كان كمال ماشياً في الأرض بحزنٍ ماليٍ ملامحه، بعد أن راحت منه حب طفولته وشبابه وعمره كله. تنهد بصوتٍ مسموع وقال بحزن: = انتي رحتي فين يا أفنان... وحشتيني أوي يا ضي عيوني... غلط غلط كبير لما سبتك، لكن أنا مستحقش العقاب ده منك يا نبضي. فجأةً، رأى كمال أم أفنان جالسةً بحزنٍ على صخرةٍ أمام الأرض، وهي حاطةً إيدها على خدها بوجهٍ شاحبٍ من كثر ما بكت على فراق بنتها الوحيدة.
فقرب منها كمال وجلس جنبها على صخرةٍ أخرى وتنهد تنهيدةً عميقة. فنظرت له عبير بحزنٍ ماليٍ عينها وقالت بيأس: = مش راجعة يا كمال... أفنان خلاص راحت. كمال نظر لها وقال: = ليه بتقولي أكده يا عامة؟ أفنان راجعة... أفنان مستحيل تعيش بعيد عن أهلها ومستحيل تسبنا أكده وتنسانا. عبير بحزن: = إحنا نستاهل ده يا كمال. أمم، متبصليش أكده. آه، إحنا نستاهل أكده...
أنااا غلطت كتير قوي في حق بنتي لما أوقات مكنتش بصدقها لما تقولي أنا مش بحس بالأمان والراجل ده في نفس الدوامة ياما... كتير قالتلي إنها تعبت من الشغل ليل ونهار وعاوزة ترتاح بقى... لكن خلف منه لله مكنش بيرحمها، ولا أنا كنت جنبها وقت ما كانت بتكون محتاجتني... كنت بشوف عيون خلف بتاكل بنتي أكل وكنت ساكتة. وقبل ده لحد ما ضيعت بنتي بإيدي وجاية دلوقتي أبكي وأقول انتي فين يا حبّة عمري انتي فين يا بنت قلبي. كمال باستغراب:
= انتي ليه بتقولي دايماً بنت قلبي يا عامة؟ توترت عبير وقامت بسرعة وقالت: = أفنان بتكون بنت قلبي وبطني يا كمال... أنا ماشية بقى، ملهاش لازمة القعدة دي... مفيش أمل إنها ترجع خلاص يا ولدي... إحنا اللي بإيدينا ضيعنا بنتنا مننا. ومشت عبير وهي عمالة تدور على أفنان بعينها حولها بدموع وشوق لبنتها، وهي عمالة تتكلم مع نفسها، والناس تنظر لها بشفقة. = انتي فين يابنت قلبي... رحتي فين يا أعز حاجة على قلبي...
هعيش إزاي وأنتي مش معايا يا أفنان بس... راحت الأمانة اللي كنت مأمن عليها يا جليل... ضاعت بنتها بسبب غباء أمها... رحتي فين يا أفنان. فضل كمال ينظر لها بشفقة وحزن. فسند كمال راسه بين يديه وهو يتنهد بعمق، وكلام أمه وأم أفنان يدور في عقله. وقال برجاء: = ارجوكِ ارجعي يا أفنان... صعب والله صعب أسلم قلبي لواحدة تانية غيرك... مش هعرف أحب واحدة تانية غيرك يا قلبي. *** في دوار صباح. قامت صباح من على الفراش
وهي بتلبس ملابسها وقالت: = جرالك إيه يا راجل؟ مالك أكده انهارده مش عاجبني... هه، شكل عبير لسه منكّدة عليك عشان المحروسة بنتها. سند خلف رأسه للحائط وهو متمدد على الفراش بتفكير وقال: = الولية أختك دي حاطة ليّ العقدة في المنشار... كل حاجة دلوقتي ممكن بسهولة تكون في إيدي، لكن مش موفقة بنت الـ... إلا لما أرجع ليها بنتها الأول وكأني عارف مكانها ومخبّيها. جلست صباح جانبه على الفراش وقالت:
