تحميل رواية «قدري الاجمل» PDF
بقلم ندا الهلالي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
«اتجوزت صاحبة خطيبتك يا مالك!» نطقت بها تلك التي اقتحمت الغرفة بغضبٍ شديد، وهي تصرخ بكلماتها، وقد احمرّ وجهها: — لا… لا، إنت اتجننت رسمي! إزاي قدرت تعمل كده؟ مش مصدقة إن اللي قدامي ده أخويا، اللي كنت بحلف بحبه من صغري! في المقابل، كان مالك جالسًا ممسكًا بفرشاته، لا يزال تركيزه منصبًا على اللوحة أمامه، غير عابئٍ بأخته أو بغضبها. اقتربت منه بانفعال، وانتزعت الفرشاة من يده: — أنا مش بكلمك ولا إيه؟! رفع عينيه إليها بملل، ثم نهض واقفًا بلا مبالاة: — عاوزاني أقولك إيه يعني يا مريم؟ أيوه، اتجوزت مها إم...
رواية قدري الاجمل الفصل الأول 1 - بقلم ندا الهلالي
«اتجوزت صاحبة خطيبتك يا مالك!»
نطقت بها تلك التي اقتحمت الغرفة بغضبٍ شديد، وهي تصرخ بكلماتها، وقد احمرّ وجهها:
— لا… لا، إنت اتجننت رسمي! إزاي قدرت تعمل كده؟ مش مصدقة إن اللي قدامي ده أخويا، اللي كنت بحلف بحبه من صغري!
في المقابل، كان مالك جالسًا ممسكًا بفرشاته، لا يزال تركيزه منصبًا على اللوحة أمامه، غير عابئٍ بأخته أو بغضبها.
اقتربت منه بانفعال، وانتزعت الفرشاة من يده:
— أنا مش بكلمك ولا إيه؟!
رفع عينيه إليها بملل، ثم نهض واقفًا بلا مبالاة:
— عاوزاني أقولك إيه يعني يا مريم؟ أيوه، اتجوزت مها إمبارح.
سألته بترقب:
— ومكّة؟!
وجّه نظره نحو الشرفة، ورفع كتفيه بلا اكتراث:
— خطيبتي برضه.
رفع إصبع السبابة أمامها بجدية:
— ومستحيل أسيبها.
قهقهت وهي تضرب كفًّا بكف:
— ده لو ما رمَتش الدبلة في وشك بعد اللي عملته!
ابتلعت باقي كلماتها حين رفع إصبعه مرة أخرى، وقال بصرامة:
— مكّة مش هتعرف يا مريم… فاهمة؟
في إحدى الغرف، كانت القهقهات العالية تملأ المكان، تصدح في أرجائه.
جلست مكّة على الأرض، مربعة القدمين، ترتدي بيجامة بلون السماء، تمسك بيدها كوب قهوة، بينما كانت مها مستلقية ورأسها على قدمها، تمسك بالهاتف.
كانتا تشاهدان معًا مسرحية «العيال كبرت»، ومع مشهد سعيد صالح، صرختا معًا:
— آه… قلبي!
وقلّدتا حركته وهو يدّعي الشلل، لينفجرا معًا في ضحكٍ عالٍ.
فجأة، دلفت والدتهما وهي ترفع نعلها في الهواء:
— إيه الدوشة دي؟!
قفزت مها سريعًا لتختبئ خلف مكّة، متشبثة بظهرها، متصنعة الرعب، بينما ضحكت مكّة وقالت وهي تضم أصابعها:
— اهدي يا حاجة، يخربيت اللي مزعلك!
نطقت الأم بغضب:
— إنتوا لو ما وطّيتوش صوتكم، هنزل بالشبشب على خلقتكم!
ثم ارتدته بعصبية، وهي تتمتم:
— اللي يسمع صوتكم ما يقولش إني تعبت في تربيتكم!
دفعت مها مكّة للأمام وهي تضحك:
— وسّعي كده… إنتِ جبانة!
أشارت مكّة إلى نفسها بصدمة:
— أنا؟!
لكن حديثهن قُطع برنين هاتف مكّة، فهرولت نحوه سريعًا.
لم تُبالغ في اندفاعها، فهو حبيب فؤادها ورفيق دربها.
— مالك.
جاءها صوته مفعمًا بالحب:
— وتينة.
جلست على فراشها، وارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة، بينما غمزت لها مها وهمست:
— أيوه يا عم…
خرجت مها وأغلقت الباب خلفها، ثم استندت عليه، وضعت يدها على قلبها بألمٍ صامت.
— ساكتة ليه؟
— مش ساكتة… بس مستنياك تقولي كنت مشغول في إيه وسايبني؟
— ما أقدرش أنشغل عنك، وإنتِ عارفة كده كويس.
— يا سلام! إمبارح الساعة تسعة كنت فين؟ والنهارده من ستة لتمانية كنت فين؟
ضحك عاليًا:
— حيلك حيلك… اديني فرصة أدافع عن نفسي. بس ممكن أقدم الأدلة الأول؟
رفعت حاجبها:
— أدلة إيه؟
— ينفع أتعب مولاتي وتبصي من الشباك ثانية؟
وما إن تحركت نحو الشرفة حتى وصلها صراخه:
— تبقي تطلعي من غير النقاب، خليني أحدفك من فوق!
ابتسمت، وارتدت نقابها، وكانت في هدوئها شبيهة بالقمر.
نظرت من شرفتها في الدور الثاني من بيتٍ بسيط مكوّن من أربعة طوابق.
كان يقف بشموخه المعتاد، يضع يدًا في جيب بنطاله، والأخرى تمسك بالهاتف، مرتديًا قميصًا بيج وبنطالًا أبيض.
كانت عيناه مسلطتين عليها، تلمعان بشدة.
ما إن رأته حتى سرت قشعريرة في قلبها، وابتسمت لا إراديًا:
— إيه اللي موقفك كده يا بشمهندس؟
— قدري.
— فين الأدلة؟
رفع هاتفه، وبعد ثوانٍ وصلها إشعار…صورتها هي، والقمر فوقها.
— هناك لقمري شبيه في السماء.
خفق قلبها، لكنها فاقت على اللوحة المغلفة التي رفعها وهو يغمز:
— الأدلة يا مولاتي.
— افتحي الباب.
هرولت وهي تنادي:
— ماما… مالك طالع!
وكان كل ذلك تحت أنظار مها، التي تراقب بصمتٍ، وعيناها تحكيان الكثير.
وكان كل ذلك يحدث تحت أنظار مها، التي تراقب المشهد بهدوءٍ شديد، عينان جامدتان، لكن خلف ثباتهما حكايات لا تُقال، ووجع يتوارى خلف ابتسامة مصطنعة.
وبالفعل، دلف مالك إلى الداخل بعد أن ألقى التحية، واتجه إلى غرفة الصالون حيث جلست مكّة وباقي أفراد الأسرة.
لم تخلُ الجلسة من ضحكات مكّة ومزاحها المعتاد، ولا من تغزّل مالك الواضح بها، الأمر الذي زاد دهشة الجميع، خاصة حين أخرج اللوحة التي رسمها لها، لتتسع عيناها إعجابًا وفرحًا.
وفي خضم الأجواء الدافئة، قاطعتهم مها، إذ نهضت فجأة دون سابق إنذار:
— أنا اتأخرت ولازم أمشي.
قالت مكّة بسرعة:
— تمشي فين دلوقتي؟ الوقت اتأخر.
كان مالك يراقب الموقف بصمتٍ تام، ملامحه هادئة على غير المتوقع.
— معلش، عشان ما أتأخرش على جدو أكتر من كده… وبعدين لسه الوقت بدري، الساعة عشرة بس.
تشبثت مكّة بيدها، رافضة:
— مستحيل أسيبك تمشي لوحدك، أخاف عليكِ تتعاكسي… وإنتِ قمر كده.
غمزتها بمشاكسة، فابتسمت مها ابتسامة متكلفة، لم تصل إلى عينيها.
وقبل أن يطول النقاش، دلف محمود إلى المنزل، وقد وصل لتوه من الخارج:
— مالك عندنا؟
ثم أضاف ضاحكًا:
— وأنا أقول الشارع منوّر ليه!
رد مالك بابتسامة مماثلة:
— منوّر بيك يا دكتور.
لاحظ محمود يد شقيقته المتشبثة بيد مها، فرفع حاجبه مستفسرًا:
— في إيه؟
أجابت مكّة سريعًا:
— تخيّل يا محمود، مها عايزة تروح لوحدها.
وبحركة حاسمة لفتت انتباه الجميع، قال محمود:
— لا طبعًا، ما ينفعش… أنا هوصلِك.
حمحمت مكّة، التي تفهم أخاها جيدًا، فعدل حديثه سريعًا:
— أقصد… أنا ومكّة هنوصّلك.
ضحكت مكّة وهي تنظر إلى مالك، تبحث عن رأيه، فغمز لها بهدوء، علامة الموافقة.
— فوريرة، ألبس وأجي.
بعد مرور ربع ساعة…
كان الأربعة يقفون أمام رجلٍ مسن يبيع حمص الشام.
تولى مالك الشراء، فهو يعلم جيدًا كم تحبه مكّة.
أما مها، فكانت تراقب المشهد بصمت، لا تعليق ولا رد فعل، الأمر الذي لفت انتباه مكّة:
— مالك يا مها؟ ساكتة ليه؟ في حاجة مضايقاك؟
هزت مها رأسها نفيًا:
— لا أبدًا… بس كنت بفكر، كان هيحصل إيه لو وصلتوني الأول، وبعدها تكملوا إنتوا وتمشوا؟
قالت مكّة بتمثيل الصدمة:
— من غيرك؟ مستحيل!
علّق محمود ضاحكًا:
— يزيدي يزيدي، حد يحبني ربع الحب ده يا رب.
اقترب مالك، ومد يده إلى مكّة وهو يقول بمشاكسة:
— من غير شطة.
ابتسمت بخجل، وخفضت رأسها، بينما مد محمود الكوب لمها، التي كانت شاردة في تصرفات مالك دون أن تشعر.
سارت مكّة ومها بخطواتٍ متقدمة، وخلفهما بقليل كان يسير محمود ومالك، يتحدثان عن مشروعٍ قررا الشراكة فيه.
لكن لكلٍ عينٌ تعرف طريقها، حتى وإن تظاهرت بالعكس.
قطع محمود الصمت:
— بقولك يا مالك… في موضوع كده عايز آخد رأيك فيه.
— طبعًا.
تردد قليلًا، ثم قال بإرادةٍ واضحة:
— أنا عايز أروح أطلب إيد مها.
فاق مالك من شروده، ونظر إليه بصدمة، كاد أن يتحدث، لكنه تجمّد فجأة.
في لحظة خاطفة، ظهرت سيارة مسرعة، وكأن سائقها لا يقود بل يحلّق.
كانت مها على وشك التقدم خطوة، لكن مكّة دفعتها بعيدًا دون تفكير، لتأخذ هي الصدمة كاملة.
سقط جسدها على الأرض…
وساد الصمت.
رواية قدري الاجمل الفصل الثاني 2 - بقلم ندا الهلالي
لا يستوعب مالك شيئًا سوى صوت محمود، الذي هزّ الشارع:
— مممممممممممممممممممم… مَكّه!
هرول نحوها، يمسك يديها ويهزّ جسدها، وهو يصرخ بقلبٍ يخفق بضرباتٍ متسارعة ومتتالية بشدة:
— لأ يا قلب أخوكي، فوقي… ما تقفّليش عينك يا مَكّه!
يحاول فتح جفونها بيدٍ مرتعشة…
في حين كان مالك، كالطفل الصغير، تهبط دموعه دون وعي، لا يستوعب أيّ شيء.
هل سيأخذها القدر منه بكل تلك البساطة؟
وصوتٌ بداخله يكرر كلمة واحدة:
— كابوس… ده أكيد كابوس، وأنا هصحى دلوقتي.
جثا على ركبتيه، يرفض تصديق أنها هي من تسيح في دمائها أمامه…
في حين كانت مها تتشبث بكفّي يديها، وتهزّ رأسها بلا كلام، كالمجنونة.
تعالت الأصوات من حولهم:
— لا حول ولا قوة إلا بالله!
— حد يكلّم الإسعاف يا جدعان!
— البنت بتموت… حد يتصرف!
— قولي الشهادة يا بنتي لو سمعاني!
دون سابق إنذار، هبط شاب من إحدى السيارات، وهرول نحوها.
أبعد الناس من حولها سريعًا، وهو يصرخ بغضب:
— وسّعوا… ارجعوا ورااااا!
جثا على ركبته بجوارها، وناداها بصوتٍ عالٍ:
— إنتِ سامعاني؟
لا استجابة.
تفحّصها بترقّب…
لا قيء، ولا دم يسد فمها.
حبس أنفاسه، ثم قال بهدوءٍ حازم يناقض الفوضى من حوله:
— ما تتحركوهاش…
مدّ يديه بثبات، لم يُمل رأسها، بل دسّ أصابعه أسفل فكّها السفلي ودفعه للأمام بحذرٍ شديد، كأنما يفتح باب الحياة دون أن يكسر عنقها.
اقترب بوجهه، عيناه على صدرها… وأذناه تترقّبان…
ثانيتان ثقيلتان مرّتا كالعمر كله.
— في نفس…
خرجت الكلمة هامسة، لكنها أشعلت الأمل.
ضغط بيده على كتفها بخفة، وناداها مرة أخرى:
— إنتِ سامعاني؟ افتحي عينك… لو سمعاني.
في تلك اللحظة لمح الدم يسيل من ذراعها، خلع جاكيته دون تردد، لفّه بإحكام حول الجرح، وضغط بقوة.
— حد يكلّم الإسعاف حالًا!
— قولهم في مصابة فاقدة الوعي… نزيف… المكان كذا.
كان مالك يراقبه بعينين زائغتين، طفلًا يتعلّق بأي خيط نجاة، فيما ظل الشاب ثابتًا، يراقب أنفاسها، يضغط على الجرح، ويمنع الجميع من لمسها.
وسط الصراخ، وسط الدعاء، وسط الخوف… كانت هناك يدٌ واحدة تمسك بالحياة، ولا تنوي تركها.
بعد مرور خمس ساعات…
لم تمرّ بهوانٍ على قلب أحدهم.
كان الجميع في ارتباكٍ شديد… وفي أحد الأركان، جلست تلك التي لم تُنظَّف يداها من دمها بعد، تحدّق في الفراغ، والدموع تهبط منها كالمطر… لتجتاحها ذكرى… فلاش باك…
كانتا تتشبثان بأيدي بعضهما، ومها طريحة الفراش، تعاني من كوڤيد-19 (كورونا)، جسدها مرتفع الحرارة.
أما مَكّه، فكانت تتمسك بيديها، ترفض تركها.
قالت مها بألم:
— اطلعي برّه يا مَكّه، أرجوكي… مش عاوزاكي تتعدي.
مسحت مَكّه دموعها وابتسمت بصعوبة:
— لا يصيبنا إلا ما كتب الله لنا… اسكتي إنتِ، قال يعني النحل يدي غير العسل يا عسل!
وغمزت لها بمشاكسة.
قالت مها بألمٍ شديد:
— مَكّه…
نظرت إليها مَكّه مبتسمة بألم:
— عاوزاكي تعرفي، لو موت… إنتِ الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها في حياتي.
صرخت مَكّه وهي تهزّ رأسها:
— بس يا غبية! مستحيل أسيبك تموتي، عارفة ليه؟
عقدت مها حاجبيها بتساؤل…
نطقت مَكّه بمرح، وهي تمدّ كفّ يدها:
— عشان عليكي عششه جنيه لسه ما سدّدتيهاش!
