عاصم بابتسامة ماكرة: أنا اتجوزت يا ولادي. نظر له الأربع إخوة بذهول، فلم يكونوا يتصوروا أن هذه هي المفاجأة. فهم لم يتصوروا أن والدهم سيُتزوج مجدداً بعد والدتهم، الله يرحمها، التي كان يعشقها بجنون، ولحد الآن لم يتزوج وفاءً لها. فكيف تزوج هكذا وفجأة، دون أن يعرف أحد، ومن تلك التي جاءت لتأخذ مكان والدتهم في قلب والدهم؟ فقال سيف بصدمة: إزاي يعني اتجوزت وفجأة كدا من غير ما تعرف حد؟ واليومين دول مكنتش مسفرهم عشان شغلك؟
إيه، كان شهر عسل قصير وجيت دلوقتي تعرفنا إنك اتجوزت؟ عاصم: وإيه يعني يا سيف؟ أنا راجل دلوقتي، بقيت في آخر عمري، وجبت واحدة تكون ونسي في آخر دنيتي. أنا ما غلطتش لما قررت أفكر في نفسي شوية يا أولاد. آدم بضيق: لا، غلطت لما فكرت في السن ده تجيب واحدة تانية تاخد مكان أمنا في قلبك. عمر بحده: وأكيد إنسانة نصابة وطماعة عشان كده وافقت تتجوزك، وهتشوف معاها المشاكل والتعب وبس.
أمير بضيق: وبعدين مين البني آدمة دي اللي خلتك تلين وتتجوزها بعد ما كنت عايش وفي للمرحومة أمنا؟ عاصم بغموض: أنتم أساسًا تعرفوها كويس جدًا يا أولاد. ونظر عاصم لباب الفيلا، والأربع إخوة ينظرون لبعض بحيرة. وأمينة تنظر لهم بتوتر. ففجأة دخلت أفنان وهي ترتدي فستان أبيض وطرحة زفاف، وفي كامل أناقتها. ففتح الأربع إخوة أعينهم بذهول وعدم استيعاب وهم ينظرون لها. فمسك عاصم يدها وباسها وقال: نورتي بيتك يا حبيبتي.
فاختت أفنان نفسًا عميقًا وهي مركزة نظرها لعاصم بيه بتوتر شديد، وقالت بارتعاش: شكرًا يا حبيبي. ابتسم عاصم لها ليطمئنها. ففجأة قال سيف بغضب جحيمي: إيه العبط ده؟ دي مراتك يا بابا؟ ملقتش إلا دي لتتجوزها؟ عاصم بابتسامة باردة وهو ماسك يد أفنان التي كانت ترتعش من شدة الخوف والتوتر، وهي باصة للأرض: وإيه مال أفنان يا سيف؟
بنت جدعة وطيبة وقدرت تفهمني كويس في فترة صغيرة. وحاسس معاها براحة من أول ما اشتغلت هنا، ومع الوقت حبيتها وحسيتها بنت تستاهل. ولما لقيت كل المشاعر دي جوايا، اتجوزتها وخلتها شريكت حياتي. أمير باختناق شديد ويشعر بجرح كبير داخل قلبه: دي متنفعش تكون شريكة حياة. دي خدامة، آخرها تكنس وتمسح وتنضف وبس. أغمضت أفنان عينيها جامد وهي حابسة دمعها بالعافية. فقال عاصم بغضب: أمييييير! أنا مسمحلكش تتكلم عن مراتي كده. أنت فاهم؟
ياريت تتقبلوا إنها بقت مرات أبوكم أحسن من اللي أنتم عاملينه ده. آدم بألم: وأنت ملقتش إلا دي وتتجوزها يا بابا؟ إشمعنا دي بالذات اللي اخترتها تكون مراتك؟
كانت أمينة تنظر لآدم بقلب يصرخ ألماً على ألمه، وهي ترى في عينيه عشقه لبنت خالتها، مثلما ترى في عينيه كسرة حبيب تعرفها جيداً، لأنها تملأ قلبها منذ ما علمت أن قلبه ملك لواحدة أخرى غيرها، بعد ما دخل الأمل لقلبها بوجوده جانبها، وأن كان ممكن يكون لهم فرصة مع بعض، حتى لو ده شيء مستحيل. بس أصبح الشيء اللي كان مستحيل، بقى صعب، صعب أوي. فقال عاصم بخبث لسؤال آدم: حبتها يا آدم، والحب ما فيهوش إشمعنا. ولا إيه يا أولاد؟
عمر بصوت مبحوح من كم الخنقة اللي محبوسة جواه والغضب اللي حاسس بيه دلوقتي من نفسه ومن اللي بيحصل: صح كلامك يا بابا. (ثم نظر لافنان بألم وكمل) ألف مبروك يا مرات أبويا. وحقيقي لو كنا نعرف، كنا فرشنا لكم الأرض ورد. هز عمر يمشي باختناق، ولكن فجأة أوقفه والده عندما قال بأمر: لحظة يا عمر، أنا لسه مخلصتش كلامي. لف عمر ليه وهو يرسم ملامح البرود على وجهه.