= تبقي عبيط لو صدقت الكلام العبيط ده... هه، عبير مش ناوية تديك مليم من ورث أفنان من جليل، وبكرة تصدق كلامي ده زين. خلف بغضب مسك ذراعها جامد وقال: = كنت قتلتهم هما الاتنين في لحظة واحدة... أنا هخليها تمضي على ورق التنازل ورجلها فوق رقبتها، وإلا ترفض وأنا أفرجها على حبيبت قلبها بنتها وأنا بغتصبها قدام عينها. صباح بتألم: = أيييي أييي سيب إيدي يا راجل ونا مالي عاد لتنشف عليه أكده الله. سبها خلف وسند مجددًا على الحائط
وأشعل سيجارته وقال بشر: = هي مفكرة حالها ذكية لما شرطت الشرط ده عليا... هههه، متعرفش إن في الحالتين بنتها خلاص انتهت. ومخمرت جوا عقلي، ولما أرجعها مش هسيبها تهرب مني المرة دي غير وأنا آخد مرادي منها. هه. صباح بتريقة: = ههههههه، دي لو رجعت أو لقيت لها طريق جرة... وبعدين إيش عرفها عاد إنها لما ترجع هتكون لسه بنت بنوت زي ما كانت يا هه. خلف: = ههه، ماهو أكده الطريق بقى أسهل ليا يا ولية...
وبعدين مالك أكده بتتكلمي بارتياحية عاد؟ أنتي ناسيا يولية إن بنتك كمان حصلها ولا مش خايفة عليها عاد. صباح بشر: = ما تغور، إن شاء الله مترجع عاد بت الـ... أنت عارف زين إنها آه كانت بنتي بس جايباها من راجل بكرهه كره العمى، وأديه غار ومات، وعقبال بنته إياك... كل ده عشان كنت عاوزاها تتجوز من راجل أكبر منها... وإيه يعني، ماهي كل البنات ملهاش إلا بيت جوزهم... هي بس اللي وش فقر وضيعت من إيدها عريس كان هيعيشها في نعيم...
بت وش فقر صحيح. وتذكرت ما حدث قبل هروب أمينة بيوم. *** فلاش باك. أمينة بذهول: = انتي بتقولي إيه عاد يا ماما؟ مين ده اللي عاوزاني أتجوزه؟ صباح ببرود: = هيكون مين عاد يا قلب أمك... عاوزاكي توافقي على جوازك من الحاج رمضان تاجر الخضار... الراجل بصراحة حاطط عيونه عليكي وريدك في الحلال يا هبلة. أمينة بحدة: = لا يا ماما مش موافقة... يالهوي، عاوزاني أتجوز راجل أكبر من أبويا الله يرحمه ليه؟ هو أنا بيرة ولا على راسي بطحة؟
لا أوافق أتجوز جوازة زي دي. صباح بحدة: = أمال مستنية إيه يا عنيا... لتكوني فاكرة أكده هتتجوزي جوازة عدلة من راجل متعلم إياك... يا ريت تبصي لتحت رجلك يا روح أمك، ولا بلاش الطلعة دي عاد لأن خلقي ضاق منك ومن نمردك وجنونك ده... وأنا خلاص وافقت على الحاج رمضان وهييجي الجمعة الجاية وفي إيده المأذون... فالأحسن ليكي متجادلينيش وتوافقي يا أمينة، لأن مفيش قدامك قرار تاني غير ده... أنتي فاهمة يابت.