انفجرتان معًا بالضحك… احتضنتها مَكّه بتشبث، كأنها تخشى أن تهرب منها، وبادلتها مها العناق، وفي داخلها دعاء واحد:
— ربي بارك لي فيها، ولا تجعل ما مسّني يمسّها.
باك… فاقت من شرودها، وانفجرت بالبكاء برعشةٍ شديدة… وحين وقفت، داهمها دوار حاد، كادت تسقط أرضًا باستسلام… لكن يدًا قوية التفت حول خصرها، وضمّها سريعًا إلى صدره، وحملها مهرولًا بها إلى غرفة الكشف… لم يكن سوى العاشق… محمود.
الذي لا يعلم من أين يبدأ خوفه: أمن قلقه على أخته؟ أم من ترقّبه لتلك التي بين يديه؟
وفي مسجد المستشفى، كان مالك ساجدًا، أنفاسه مكتومة من كثرة البكاء:
— يا رب لا تعاقبني فيها… يا رب لا تختبرني فيها… أنت تعلم وأنا لا أعلم…
لا يعلم منذ متى وهو على تلك الحال.
اعتدل جالسًا، وثنى قدميه تحته، وأخفى وجهه بين كفّيه… لتجتاحه ذكرى سريعه… فلاش باك…
— بتحبني من إمتى؟
— من يوم ما اتولدتي.
— بتتكلم بجد؟
— والله يا مَكّه، من يوم ما إيدي شالتك، وإنتِ أحب خلق الله لقلبي.
— مممم… وإيه اللي يخلّيني أصدقك؟
— قولي، عايزة تصدقي إزاي وأنا أعمل كده؟
ضحكت بقهقهة وهي تفكر:
— أممممممم… تروح تقف في نص الشارع عندنا وتصرخ بأعلى صوتك إنك بتحبني وعاوز تتجوزني… واتفرج على مالك الهلالي وهو عاشق ولهان.
رفع يده وقال بكل هدوء وثبات وبرود:
— بس كده يعني.
ضحكت وهي تضرب كفًّا على كف:
— لا خلاص، لحسن تقول إن نزلت مكانه البشمهندس مالك بيه في الأرض وخليته شبّ مراهق.
كادت تتحرك، وقالت بمزاح:
— يا بني، أنت اللي مصبر بابا عليك، إنك ابن أعز أصحابه.
قال بجدية:
— مش حق الجيرة سابقًا يعني.
وقفت تفكر:
— أممم… مثلاً قبل ما تتكرر، تبقى غني وتنقولوا التجمع وتسيبونا في حلوان وحدنا.
كادت تترك ساحة الجامعة متجهة نحو الخارج، فقال مالك بجدية:
— أنا عملت كل ده علشانك، علشان يليق بيكي وبمكانتك.
نظرت إليه وابتسمت بإتساع، وهرولت للخارج… لتتفاجأ به مساء نفس الليلة، واقفًا في منتصف الشارع أسفل شرفتها، يمسك ميكروفون ويصرخ بأعلى ما لديه:
— بحبك يا بنت الرحيم وعاوز أتجوزك!
صرخت بدهشة، وفي نفس اللحظة صرخ والدها:
— لو نزلتلك يا ابن الهلالي، مش هخليك تعرف وشك من رجلك!
لكن مالك أكمل بثبات وثقة:
— مش مهم، المهم أن بحب بنتك وعاوز أتجوزها.
وبالفعل، لم ينتهِ اليوم إلا وقد قرأ مالك الفتحة على مَكّه في مشهد يخرج الكثير من القلوب والفراشات…
باك… فاق على صوت رنين هاتفه… وضعه علي أذنه بكل هدوء
— فين بنتي يا مالك؟
— عاملين إيه مع بعض؟
قال ببرود:
— بنتك كويسة… عايشة للأسف.
— لو لمست بنتي مش هرحمك! أنت عارف أنا أقدر أعمل ايه كويس.
أغلق الخط في وجهه.
مسح وجهه بكف يديه متجهاً نحوها، فهو لا يرغب الا في سلامتها الآن منفضا كل تلك الحمول من علي كتفه.
توجه مسرعًا نحو غرفتها…
وفي اللحظة نفسها خرج الطبيب، وقف محمود بترقّب، نظر مالك إليه برجاء… ثم خرجت الطبيبة من الغرفة المجاورة.
نطقا معًا:
— للأسف…
— مبروك، المدام حامل.
رواية قدري الاجمل الفصل الثالث 3 - بقلم ندا الهلالي
هل قال: حامل؟
هل هذا كابوس أم واقع؟
وكيف عليه أن يستيقظ من هذا الكابوس، بعد كل هذا الحب الذي كان يحمله لها في قلبه؟
نظر محمود إلى مالك، الذي لم يكن يهتم سوى لكلمات الطبيب، التي خرجت بأسفٍ شديد.
قال الطبيب بصوتٍ منخفض، حاسم لا يحتمل الجدل:
— فقدان الذاكرة ده نتيجة مباشرة للحادثة. المخ اتعرّض لصدمة عنيفة، ومعاها قرر يحجب جزء من الذكريات كوسيلة حماية… مش كعُطل.
دي حالة اسمها إصابة دماغية رضّية (Traumatic Brain Injury – TBI).
ابتلع محمود ريقه، بينما تابع الطبيب:
— أي محاولة إنكم تفكّروها بالماضي هتكون أذى ليها، مش مساعدة. الضغط ممكن يسبب انتكاسة عصبية أو يدفن اللي باقي من الذاكرة أكتر.
الذكريات لو ليها طريق ترجع… هترجع لوحدها، وعلى مهل.
ساد الصمت.
أنزل مالك عينيه، وكأن الكلمات سحبت منه آخر خيط أمل كان متشبثًا به.
لم يكن النسيان هو الخطر الحقيقي…
الخطر كان في محاولة إجبارها على التذكّر.
أما محمود، فلم يكن يفقه أي شيء، سوى صدمةٍ تلي الأخرى.
قال محمود بجمود:
— إيه الفترة اللي أختي نسيتها يا دكتور؟
— إجابة السؤال ده هنعرفها لما الآنسة مَكّه تفوق.
قال مالك بلهفة:
— أقدر أدخل يا دكتور؟
— أكيد طبعًا، حالتها مستقرة دلوقتي، بس ياريت ما ننساش اللي اتقال.
تركهم الطبيب في حيرتهم، وخرج.
لم تكد تمر لحظات حتى خرجت مهرولة، واتجهت إلى محمود تسأله بلهفة، ولسانها ينطق وقلبها يخفق برعب:
— محمود… مَكّه كويسة؟!
نظر إليها محمود من أعلى لأسفل باشمئزازٍ شديد، ولم يجب.
ابتلع مالك ريقه، وهو ينظر تارةً إلى محمود، وتارةً أخرى إلى تلك التي كان جسدها يرتعش من التعب والقلق.
تركهم محمود مهرولًا إلى غرفة أخته.
ما إن دخل حتى ابتسمت مَكّه باتساع، كانت تجلس نصف جلسة بصعوبة:
— محمود…
هرول نحوها وضمّها بشدة، وكأنه يكتم بكاءه، لكنه انهار دون قصد، وبكى كالطفل الصغير بين ضلوعها.
ضمّت حاجبيها محاولة تهدئته، وربتت على ظهره:
— اهدي، أنا كويسة. الدكتور قالّي إني عملت حادثة وبقيت تمام الحمد لله… زي القِردة أهو!
لم يعلم محمود، هل يبكي من شدة سعادته بنجاة أخته، أم من ألمه بعد سماع خبر حمل مها.
وقبل أن ينطق بحرف، دلفت مها كالمجنونة.
وجهها شاحب، وعيناها غارقتان من بكاء ليلةٍ كانت ستفقد فيها روحها.
هرولت نحو مَكّه، وبكت بهستيريا وصوتٍ عالٍ:
— آه… كنت هموت يا مَكّه!
أبعدتها قليلًا، وأخذت تتحسسها بقلق:
— إنتِ كويسة؟ مفيش حاجة وجعاكي؟ صح؟
ابتسمت مَكّه بمزاح:
— يا عيني والله… قِردة.
وما إن حاولت التحرك حتى تأوهت:
— أي قِردة مكسّحة بس… قِردة برضه.
ابتسم الجميع… إلا هي.
اصطدمت عيناها بذلك الذي يقف بعيدًا عند باب الغرفة، دموعه تهبط في صمت.
أراد عناقها، عناقًا يعلم أنه إن ناله، لن يقوى على الإفلات منها أبدًا.
ارتعش جسدها، وانتفض قلبها، لكنها ابتسمت باتساع:
— مالك… أحم… البشمهندس مالك بنفسه عندي؟
ابتسم مالك، وكاد يقترب، لكنها سبقته بصوتٍ مبحوح حاولت السيطرة عليه:
— إيه ده؟ إنت خطبت؟
تجمّد.
قال دون وعي، وبصوتٍ مرتفع:
— نعم يا أختي.
نظرت مها إلى مَكّه بصدمة:
— معقول نسيتي مالك؟
قاطع محمود سريعًا، متذكرًا تحذير الطبيب:
— نبقى نشوف الموضوع ده بعدين يا مَكّه، المهم إنك كويسة.
أغمضت مَكّه عينيها، وشعرت بدوارٍ مفاجئ.
أسرع محمود ومالك حين رأيا وجهها يشحب ويميل للاصفرار.
خرج مالك كالمجنون يبحث عن الطبيب.
جاء الطبيب مهرولًا، ممسكًا معصمها:
— نبضها عالي جدًا!
وأشار للممرضة التي جاءت بجهاز قياس الضغط.
قال الطبيب بصدمة:
— ضغطها عالي جدًا! إنتوا عملتوا إيه؟
أخرجهم سريعًا، وبدأ التعامل مع الحالة.
شردت مها بعيدًا… بعيدًا جدًا.
بينما شعر مالك بالذنب ينهش صدره.
قاطع الصمت صوت هرولة وبكاء هستيري:
— بنتي فين؟ مَكّه حصلها إيه؟!
أمسك محمود معصم أمه التي أوشكت على الانهيار:
— أختك فين يا محمود؟!
صرخت مها بانهيار:
— ده كله بسببي! ياريتها كانت سابتني أموت!
ارتعش جسد مالك، وخاف أن تدفعها حالتها للكلام بلا وعي، فشدّها إليه بقوة:
— بس يا مها، اهدي!
لكن محمود قال دون وعي:
— فعلًا… ياريتها.
أبعد مالك مها بعيدًا.
جلس محمود مع والديه، وقصّ عليهما ما حدث.
انهارت الأم، وجلست تبكي بحرقة:
— يا حبيبتي يا بنتي…
قال محمود بلطف:
— هروح أجيب عصير لماما يا بابا.
في الأسفل، داخل حديقة الجنينية، جلس مالك، وجلست مها بجواره تبكي بهستيريا.
لم يتكرر في عقل مالك سوى سؤالها:
إنت خطبت؟
هل هذا جزاء ما فعلاه بها؟
أن تنساه… وتنسى اعتراف حبه الذي ظل سنوات يحملُه بين ضلوع قلبه؟
فاق على صوتها:
— هنعمل إيه؟
رفع حاجبه ببرود:
— عايزة إيه؟
— ما تتجاهلنيش… أنا مراتك ومن حقي أفهم!
وقف بغضب:
— مش ده اللي إنتِ عاوزاه؟
أشارت إلى نفسها بصدمة:
— أنا؟ هو أنا اللي عملت كده؟
قاطعها بغضبٍ أعمى:
— إنتِ اللي وافقتي تخوني صاحبة عمرك!
نظرت للأرض بألمٍ يعصر قلبها.
قال بسخرية:
— مبروك يا مدام الهلالي على الحمل… ولا هو من وقتها برضه؟
ابتلعت ريقها، وقبل أن تتكلم، سمعت صوتًا خلفها:
— مها.
وقفت كمن لُدغت بعقرب.
كانت والدة مَكّه، فتحت ذراعيها لها.
نظرت مها إلى مالك، ثم ألقت بنفسها بين ضلوعها.
— إنتِ مالكيش ذنب يا بنتي… مَكّه كانت عايشة ميتة.
هبطت دموع مها، لا تعلم:
هل تعتذر عن خيانتها؟ أم عن شرودها الذي لم يترك لها فرصة لرؤية السيارة؟
بعد مرور أسبوع…
خرجت مَكّه أخيرًا من المستشفى، متعافية جسديًا… لكن قلبها لم يشفَ.
كانت تشعر أن شيئًا كبيرًا انتُزع منها، وأن أكثر شخص أحبّته… تركها وذهب لغيرها.
ما إن دخلت غرفتها حتى دارت فيها بسعادة:
— بيتنا وحشني قوي يا ماما.
قال أخوها بغمزة:
— نوّرتي بيتك يا ست الكل.
قال والدها مبتسمًا:
— البيت كان مضلم من غيرك.
دلفت مها، وتعانقتا:
— وحشتيني يا بت!
ساد الصمت عند صوت مالك من باب الغرفة:
— حمد الله على السلامة يا وتيني.
ابتسمت مَكّه ابتسامة متكلفة، وضمت كتف مها:
— أكيد تقصد مها يا باشا… إحنا أخوات بس ركّز بعد كده.
تجمّد الجميع.
ثم جاء صوت من الخلف:
— مَكّه نسيتي فرح مها؟ اللي كنتِ بترقصي فيه زي المجنونة؟
التفتت الأنظار بصدمة…
رواية قدري الاجمل الفصل الرابع 4 - بقلم ندا الهلالي
{هل أدركت أنها أحبت شخصًا تزوج من صديقتها عمرها!}
نظر الكل إليه، ليتفاجأوا بمحمود الذي اقترب، قبل كف يد أخته بكل حب ورومانسية واحتضان:
— يلا بقى يا مكتي، خدي شور علشان نتغدى، وهحكيلك أنا اللي حصل في فرح مها.
ابتلعت مها ريقها برعب، فيما مالك ظل يهز رأسه بجنون ورعب. وما أن تحركت مكه بوجه متعب نحو المرحاض، ملبية كلام أخوها، حتى سرعان ما سقط كفها بدون سابق إنذار، ويدها ترتعش وقلبها ينتفض:
— بقى هي دي اللي رمت نفسها قدام العربية علشانك يا بنت نجلاء.
فتحت مها عينيها بصدمة:
— ما... م...
رفعت فاطمة والدة مكه أصبع السبابة لتحذيرها:
— الكلمة دي ما تخرجش من لسانك تاني، انت فاهمة.
قالت:
— ربنا أراد يفضحكم قدامي... يعلم ربنا، ماكنتش أقصد أتصنت عليكم، كنت بدور عليكي آخدك في حضني، افتكرتك خايفة عليها، واتاري القدر أخذ برجلي علشان أشوفك وانت فيها.
نظرت فاطمه لمالك لتبصق على الأرض بشمئزاز:
— أخص!
ولكن سرعان ما اتصدمت من رد فعل محمود، الذي وقعت رقبة مالك بين يديه ليصرخ بغضب أعمى:
— وحياة أمي، لولا خوفي على أختي كنت قتلتك بأيدي!
وقعت مها على الأرض تبكي هستيريا:
— أرجوكم، ماتظلمونيش!
في حين والدتها قالت بغضب وهي تبعد ابنها عن ذلك الذي أصبح أكره الناس لقلبها:
— بس يا بني، سيبه، دي أشكال أقل من إنك تضيع نفسك عشانه!
