باستعجاب ثم هتفت إليه وهي تطالعه بقلق: "خير يا خالو؟

هز رأسه بنفي ثم ربت على ظهرها عدة مرات مطمئنًا إياها: "أما تيجوا بقى عشان ما تتأخروش، ما تقلقيش." أومأت إليه بإيجاب وهي تحاول إبعاد القلق عن ذهنها، ثم قبلت يده وتبعتها ضحى وألقتا عليه تحية الإسلام ثم خرجتا متجهتين إلى الجامعة، لا تدري إحداهما ماذا سيكون مصيرها! بعد عدة دقائق كانت تسير الفتاتان برفقة بعضهما في الجامعة بعدما وصلتا للتو، فهتفت ضحى وهي تنظر إلى صبا بانتصار: "فاضل نص ساعة على المحاضرة أهو يا أستاذة صبا."

طالعتها صبا بابتسامة وهي تجيبها بمرح قائلة: "أما نيجي بدري أحسن ما نيجي متأخر ونتطرد شر طردة يا أستاذة ضحى." هزت ضحى رأسها بإيجاب وسرعان ما صاحت بسرعة وهي تنظر بعينيها إلى إحدى الفتيات: "بصي يا صبا البنت المنتقبة دي." عقدت صبا حاجبيها بضيق وهي تجيبها بعتاب: "إحنا قلنا إيه يا ضحى؟ مش إحنا اتفقنا إن ما ينفعش نغتاب حد ولا نتكلم عليه عشان ربنا سبحانه وتعالى قال لنا:

(ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه) التفتت إليها ضحى بدفاع عن نفسها: "صدق الله العظيم، بس أنا والله مش قصدي أغتابها، بس أنا عاجبني النقاب بتاعها، عايزاكي تلبسي زيه." أومأت إليها صبا بتفهم وهي تجيبها بابتسامة ظهرت لها من عينيها: "مصدقاكي من غير ما تحلفي يا حبيبتي، وأنا آسفة إني ظنيت فيكي سوء، ربنا سبحانه وتعالى قال: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم)

، وبالرغم من كده ظنيت فيكي، أنا آسفة يا ضحى." هزت ضحى رأسها بتهكم وهي تهتف إليها بعتاب قائلة: "أنتِ أختي يا بنتي، وبعدين أنتِ كان قصدك تنصحيني وأنا مش زعلانة منك، بس أنا عايزاكي تبصي عليها عشان لو كده تجيبي نقاب زي ده." رفعت صبا نظرها إلى البنت التي تتحدث عنها كي تجبر خاطرها ثم هتفت إليها قائلة بتساؤل: "قصدك البنت اللي لابسة جيب بينك دي؟ أومأت إليها ضحى بإيجاب فابتسمت صبا وهي تجيبها قائلة:

"بصي يا ضحى، أنا مش بحب النوع ده من النقاب، لأن المفروض أنا بلبس النقاب عشان أستر نفسي وأحافظ على نفسي من أعين الشباب وأساعدهم على غض بصرهم، بكون سعيدة وأنا ماشية بالنقاب عشان حاسة إني ما حدش بيبص عليا، وحتى لو حد بص عليا مش هيشوف مني حاجة تفتنه عشان يوم القيامة ما فيش واحد يكون عايز يقتص مني ويقول دي لبسها السبب في إني أبص عليها هي السبب في فتنتي، فالنوع ده من النقاب بيلفت النظر جدًا، حواجبها باينة يبقى خبت إيه؟

وكمان الألوان الفاتحة المفروض البنت ما تلبسهاش عشان ما تلفتش نظر الشباب، والدليل إن النوع ده من النقاب بيلفت النظر إنك أول ما شوفتيها لفتت نظرك وأنتِ بنت زيها، أومال بقى الشباب هيعملوا إيه؟ المفروض الفتاة المسلمة حاجة غالية تكون ملكها، ما حدش يكون ليه حق يشوف منها حاجة إلا زوجها ومحارمها بس، مش بقول تلبس لبس شكله وحش، بالعكس الإسلام دين النظافة ودين رقي بس ما يكونش ملفت للنظر." هزت ضحى رأسها بإيجاب عدة مرات وهي