وزقتها صباح وخرجت من الأوضة، وسابت أمينة في صدمتها، وفضلت أمينة تعيط لحد ما نامت من كتر القهر. باك. صباح بغيظ: = كان فادني دلوقتي أخدت كام قرش عدلين من الحاج رمضان مهر ليها، لكن هي أكده طول عمرها وش فقر زي اللي جابها... بس مش مهم، هي دلوقتي أهي غارت في داهية... ما تفتكرني أكده كنا بنقول إيه دلوقتي عاد؟ هيهيهيهي. خلف بشهوانية: = أنتي مش بتشبعي يا حرمة؟
ههههههه، تعاليلي يا قلبي، ده فيه موضوع واعر قوي عاوزك فيه. ههههههه. نسيب الشياطين دول لعالمهم اللي مليان بالشر والقرف. *** في القاهرة. في فيلا إسماعيل الحديدي. كانت تارا جالسة على المرجيحة بتاعتها في غرفتها، وهي عمالة ترن على سيف وهو مش بيرد عليها خالص. فرمت الهاتف بغيظ على الأريكة وأشعلت سيجارتها وفضلت تنفخ دخانها بغيظ شديد. وقالت: = مفكر نفسه مين ده اللي ميردش على تارا الحديدي كل ده؟
أوففف، ماهو أنا اللي غلطانة لأني أدّيتك قيمة متستاهلهاش يا سيف الألفي... آه يا سيف، أنت متستاهلش القيمة اللي أدتهالك. هه. بقت قائمة وفضلت تروح وتيجي في الغرفة وهي عمالة تفكر وهي بتاكل أظافرها وتنفخ في دخان السيجارة. فقالت: = ياترى إيه السبب اللي مخليه لحد دلوقتي ميردش عليا؟ ياترى هو كويس ولا فيه حاجة؟ وأنا مالي الله؟ ماهو يولع هو وغروره ده. أوففف.
وفضلت تارا السيجارة ونامت على الفراش وفضلت باصة للسما وقت طويل، وفجأة اترسمت ابتسامة جميلة لما لمحت حاجة ظاهرة من فوق مصباح النور. فجابت بسرعة كرسي التسريحة وقفت عليه وجابت الحاجة دي، وكانت صورة ليها مع أختها. وكانت تارا مدرياها عشان حورية متشوفهاش وتنهار. فجلست على الفراش. وقالت وكأنها تحدث أختها ملك: = ملوكي عاملة إيه يا حبي؟ بقا يرديكي اللي عاملة فيا الأستاذ ده يا ملك؟ أنا بجد غضبانه ومش عاوزة أكلمه تاني. هه...
هو مفكر نفسه إيه ده اللي ميردش عليا كل ده؟ أوففف، عصبني أوييي. (ثم بدأت تملس بصبعها على وجهها وقالت بابتسامة) = ياريتك كنتي معايا دلوقتي يا ملك... كان فاد حاجات كتير اتغيرت... تعرفي يا ملك إن أنا معنديش ولا صديقة، واللي معايا عارفني بس عشان مصالحهم. أوففف على الدنيا دي... كان لازم تموتي وتسبيني يا ملوكي. ثم باست الصورة وأخذتها في حضنها ونامت بعمق. *** في فيلا الألفي.
كان عاصم وأولاده الأربعة قاعدين على طاولة العشاء، ومافيش حد فيهم بيتكلم كلمة واحدة. فنظر لهم عاصم بغموض. وقال: = أخباركم إيه يولاد انهارده؟ الأربعة: = الحمد لله. نظر الأربعة لبعض وكملوا أكل بصمت. فتنهد عاصم وقال: = يارب دايمًا يولاد... آه صح، أنا مسافر بكرة في سفرية شغل وهرجع بعد يومين إن شاء الله. سيف: = تروح وترجع بالسلامة يا بابا. عاصم: = تسلم يا ابني... عاوزك يا سيف بقا تاخد بالك من إخواتك...
أنت أخوهم الكبير وأنتم ملوش غير بعض يا ولاد، وأنتم سند بعض بعد موتي. عمر: = ليه بتقول كدا بس يا بابا... ربنا يخليك لينا وميحرمنيش منك. عاصم: = مفيش العمر بقية يا عمر وخلص، أنا رجل بره ورجل جوه، ومعرفش يومي هيكون إمتى، فعاوزكم تاخدوا بالكم من بعض يا ولاد وبلاش تزعلوا بعض. آدم: = إن شاء الله يا بابا. أمير: = أما إيه يا بابا، أنت لغيت السفر لعزبة إسماعيل الحديدي قرب رأس السنة؟ عاصم: = لا خالص...