هرولت مها للخارج... هاربة.
قال محمود بغضب:
— كفاية يا أمي، مكه لازم ترجع تعيش حياتها بهدوء.
نظر محمود إلى مالك بغضب:
— انت ليه لسه واقف هنا؟ روح أجرى ورا الهانم اللي جريت، يلا.
مالك لم يجبه، بينما توقف الكل على خروجها، وهي تنظر إلى وجوههم المتوترة:
— أحم... فين مها؟
أجاب محمود بسرعة وبسمة تعبانة:
— تقريبًا جدو فؤاد تعب شويه، فراحت له.
هزت مكه رأسها بهدوء لتقول لمن يقف مثبت النظر عليها:
— انت كويس يا مالك؟
ابتسم مالك بهيام وقال بهدوء:
— آه، بقيت كويس.
أخيرًا اطمأن عليها عندما دخلت غرفتها لتنام، فقد أرهقتها تلك الليالي الماضية ومن رأسها التي ترفض أن تتذكر أي شيء.
في صباح يوم جديد،
دخلت المدرج وهي بتعرج خفيف، تبحث عن كرسي فاضي. فجأة سمعت صوتًا من خلفها هاديًا ومستفزًا:
— على مهلك... رجلك لسه مش في سباق.
وقفت مكانها، أغلقت عينيها ثانية، وقالت:
— لو الصوت ده طلع وهم... يبقى المخ لسه ما خفش.
ضحك بخفة:
— لا، المخ تمام... المشكلة إنك مش سامعة الكلام.
التفتت، شهقت:
— إنت؟
— للأسف أنا.
قبل أن تستوعب، دخل دكتور المادة وقال:
— صباح الخير... معانا النهارده المعيد الجديد.
أشار عليه. نظرت له، ثم للمدرج، ثم له مرة أخرى بصوت واطئ:
— لا... لا... الجامعة دي محتاجة إسعاف.
اقترب منها خطوة وهمس:
— اطمئني، أنا مش بكشف هنا.
قالت بسرعة:
— أحمد ربنا.
ابتسم:
— بس بحضر الغياب.
اتسعت عينيها:
— كده أسوأ.
كتب اسمه على السبورة، فقرأت مها بصوت واطئ:
— يعني إنت كنت ماسك الملف الطبي، ودلوقتي ماسك الدرجات؟
ضحك:
— تطور وظيفي طبيعي.
غمغمت وهي تجلس:
— أنا لو كنت أعرف، كنت عملت الحادثة في إجازة الصيف.
سمعها، وكتم ضحكته بالعافية:
— المرة الجاية، اختاري توقيت أحسن.
جلست مكه مكانها وهي تضحك غصب عنها وهمست:
— واضح إن الترم ده جاي يضحك عليا مش يعلمني.
وفي نفس المكان، دخلت مها بوجه شاحب ومرهق. مكه كانت تنظر بغضب إليه، غير منتبهة لتلك التي جلست بجوارها. حركت مها كف يديها أمام وجهها أكثر من مرة:
— فينك يا أمي؟
انتبهت مكه لها وقالت بهمس:
— كنت فين؟ استنيتك في البيت، ماجتيش، وتليفونك مغلق.
قالت مها بصوت هادئ:
— آسفة، راحت علي نومه.
ولكن صبوا انتباههم على ذلك الذي قال بهدوء:
— مادة الجراحة، يا دكاترة، عاوزة شغل كتير.
أدرك بمسعهم صوت الفتيات من خلفهم:
— يالهوي، دكتور موز سنه خامسة بطعم المكسرات!
— لون عيونه زرقا غرقانة فيها...
— ياختااااي، ولا الذقن!
ابتسمت مكه وحركت رأسها من كلامهم ببسمة.
بعد ساعتين، خرجوا من السكشن. قالت مكه لمها سريعًا:
— أنا هموت من الجوع!
أجابت مها بسرعة:
— خليكي، أنا هجبلك.
حركت مكه رأسها بلا:
— أنا كويسة... تعالي يلا، قبل ما أغمي عليا.
كان يقف بعيدًا يجز على أسنانه:
— نسيتي النقاب كمان يا بنت الجبالي.
في مكان بعيد في الصحراء،
كان يجلس ينشر الدخان في الهواء، وعيناه حمراء، ارتسمت بداخلها الشرايين بشكل واضح. جاء صوت من جواره:
— كفاية كده يا عم محمود، زودت الجرعة النهارده.
دفعه محمود بغضب ليقول مترنحًا:
— ابعد عن وشي يا صابر!
صابر وهو يسحب الكأس من يده بغضب:
— يا بني، انت مش قد الشرب تشرب تاني، آخر مرة يا عم محمود عكتها.
رواية قدري الاجمل الفصل الخامس 5 - بقلم ندا الهلالي
دموعه سقطت بحرقة:
— أنا بحبها من وهي طفلة، كنت بقول عليها الأميرة بتاعتي… سابتني، وأنا أخترته هو لأ، وكمان حامل منه ههههههههههههه!
وقف مترنحًا ليرفع الكأس في الهواء:
— بصحة غبائي أنا وأختي ههههههههههههه… كانت مقرطسانة طول الفترة دي، قرطست عيال الجبالي.
جاء صوت من خلفه وقال بغضب:
— عم الرحيم، لو عرف حاله ابنه، هيدخل في نوبة قلبية يا محمود!
بينما محمود ليس معه، بل هناك، سكاكين قلبه تغرز فيه شعور لا يستطيع وصفه بمئات الكلمات…
{الحب لما يتحول لسخرية، يبقى الوجع أكبر من إنه يُشاف.}
كانت خارجة من الكلية مرهقة، عقلها سبقها بخطوتين، وإيدها في الشنطة تدور على السماعة.
خطوة… خطوتين… خبطت في حد.
الخَبطة خفيفة، لكن الحاجة اللي وقعت كانت كوباية قهوة.
بصّت على الأرض بصدمة:
— يا نهار…
قبل أن تكمّل، جاءها صوت مألوف جدًا:
— متقلقيش، ده كان آخر رشفه.
رفعت رأسها ببطء، ولما شاهدته، شهقت:
— لا… إنت مش حقيقي.
بص للكوباية الفاضية وقال:
— لا حقيقي… بس بدون كافيين دلوقتي.
— أنا آسفة… والله ما كنت شايفة قدامي.
بص إليها من فوق لتحت وقال بهدوء مستفز:
— ملاحظة طبية… الإرهاق بيقلل مجال الرؤية.
— وملاحظة طالبة… القهوة بتطير بسهولة.
ابتسم غصب عنه:
— واضح إننا مش محتاجين نصطدم أكتر من كده.
— اطمن، دي آخر مرة.
— سمعت الجملة دي قبل كده.
— إمتى؟
— في المستشفى… قبل ما تقعي من السرير.
اتسعت عينيها، وفلاش سريع في دماغها… المستشفى: السرير، الأرض الباردة، وهو واقف جنبها:
— قلتِ تمشي بهدوء!
هي متعلقة بالسرير، متلخبطه:
— أنا… كنت بهدوء… الأرض اللي اتحركت!
ضحكت لنفسها: «باين إن حظي مش بيخليني أمشي من غير مغامرة.»
— أوه! أيوه… أنا فعلًا عندي تاريخ أسود مع التوازن.
ضحك لأول مرة بوضوح:
— باين.
بصّت للكوباية تاني وقالت بجدية فجائية:
— طب أنا كده مدينة لك بقهوة.
— لا، كفاية إنك ما وقعتينيش المرة دي.
— يعني إحنا متعادلين؟
— مؤقتًا.
سابها ومشى، ثم وقف وقال من غير ما يبص لها:
— خدي بالك… الجامعة دي مليانة حواجز خطيرة.
ردت بسرعة:
— أهمها إنت.
ضحكت مها من الخلف:
— أحلى كوباية قهوة يا ست مكه.
ضمّت مكه حاجبها:
— انتِ بتبتسمي ليه كده؟
— دكتور المادة اللي كان بيعالجني في المستشفى.
ضربت مها بخفة على جبينها:
— يلاهوي… وأنا عمالة أقول والله السحنة دي شوفتها قبل كده.
ما كادت تجاوب مكه حتى جاء صوت من خلفها:
— السحنة إيه؟!
مكه انتفض قلبها لتلعن بداخلها غبائها:
— زوج أختي العزيز…
مالك ضم كف يده بغضب شديد:
— تعالوا علشان أوصلكم.
مكه سريعًا رجعت خطوة للخلف:
— لا، يا باشا، خد مراتك وحلو عني، أنا رايحة أعمل شوبنج.
مالك رفع حاجبه، وهو لا يحرك كف يديه من بنطاله، قال بهدوء شديد:
— لا والله…
كانت حركة عفوية منه، لكنها أثارت ذكريات في عقلها.
شعرت بدوار، لكنها سرعان ما أعادت عقلها بصعوبة.
لاحظ مالك انخطف وجهها وقال برعب:
— مكه… انتِ كويسة؟
تنفست مكه لتحرك رأسها عدة مرات بنعم.
قاطعت مها الصمت لتقول بجد:
— خلاص، أنا كمان هروح معاكي.
مالك بخوف عليها:
— خلاص، تعالوا… أوصلكم المكان اللي انتوا عايزينه.
في السيارة شعرت مكه بالارتباك:
— مالك… ده جوز أختك يعني محرم عليا تمامًا.
— أيوه… بس ليه عاوزه أبص في عينه؟ ليه جوه قلبي بيقوله ده كذب… مستحيل تكون متجوزه في حاجة غلط.
— يوووه… مفيش أي حاجة غلط… ده شيطان عاوز يخسرك أغلى واحده على قلبك… بس لأ… مستحيل.
فاقت مكه على صوته الذي نطق بغضب:
— دخلي إيدك من الشباك.
دخلت مكه يديها سريعًا… في حين مها نظرت عليه، فكيف انتبه ليد مكه بينما لم ينته ليدها التي كانت على نفس الوضع؟
رن هاتفها… رفعت السماعة بيد مرتعشة:
— اقسم بالله يا مها، مش هخلي أخويا لعبة في إيدك… انت واللاعيبك، فاهمة؟
أغلقت الخط في وجهها، ابتلعت ريقها… ضمت مكه حاجبها وقالت بهدوء وهي تمسك كف يديها:
— انتِ كويسة؟
هزت مها رأسها بهدوء:
— دي مريم كانت بتطمن عليكي.
نظر مالك لعيني مها في المرايا… في حين مكه قالت بسعادة:
— مريوممممي… وحشتني خالص.
وأخيرًا انتهى اليوم… كانت مكه تجلس وتنظر في السماء حيث مكان القمر تمامًا.
كادت تتحرك للداخل، لكنها تفاجأت بمالك الذي يجلس أسفل شرفتها يتحدث مع أحد بجد.
قالت بهمس:
— مالك…
ولكن كأن سمع صوتها جيدًا، ليرفع نظره نحو شرفتها.
دخلت مكه سريعًا وأغلقت الشرفة بغضب من نفسها.
صرخت في نفسها بغضب:
— وبعدين معاك يا مكه… استغفر الله العظيم، يارب سامحني… ايه اللي قلبي بيهبّه ده؟
هرولت بالوضوء ثم وقفت على سجادة الصلاة… وهي تستغفر بجد:
— انسى بقى… خلاص… مالك مش بتاعك… مالك دلوقتي بتاع أغلى واحده عندك… طلعيه من دماغك… تمام؟!
— يعني إيه… هو أنا ازاي كنت بتعامل مع الوضع ده؟
— الحادثة ما لعبتش في ذاكرتي… بس لعبت في مشاعري كمان…
— أيوه… يعني ايه… مالك طلع بيحب مها… وأنا ليه؟ بحبه مادام بيعشق مها… أووووف.
اتجهت نحو فراشها مقررة تنام هاربة من حرب أفكارها.
عند مالك، لم يترك تحت شرفته حتى رأى أن النور قد أُطفئ.
جلس يمسك الفرشاة ويترك ليده العنان ليرسمها… اليوم… كيف كانت جميلة كالقمر… حتى شعر أن عقله سيطير… كيف الكل يرى وجهها.
دلفت مريم بغضب أعمى:
— ليه يا مالك؟!
مالك تنهد بقوة:
— علشانها.
مريم بجنون:
— علشانها تدمرها وتدمر نفسك؟
مالك بحزن:
— جايز لما تعرف تسامحني…
رفعت مريم إصبعها محذرة مالك بشدة:
— انت علشان تضبط لها حياتها دمرت حياتك!
نظر مالك للصورة التي يرسمها لنطق بهدوء:
— بس هي تستاهل… أضحى بيها… علشانها!!!!!
رواية قدري الاجمل الفصل السادس 6 - بقلم ندا الهلالي
{بس هي تستاهل… أضحّي بيها… علشانها!!!!!}
مريم صرخت بهستيريا:
— يا بني آدم فوق! إنت بتدفع تمن مشاريب مش بتاعتك أصلًا!
تنفّس مالك بهدوء:
— كفاية يا مريم يا حبيبتي، ما تشغليش بالك بالموضوع ده.
واتجه إلى الخارج، تاركًا أخته في غضبها ونفاد صبرها منه.
مريم بغضبٍ أعمى:
— مش هسيب سمّ مها ينتشر أكتر من كده! دي هتدمر حياتك… أنا لازم أتصرف وأخلّصك من كابوسها.
بعد مرور شهر…
في صباح يوم جديد…
الساعة الحادية عشرة مساءً،
في المدرج، تحديدًا في سكشن الجراحة…
نطق وهو ينظر إليها:
— وطبعًا لما دكتور تميم يقول دي هتيجي، يبقى هتيجي.
مكّة في سرّها:
طبعًا… طبعًا.
أنهى تميم السكشن، لتظهر سلايد مكتوب عليها (Thank you):
— أي سؤال يا شباب؟
الجميع هزّ رأسه بالشكر، عدا هي، رفعت يدها تستأذن بالسؤال.
أومأ لها:
— اتفضلي يا دكتورة مكّة.
تنهدت قليلًا قبل أن تنطق بصوتٍ هادئ مختلط بالحيرة:
— دكتور تميم… حضرتك قلت مرة إن في مرضى ممكن يفقدوا جزء من ذاكرتهم بعد حادث… يعني زي Retrograde Amnesia؟ طيب… إزاي ممكن ترجع لهم ذاكرتهم؟
نظر إليها تميم بدهشة خفيفة من السؤال المباشر، ثم حاول تبسيط الإجابة:
— بالضبط يا مكّة. Retrograde Amnesia يعني إن المريض ينسى ذكرياته اللي قبل الحادث، وأحيانًا ينسى أحداث معينة ويفتكر حاجات تانية. رجوع الذاكرة بيكون تدريجي… أحيانًا مع الوقت، أحيانًا بالمحفزات اليومية، وأحيانًا بالعلاج النفسي. الموضوع بيعتمد على شدة الصدمة وطبيعة الإصابة.
نظرت مكّة إلى الأرض، كأنها تجمع شتات ذكرياتها الضائعة:
— يعني… مفيش علاج سريع؟ مجرد صبر ومحاولات… صح؟
ابتسم تميم برفق:
— كل حاجة بالصبر بتتحل… ولو ما اتحلتش، يمكن ده الخير. الخير دايمًا بيبقى مجهول، بس تأكدي إن ربنا ما بيجيبش غير الخير.
شعرت مكّة بالأمان من كلماته، فهزّت رأسها شاكرة.
في حين نظرت مها إليها بألم…
آه يا مكّة، لو افتكرتيني هتبقى نهايتي أكيد.