تهتف إليها بتساؤل قائلة: "عندك حق يا صبا، بس هو إيه حكم النقاب؟ أنا نفسي ألبسه أوي." أجابتها صبا بمرح: "طب ندخل محاضرتنا، وأما نخرج منها نتكلم براحتنا عشان اتأخرنا." أومأت إليها ضحى بإيجاب ثم دلفت برفقتها إلى الداخل وبقيت معها ساعات كثيرة تتنقلان بين المحاضرة والأخرى حتى انتهين أخيرًا من جميع المحاضرات المقررة عليهن في الثانية مساءً، فوقفت ضحى أمام المدرج الخاص بالفرقة الثالثة وهي تهتف إليها قائلة:

"يا صبا تعالي نروح نصلي الظهر، أنا بحس إن حرام علينا نتأخر كده، ده فاضل ساعة بس على العصر." أجابتها صبا بهدوء وهي تضع القلم الخاص بها في حقيبتها السوداء وهي تهم بالانصراف قائلة: "ما تخافيش يا ضحى، ربنا سبحانه وتعالى قال: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا)

، يعني الصلاة ليها وقت محدد بنأديها فيه، ووقت صلاة الظهر من أذان الظهر حتى أذان العصر، ربنا أجاز لينا إن إحنا نصلي في أي وقت في الفترة دي بس بشرط يكون في ضرورة، أما لو مش في ضرورة فلازم نسرع في أداء الصلاة." عقدت حاجبيها باندهاش وهي تهتف إليها بتساؤل: "طب هو المحاضرة دي ضرورة؟ أومأت إليها بإيجاب قائلة:

"آه طبعًا، مش المحاضرة دي طلب علم، وطلب العلم ده عبادة وفريضة على كل مسلم ومسلمة، والعلم ده ليه مكانة كبيرة جدًا، ربنا سبحانه وتعالى ده ربنا قال: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) ، والآية دي بتدل على فضل العلم وشرف العلم والعلماء، ده كفاية إن العلماء اسمهم مقرون مع الملائكة ومع ربنا، وكمان ربنا قال لنبيه: (وقل رب زدني علمًا)

، ده في الآية دي ربنا بيحث الرسول صلى الله عليه وسلم على طلب العلم، وكمان في أحاديث كتير للرسول بتدل على أهمية العلم والعلماء زي قوله صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء) ، وأحاديث كثيرة، فده كله بيدل على إن العلم ضرورة، وطبعًا أنتِ عارفة إن وقت المحاضرة ده بيكون نظام الجامعة إحنا مش هنعرف نغيره." أجابتها ضحى بسعادة وهي تطالعها بفخر: "عندك حق يا صبا، أنا كل ما بكون معاكي بتعلم منك حاجات كتير، أنا بحبك أوي."

ابتسمت صبا وهي تهتف إليها بمرح: "بس بقى بتكسف." ابتسمت إليها ضحى ثم جذبت يدها ودخلت بها إلى المسجد للوضوء وإقامة الصلاة ثم توجهن إلى المول لشراء ما تحتاج كل منهما. *************** على الجانب الآخر في الشركة.

جمع مصعب أوراقه ومستنداته الخاصة بعدما انتهى من عمله ثم استقل سيارته واتجه إلى المنزل بعقل شارد كعادته في هذه الأيام. كان يقود سيارته بمعالم وجهه المتغيرة، فتارة ينظر أمامه بحزن وتارة أخرى يهز رأسه بلامبالاة وكأن لم يعنيه شيء، وتارة يضغط على مشغل الموسيقى ويستمع إلى أصوات الأغاني دون اكتراث بحكمها وتارة يغلقها ويتابع قيادته بصمت. استمر على حاله المتبدل هذا لدقائق طويلة حتى وصل أخيرًا إلى الفيلا ودلف إلى الداخل فوجد أبيه وعمته يجلسون في الحديقة فاتجه إليهم وألقى عليهم السلام وتناول مع والده العديد من المواضيع حتى هتفت