لسه على السفر أيام، ومينفعش ألغيه دلوقتي. فجأةً، جت مدام عنيات وقالت باحترام: = احم، عاصم بيه... عاوزة حضرتك في حاجة مهمة يا بيه. عاصم بتصنع التعجب: = موضوع إيه ده يا مدام عنيات؟ قولي عادي، مفيش حد غريب... فيه إيه؟ عدلت مدام عنيات من هيئة نظارتها وقربت من عاصم بيه وأدتله ظرفين وقالت:
= يا بيه، أنا عرضت على أفنان وأمينة الفلوس زي ما قلت، لكن رفضوا ومأخدوش باقي حسابهم، وقالولي إنهم مش عاوزين حاجة، وكفاية إن حضرتك كنت كريم معاهم واستقبلتهم في بيتك طول الفترة اللي فاتت دي. عاصم: = لا حول الله... كنت متأكد إنهم هيعاندوا ومش هياخدوا الفلوس... يلا ربنا يبعدلهم الرزق ويبعد عنهم الشر، كانوا بنات حلال... خلاص روحي إنتي يا مدام عنيات.
مشت مدام عنيات، والأربعة أخوات باصين لعاصم بدهشة وهم مش فاهمين حاجة من الحديث اللي دار دلوقتي. وعاصم ينظر لهم من تحت لتحت بمكر. فقال آدم بسرعة: = يعني إيه يا بابا الكلام ده؟ هييييي أفنان سابت الشغل ولا إيه؟ عاصم: = آه للأسف... انهارده اتفاجأت بأفنان وأمينة محضرين نفسهم ومقررين يمشوا لأنهم لقوا شغل أحسن من هنا، وعشان بردو يعرفوا يفوقوا لدراستهم. أمير بغضب: = وأنت إزاي تسمح لهم يمشوا؟ مش أفنان دي زي بنتك؟
مش أنت اللي كنت بتقول كدا؟ فليه تسبها تمشي؟ عاصم بحدة: = وطّي صوتك ده... أكيد مش همسك في البنات وأخليهم يضيعوا مستقبلهم عشان يشتغلوا خدامين وهم في كليات مهمة زي اللي هما فيها دي... يا ريت تاخد بالك من صوتك يا أستاذ، أحسن لك. وسبهم عاصم ومشى، وترك خلفه أولاده الأربعة جالسين مذهولين. ف قام سيف: = أنا هقلب الدنيا عليها، مش هسمح ليها تبعد عني. قام عمر وراه وقال بغضب: = أنت إيه يا شيخ؟
ما تبعد عنها بقا وسبها، واتقبل إن فيه بنت معرفتش توصلها في حياتك... ابعد عن أفنان يا سيف أحسن لك، ومدورّش عليها، لأن أنا هدور عليها، ووعد لو لقيتها مش هترجع هنا إلا وهي مراتي... أنت فاهم؟ مسكه سيف من هدومه وقال بغضب: = ده عشم إبليس في الجنة يا عمر... أنا مش هسمحلك بده... مش هسمحلك. قام آدم وقال: = ههه، واضح إن الموضوع بقى إدمان لنفس الإنسانة. والحل دلوقتي إن اللي يلاقيها يعمل اللي عاوزه، والتنين يتقبلوا الهزيمة...
ديل. أمير بغضب: = ليه هونتوا مفكرينها زي البنات الشمال اللي تعرفوها... ابعدوا عنها أحسن لكم، أفنان مش زي باقي البنات. سيف: = ماهي لو كانت زي البنات اللي نعرفها مكناش عشقناها يا أمير... بس كلام آدم كويس... تحدي اللي يلاقيها يتجوزها، والتنين يتقبلوا الهزيمة... هااا، موافقين؟ ومد سيف إيديه، فمد عمر إيديه وقال بثقة: = طبعاً يا حضرت الظابط. ووافق بردو آدم وأمير، والأربعة مدين إيديهم وهم ينظرون لبعض بتحدي وغضب مالي عينهم.