عند مالك… في شركته…
كان جالسًا منكبا على أوراق أمامه، أخرجه من شروده صوت رنين هاتفه.
تنهد، ورفع الهاتف إلى أذنه:
— خرجت؟
— أيوه يا باشا، لسه خارجة من ربع ساعة.
— خلي عينك عليها… لو حصلها حاجة، روحك هتروح لخالقها. فاهم؟
— حاضر يا باشا.
أغلق الخط، وأسند ظهره إلى الكرسي، مغمضًا جفونه…
لتخترق ذاكرته ذكرى سريعة.
— إنتِ إيه اللي هببتيه ده؟ وإزاي ده حصل؟
— أرجوك يا مالك… أنا ماليش غيرك.
فاق من شروده، ليقف واضعًا كفيه في جيبيه، ينظر من الشرفة بشرود.
مها بتعب:
— أنا همشي يا مكّة.
مكّة بسرعة، مستندة على كفها:
— إنتِ مال وشّك تعبان كده ليه؟
مها هزّت رأسها:
— ولا حاجة… ضغط مذاكرة بس.
ابتسمت مكّة بتعب:
— هو عمو مصعب ما حاولش يتصل بيكي؟
شردت مها فجأة…
— انطقي يا بنت الـ… مين اللي بعتي ليه نفسك بالرخص؟
صرخت باكية بهستيريا من كثرة الضرب، كانت على وشك الموت:
— مالك الهلالي يا بابا…
هزّت رأسها نافية:
— مفيش جديد… من وقت ما ماما ماتت وهو نسي إن عنده بنت. ولولا وجودكم، أنا كنت انتهيت من زمان.
تعسّر قلب مكّة ألمًا عليها، فغمزت لها بمشاكسة:
— يا عم ربنا يباركلك في مالك، بينا كلنا.
ابتلعت مها ريقها بتوتر:
— أنا همشي… نتقابل بالليل.
مكّة بسرعة:
— صحيح يا مها… فين صور فرحك إنتِ ومالك؟
نظرت مها إليها بفزع وارتباك، لا تعلم ماذا تقول…
أوقفهم صوتٌ كان يترقّبهم منذ خروجهم:
— بس القهوة على العيانين غلط.
نظرتا الاثنتان إلى مصدر الصوت.
مكّة بتحريك عينيها:
— هو من إمتى المعيدين بيتواضعوا وينزلوا الكافيتيريا؟
ضحك بقهقهة:
— فعلًا… بس قررت أتواضع وأنزل لمستواكم.
ضيّقت مها عينيها، ثم تساءلت:
— حضرتك يا دكتور، مع كل الناس عشري كده؟ ولا مكّة حالة خاصة؟
نظر تميم، وهو نفسه لا يعلم لماذا يتصرف هكذا:
— بصراحة… حالة خاصة.
نطقها وهو ينظر في عيني مكّة، التي أبعدت نظرها بانفعال.
وقفت بغضب:
— مع كامل احترامي يا دكتور، مش ملاحظ إن الموضوع زاد شوية وبقى غلط؟
نطق بجدية:
— وليه نخليه غلط؟ تعالي نخليه صح.
مكّة ومها معًا بدهشة:
— إزاي يعني؟!
مها في داخلها:
هل يعلم هذا المسكين أن نهايته ستكون اليوم؟
رفع كتفيه بلا مبالاة:
— عادي… هطلب إيدك، زي أي شاب أعجب بشابة وبس.
مكّة بغضب:
— لا، ده جنان رسمي!
ضربت مها صدرها بصدمة لا إرادية.
هرولت مكّة إلى الخارج غاضبة…
وفي اللحظة نفسها، ارتفعت سماعة هاتف:
— تمام يا باشا، تحت أمرك.
— إيه اللي في إيدك ده يا محمود؟
محمود بشرود:
— اللي إنت شايفه.
— إنت ناوي على إيه؟
— هقتلها!
وقف صابر مذعورًا:
— إنت اتجننت يا دكتور؟ إنت بترمي نفسك في حبل المشنقة بإيدك!
— وبعدين ما تنساش المصيبة اللي عملتها قبل كده… مش خايف البنت اللي اعتديت عليها تشوفك وتفضحك؟
صرخ محمود بجنون:
— مستحيل أسيبها! رايحة تتجوزه وأنا اللي حبيتها طول عمري!
— الحب مش بالعافية يا محمود!
ضحك هستيريًا: وهو يشرب.ب ويترنح
— مش مصدق… محمود الجبالي ابن الشيخ الرحيم قاعد في بار! اللي. ياما أبوه بيبعده عننا ويحظره مننا مشرف معانا هنا
بينما كان محمود في عالم آخر، عالم سيطرت عليه الشياطين.
اندفع للخارج كالمجنون…
— يا بنتي اهدي! إيه مركّبة عجلات؟
— مكّة، اصبري شوية!
كانت مها تركض خلفها، بينما مكّة تصرخ:
— ده مجنون! إزاي يستجرأ؟ هو فاكر نفسه مين؟!
وفي اللحظة نفسها، كان محمود يقترب، لا يرى إلا شيئًا واحدًا…
سيقتلها.
(عندما ينطق القلب، يُصاب العقل بعمى حاد)
دقائق فقط…
ثم عمّ الصراخ…
وتجمّد الزمن عند مكّة، وهي تراها تسيل في دمائها.
رآت منظرها بعينين متجحظتين ليضرب عقلها آفكار وأصوات كثيره لا إراديه
— لأ يا قلب أخوكي، فوقي يا مكّة!
— حد يكلم الإسعاف!
— البنت بتموت!
بحبك يا بنت الرحيم وعاوز أتجوزك!
صرخت بدهشة، وفي اللحظة نفسها صرخ والدها:
— لو نزلتلك يا ابن الهلالي، مش هتعرّف وشك من رجلك!
وبدون سابق إنذار، ارتطم جسدها بالأرض…
وآخر ما نطقت به:
— مها…
رواية قدري الاجمل الفصل السابع 7 - بقلم ندا الهلالي
ارتطم جسدها بالأرض.
وآخر ما نطقت به: مها.
نظر محمود كالمجنون وهرول عليها وهو يجري نحوها:
— م… مها!
وفي حين صرخ أحد الرجال وهو يضرب كفًا على كف:
— لا حول ولا قوة إلا بالله… السواقين الأيام دي بقوا يتعاطوا، والأرواح بتروح!
بعد دقائق.
كان محمود يجلس أمام باب الغرفة… ويخفّ وجهه بين كفيه:
— أنا إزاي كنت هعمل كده؟ هو أنا فعلاً كنت هموّتها؟
توقف فجأة على صوت ذلك الهائج الذي قال بلهفة:
— مكّة فين؟!
ضم محمود حاجبه:
— مالها مكّة؟ وبالنسبة للبِت اللي بتموت جوّه دي… عادي.
مالك بقلق واضح:
— إيه اللي حصل؟!
كرّر سؤاله بلهفة:
— مكّة فين؟!
قاطعتهم فاطمة وهي تدلف مهرولة:
— مالها مها يا محمود؟ واختك فين؟
نظر مالك إلى جمال قلوب تلك الأسرة، فرغم ظنهم بأنها خانت ابنتهم، إلا أن قلوبهم لم تقسَ على تلك التي ربّوها.
وأخيرًا، بعد مرور دقائق من التوتر الشديد، دُفِع الترولي بسرعة من غرفه الطوارئ الي داخل غرفة العمليات.
صوت الأجهزة متداخل مع أنفاس مها المتقطعة، والدم على جبينها كان كفيلًا أن يُنسي الجميع أي شيء غير أنها تعيش.
رفعت الدكتورة صوتها بحزم:
— نزيف داخلي بسيط، بس فصيلة دمها O سالب… حضّروا دم فورًا.
اندفع مالك دون تفكير:
— أنا أتبرع.
وفي نفس اللحظة قال محمود:
— وأنا كمان.
رمقتهم الدكتورة بنظرة سريعة:
— تمام… هنعمل اختبار توافق سريع.
مرت دقائق ثقيلة، قبل أن تقترب الممرضة وتهمس للدكتورة بشيء، فملامح الدكتورة اتغيرت… مش صدمة، لكن تركيز حاد.
التفتت ناحية مالك أولًا:
— للأسف… الدم مش متوافق.
تجمّد مالك مكانه وابتلع ريقه بهدوء.
ثم نظرت لمحمود:
— تبرعك متوافق تمامًا… وده اللي هنستخدمه.
سكتت لحظة، كأنها بتراجع حساباتها، قبل أن تضيف بنبرة مهنية:
— وبما إن في حمل، لازم ناخد في الاعتبار عامل الـ RH وتأثيره على الجنين.
رفعت عينيها مباشرة:
— مين الأب؟
رد مالك بسرعة، أسرع من اللازم:
— أنا.
الدكتورة ما علّقتش… لكنها سجّلت المعلومة.
في منطقة بعيدة نوعًا ما… في قصر يزينه يافطة كبيرة مكتوب عليها: {آل العاصي}.
فتحت مكّة عينيها فجأة وهي بتصرخ:
— مهااااا!
ارتطمت رأسها بمسند الكنبة:
— آخ!
صوت جاء من أمامها، بارد:
— حلو… أول ما تفوقي تكسّري العفش.
لفّت رأسها بحدة… تميم واقف، ماسك موبايله، وباصص لها كأنها مشروع صداع.
— إنت بتعمل إيه هنا؟!
— في بيتي.
بصّت حواليها بذهول:
— أنا فين؟!
— ما قولتلك…في بيتي.
وقف لحظة:
— مش المستشفى.
قامت تجلس بسرعة:
— إزاي مش المستشفى؟! أنا كنت بموت!
— ما هو باين…
اقترب خطوة:
— بس للأسف رجعتي.
رمقته بغيظ:
— إنت قليل الذوق!
— وأنتِ قليلة الوعي.
سكتت ثانية، ثم اتنفضت:
— مها فين؟!
— سابتك وهربت.
— إيه؟!
— بهزر…
رفع كتفه:
— في المستشفى، قالتلي آخدك وأجري.
نطق كلامه بمزاح.
قامت واقفة:
— لا لا لا… لازم أمشي!
مها ..مها هي كويسه.
اتلغبطت، كادت تقع، فمسكها من دراعها:
— على مهلك يا بطلة…
تركها فورًا:
— قبل ما تقعي وتموتي عندي وتبقى مصيبة.
شدّت ذراعها:
— متلمسنيش!
— متقلقيش…
رجع يقف بعيد:
— أنا نفسي مش متحمس للمسّ.
بصّت له بشك:
— إنت ليه جبتني هنا؟
ابتسم ابتسامة جانبية:
— عشان شكل اليوم مش ناقص جنان… وأنا بحب أتفرج من بعيد.
رمته بنظرة:
— أنا فين بالظبط؟
— في أأمن مكان دلوقتي.
— يعني؟
— يعني محدش هيلاقيكي…
سكت لحظة:
— غيري.
بصّت له:
— أنت مجنون.
— عارف.
وقعد قصادها:
— بس بصراحة…
نظر لها بثبات:
— إنتِ محتاجة تهدي قبل ما تتكلمي.
سكتت… ثم قالت فجأة:
— أنا دماغي وجعاني.
— لأ…
ابتسم:
— بس دماغك عاملة زي الإنترنت… تقع، تفصل، وتشتغل من غير إنذار.
غمغمت:
— غبي.
— لا…
وقف:
— بفهمك.
وسابها وخرج وهو يقول بهدوء:
— بلاش دوشة لحد ما أجيلك.
وقبل أن تثور غاضبة… وقفت بصدمة وهي تراه يُلقي لها قبلة في الهواء ليغمز لها، تاركًا الغرفة… وأغلق الباب بإحكام.
في حين كادت تهرول نحو الباب، كان هو أسرع… وأغلقه بإحكام.
ولكن فجأة… تضاربت الأفكار في عقلها، وشعرت بدوار، والكلمات تتردد في مسمعها:
— مالك طلع بيحب مها يا مكّة واتجوزها وهي حامل منه كمان…
— يا بنتي، إنت ناسية رقصك في فرح مها؟
— أنا عملت كل ده علشانك.
— هناك لقَمري شبيه في السماء.
— كان هيحصل إيه لو وصلتوني وبعدين إنتوا اتمشيتوا؟
— لأ يا قلب أخوكي، فوقي يا مكّة!
وما كادت تسقط على الأرض، مستسلمة لكل هذه الضوضاء…
ولكن كانت هناك يد أسرع تلتف حول خصرها، وهو يقول بجد وضربات قلب متتالية:
— يا بنتي، إنت التفاحة اللي اتكلم عنها نيوتن… عندك جاذبية مع الأرض!
حملها وأعادها إلى الأريكة، بضربات قلب متسارعة لا يعلم سببها.
ونطق لتلك التي تقف بجواره:
— هاتي العصير يا سعاد.
حاول أن يفيقها، لفّ يديه حول خصرها ليسند ظهرها ليجلسها.
وفي نفس المشهد دلفت… ليسمع صوته من خلفه:
— نهارك أسود نسوان يا تميم!
أبعد يده سريعًا في حركة فاجئة بعد أن فزعه، ونطق سريعًا:
— والله ما أنا…
في المستشفى، تحديدًا عند مها…
مرت دقائق ثقيلة، قبل ما الممرضة تقرّب من الدكتورة وتهمس لها بشيء، ملامح الدكتورة اتغيرت… مش صدمة، لكن تركيز حاد.
التفتت ناحية مالك أولًا:
— للأسف… الدم مش متوافق.
مالك اتجمد مكانه:
— وأبتلع ريقه بهدوء.
ثم نظرت لمحمود:
— تبرعك متوافق تمامًا… وده اللي هنستخدمه.
سكتت لحظة، كأنها بتراجع حساباتها، قبل ما تضيف بنبرة مهنية:
— وبما إن في حمل، لازم ناخد في الاعتبار عامل الـ RH وتأثيره على الجنين.
رفعت عينيها مباشرة:
— مين الأب؟
مالك رد بسرعة، أسرع من اللازم:
— أنا.
الدكتورة ما علّقتش… لكنها سجّلت المعلومة.
بعد استقرار حالة مها، جلست الدكتورة وحدها تقلب النتائج:
فصيلة مها: O-
دم محمود: متوافق
دم مالك: غير متوافق
مؤشرات الجنين: موجب
رفعت رأسها ببطء. الطب مبيعتمدش على الكلام.
أصدرت قرارها بهدوء:
— اعملوا تحليل DNA… إجراء طبي احترازي.
خرجت بعد ساعات.
الكل كان واقف. التوتر ماسك في الهوا.
وضعت الملف على الطاولة، فتحته، وقالت من غير مقدمات:
— التحاليل الجينية طلعت.
رفعت ورقة واحدة:
— التطابق الوراثي الكامل موجود مع محمود.
ثم أغلقت الملف ونظرت لمالك مباشرة:
— ومفيش أي تطابق معاك.
شهقة فاطمة خرجت لا إراديًا. محمود بص لمها، عينه مليانة ذهول وصدمه وفتح فم في موقف لايستوعب.
أما مالك… فسكت.
الدكتورة أنهت الجملة اللي كسرت كل حاجة:
— علميًا، طبيًا، وبالأدلة…
— محمود هو والد الطفل.
شهقه قويه وخرجت من فاطمه وهي تقول بنفي:
— ايه الهبل ده ده مستحيل.
في حين الأنظار تداولت بين مالك الهادئ ويعلن الثبات في وقوفه وحركته.
ومحمود وهو في موقف لا يحسد عليه.
فاطمه وهي توجه كلامها لمالك:
— ايه العك اللي بيتقال ده ماتنطق يامالك انت ساكت كده ليه.