عمته وهي تطالعه بحنان: "تحب أقول لهم يحضروا لك الغدا؟ هتف إليها بتساؤل قبل أن يجيبها: "أنتو اتغديتوا؟ أجابه والده هذه المرة وهو يهتف بهدوء: "ما أنت عارف إننا بنستنى ضحى وصبا." رفع مصعب أحد حاجبيه وهو يسأله باستنكار: "هما لسه ما جوش؟ ردت عليه ضحى بمرح وهي تأتي من الخلف: "جينا أهو، أهم حاجة أنت ما تعصبش نفسك." ابتسم الجميع على مزحتها مع شقيقها بينما هتفت صبا وهي تطالع خالها ووالدتها: "السلام عليكم."

أجابها الجميع بهدوء فوجهت نظراتها إلى عثمان وهي تهتف إليه بتساؤل: "حضرتك يا خالو كنت عايزني صح؟ تنهد بعمق ثم هتف إليها وهو يطالع مصعب: "طب تعالي نتغدى الأول وبعد كده تغيري هدومك ونتكلم." أومأت إليه بإيجاب ثم اتجهت مع الجميع إلى الداخل وتناولوا طعامهم بهدوء، وبعد الانتهاء توجه عثمان إلى مكتبه وهو ينظر إلى صبا قائلًا: "أما تخلصي حصليني على مكتبي يا صبا."

نهضت خلفه بعدما استمعت إلى كلمته، فعلى أي حال هي لا تستطيع تكملة طعامها بعد هذا الجو الملئ بالتوتر الداخلي الذي كان مهيمنًا على معظم الجالسين، وسرعان ما جلست على المقعد المجاور لخالها وهي تطالعه بترقب، فهتف إليها قائلًا: "طبعًا أنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه؟ أومأت إليه بتوجس بانتظار ما سيقوله بعد كلمته المريبة تلك، فهتف إليها بتساؤل: "يعني بتثقي فيا؟

أومأت إليه بتأكيد فتنهد بقوة ثم بدأ في قص جميع ما حدث حتى انتهى من سرد موقف مصعب من زواجه بها، فشعرت بالصدمة تحتل أوصالها وأصوات أنفاسها المضطربة بدأت في العلو شيئًا فشيء وهي تشعر بالقهر، الحزن، جميع مشاعر الغم تسيطر عليها من فكرة أن جدها الذي من المفترض أن يكون حمايتها وأمانها هو من يحاول دائمًا جلب الضيق والقهر إليها. انتبهت إلى خالها الذي كان ينظر إليها بترقب فهتفت إليه بنبرة أوشكت على البكاء:

"يعني عشان تنقذوني من جواز بالغصب أتجوز برضه بالغصب؟ زفر عثمان بضيق ثم اقترب منها وهو يربت على ظهرها بحنان قائلًا: "يا حبيبتي ده مش غصب، والله ما عايز أغصبك على حاجة، بس عشان نقدر نحميكي، وبعدين أنا متأكد إن مصعب عمره ما هيأذيكي، هو مش وحش يا صبا." هزت رأسها بالنفي وهي تمحو دمعاتها التي انفلتت من زيتونيتها قائلة:

"والله يا خالو ما قصدي حاجة، بس هو مش زي ما أنا عايزة، أنا عايزة واحد ملتزم، وبعدين أبيه مصعب أنا بحترمه جدًا، بس أنا شايفاه أبيه بس." أجابها عثمان بهدوء محاولًا إقناعها: "أنتِ تقدري تخليه ملتزم، ودي حاجة أنا متأكد منها، وبالنسبة لموضوع أبيه ده مع الوقت والوضع الجديد هتقدري تتقبلي فكرة أنه بقى زوجك خلاص، فكري يا حبيبتي عشان خاطر أمك دي من ساعة ما عرفت وهي منهارة، أما صدقت لقينا حل." أومأت إليه بإيجاب وهي تنهض

من مقعدها بهدوء قائلة: "حاضر يا خالو، هفكر وأصلي استخارة." هز رأسه بإيجاب وهو يهتف إليها بنصح: "بس ما تتأخريش عليا عشان لازم كتب الكتاب يتم قبل ما الأسبوع يخلص، لأن جدك هييجي آخر الأسبوع."