فكان عاصم يقف يتابعهم بنظرات غامضة وهو ساند على سور الدرج. فقربت مدام عنيات منه وقالت: = أنا كده نفذت اللي أمرتني بيه يا عاصم بيه. عاصم: = أكيد يا مدام عنيات... نفذتيه وبالظبط... والكورة جت في الهدف على طول. هه. لكن ما يعرفوش إن أبوهم أسطع منهم، ولاد الألفي. *** بعد يومين. ضرب سيف بغضب جحيمي على سطح المكتب بتاعه، وهو بيقول للعساكر: = إزاي مش لاقينها؟ هااا؟
يومين بلياليهم أمرتكم تقلبولي الدنيا على البنت دي وتيجوا دلوقتي وتقولي مش لاقينها؟ إيه، مشغل معايا شوية حرمة مش عارفين يجبولي حتة بنت زي دي؟ واحد من العساكر: = يا فندم، إحنا قلبنا البلد حرفيًا على البنت اللي قولتلنا عليها، وأدّيتنا تفاصيلها واسمها، وملقناش ليها أي مكان، كأنها فص ملح وداب. ودورنا عليها في السجلات، ملقناش عليها أي شبه جنائية، وبعدنا خبر للأقسام اللي في البلد اللي حوالينا، ومافيش حاجة بردو عن البنت دي.
جلس سيف وقال بحيرة: = إزاي بس ملهاش أثر؟ أنا مسبتش حتة في مصر اللي لما قلبتها عليها. (ثم قال بصوت خافت بقلق) = انتي فين بس يا أفنان؟ أنا حاسس إن راسي هتنفجر من التفكير فيكي طول الوقت وأنا مش لاقيكي. ثم تنهد سيف بقلق ينهش قلبه رعبًا عليها، بعد ما قلب الدنيا عليها وملهاش أي أثر، وكأنها اتبخرت. وللأسف مكنش يعرف هي من أنهي مكان في الصعيد، ولكنه بعد خبر للأقسام اللي في الصعيد، لكن بردو مفيش حد يعرف عنها حاجة.
فرفع رأسه للعساكر بتعب شديد من قلة النوم ومن شدة تفكيره وقلقه عن أفنان اللي اختفت حرفيًا. فقال: = خلاص روحوا أنتم يا عساكر، وخلّيكم متبعين الأمر، ولو جد جديد عرفوني. العساكر باحترام: = تمام يا فندم. وتركوه العساكر وخرجوا. فقام سيف وفتح زجاج المكتب ليستنشق بعض الهواء البارد قليلًا بعمق. فهم الآن في أواخر فصل الخريف. فنظر للناس اللي في الشارع ببصيص أمل. وقال: = ياترى انتي فين يا أفنان؟
ليه مشيتي وسبتيني تايه كده ومش لاقيلك مكان، ولا عارفة انتي ليه سبتي الفلا ورحتي على فين ياترى؟ صدقيني لو لقيتك هاخد حق حرقة القلب وعدم النوم والتعب والإرهاق اللي أنا فيه ده دلوقتي بسببك، بس وانتي في حضني وجوا قلبي اللي داق طعم الخوف والقلق لأول مرة عليكي. أنتي يا أفناني... وحشتيني أوي... مكنتش متخيل إني بحبك للدرجة دي. أناااا حاسس إن قلبي هيقف من رعبي عليكي، ليكون صابك شيء.