مالك بكل هدوء:
— الآفضل أن مها لما تفوق هي اللي تفهمكم.
محمود جلس كالذى آلدغه عقرب.
ولكن سرعان ما مر مشهد آمام عينه…
بسرعه البرق:
— ابعد عني يامحمود انت مش في وعيك ابوس ايدك ابعد.
— انا بحبك انت مش مستوعبه حبي ليكي ليه.
— انت اكيد اتجننت.
— يالهوي ايه اللي انت هببته ده ال.بت ماتت.
محمود غير واعي. ارتطم جسده علي الأرض. ينام بهيام.
في حين نطق صابر بجنون:
— هنعمل ايه في المصيبه دي.
— هنرميها قصاد المستشفي.
شخص آخر:
— اهدي ياعم صابر هي اللي جيه برجلها لغايه هنا.
لمحمود:
— البت قاطعه النفس خالص.
فاق محمود.
علي يد آمه التي تهز فيه بقوه:
— ايه الهبل اللي بتقوله الدكتوره ده اكيد في غلط في التحاليل دي.
الدكتوره نطقت بهدوء وجديه:
— التحاليل مافيهاش اي غلط وتقدروا تعيدوها.
وتركت المكتب متجهه للخارج بعد أن اللقت بالقنبله التي تهيج الكل.
في نفس اللحظه خرج مالك وهو يضع الهاتف علي آذنه:
— يعني ايه اختفت ياروح امك مكه فين.
— والله ياباشا فاجآه طلعت بتحري من الجامعه وطلعت وراها زي ماقولتيلي بس الشارع اتزحم بسبب الحادثه اللي حصلت لمها عام واختفت.
مالك كالثور:
— ايه اللي انت بتقوله ده يعني هتكون راحت فين.
أتأكد أني لو مالقتهاش خلال ثواني رو.حك هوديها للخالقها.
في المساء.
بالتحديد في قصر (آل العاصي)…
جلست تضم ركبتيها إلى صدرها، دموعها لا تهدأ، بل تزداد.
هل كانت تعيش كذبة كبيرة؟
هل أتتها الضربة من أكثر من أحبهم قلبها؟
— إنتِ كويسة؟
رفعت نظرها إليه ببطء…
ارتخَت شفتاها قليلًا، وزوايا الفم انحدرت برقة، كأنها تحاول أن تخفي ثقل الحزن والآسى عليها.
في حين عيناها حمراوان، شعيرات دقيقة من الشرايين ظهرت في بياض العين، متعرجة كأنها خيوط دقيقة من الألم، تظهر من شدة البكاء المستمر.
الدموع ملأت عيونها، تكاد تفيض في كل لحظة، تتجمع على حواف الجفون لتنسكب برفق على وجنتيها، تاركة أثرها البارد والرقيق على خديها، كأنها تروي حزنها بصمت.
— وبعدين بقى، أنا كده هدوب في العيون دي ومحدش يعرف ينجدها مني.
مكّة أغمضت عينيها بتعب…
تميم بلمحة ذكية وهادئة:
— واضح من خبرتي كدكتور أن الذاكرة رجعتلك، مش كده؟
نظرت إليه بصدمة: كيف عرف؟!
أكمل بمزاح:
— بصي يا بنت الحلال، أنا كنت ناوي أربيكي على طريقتك اللي عملتيها لما اتقدمتلك.
أكمل بثقة:
— ماهو تميم العاصي ما يترفضش… البنات بتترمى عليا وتيجي إنت وتعملي كده، بس صعبتي عليا لما شوفت حالتك دي.
وعلى رأي المثل:«الوجع لما يكبر قوي، بيطلع من العين… عشان القلب ما ينفجرش.»
ضمت مكّة حاجبها لتقول، ناشفة وجهها بفضول:
— مين اللي قال المثل ده؟
تميم ابتسم ببلاهة:
— أنا… مش سمعاني لسه قايله.
وبدون قصد منها انفجرت في الضحك بشدة وهي تضرب كفًا على الآخر…
شرد في ضحكتها التي تشبه ضحكة الطفل الصغير… ورسم بسمة واسعة.
نطقت مكّة بألم شديد من وسط بكائها:
— عمري ما توقعت حتى في أسوأ كوابيسي أعيش كل اللي بعيشه ده.
— تعرف لما تهدي اللي حواليك حب كبير فتاخد منهم…
أكمل هو سريعًا:
— خذوق كبير.
نظرت إليه وحركت رأسها بتعب:
— وقتها بيبقى جواك ألف سؤال… والسؤال اللي بيهم كلهم: أنا كنت أستاهل كده؟!
تميم جلس أمامها، منثنيًا على ركبته:
— بس عادي… دول بشر، لولا حرف الباء كانوا اتفضحوا وظهروا على حقيقتهم.
رفعت حاجبها وقالت بهمس:
— شر؟
هو أومأ برأسه:
— للأسف!
كان يشاركها الحديث فقط من باب السعادة أنها تتحدث معه وارتاحت له، حتى وإن كان هذا فقط وقت انهيارها، الذي جعلها لا ترى شيئًا سوى أنها اتوجعت بشدة، حتى وإن لم يفهم ماذا تقصد.
ولكن شل تمامًا عندما لحق بمسمعه:
— تتجوزني؟؟
وفي نفس الآن دخلت وهي تصرخ بأعلى ما لديها:
— عااااااااا أوبسيدين!!!
نظر الاثنان إليها بفزع…
رواية قدري الاجمل الفصل الثامن 8 - بقلم ندا الهلالي
بدون سابق إنذار، ارتطم جسدها بالأرض…
وآخر ما نطقت به: مها.
نظر محمود كالمجنون وهرول عليها وهو يجري نحوها:
— م… مها!
وفي حين صرخ أحد الرجال وهو يضرب كفًا على كف:
— لا حول ولا قوة إلا بالله… السواقين الأيام دي بقوا يتعاطوا، والأرواح بتروح!
بعد دقائق 🖤
كان محمود يجلس أمام باب الغرفة… ويخفّ وجهه بين كفيه:
— أنا إزاي كنت هعمل كده؟ هو أنا فعلاً كنت هموّتها؟
توقف فجأة على صوت ذلك الهائج الذي قال بلهفة:
— مكّة فين؟!
ضم محمود حاجبه:
— مالها مكّة؟ وبالنسبة للبِت اللي بتموت جوّه دي… عادي.
مالك بقلق واضح:
— إيه اللي حصل؟!
كرّر سؤاله بلهفة:
— مكّة فين؟!
قاطعتهم فاطمة وهي تدلف مهرولة:
— مالها مها يا محمود؟ واختك فين؟
نظر مالك إلى جمال قلوب تلك الأسرة، فرغم ظنهم بأنها خانت ابنتهم، إلا أن قلوبهم لم تقسَ على تلك التي ربّوها.
وأخيرًا، بعد مرور دقائق من التوتر الشديد، دُفِع الترولي بسرعة من غرفه الطوارئ الي داخل غرفة العمليات.
صوت الأجهزة متداخل مع أنفاس مها المتقطعة، والدم على جبينها كان كفيلًا أن يُنسي الجميع أي شيء غير أنها تعيش.
رفعت الدكتورة صوتها بحزم:
— نزيف داخلي بسيط، بس فصيلة دمها O سالب… حضّروا دم فورًا.
اندفع مالك دون تفكير:
— أنا أتبرع.
وفي نفس اللحظة قال محمود:
— وأنا كمان.
رمقتهم الدكتورة بنظرة سريعة:
— تمام… هنعمل اختبار توافق سريع.
مرت دقائق ثقيلة، قبل أن تقترب الممرضة وتهمس للدكتورة بشيء، فملامح الدكتورة اتغيرت… مش صدمة، لكن تركيز حاد.
التفتت ناحية مالك أولًا:
— للأسف… الدم مش متوافق.
تجمّد مالك مكانه وابتلع ريقه بهدوء.
ثم نظرت لمحمود:
— تبرعك متوافق تمامًا… وده اللي هنستخدمه.
سكتت لحظة، كأنها بتراجع حساباتها، قبل أن تضيف بنبرة مهنية:
— وبما إن في حمل، لازم ناخد في الاعتبار عامل الـ RH وتأثيره على الجنين.
رفعت عينيها مباشرة:
— مين الأب؟
رد مالك بسرعة، أسرع من اللازم:
— أنا.
الدكتورة ما علّقتش… لكنها سجّلت المعلومة.
ـــــــــ$ـــــــــ$ـــــــــ$ـــــــــ$ـــــــــ
في منطقة بعيدة نوعًا ما… في قصر يزينه يافطة كبيرة مكتوب عليها: {آل العاصي}.
فتحت مكّة عينيها فجأة وهي بتصرخ:
— مهااااا!
ارتطمت رأسها بمسند الكنبة:
— آخ!
صوت جاء من أمامها، بارد:
— حلو… أول ما تفوقي تكسّري العفش.
لفّت رأسها بحدة… تميم واقف، ماسك موبايله، وباصص لها كأنها مشروع صداع.
— إنت بتعمل إيه هنا؟!
— في بيتي.
بصّت حواليها بذهول:
— أنا فين؟!
— ما قولتلك…في بيتي.
وقف لحظة:
— مش المستشفى.
قامت تجلس بسرعة:
— إزاي مش المستشفى؟! أنا كنت بموت!
— ما هو باين…
اقترب خطوة:
— بس للأسف رجعتي.
رمقته بغيظ:
— إنت قليل الذوق!
— وأنتِ قليلة الوعي.
سكتت ثانية، ثم اتنفضت:
— مها فين؟!
— سابتك وهربت.
— إيه؟!
— بهزر…
رفع كتفه:
— في المستشفى، قالتلي آخدك وأجري.
نطق كلامه بمزاح.
قامت واقفة:
— لا لا لا… لازم أمشي! مها ..مها هي كويسه
اتلغبطت، كادت تقع، فمسكها من دراعها:
— على مهلك يا بطلة…
تركها فورًا:
— قبل ما تقعي وتموتي عندي وتبقى مصيبة.
شدّت ذراعها:
— متلمسنيش!
— متقلقيش…
رجع يقف بعيد:
— أنا نفسي مش متحمس للمسّ.
بصّت له بشك:
— إنت ليه جبتني هنا؟
ابتسم ابتسامة جانبية:
— عشان شكل اليوم مش ناقص جنان… وأنا بحب أتفرج من بعيد.
رمته بنظرة:
— أنا فين بالظبط؟
— في أأمن مكان دلوقتي.
— يعني؟
— يعني محدش هيلاقيكي…
سكت لحظة:
— غيري.
بصّت له:
— أنت مجنون.
— عارف.
وقعد قصادها:
— بس بصراحة…
نظر لها بثبات:
— إنتِ محتاجة تهدي قبل ما تتكلمي.
سكتت… ثم قالت فجأة:
— أنا دماغي وجعاني.
— لأ…
ابتسم:
— بس دماغك عاملة زي الإنترنت… تقع، تفصل، وتشتغل من غير إنذار.
غمغمت:
— غبي.
— لا…
وقف:
— بفهمك.
وسابها وخرج وهو يقول بهدوء:
— بلاش دوشة لحد ما أجيلك.
وقبل أن تثور غاضبة… وقفت بصدمة وهي تراه يُلقي لها قبلة في الهواء ليغمز لها، تاركًا الغرفة… وأغلق الباب بإحكام.
في حين كادت تهرول نحو الباب، كان هو أسرع… وأغلقه بإحكام.
ولكن فجأة… تضاربت الأفكار في عقلها، وشعرت بدوار، والكلمات تتردد في مسمعها:
— مالك طلع بيحب مها يا مكّة واتجوزها وهي حامل منه كمان…
— يا بنتي، إنت ناسية رقصك في فرح مها؟
— أنا عملت كل ده علشانك.
— هناك لقَمري شبيه في السماء.
— كان هيحصل إيه لو وصلتوني وبعدين إنتوا اتمشيتوا؟
— لأ يا قلب أخوكي، فوقي يا مكّة!
وما كادت تسقط على الأرض، مستسلمة لكل هذه الضوضاء…
ولكن كانت هناك يد أسرع تلتف حول خصرها، وهو يقول بجد وضربات قلب متتالية:
— يا بنتي، إنت التفاحة اللي اتكلم عنها نيوتن… عندك جاذبية مع الأرض!
حملها وأعادها إلى الأريكة، بضربات قلب متسارعة لا يعلم سببها.
ونطق لتلك التي تقف بجواره:
— هاتي العصير يا سعاد.
حاول أن يفيقها، لفّ يديه حول خصرها ليسند ظهرها ليجلسها.
وفي نفس المشهد دلفت… ليسمع صوته من خلفه:
— نهارك أسود نسوان يا تميم!
أبعد يده سريعًا في حركة فاجئة بعد أن فزعه، ونطق سريعًا:
— والله ما أنا…
ـــــــــ&ـــــــــ&ـــــــــ&ـــــــــ
في المستشفى، تحديدًا عند مها…
مرت دقائق ثقيلة، قبل ما الممرضة تقرّب من الدكتورة وتهمس لها بشيء، ملامح الدكتورة اتغيرت… مش صدمة، لكن تركيز حاد.
التفتت ناحية مالك أولًا:
— للأسف… الدم مش متوافق.
مالك اتجمد مكانه:
— وأبتلع ريقه بهدوء.
ثم نظرت لمحمود:
— تبرعك متوافق تمامًا… وده اللي هنستخدمه.
سكتت لحظة، كأنها بتراجع حساباتها، قبل ما تضيف بنبرة مهنية:
— وبما إن في حمل، لازم ناخد في الاعتبار عامل الـ RH وتأثيره على الجنين.
رفعت عينيها مباشرة:
— مين الأب؟
مالك رد بسرعة، أسرع من اللازم:
— أنا.
الدكتورة ما علّقتش… لكنها سجّلت المعلومة.
بعد استقرار حالة مها، جلست الدكتورة وحدها تقلب النتائج:
فصيلة مها: O-
دم محمود: متوافق
دم مالك: غير متوافق
مؤشرات الجنين: موجب
رفعت رأسها ببطء. الطب مبيعتمدش على الكلام.
أصدرت قرارها بهدوء:
— اعملوا تحليل DNA… إجراء طبي احترازي.
خرجت بعد ساعات.
الكل كان واقف. التوتر ماسك في الهوا.
وضعت الملف على الطاولة، فتحته، وقالت من غير مقدمات:
— التحاليل الجينية طلعت.
رفعت ورقة واحدة:
— التطابق الوراثي الكامل موجود مع محمود.
ثم أغلقت الملف ونظرت لمالك مباشرة:
— ومفيش أي تطابق معاك.
شهقة فاطمة خرجت لا إراديًا.
محمود بص لمها، عينه مليانة ذهول وصدمه وفتح فم في موقف لايستوعب.
أما مالك… فسكت.
الدكتورة أنهت الجملة اللي كسرت كل حاجة:
— علميًا، طبيًا، وبالأدلة…
--محمود هو والد الطفل.
شهقه قويه وخرجت من فاطمه وهي تقول بنفي
-ايه الهبل ده ده مستحيل.
في حين الأنظار تداولت بين مالك الهادئ ويعلن الثبات في وقوفه وحركته.
ومحمود وهو في موقف لا يحسد عليه.
فاطمه وهي توجه كلامها لمالك
-ايه العك اللي بيتقال ده ماتنطق يامالك انت ساكت كده ليه.
مالك بكل هدوء
-الآفضل أن مها لما تفوق هي اللي تفهمكم.
محمود جلس كالذى آلدغه عقرب.