فقال عاصم بأمر للكل: من انهاردة أفنان صحبت النهى، والأمر هنا في الفيلا، ومقامها من مقامي. فياريت تعملوها باحترام. فا دلوقتي مَعَدتش العاملة اللي كانت بتشتغل عندنا. هي دلوقتي بقت مرات أبوكم، واحترمها من احترامي. وكذلك أمينة. أمينة هتعيش هنا معانا في الفيلا، ومقامها من مقام مراتي. وأكيد أنتم فاهمين كلامي كويس. صح؟ سكت الكل ومردش. فقال عاصم ببرود: يبقى صح. ودلوقتي اطلعي يا حبيبتي على أوضتنا ارتاحي شوية.
هزت أفنان رأسها ليه بصمت، وتحركت خطوة. ولكن عندما فتحت عينيها، قابلت عيون تمتلأ بالألم والأسئلة اللي محتاجة رد. وعندها أكتر سؤال شافته في عينهم، هو ليه؟ ليه عملت كده، وليه قبلت تتزوج راجل في سن والدها. فجاءت عينيها في عينيه. نعم، هو الإنسان اللي ملك قلبها. ولكن أدارت الظروف تمنع ذلك الحب قبل ما يبدأ. كانت عيون سيف تمتلأ بالغضب والصدمة والخوف والكسرة والأسئلة الكثيرة اللي ملهاش جواب. غير برضو عندها.
حست أفنان جسمها متجلد، وتحجرت مكانها، وعينيها لم تبعد من عيون سيف، بدموع تلمع في عينيها، وهي تراه يحبس دموع كسرة قلبه بكل كبرياء. فكان عاصم يتابع ذلك باختناق. فشاور لأمينة تأخذها. فشورت له أمينة بـ "حاضر"، وراحت لأفنان وطلعوا سوا لغرفة عاصم بيه. ومرت أفنان من جنب سيف، وأول ما مرت من جنبه، حست إن جسمها يرتجف، وقلبها فضل يدق بشدة، وأنفاسها توقفت. فلقت نفسها تلقائيًا هي بتسرع في خطوة رجليها لتبعد عنه. وطلعوا هم الاثنين.
فوقف سيف دقائق يحاول يستوعب ذلك الواقع الأليم. ثم تحرك ليخرج بره الفيلا، ولكنه توقف على صوت والده. يقول: سيف، أنا عايزك في موضوع. سيف ببرود نظر له وقال: بعدين. روح أحسن شوف عروستك لتزعل، لأنك سبتها لوحدها في يوم مهم زي ده. مبروك يا بابا. وسابه سيف ومشى. وكذلك آدم وأمير وعمر، هم الثلاثة خرجوا هروبًا من الفيلا، وكل واحد فيهم ركب عربيته وخرجوا بسرعة جنونية من الفيلا، ومشى كل واحد فيهم من طريق. أما عند عاصم...
فكان يقف عاصم بتعب شديد، ظهر أول ما خرجوا ولاده من الفيلا. فجلس باختناق على الكرسي، ونظر بأسف لصورة مراته اللي كانت محطوطة جنبه على الطاولة.
وقال بدموع: أنا آسف أوي يا حبيبتي. بس مكنش عندي حل تاني أعمله غير الحل ده، لارجع عيلنا زي ما كانوا. دلوقتي مش هيقدروا يفكروا فيها، لأنها خلاص بقت مرات أبوهم ومحرمة عليهم. ربنا يهديهم ويرجع أولادنا لسوبهم، ويشفهم إيد واحدة قبل ما أموت وأجيلك يا غالية. متزعليش مني، أنا متأكد إنك مسامحاني، لأنك عارفة إني عملت كده عشان أحافظ على أمانتك ليا، وهما عيلنا. تقدمت مدام عنيات من عاصم وقالت: أنت كويس يا عاصم بيه؟
عاصم بتنهيدة: حاليًا كويس. أما بعدين مش عارف يا مدام عنيات. نظرت له مدام عنيات بحزن وسبته ومشيت. فسند عاصم رأسه على إيديه بتعب شديد. في غرفة عاصم... دخلت أفنان وأمينة الغرفة، فنظرت أفنان للغرفة باختناق. وفجأة وقعت على الأرض وفضلت تبكي بصوت مسموع، بكل الألم والوجع اللي جواها، واللي كانت مدرياهم ورا قناع من البرود، لتصدقوا الكذبة اللي صنعوها عشانهم.