فضل سيف يستنشق الرياح الباردة، وفجأة فاق على رسالة جت على هاتفه. فأغلق زجاج المكتب وأخذ هاتفه بلهفة بأي أمل يطمئنه أن أفنان، ولكن لقى الرسالة من والده بيقوله ييجي ضروري الفيلا. فبعت له رسالة بـ حاضر، وأخذ أغراضه بتعجب وركب عربيته وذهب للفيلا ليتفاجأ بأخواته قاعدين هم كمان، والقلق يملأ وجههم على اختفاء أفنان اللي قلبوا الدنيا هم كمان عنها وملقوهاش. فجلس على الأريكة ببرود وقال:
= واضح إن عاصم بيه مبعدليش الرسالة لوحدي... حد وصل لحاجة؟ عمر بسخرية: = هي الحكومة عرفت توصلها لما نوصل ليها إحنا؟ (ثم أكمل بشك) وبعدين ما يمكن أنت اللي خدتها من الأول ومخبيها عننا عشان منوصلش ليها؟ نظر آدم وأمير لسيف بغضب. فضحك سيف ببرود وقال: = لا والله... وده منظر حد مخبي تحت إيده الإنسانة اللي ليل نهار ماشي يدور عليها زي المجنون في الشوارع ومش لاقيها يا دكتور عمر. صمت عمر بضيق. فقال أمير: = أما راحت فين دي؟
الأرض انشقت وبلعتها، ولا يكون سافرت بلد تانية وحصلها حاجة عشان كده محدش يعرف حاجة عنها.
الأربعة فضلوا يفكروا بقلق. فجأةً دخلت أمينة من باب الفيلا بتوتر شديد، ولكن كانت بحال غير الحال. فكانت ترتدي ملابس ماركة وأنيقة جدًا، مكونة من بنطلون جلد أسود نازل بوسع، وفوقه بلوزة حملات بيضة نازلة على الخصر، وفوق البلوزة جاكت جلد أسود بردو، وكوليه طويل وساعة بيضة كبيرة، وفرّدة شعرها الذهبي اللامع على ضهرها بحرية، وعاملة ميك أب خفيف جديد، وكانت في غاية الجمال والأناقة. فلاحظها آدم، هو أول واحد، فقال باستغراب:
= مين حضرتك؟ ومين سمحلك تدخلي كده؟ دق قلب أمينة بتوتر وتعجب لأنه لم يعرفها، فهي للدرجة دي اللبس الماركة والمكياج مغيرين شكلها للدرجة دي. فقال آدم مجددًا بتعجب: = مالك مش بتردي ليه؟ بسألك انتي مين يا آنسة؟ حولت أمينة متبصّلوش عشان متتوترش وقالت وهي باصة للكل: = أنا أمينة يا آدم. أمير بسرعة: = أمينة مين؟ الخادمة؟؟؟ أمينة بصوت حاولت تخلطه بالبرود: = اللي كانت يا أمير بيه...
أنا عاصم بيه بعتلي رسالة وقالي أجي على الفيلا ضروري، ومعرفنيش إيه السبب. عمر: = أنتم اختفيتوا ورحتوا فين وليه مشيتوا بالشكل ده؟ وفين أفنان؟ أمينة بارتباك: = معرفش أفنان فين... بعد مااا مشينا من هنا كل واحد فينا راح لحاله، ومعادناش شفنا بعض تاني. سيف بغضب اقترب منها وقال بحدة: = أنتي هتستعبطي يابت؟ بنت خالتك وهتسبيها عادي كده؟ قولي الحقيقة بدل ما... وقف آدم أمامها بحماية وقال بحدة: = جرا إيه يا سيف؟ أنت اتجننت؟
وهيا هتكذب علينا ليه لتهب فيها بالشكل ده؟ سيف بحدة: = وأنت بتدافع عنها ليه؟ آدم بثقة نظر لأمينة اللي واقفة وراه بتوتر شديد وباصة لعيونه، وقلبها بيدق جامد. فنظر مجددًا لسيف وقال: = لأنها إنسانة عزيزة عليا، ومسمحلكش تكلمها بالشكل ده، وأنا مصدق كلامها... خلاص.