ولكن سرعان ما مر مشهد آمام عينه ...بسرعه البرق.
-ابعد عني يامحمود انت مش في وعيك ابوس ايدك ابعد.
-انا بحبك انت مش مستوعبه حبي ليكي ليه.
-انت اكيد اتجننت ......
-يالهوي ايه اللي انت هببته ده ال.بت ماتت.
محمود غير واعي ..... ارتطم جسده علي الأرض.
ينام بهيام.
في حين نطق صابر بجنون
-هنعمل ايه في المصيبه دي.
- هنرميها قصاد المستشفي.
شخص آخر
-اهدي ياعم صابر هي اللي جيه برجلها لغايه هنا.
لمحمود
- البت قاطعه النفس خالص.
فاق محمود...........علي يد آمه التي تهز فيه بقوه.
- ايه الهبل اللي بتقوله الدكتوره ده اكيد في غلط في التحاليل دي.
الدكتوره نطقت بهدوء وجديه.
- التحاليل مافيهاش اي غلط وتقدروا تعيدوها.
وتركت المكتب متجهه للخارج بعد أن اللقت بالقنبله التي تهيج الكل.
في نفس اللحظه خرج مالك وهو يضع الهاتف علي آذنه.
- يعني ايه اختفت ياروح امك مكه فين ؟!
-والله ياباشا فاجآه طلعت بتحري من الجامعه وطلعت وراها زي ماقولتيلي بس الشارع اتزحم بسبب الحادثه اللي حصلت لمها عام واختفت.
مالك كالثور.
— ايه اللي انت بتقوله ده يعني هتكون راحت فين.
أتأكد أني لو مالقتهاش خلال ثواني رو.حك هوديها للخالقها.
ـــــــــــــــــــــــ
في المساء 🌚
بالتحديد في قصر (آل العاصي)…
جلست تضم ركبتيها إلى صدرها، دموعها لا تهدأ، بل تزداد.
هل كانت تعيش كذبة كبيرة؟
هل أتتها الضربة من أكثر من أحبهم قلبها؟
— إنتِ كويسة؟
رفعت نظرها إليه ببطء…
ارتخَت شفتاها قليلًا، وزوايا الفم انحدرت برقة، كأنها تحاول أن تخفي ثقل الحزن والآسى عليها.
في حين عيناها حمراوان، شعيرات دقيقة من الشرايين ظهرت في بياض العين، متعرجة كأنها خيوط دقيقة من الألم، تظهر من شدة البكاء المستمر.
الدموع ملأت عيونها، تكاد تفيض في كل لحظة، تتجمع على حواف الجفون لتنسكب برفق على وجنتيها، تاركة أثرها البارد والرقيق على خديها، كأنها تروي حزنها بصمت.
— وبعدين بقى، أنا كده هدوب في العيون دي ومحدش يعرف ينجدها مني.
مكّة أغمضت عينيها بتعب…
تميم بلمحة ذكية وهادئة:
— واضح من خبرتي كدكتور أن الذاكرة رجعتلك، مش كده؟
نظرت إليه بصدمة: كيف عرف؟!
أكمل بمزاح:
— بصي يا بنت الحلال، أنا كنت ناوي أربيكي على طريقتك اللي عملتيها لما اتقدمتلك.
أكمل بثقة:
— ماهو تميم العاصي ما يترفضش… البنات بتترمى عليا وتيجي إنت وتعملي كده، بس صعبتي عليا لما شوفت حالتك دي.
وعلى رأي المثل:«الوجع لما يكبر قوي، بيطلع من العين… عشان القلب ما ينفجرش.»
ضمت مكّة حاجبها لتقول، ناشفة وجهها بفضول:
— مين اللي قال المثل ده؟
تميم ابتسم ببلاهة:
— أنا… مش سمعاني لسه قايله.
وبدون قصد منها انفجرت في الضحك بشدة وهي تضرب كفًا على الآخر…
شرد في ضحكتها التي تشبه ضحكة الطفل الصغير… ورسم بسمة واسعة.
نطقت مكّة بألم شديد من وسط بكائها:
— عمري ما توقعت حتى في أسوأ كوابيسي أعيش كل اللي بعيشه ده.
— تعرف لما تهدي اللي حواليك حب كبير فتاخد منهم…
أكمل هو سريعًا:
— خذوق كبير.
نظرت إليه وحركت رأسها بتعب:
— وقتها بيبقى جواك ألف سؤال… والسؤال اللي بيهم كلهم: أنا كنت أستاهل كده؟!
تميم جلس أمامها، منثنيًا على ركبته:
— بس عادي… دول بشر، لولا حرف الباء كانوا اتفضحوا وظهروا على حقيقتهم.
رفعت حاجبها وقالت بهمس:
— شر؟
هو أومأ برأسه:
— للأسف!
كان يشاركها الحديث فقط من باب السعادة أنها تتحدث معه وارتاحت له، حتى وإن كان هذا فقط وقت انهيارها، الذي جعلها لا ترى شيئًا سوى أنها اتوجعت بشدة، حتى وإن لم يفهم ماذا تقصد.
ولكن شل تمامًا عندما لحق بمسمعه:
— تتجوزني؟؟
وفي نفس الآن دخلت وهي تصرخ بأعلى ما لديها:
— عااااااااا أوبسيدين!!!
نظر الاثنان إليها بفزع…
رواية قدري الاجمل الفصل التاسع 9 - بقلم ندا الهلالي
أوبسيدين مش مصدقة، مش مستوعبة اللي أنا شايفاه قدام عيني.
مكة حركت رأسها تنظر تارة لتميم الذي يمسح وجهه بتعب، وتارة لتلك التي تبتسم ببلاهة.
قربت الهاتف منها:
— بصي ازاي شبهك.
شهقة بدون قصد خرجت من مكة…
— دي أنا.
ضحك تميم عاليًا:
— آه غفلناكي وأنت بشعرك.
— الله يسامحك يا عمتو… سلوى قطعت علينا لحظة نكد… إنما إيه كانت هتقلب بإكتئاب.
في حين مكة نظرت بفتح فم لا تستوعب شيء…
سلوى وهي تقترب تحرك أناملها على وجه مكة ودموعها تجمعت في عينها:
— أنا لولا مصدقة أن أوبسيدين ماتت كنت قولت أنها إنتِ.
تميم قطع صمت مكة والرهبة التي في عينيها:
— أحم… أوبسيدين دي تبقى ماما، الله يرحمها.
مكة بصدمه:
— نعم!!!!!
ضحك تميم عاليًا:
— انتِ تعرفي أن عملت ليكي تحليل نسب لما شوفتك.
جحظت مكة عينيها بصدمه لا تستوعب شيء.
همت سلوى واقفة تمسح دموعها لتقول بجد:
— هات ضيفتك على أوضة السفرة يا تميم علشان الغداء جاهز.
ما إن خرجت… حتى همت مكة واقفة بصدمه:
— معقوله اللي أنا شوفته ده.
تميم بابتسامة:
— ودلوقتي نصدق مقولة: يخلق من الشبه أربعين.
مكة وهي تربط يديها أمام صدرها:
— وأنا أقول لازق فيا ليه… اتاريك لقيت حنان الأم.
ضحك تميم عاليًا بقهقهة… ولكن توقف فاجأه:
— انت طلبتي إيدي دلوقتي؟!
مكة هزت رأسها بلا:
— ده قبل ما أعرف إنك شايفني أمك يا دكتور.
تميم رفع حاجبه:
— أمك!!!!! طيب تعالي يا ماما علشان نتغدى.
مكة هزت رأسها بلا سريعًا:
— أنا معرفش حد هنا… وبعدين متشكرة ليك لحد كده… أنقذتني، روحني بقى لو سمحت.
تميم برفع حاجب:
— مش قبل ما أملّي بطني.
مكة بهدوء:
— طيب خرجني من مغارت علي بابا دي وأمليها براحتك.
تميم بنفي:
— تؤتؤتؤتؤتؤ.
ضربت الأرض بغضب:
— طيب آتفضل روح آمليها… وأنا هستناك هنا.
تميم وهو يدعي الحزن:
— حد قلك أننا بخلي ولا عاوزه عمتو سلوى تزعل؟
مكة بغضب:
— يا بني… هو أنا أعرفك انت… ولاعمتك انت هتصاحبني؟
تميم بضم حاجب:
— هصاحبك!!!!
وما كاد يتحدث مرة أخرى… حتى فتح الباب لتقول بقوة وسرعة، وهي تمسك كف مكة تتحرك بها للخارج:
— انتوا واقفين عندكم بتعملوا إيه؟ يلا… الأكل هيبرد!
تحركت مكة معها غصب عنها وهي تسحب يديها… نظرت للخلف على تميم بغضب، في حين تميم رفع يديه لأعلى باستسلام.
عند مها…
محمود شارد لا يستوعب شيء…
فاطمة تبكي بحرقة…
ساعات مرت بألم… الكل ينتظر شيء واحد فقط: إجابة مها على السؤال الذي يدور في أذهانهم: كيف؟ ومتى؟!
وأخيرًا خرجت الطبيبة تقول بهدوء شديد:
— الحمد لله… هي بقت أفضل دلوقتي وما فيش أي إصابات عليها ولا على الجنين.
مالك الذي يشرد بعيدًا…
محمود لم ينتظر، هرول إليها كالمجنون… كانت تشرد في السقف… الكانولا في كف يديها… كان يستند على مقبض الباب، يقف أمام الباب بقدم للخلف وقدم للأمام، يريدها أن تكذب العلم والواقع… ليقول أنها أحبّت مالك أحب إليه من أن يقول إنها كانت هي تلك الليلة المشؤمة.
شعرت بحركة في الغرفة… ولكن ظنت الممرضة أو الطبيبة… ولكن استوقف عقلها صوته المكسور:
— مها!!!!!
انْتفض جسدها لتحاول الجلوس ببعض التعب…
— أزيك يا محمود.
قاطعها محمود بسؤال جعلها تشل ثواني:
— اللي في بطنك ده ابني؟!
فتحت عينيها بصدمه… ثواني… ثم فتحت في بكاء شديد وكأن أخيرًا سيبعد هذا الجبل من عليها.
لم ينتظر إجابة، فقد وصلت الإجابة من منظرها…
محمود بدهشه مازال لا يريد أن يستوعب:
— كنت أنت؟!
مها ببكاء هستيري:
— كنت بلعب في تليفون عمي الرحيم لما جاتله رسالة من رقم غريب: "إنك بتسهر كل يوم في بار وبتشرب وبتتعاطى." أنا مصدقتش واتصدمت… وما حسّتش بنفسي غير وأنا بعت رسالة بسأله عن عنوان المكان ده… وما كذبتش خبر، روحت أشوفك بعد ما مسحت الرسالة من تليفون عمي… أنا عارفة هيحصلك إيه لو قرأ الرسالة دي… وياريتني ما روحت… ياريتني ما روحت!
وظلت تضرب على قدمها زي المجنونة…
خلع قلب محمود من مشهدها… ولكن شل مكانه…
أكملت حديثها ببكاء هستيري:
— روحت واحد وصلني على الأوضه اللي أنت فيها… أول ما شوفتك ما استوعبتش الحالة اللي أنت كنت فيها، كنت شكلك شارب جامد… عتبتك وصرخت في وشك… كنت شيلالك حب كبير أوي… كنت بموت في التراب اللي أنت ماشي عليه… وفجأة لقيت نفسي صاحية على كابوس… أكتر شخص حبيته مابقاش اللي حبيته… وياريتك سيبتني، أنا روحتلك برجلي علشان تدمرني وتاخد أغلى حاجة عندي… اتَرَجّيتك كتير ترحمني… بس أنت ما كنتش حتى سامعني… صحيت لقيت نفسي في المستشفى… ولقيتهم طالبين بابا… ولقيت شرطة… مقدرتش اتهمك.
زادت الضرب على موضع قلبها… رغم اللي عملته فيا… بس ده حبك… ده ضيعني.
— أنكرت… وقلت أنه كان بإرادتي… وطبعًا مصعب بيه اللي ما يعرفش بنته ولا عمره حس بيها… ما كانش هيبقى صعب عليه أن يموتها بدم بارد… وانت عند مصعب ولا حاجة؟ شاب فقير أخذ شرفه… كان هيموتك بدم بارد… ومش هيحس أنه عمل حاجة.
اضطريت أرمي التهمة على مالك الهلالي… اللي مستحيل مصعب يستجرأ يرمش ليه… وزي ما توقعت… كان فرحان أن اللي أخذ شرفه وشرف بنته راجل أعمال كبير… روحت لمالك وترجّيته يساعدني علشان مكة مش علشاني… مكة هتروح فيها لو حصل لك حاجة… مالك عذبني واتهمني أني عايزة كده… عيّشني أسوأ أيام… إني أنا اللي حبيت آخون صاحبتي… بس هو كمان سكت علشان هو كمان خاف عليها أكتر مني… ودفع تمن حاجة هو ما عملهاش… مصعب بعني… لمالك… أيوه، مالك أداه مليون جنيه واتجوزني… لا أنا ولا هو كنا عارفين إحنا بنعمل إيه… هو عمل كده علشان بيحبها… وأنا عملت كده علشان بحبكم… مالحقناش نفكر… كانت كل حاجة جت علينا… مالك ما كانش يعرف إني حامل… اتفاجأ زيه زيك بالظبط.
توقفت فجأة… مع ذلك الصوت… الذي هز أركان الغرفة… ولم يكن سوى رحيم الذي أنزل بكف يده على وجه ابنه، وهو ينظر عليه بحسره وخيبة رجاء وندم على تعبه طول هذه السنين.
نرجع عند مكة…
خرجت مكة من الممر الضيق، كأنها بتخرج من عالم وتدخل عالم تاني.
الصالون واسع، بس إحساسه دافي… ريحة أكل بيت حقيقي، وضحكات مكتومة طالعة من جوه.
أول حد وقعت عينيها عليه… كان شاب في الثانوية، يقف بجانب النافذة، يديه متشابكتان، وعيناه العسليتان تراقبان كل حركة. ملامحه الخشنة قليلاً بسبب قلة النوم أو التعب، لكن هناك شيء في وقوفه وثقته بنفسه يشير إلى عزيمة لا تُكسر.
وعلى مقعد بعيد، كانت تجلس بهدوء، شعرها البني الداكن يغطي جزءًا من وجهها، وعينها الخضراء تتأمل المكان بصمت. حركاتها الصغيرة الدقيقة أثارت فضول مكة، لكن لا شيء في سلوكها يشير مباشرة إلى ما تخفيه.
— «يعني دي المفاجأة؟!»
الصوت سبق الشخص.
ثم ظهر مشاكس العائلة، شعره الأشقر المتطاير وعيونه الزرقاء، حركته السريعة وابتسامته العريضة جعلت مكة تتساءل: هل هو هنا للمرح أم للفتنة؟
ضحكاته المفاجئة وكلماته المبعثرة أضافت جوًا من الفوضى المرحة، وكسر قليلًا حدة الموقف.
دخل كأنه إعصار صغير… ضحكة عالية، حركة إيدين مبالغ فيها، وقعد من غير ما يستأذن.
بص لمكة من فوق لتحت، وغمز بعين واحدة:
— «يا سلام! تميم، هو انت بتخطف ناس ولا إيه؟»
مكة فتحت فمها لتتكلم… ما لحقِتش.
— «استني… لا لا، سيبيني أقول… دي يا جماعة يا إمّا قريبة، يا إمّا نسخة، يا إمّا حلم جماعي!»
ضحكة طلعت من حد… بعدها ضحكة تانية… الجو كله خف فجأة.