أومأت إليه بإيجاب دون أن تضيف شيئًا ثم خرجت من الغرفة وهي تمحو دموعها التي بدأت في الازدياد دون إرادة منها. كان مصعب ما زال جالسًا على مقعده على طاولة الطعام فرآها أثناء خروجها فهز رأسه بأسف حزنًا على حالها وحاله شاعرًا بالعجز لعدم قدرته على فعل شيء يريحهم جميعًا.

صعدت صبا إلى غرفتها وهي لا تفعل شيئًا ثم محت أي دمعة تنفلت من عينيها تحاول ألا تبكي كي تستطيع التفكير جيدًا. دلفت إلى المرحاض الملحق بغرفتها ثم توضأت وفرشت سجادة صلاتها وظلت تناجي ربها وتدعوه كي يخفف عنها. ظلت في غرفتها لساعات عديدة حتى أنها لم تنزل إلى الأسفل لأي مناسبة، فهتف عثمان موجهًا حديثه إلى صفية قائلًا: "هي صبا مش هتيجي تتعشى؟ هزت رأسها بنفي وهي تجيبه بأسف:

"لا، قالت مش جعانة. الموضوع صعب عليها. صعبانة عليا أوي عشان كدا خليتك أنت تكلمها." كانت ضحى تستمع إلى حديثهم بصمت، وسرعان ما هتفت إليهم بقلق بعدما علمت من حديثهم أن شيئًا ما ألم برفيقة عمرها: "هو في إيه يا بابا وصبا مالها؟

قص عليها كل شيء وهو يطالعها بأسف، فانهمرت دموعها بارتياع بعدما شعرت بمقدار الخطر المهددة به رفيقتها، فصعدت إليها كي تواسيها وتخفف عنها، بينما كان مصعب جالسًا يستمع إلى حديثهم فقط دون النطق بكلمة واحدة، وكأنه لا يفقه شيئًا مما يقولون. طرقت ضحى الباب على صبا، وسرعان ما دلفت إلى الداخل دون انتظار إجابة منها، فوجدتها ممسكة بالمصحف وتبكي بشدة وهي تتلو القرآن بصوت عذب.

توقفت صبا عن القراءة بعدما شعرت بها، وسرعان ما هرولت ضحى تجاهها وظلت تبكي بشدة دون أن تنبس إحداهما بشيء. وبعد فترة من البكاء والأنين، ابتعدت ضحى عنها وهي تهتف بقلق: "هتعملي إيه؟ أجابتها صبا وهي تنظر إلى مصحفها بهدوء، وكأنها تستنبط منه الراحة والسكينة: "هصلي استخارة قبل ما أنام، وربنا ييسر الأمور."

أومأت إليها ضحى ثم بدأت في تناول المواضع المختلفة معها في محاولة منها لإشغالها عما يحدث معها. وبعد فترة مليئة بالكلمات الطيبة، نهضت ضحى من جوارها بعدما شعرت بتحسن حالتها نوعًا ما وهي تهتف بمرح وترقب في نفس الوقت: "أنا همشي بقى يا عروسة أخويا." سحبت نفسًا عميقًا وهي تطالعها بشرود، وسرعان ما عاودت زفره وهي تجيبها بمرح مصطنع: "أنتِ في إيه وأنا في إيه؟ ابتسمت ضحى على كلمتها، وسرعان ما تبدلت معالم وجهها

إلى الجدية وهي تهتف بهدوء: "على فكرة يا صبا، أبيه مصعب طيب جدًا والله، أنتِ عشان مش بتتكلمي معاه مش عارفاه بس هو حنين جدًا." أومأت إليها صبا بإيجاب دون أن تضيف شيئًا، فابتسمت ضحى بهدوء ثم اتجهت إلى الخارج تاركة إياها تفكر فيما أحل بها بذهن صافٍ.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...