نظر له سيف ببرود وقعد على كرسيه بضيق شديد. فشاور آدم بابتسامة خفيفة لأمينة تقعد. فقعدت أمينة بتوتر شديد وهي بتفرك في إيديها وهي بتحاول متنظرش لآدم اللي كانت تشتاق بشدة له، ولكن مضطرة تتجاهله. فمرت ساعتين وهم ينتظرون قدوم والدهم. فقام أمير بملل وقال: = ده كتير أوي... إحنا بقالنا قاعدين أكتر من تلات ساعات مستنيين بابا... أنا طالع أوضتي، ولما ييجي ابقوا عرفوني. وجاي أمير يطلع، ولكن فجأة:
= ماهو لو كنت صبرت شوية كنت هتلاقيّ قدامك يا أستاذ أمير. لف أمير وقال بابتسامة: = معلش بقا يا عاصم بيه... ماهو أنت مقعدنا القعدة دي بقالك شوية. هههههه، حمد لله على سلامتك يا بابا. عاصم بابتسامة: = الله يسلمك يا ابني. الكل سلم على عاصم بحب، حتى أمينة. وعاصم لم يتحرك من عند الباب، وكان في كامل أناقته على عكس العادة. فقال آدم بغمزة ومرح: = بس إيه الشياكة دي يا بابا؟ هههه، عيني عليك باردة...
سافرت يومين ورجعت شباب من تاني. عاصم: = طبعًا، ماهو اللي يعمل عملتي دي في السن ده يرجع أكيد شباب من تاني يا آدم. عمر بتعجب: = عملت إيه دي يا بابا؟ أنت كنت بتتشاقى في السفر ولا إيه؟ عاصم: = أنا كنت بتشاقى فعلًا يا عمر... بس في الحلال يا دكتور. سيف بتعجب: = مالك يا بابا بتتكلم بالألغاز كده ليه؟ قصدك إيه؟ عاصم تنهد وقال بابتسامة: = أنا مش قولتلكم في الرسايل إني عامل لكم مفاجأة... وهيا دي المفاجأة. أمير بحيرة:
= وأيه هيا المفاجأة دي بالظبط؟ ابتسم عاصم ابتسامة ماكرة وقال: = أنا اتجوزت يا ولادي. نظر له الأربع أخوات بذهول، فلم يكونوا يتصوروا أن هذه هي المفاجأة. فهمّرهم ما يتصوروا أن والدهم يتزوج ثاني بعد والدتهم الله يرحمها اللي كان يعشقها بجنون، ولحد الآن لم يتزوج وفاءً لها. فكيف تزوج هكذا وفجأةً كدا بدون ما يعرف أحد، ومن تلك اللي جت لتأخذ مكان والدتهم في قلب والدهم؟ فقال سيف بصدمة:
= إزاي يعني اتجوزت وفجأة كده من غير ما تعرف حد؟ واليومين دول مكنتش مسافرهم عشان شغلك؟ إيه كان شهر عسل قصير وجيت دلوقتي تعرفنا إنك اتجوزت؟ عاصم: = وإيه يعني يا سيف؟ أنا راجل دلوقتي بقيت في آخر عمري، وجبت واحدة تكون ونسي في آخر دنيتي... أنا مغلطتش لما قررت أفكر في نفسي شوية يا أولاد. آدم بضيق: = لا غلط لما فكرت في السن ده تجيب واحدة تانية تاخد مكان أمنا في قلبك. عمر بحدة:
= وأكيد إنسانة نصابة وطماعة عشان كده وافقت تتجوزك وهتشوف معاها المشاكل والتعب وبس. أمير بضيق: = وبعدين مين البني آدمة دي اللي خلتك تلين وتتجوزها بعد ما كنت عايش وفي للمرحومة أمنا. عاصم بغموض: = أنتم أساسًا تعرفوها كويس جدًا يا ولاد. ونظر عاصم لباب الفيلا، والأربعة أخوات ينظرون لبعض بحيرة، وأمينة تنظر لهم بتوتر.
ففجأة دخلت واحدة وهي ترتدي فستان وطرحة وفي كامل أناقتها. ففتح الأربعة أخوات أعينهم بذهول وعم استيعاب وهم ينظرون لها. فمسك عاصم يدها وباسها وقال: = نورتي بيتي يا حبيبتي. = شكرًا يا حبيبي. فجأةً قال سيف بغضب: = إيه العبط ده؟ دي مراتك يا بابا؟ ملقتش الـ... يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!