الشخص ده كان بيتحرك كأنه صاحب المكان، وبيتكلم كأنه صاحب الكل، ومن أول دقيقة واضح إنه النوع اللي ما يعرفش يسكت… ولا يخلي حد متضايق حتى لو حاول.
تميم قرب وهمس لمكة:
— «خدي بالك… ده أخطر واحد في البيت.»
رفعت حاجبها:
— «ليه؟»
ابتسم بمكر:
— «بيضحكك… وبعدين يقولك الحقيقة.»
أخيرًا، امرأة في منتصف الستينات، كانت تقف عند باب المطبخ، عينها السوداء الثاقبة تتابع كل تحركات الحاضرين، وكأنها تعرف كل شيء عنهم قبل أن يحدث.
صوتها الهادئ عند نطق اسم مكة جعل الجو يهدأ لبرهة، لكنها لم تفقد هيبتها أبدًا.
— «اتفضلي يا بنتي اقعدي…»
جلست مكة تحت أنظار الجميع… التوتر يملأ جسدها، ولكنها شعرت بشيء من الآمان والدفء الأسرى.
وكلما نظرت إلى سلوى، تراها تبتسم بخفة، وزين خمارها وكأن وجهها بدر يخرج منه نور ساطع.
أخيرًا أنهت الطعام… وقبل أن تقف، نطقت فايزة بجدية:
— «سبحان الله… لما قلنا تميم… مصدقتش… الله يرحمها أوبسيدين… دي كانت غالية علينا كلنا.»
أغمض تميم عينيه بألم شديد… في حين ابتلعت مكة ريقها لتقول بخجل شديد:
— «الله يرحمها!»
قاطعهم سامر بغمزة لتميم:
— «انت وقعت على أوبسيدين منين ياتميم؟!»
تميم وهو ينظر لتلك التي ستموت من حرجها:
— «قدري.»
قاطعهم صوته الذي قال بهدوء:
— «أنا رايح أذاكر مع كريم صحبي.»
نطقت سلوى ببعض الغضب:
— «انت داخل على شهر وانت مش بتقعد في البيت دقيقتين يا آسر؟»
ما كاد يتحدث حتى نطقت فايزة قاطعة الحوار:
— «سيبيه يا سلوى.»
وأخيرًا وقف تميم ليشد الكرسي لمكة في حركة مفاجئة… مما جعل سامر يتحدث بمشاكسه:
— «براحة يا روميو… البت هتموت من الخضة.»
ضحك الكل في صوت واحد… في حين انفجرت وجنتا مكة من شدة الحرج.
وأخيرًا، بعد فترة وجيزة، قد استأذن فيها تميم، الذي سحب يد مكة للخارج مباشرة في الجنينة الخاصة بالقصر.
نظرت مكة للجنينة بزهول!!!
حيث جنينة واسعة، مليانة أشجار مرتبة، ممرات حجرية واضحة، ورود ملونة متناثرة، ونافورة مياهها تتدفق في الوسط.
ورغم ذلك، شردت بعيدًا.
نطق تميم وهو يشد كرسي تلك الترابيزة لها:
— «سرحتي في إيه؟!»
تنفست عالياً… لكنها لم تستطيع إخفاء بكائها.
تميم بجد:
— «زمان أهلك قالبين عليكِ الدنيا.»
ولكنه تجمد لثوانٍ من ردها البارد:
— «مش فارقة!»
حركت رأسها سريعًا:
— «ها قولت إيه؟!»
تميم جلس وضع قدم على الأخرى:
— «في إيه؟!»
— «في إنك تتجوزني.»
موافق بس بشرط…
مكة بصدمه:
— «هو انت هتشرط؟ هو انت مش كنت عاوز كده؟»
— «أيوه… بس مش قبل ما أفهم عاوزه تتجوزيني ليه؟!»
تنهدت مكة:
— «متهيقلي انت اتقدمت وأنا وافقت.»
— «لأ… ماكنش ده كلامك قبل الحادثة.»
— «وبعدين مش مستغربه إنك حتى ما حولتش تسأل عن صاحبتك إذا كانت عايشة أو ميتة.»
ولكنه تجمد مرة أخرى بفتح فم:
— «أظن الأفضل تموت.»
تميم انتفض:
— «نعم يا عنيا!»
وهنا لم تستطيع مكة أن تتمالك أعصابها… وبدون سابق إنذار قصّت لتميم قصتها كاملة.
تميم يقابلها القصة تارة بحزن وتارة بابتسامة ونار بأسى…
أنهت كلامها وهي تمسح دموعها بقوة:
— «وماظنش دلوقتي هيبقى حد فارق معايا… اللي بيتوجع أوي بيوجع أوي.»
تميم هز رأسه بلا:
— «أنا شايف إنك هتتسرعي… ممكن تسمعي منهم بدل ما تندمي.»
— «هو أنا لسه هندم يا دكتور؟ أنا خلاص ندمت.»
تميم أدار ظهره للخلف بإرتياح وقال بتفكير:
— «أمممممم… هتبقى جواز انتقام يعني.»
ولكنها أجابت بثقة:
— «ما أنت هتتجوزني جواز فراغ… لأنك شايف أوبسيدين فيا.»
تميم بابتسامة هادية:
— «ودي حاجة تخليني أشيلك في قلبي وعقلي.»
— «يعني هتساعدني؟»
— «تنتقمي؟!»
— «أيوه.»
— «أفكر… تميم…»
— «خلاص وافقت.»
ليضحكوا معًا…
في نفس الآن دخل سامر وضحك:
— «كخريج تجارة… لو المشروع ده كان عندي في محاضرة الربح والخسارة، كنت حسبت إنه هيكسب بضحكة مكة! دي.»
مكة بصّت لتميم، وقالت بهمس وهي بتضحك:
— «هو دايمًا كده؟»
تميم رد بنفس الهمس:
— «لا… ساعات بيبقى أخطر.»
في الركن البعيد من الصالون، كانت رهف تراقب المشهد بصمت… ابتسامة خفيفة على شفتيها… ابتسامة ما تطمّنش.
عينها الخضراء لمعت لحظة وهي تشوف مكة تضحك مع تميم… وبنفس اللحظة انطفأت.
اقتربت من مكة… مدّت إيدها على الطاولة، لفّت خاتمها في إصبعها ببطء، كأنها بتكتم حاجة جوّاها.
اقتربت فجأة، من غير صوت:
— «مبسوطة؟»
سؤال بسيط… نبرته مش بسيطة.
مكة بصّت لها باستغراب:
— «الحمد لله…»
رهف ابتسمت، ابتسامة دافئة جدًا، قريبة زيادة عن اللزوم، ومسكت إيد مكة بلطف:
— «حلو… أنا بحب الناس اللي بتضحك.»
ثانية واحدة… سحبت إيدها فجأة، ونظرتها تغيّرت، بقت حادة، جارحة:
— «بس خلي بالك… الضحك هنا عمره ما بيكمّل.»
سكتت لحظة… وكأنها بتستمتع بالارتباك اللي زرعته.
— مالك بهزر معاكي
ثم ضحكت ضحكة قصيرة، خفيفة، كأن ولا حاجة حصلت.
مشيت، وتركت وراها إحساس تقيل، خانق، يخلي اللي قدامها يسأل نفسه: هي طيبة؟ ولا شريرة؟ ولا الاتنين في نفس الوقت؟
تميم بابتسامة ارتباك:
— «يستحسن مالناش دعوة برهف.»
سامر وهو يقول بهمس:
— «صح… يستحسن.»
ابتسمت مكة بلطف، ولكن ما زالت نفضت القلب من رهف بداخلها.
مرّ أسبوع كامل…
أسبوع كان أطول من عمر كامل.
نعود الآن إلى بيت مكة.
رحيم كان واقفًا في منتصف الصالة، صوته عالي ومبحوح، والغضب والخوف متشابكين في نبرته:
— «يعني إيه بنتي اختفت؟!»
مالك واقف أمامه، عيونه مرهقة من السهر، وصوته ثابت بالعافية:
— «قلبت الدنيا… مفيش أي أثر. والكاميرات اللي في المكان مش واضحة حاجة، والزحمة كانت رهيبة بسبب حادثة مها وقتها.»
صمت رحيم فجأة.
كان سكوتًا أثقل من أي صرخة.
شعر في قلبه بثقل الخسارة… خسر كل شيء دفعة واحدة.
محمود ترك المستشفى وفرّ، شايلًا صدمة وخزي عمره كله من ما فعل بمها، غير قادر أن يواجه نفسه أو أي شخص آخر.
وبنته… اختفت.
جلس رحيم على أقرب كرسي، ماسك رأسه بإيده، أنفاسه ثقيلة، وشعر لأول مرة أنه أب فشل.
في أوضتها، كانت مها جالسة على الأرض، ضامة ركبها إلى صدرها، ودموعها تنهمر بلا توقف.
بكاء تقيل، مكتوم، يقطع القلب.
— «يا مكة… يا رب تكوني كويسة…»
كانت تتحدث وهي تبكي، من شدّة خوفها عليها، ومن فكرة أنها تكون وحيدة، تائهة، بلا سند.
حاولت أن تنهض… لكن الدنيا لفّت بها، رجلاها خانتها، جسمها مال، وكانت على وشك السقوط… وفي اللحظة ذاتها، التفّت يد مالك حولها بسرعة، شدّها إليه، وحملها بين ذراعيه قبل أن تسقط.
— «مها…»
وفي اللحظة نفسها، فتح الباب.
دخلت مكة، وورائها تميم.
أول ما وقعت عين مكة على المشهد… رأت مالك شايل مها بين ذراعيه.
وقفت متنّحة، عاجزة عن الحركة… عاجزة عن الكلام.
نظرت، وحزنها كان كافيًا ليقفّل كل شيء حولها.
رواية قدري الاجمل الفصل العاشر 10 - بقلم ندا الهلالي
وقفت مكة مكانها.
شلت من حبيبها وآخت الطفولة أمامها.
ولا خطوة اتقدّمت، ولا خطوة رجعت.
المشهد قدّامها كان كفيل يسرق منها النفس.
مالك… شايل مها بين إيديه.
مشهد واحد، بس كان كفاية يهدم سنين.
قلبها دق مرة… وبعدها سكت.
تميم حسّ بتيبّسها قبل ما يسمع أنفاسها المتقطعة.
قرب خطوة، وصوته خرج واطي:
«مكة…»
مالك رفع عينه أخيرًا.
والثانية اللي شاف فيها مكة… إيده ارتخت.
مها فتحت عينيها، وأول ما شافت مكة، صرخة مكتومة خرجت منها:
«مكة… لا…»
لكن مكة ما ردّتش.
ولا حتى بصّت لها.
عينها كانت ثابتة على مالك.
نظرة مش غضب… نظرة نهاية.
لفّت وشّها ببطء، وشدّت نفس طويل، كأنها بتجمع آخر حاجة فاضلة جواها.
في اللحظة دي، صرخة فاطمة شقّت المكان، وهي بتهرول ناحيتها وتضمّها:
«مكة!»
لكن مكة ما بادلتش العناق.
إيديها فضلت سايبة جنبها… جسمها جامد، كأنه مش موجود.
رحيم صوته خرج صارم، مخلوط بغضب ولهفة واشتياق:
«كنتِ فين يا مكة؟!»
ولا رد.
في نفس اللحظة، مها نزلت من بين إيدين مالك، وهرولت ناحيتها، لكن مكة صدّتها بحركة مفاجئة… شلّت المكان كله.
وبصوت هادي… هادي زيادة عن اللزوم:
«أنا جاية آخد حاجتي.»
الصالة اتجمّدت.
تميم حمحم، محاولًا يكسر الارتباك، وهو باصص لمالك:
«إيه يا مكتي؟ إنتِ جايباني كيس جوافه ولا إيه؟ مش هتقولي لهم أنا مين؟»
مكة بصّت له… وابْتِسَامَة واسعة رسمت على وشّها.
مالك كان بيتنقّل بنظره بينها وبينه، وجواه رغبة يجيب تميم أسف قدمه.
مكة قالت بهدوء ثابت:
«تميم جوزي يا بابا.»
وبإشارة بسيطة:
«بابا… يا تميم.»
صرخة مالك خرجت أخيرًا:
«نعم يا أختي؟!»
رحيم قعد فجأة، وكأن قلبه وقف.
تميم اتفزع وقرب عليه، لكن مكة تمسكت في ذراعه، وقالت ببرود:
«يلا يا تميم… نبقى نرجع في وقت تاني.»
تميم همس لها بوجع:
«يا أم قلب حجر… أبوكِ بيموت.»
لكنها ما ردّتش.
لفّت، وخرجت… وتركت خلفها صدمة تقيلة.
هرولت فاطمة وهي تصرخ:
«رحييييم!»
هرول عليه مالك ومها بفزع.
خرجت مكة من باب البيت كأنها بتنهرب من نفسها.
ركبت العربية من غير ولا كلمة.
العربية اتحركت… الصمت كان تقيل، بس مش متوتر.
تميم سايق، عينه قدّامه، سايب لها المساحة.
بعد شوية قالت فجأة، بصوت مخنوق:
«وقف هنا.»
تميم بصّ قدّامه… النيل.
هدي السرعة وركن من غير ما يسأل.
مكة فتحت الباب ونزلت.
وقفت قصاد الميّة.
ثانيتين… وبعدين قناع الجبروت وقع.
الخنقة طلعت مرة واحدة.
عيّاط مكتوم، تقيل، كأنها بتطلع نفس كان محبوس بقاله عمر.
تميم نزل بهدوء، وقف جنب العربية، ما قربش.
سابها.
فضلت تعيط… وإيديها على بُقها، كتافها بتتهز.
بعد شوية، صوتها طلع واطي:
«أنا كنت واقفة جوه… مش حاسة بحاجة.»
سكتت لحظة، وبعدين:
«أول ما خرجت… وقعت.»
تميم قال بهدوء:
«الوقعة برّه… مش جوه.»
رفعت عينها له، دموعها مغرّقة وشّها:
«هو طبيعي اللي حصل ده؟»
هزّ راسه:
«لا.»
الكلمة نزلت تقيلة… بس ريّحتها.
مسحت دموعها بإيدها، وما قالتش حاجة.
سكتوا شوية.
صوت الميّة بس.
فجأة، تميم قال وهو باصص قدّامه:
«إنتِ عارفة إنك عاملة زي حد نسي يقفل الراديو؟»
بصّت له باستغراب.
«الصوت مش عالي… بس مدايق.»
غمّت شفايفها، طلعت ضحكة صغيرة منها غصب عنها، وبعدين حطت إيدها على بُقها بسرعة، كأنها اتكسفت من نفسها.
تميم ابتسم:
«أهو كده. لسه بتضحكي… يبقى لسه واقفة.»
رجعت تعيط، بس بهدوء.
«أنا مش ضعيفة… صح؟»
قالتها من غير ما تبص له.
«لو ضعيفة… مكنتيش سكتّي بالطريقة دي. بس خايف تسرعك يندمك!!»
لفّت وشّها ناحية النيل.
«أنا مش عايزة أشرح… ولا أبرر.»
«ما تعمليش كده.»
قالها بهدوء.
«اللي ظلمك… هو اللي محتاج يشرح.»
مدّ لها منديل من غير ما يبص:
«خدي… علشان كده هنتفهم غلط بالشلالات دي.»
مسكته، وسكتت.
ببسمة بسيطة.
بعد شوية:
«تميم؟»
«أيوه.»
«هو ينفع أفضّل ساكتة شوية؟»
ابتسم:
«ينفع. وأنا هسوق.»
ركبوا العربية تاني.