فنزلت أمينة لها وقالت: بالله عليكي متعمليش في نفسك كده يا أفنان. والله كل ده هيعدي يا قلبي، وهيِعرفوا الحقيقة وهيرجعوا زي ما كانوا. صدقيني. أفنان ببكاء: أنا تعبانة أوي يا أمينة. أنا مكنتش عايزة الحال يوصل لكده. شفتي كانوا بيبصوا لي إزاي؟ هما غاليين عليا أوي، وكسرتهم صعبة أوي أوي عليا. كان نفسي يفوقوا لنفسهم من غير ما نكذب الكذبة دي. بسسس.
وفضلت أفنان تعيط جامد في حضن أمينة، وجسمها كله بيترعش. فدخل عاصم الأوضة، ولما شافها كده، تنهد باختناق، وتنحنح لينتبهوا له. فقامت أمينة وأفنان من على الأرض باحترام ليه. فقال عاصم بتنهيدة: روحي يلا يا أمينة عشان ترتاحي. فيه واحدة من الخدم بره مستنياكي لتوديكي أوضتك. نظرت أمينة لافنان بقلق وقالت: طب وأفنان؟ عاصم بهدوء: أنا هتكلم معاها. روحي يلا انتي. تصبحي على خير. أمينة بتوتر: وانت من أهل الخير يا عاصم بيه.
وخرجت أمينة وقفلت الباب وراها. فنظر عاصم لافنان بحزن وقال: امسحي دموعك يا أفنان. أنتِ مغلطيش حاجة لتحسي بالذنب وتقَهري حالك كده. صدقيني مكنش قدامنا حل غير ده، ليمحوا حبهم ليكي من قلبهم. أفنان بدموع: للأسف معاك حق. تنهد عاصم وقعد بتعب على الأريكة، وتذكر كلامه مع أفنان من يومين. Flash Back... كان عاصم جالس وساند رأسه على يديه. ففجأة خبط باب المكتب. فأخذ نفس عميق مليء بالتعب. وقال: ادخل. دخلت أفنان بوجه شاحب،
وقالت بصوت مبحوح متوتر: إء احم، صباح الخير يا عاصم بيه. آسفة لو ضايقتك، لكن كنت كنت عايزة حضرتك في أمر مهم. عاصم بهدوء: أمر إيه ده يا أفنان؟ أفنان بارتباك: أنا جالي شغل في حتة تانية أحسن، بس مش أحسن من هنا أكيد، بس هـ هسيب الشغل أنا وبنت خالتي هنا، وكنت جاية أعرف حضرتك بالكلام ده، وبدأنا نلم حاجتنا، وشوية وهنمشي يا بيه. عاصم بسخرية: طالما مقررة ومنفذة قرارك من غير ما تتكلمي معايا من الأول، فليه جاية تقوليلي دلوقتي؟
عايزة يعني باقي حسابكم؟ أفنان بسرعة تقدمت منه خطوة وقالت: لالا والله، ما قصدي كده. أنا بس جيت أودع حضرتك. حضرتك إنسان غالي عليا، ويهون عليا أسيبك وأسيب المكان هنا بعد ما اتعودت عليه، بس لازم أمشي. عشاااان عشان صعب الشغل هنا بعد ما نبدأ دراسة وكده. بالله ما تزعل مني ولا تاخد على خاطرك يا عاصم بيه.
عاصم بتنهيدة: مش هاخد على خاطري يا أفنان منك ولا حاجة. لأني اعتبرتك من البداية بنتي مش عاملة عندي. بس تمام يا أفنان، انتي حرة. المهم تكوني مرتاحة انتي وأمينة في أي مكان تاني غير هنا، وبتمنالكوا السعادة والراحة والنجاح يا بنتي. ولو احتاجتي حاجة في أي وقت، تعالي من غير كسوف اطلبيها مني. أنا برضه زي أبوكي.