المرة دي، مكة سندت راسها على الكرسي، مش على الإزاز.
وقناع الجبروت؟ اتساب هناك… قصاد النيل.
ركبت مكة العربية بصمت.
تميم سايق، سايب لها مساحة.
المشهد رجع غصب عنها.
مالك… وهو شايل مها.
إيده كانت ثابتة.
نفس الإيد اللي كانت بترتعش أول مرة مسكها هي.
نفس الإيد اللي كانت بتشدها عليه كأنه خايف تضيع.
غمضت عينها بسرعة.
بس المشهد ما راحش.
افتكرت يوم كان واقف جنبها في الشارع، لما دوخت، شالها قبل ما تقع، ووقتها ضحك وقال:
«إيه؟ هتقعي من غير إذني؟»
كانت ضحكته دافية.
وكانت حاسّة إن الدنيا أمان.
دلوقتي… الإيد نفسها شايلة واحدة غيرها.
فتحت عينها.
العربية ماشية، نور الشارع بيعدّي على وشّها ويختفي.
حاسّة إن قلبها اتشال من مكانه، مش اتكسر… اتاخد.
سندت راسها على الكرسي، لفت وشّها ناحية الشباك.
النيل عدى جنبها هادي… ولا كأنه شايف الوجع اللي جواها.
شفايفها اتحركت بصوت مبحوح، كلمة واحدة خرجت منها.
مش سؤال… ولا عتاب… وجع:
«ليه؟»
قاعد على الأرض، ضوء ضعيف يسلط على وجهه الشاحب.
الحائط قدامه متشقق، والمرايا المكسورة تعكس صورته الممزقة.
بصّ في واحدة منهم… شاف نفسه صغير، أبيض الوجه، وأبوه واقف جنبه صارم، صوته حاد:
«دول هيضيعوك يا محمود! ابعد عنهم… دول هيدمروا حياتك!»
الكلمات رجعت صدى في دماغه.
الأب كان واقف قدامه كالصخرة، مش سايب له مجال للخيار، عيناه تحرق.
كل حركة له كانت حازمة… كل كلمة كانت إنذار… كل لمسة كان فيها خوف على ولده من السقوط.
المشهد اتبدّل فجأة… مها واقفة قدامه في ذاكرته، عينها مليانة دموع، صوتها حاد:
«أنا بكرهك… مش هسامحك طول عمري… انت دمرتني!»
رجع محمود يطلّع نفسه في المرايا المكسورة… شاف كل الخراب اللي وصل له… كل دموع الناس اللي اهدرها… كل كسر عمله لنفسه وللي حواليه.
بدأ يبكي… بكاء هستيري، صوته مكتوم، جسمه بيرتعش من شدّة الألم.
عينه وقعت على الحقنة المخدّرة جنب الطاولة.
مدّ إيده ببطء… قلبه يدق… عرف إنها هتدي له هروب مؤقت من كل اللي داخله… شعوره بالذنب، بكاءه، كسره…
بس قبل ما يدخلها في وريد نفسه، ظهرت له صورة أبوه مرة تانية… الصلابة، الحزم، التحذير… كل شيء فيه كان أكبر من خوفه أو غضبه أو تمرده.
حس بالمواجهة اللي ما قدّر يهرب منها لما كان صغير… الحقيقة اللي جوا قلبه… إنه ضيع الطريق، بس أبوه حاول ينقذه من البداية.
رفع الحقنة… دخلها في وريد نفسه.
السائل البارد انتشر، جسمه ارتجف… كل شيء ساكن حواليه، إلا قلبه اللي كان مكسور.
وهنا، الخشوع والوجع اللي جوه قلبه اتربط بمشهده مع أبوه ومها… كأن الحياة نفسها بتقوله: فيه حساب لكل اللي ضاع… لكن في رحمة لو رجعت.
كانت مكة جالسة في غرفتها بالقصر.
غرفة فاخرة بلا مبالغة؛ جدران بلون العاج، سقف مرتفع بنقوش هادئة، إضاءة صفراء دافئة، وستائر ثقيلة تنسدل على نوافذ واسعة.
رفعت عينيها للسقف… سرحت.
وفجأة، سحب نظرها باب صغير في أحد أركان الغرفة، باب معدني أنيق، مخفي داخل الحائط، يشبه أبواب الخزائن.
تحركت خطوة… خطوتين… بفضول شديد.
«حمحم.»
اتخضّت.
لفت بسرعة.
تميم.
صرخة خفيفة كانت هتطلع، لكن إيده لفّت خصرها فجأة، شدّها ليه بقوة، لدرجة إن جبينها خبط في صدره العريض.
كانت لابسة إسدال، خصلة شعر ناعمة فلتت من الطرحة ونزلت على عينيها، رموش طويلة، وعيون بنية لامعة من الخضة.
إيده التانية كانت ماسكة كوب شفاف، مشروب قهوة سوداء باردة Cold Brew Black Coffee.
قهوة متخمّرة على البارد، مرّة، تقيلة، بلا سكر… مشروب ناس بتفكر كتير.
ارتشف منها بهدوء وهو لسه حاضنها.
دقات قلبها علت. قوي.
بصّ في عينيها مباشرة وقال بهدوء قاتل:
«ما اتفقناش نلعب في خصوصية بعض.»
ابتلعت ريقها، حاولت تفلت من غير اندفاع:
«أ… أنا مكنتش قصدي… أنا بس كنت عايزة أعرف إيه ده.»
عينه ما كانتش معاها… كانت غرقانة في جمال عيونها.
قرب منها أكتر… كان فاضل لحظة.
وفجأة ضغطت على رجله بقوة.
اتنفض.
فوق.
هز راسه، تنهد:
«ما تلعبّيش في حاجة الكبار تاني يا شاطرة.»
رفعت حاجبها:
«وإنت ما تبصّش على حاجة ما تخصكش تاني يا شاطر.»
غمز:
«معايا ورقة جواز بتأكد إنها تخصني.»
اتلخبطت.
وشّها احمر، نزلت بعينها الأرض.
ضحك فجأة، ضحكة عالية كسرت التوتر:
«ها؟ ناوية على إيه يا قطة يا شرسة؟»
بتوتر:
«هو… هو إيه البتاع اللي إنت كل شوية تشربه ده؟»
رفع الكوب:
«جولد برو… قهوة باردة، مرّة… زي الحقيقة.»
كان لسه هيسألها تتذوق… الباب اتفتح بعنف.
«إييييه ده؟! سامر.»
واقف، شعره منكوش، عينه واسعة:
«لا لا لا… أنا داخل ألاقي رومانسية غير مرخّصة؟!»
ضحك تميم، ومكة حاولت تداري كسوفها.
سامر بص لها وقال بمبالغة:
«هخطف منك تميم شوية ياري-جِي-نا (Regina = ملكة بالإيطالي)»
شدّ تميم وخرج.
خرجت مكة وراهم.
ممر طويل، أرضية رخامية لامعة، أعمدة مزخرفة، لوحات كلاسيكية على الجدران.
وقفت فجأة.
صورة كبيرة على الحائط.
أوبسيدين.
نسخة منها.
دققت.
الشبه مخيف.
همست للصورة:
«يا ترى بختك كان زي بختي… ولا خيبتي ما وردتش على حد يا شبهتي؟»
«مش كل الشبه نعمة.»
اتنفضت.
رهف.
واقفة وراها، لبس كحلي أنيق، شعرها مسدول، نظرتها متقلّبة، صوتها واطي:
«أحيانًا الشبه… لعنة.»
ضمّت مكة إيديها لصدرها:
«إنتِ بتخوفيني.»
ابتسمت رهف بسخرية ناعمة، نبرة صوتها جد جداً:
«عارفة يا مكة… وجودك هنا… مش صدفة.»
نظرتها كانت فيها هزار، لكن الكلام نفسه كان مرعب.
مكة حسّت بالقشعريرة ووقفت ساكتة، عيونها بتلمع من الخضة.
رهف ضحكت ضحكة قصيرة، خففت التوتر وقالت:
«ما تقلقيش… ده كله هزار. كنت بهزر معاكي.»
وسابتها ومشيت، تاركة مكة واقفة، يدها على قلبها:
«أنا البت دي هتموتني من الرعب.»
فجأة، وقفت.
صوت بكاء.
مش عالي… بكاء مكتوم، مكسور، جاي من أوضة مقفولة.
قلب مكة شدّ.
ما كذّبتش خبر.
قرّبت بهدوء، خبطت خبطتين خفيفين:
«آسر؟… ينفع أدخل؟»
ثواني صمت… ثم صوت حركة سريعة، ومسح أنف بعجلة.
«آه… اه طبعًا، اتفضلي.»
فتحت الباب.
واتصدمت.
آسر كان قاعد على الأرض، ضهره للسرير، كتاب مفتوح قدّامه، أوراق مبعثرة، عينه محمرة، ملامحه باينة عليه الهزيمة.
مش هزيمة ولد صغير… هزيمة حد حاسس إنه بيغرق ومش عارف يمسك في حاجة.
مسح وشه بسرعة كأنه اتقفش:
«آسف… يعني…»
مكة دخلت بخطوات مترددة:
«ممكن… أقعد معاك؟»
«اه طبعًا، اتفضلي.»
قعدت على طرف الكرسي.
حاسّة بتوتر غريب… مش عارفة تبدأ منين.
ثواني صمت.
قالت أخيرًا:
«إنت في ثانوي؟»
هز راسه بتعب:
«أيوه.»
سكتت شوية… وبعدين:
«طيب… حلمك إيه؟»
بصلها باستغراب بسيط:
«حلمي؟»
(سكت لحظة)
«أقفل كل المواد.»
مكة رمشت، وبعدين ضحكت:
«حلم جديد أوي عليّا! كنت متوقعة تقول دكتور، مدرس، مهندس… حاجة كده يعني.»
هز راسه بلا:
«ده شغل… مش حلم. الشغل أي حاجة بعدين. بس حلمي دلوقتي ما نقصّش في الامتحانات… وبعدها أشوف أنا عايز إيه.»
إجابة آسر خلّتها تبصّ له بنظرة مختلفة.
نظرة حد اكتشف فجأة إن اللي قدّامه مش طالب عادي، ده عقل واعي، سابق سنّه بخطوة، فاهم أولوياته من غير زيف ولا شعارات.
ده مش بس حلم… ده وعي.
ابتسمت له بإعجاب صادق.
علشان تخفف الجو، ابتسمت وقالت:
«طب اسمع بقى… أنا في ثانوي مرة دخلت امتحان فيزياء، وكنت فاكرة نفسي جامدة جدًا… حلّيت نص الامتحان، وسلّمت الورقة، وأنا طالعة قلت للمراقب: "هو الامتحان سهل ليه؟"»
ضحك آسر بخفة.
كمّلت:
«بعد ما خرجت افتكرت إن فيه صفحة تانية… رجعت أعيّط في الحمّام، وبقول: "يا رب الصفحة دي تكون اختيار من متعدد في دماغهم!"»
آسر انفجر ضحك بصوت عالي:
«لااااا! 😂دي جامدة أوي!»
ضحكت معاه:
«أهو… كلنا بنقع.»
قربت شوية:
«طيب… أساعدك في إيه؟»
بصلها باستغراب:
«بجد؟»
«يا بني أنا دكتورة، وكنت شاطرة… جربني، مش هتندم.»
ابتسم:
«ماشي… ما تضرّيش.»
ناولها كتاب الفيزياء.
فتحت الصفحة… قرأت العنوان: «الحث الكهرومغناطيسي وقوانين فاراداي».
وسكتت.
ثانيتين… تلاتة… وبعدين:
«يا ستار يا رب… أنا ليه اتصرّعت وقلتلك جربني؟»
تحمحمت، عدّلت قعدتها:
«لا لا… سهلة… سهلة…»
(بهمس)
«كذّابة.»
آسر كان ماسك بطنه من الضحك:
«إنتِ بتلعني نفسك؟»
«جدًا.»
اتنهدت تذمّر طفولي:
«يلا… ركّز معايا.»
وبدأت تشرح فعلًا… بأسلوب بسيط، وضحك، وتشبيهات غريبة.
عدّى الوقت من غير ما يحسّوا.
ساعتين كاملتين.
وفجأة… الباب اتفتح.
تميم واقف، مربّي إيده قدّام صدره، عينه بتدور:
«إنتي كنتي فين؟ قلبت القصر عليكي!»
مكة كانت قدّام مسألة صعبة، بصّت له وقالت بهدوء:
«دي معقّدة… زي تميم كده بالظبط.»
آسر:
«المعقّد جه… قصدي تميم جه.»
حاجبه مرفوع:
«ساعتين… ساعتين يا دكتورة؟ ده أنا لو خطفتك ما كنتش خدت كل الوقت ده.»
مكة رفعت عينيها من الكتاب:
«إحنا في مهمة قومية.»
آسر:
«إنقاذ الفيزياء.»
تميم ضحك:
«لا واضح…»
(بص لمكة)
«بس اللي واضح أكتر إنك مستريحة أوي هنا.»
نظرة تميم كانت مختلفة.
مش حادة… مش عدائية… لكن فيها حاجة غريبة، شدّة غير مبررة.
هو نفسه مش فاهمها.
قرب خطوة:
«قوليلي… إنتي بتعملي إيه بالظبط؟»
«بشرح.»
«لأ…»
(بمزاح)
«قصدي إيه اللي مخليكي متحمسة كده؟»
مكة ضحكت:
«يا بني ده عقل تحفة! ده أنا لو كنت في سنه كنت بقيت نابغة.»
تميم رفع حاجبه:
«نابغة؟ واضح إنك بتبالغي.»
«خالص. ده آسر دماغه مش تقليدية.»
آسر:
«شكرًا…»
(بضحكة)
«بس هي فعلًا كانت هتلبسني في الحيط عند "فاراداي".»
تميم:
«آه… يعني طلعتِ فاشلة؟»
مكة:
«فاشلة؟! ده أنا اخترعت قوانين جديدة مخصوص علشانه.»
تميم:
«لا واضح…»
(قرب أكتر)
«أنا مش مطمّن.»
«ليه؟»
«أي دكتورة تقعد ساعتين مع فيزياء ثانوي وتطلع مبتسمة… دي حالة مش طبيعية.»
انفجروا ضحك.
آسر:
«تحب أسيبكم؟»
مكة:
«لأ خليك… ده تميم محتاج يراجع إنجليزي.»
تميم:
«أنا؟ ده أنا لو ذاكرته يعتذرلي.»
الضحك ملأ الأوضة… لكن تميم فجأة مال ناحية مكة، صوته واطي، نبرته جدّ:
«قوليلي… إنتي ناوية على إيه؟»
مكة سكتت.
ابتسامتها خفتت.
نظرتها سرحت.
وبهمس شبه تايه:
«أخسّرهم أغلى حاجة عندهم… زي ما أنا خسرت نفسي.»
تميم ضمّ حاجبه.
عقله اشتغل فورًا… الربط كان سريع… أخطر من اللي يتقال.
بس قرر يكدّب إحساسه.
ابتسم بسخرية:
«مستحيل… أكيد أنا فهمت غلط.»
قرب أكتر، صوته واطي بس واثق:
«قصدك تسقطيها؟ أكيد لأ.»
سكت.
اتجمّد… لما لقاها بتهز راسها بهدوء.
لا إنكار… لا تبرير.
بعيد عنهم… فايزة كانت واقفة في ظل الممر، عينها ضيقة، شارده بشده.
ونطقت بجد ورعب تشكل في نبرتها:
«البنت دي لازم آخلص منها قبل ما تميم يخلص عليها.»