بلعت أفنان ريقها بالعافية بدموع محبوسة في عينيها، وهي تشعر بالاختناق. فعاصم بيه غالي عليها أوي، وهو كان أحن إنسان عليها بعد أبوها الله يرحمه، ومش سهل عليها تركانه بعد ما اتعودت على حنانه وطيبت قلبه وتمشي كده. ولكن اللي هتعمله دلوقتي أحسن للكل وليها. فقالت: ش شكرًا يا عاصم بيه على كرمك وزوقك، وربنا يرزقك بالحلال ويبعد عنك وعن أولادك الشر يااارب.
ولفت أفنان بدموع نزلت غصب عنها من عينيها، وقلبها يدق ألماً وكسرة ووجع تشعر بهم الآن، مثلما تشعر بيد تمسك عنقها بقوة لدرجة أنها مش عارفة تتنفس أو تقول ما يألم قلبها الذي تعب من كثر ما هو يتألم في أشياء ملهاش ذنب فيها. فجاءت أفنان تفتح باب المكتب، ولكن فجأة شعرت بدوار يملك رأسها. فتجاهلته بتعب، وجت تخرج. ولكن فجأة أوقفها عاصم بصوت يمتلئ بالخنقة والضيق.
استنى يا أفنان. أنا مش مقتنع بكلامك ده، وحابب أعرف بوضوح ليه عايزة تمشي. وخذي بالك، مفيش خروج من هنا إلا لما تقوليلى الحقيقة. يلا، أنا سامع كلامك. أفنان بتوتر: أنا معنديش حاجة أقولها يا عاصم بيه غير إن... عاصم بحدة خفيفة: أفنان، اتكلمي بصراحة عشان مش هصدق ولا كلمة من اللي هتقوليها دلوقتي غير الحقيقة وبس. مفهوم؟
أفنان باختناق: مف مفهوم يا عاصم بيه. أنااا مش عارفة أجبهالك إزاي. بس مش هقدر أخبي عليك، وممكن تفكر إني إنسانة وحشة وإني أنا اللي وصلتهم لكده. لكن والله ما عملت حاجة ليوصلوا للحد ده. ومش لاقية حل أصلح كل ده غير إني أمشي وأهرب من هنا خالص ومن البلد كلها، يمكن ترجع أي حاجة من اللي اتكسرت. عاصم بسخرية قام وسند على سطح المكتب وقال: وفكرك بهروبك هيخلوا ولادي معدوش يحبوكي تاني ويموتوا في بعض عشانك؟
أفنان بدموع: مش عارفة بس... (ثم كملت بدهشة) بسسس، هو حضرتك عرفت منين؟ عاصم باختناق وتعب: أنا شفت زيك كل اللي حصل امبارح يا أفنان. وشفت عيالي وهم رافعين أسلحتهم على بعض زي الأعداء.
حطت أفنان إيدها على فمها بصدمة ودموع. فغمض عاصم عينيه باختناق وهو يتذكر أمس عندما كان يقرأ كالعادة وسمع صوت خبط في ساحة الفيلا، فطلع وشاف منظر عمره ما كان يتخيله عندما رآه أولاده بيضربوا في بعض، وفجأة رفعوا الأسلحة على بعض، فأصبح يقف كالجليد وهو مش مستوعب اللي بيجرى أمامه، وفاق من صدمته شيئاً بشيء عندما نزلت أسلحتهم، وكل واحد مشي من طريق. وشاف أفنان وهي تدخل الفيلا تجري. فسند عاصم على سور البلكونة بتعب وهو حاطط إيده على قلبه اللي بدأ يحس فيه بنغزة قوية، وقعد بصعوبة على الكرسي وهو بياخد أنفاسه بالعافية من صدمته في عياله واللي جرى لهم بسبب عشقهم لخادمته.
عاصم بتعب: أنا مكنتش مصدق نفسي وأنا شايف أولادي لأول مرة بيضربوا بعض بالشكل ده، وينتهي الأمر ما بينهم برفعهم السلاح على بعض كأنهم أعداء مش إخوات. كانوا على طول سند بعض ومصدر حماية لبعض. يفرحوا لفرحة بعض ويزعلوا لزعل بعض، وعمرهم ما قبلوا بحد ييجي على حد منهم. فييجوا في يوم على بعض بالشكل ده. أفنان بدموع: أنا آسفة.
عاصم بتنهيدة: متتأسفيش يا بنتي. أنتِ ملكيش ذنب لتتأسفي وتشلي نفسك ذنب مش ذنبك. هه، هونتي اللي قلتي لولادي يعشقوكي بالشكل ده. اقتربت
أفنان منه خطوة بحزن وقالت: بص يا عاصم بيه، أنا اتفقت معاك من أول يوم شغل ليا هنا إني هكون عند حسن ظنك فيا، وانت وثقت فيا وفتحتلي بيتك وسترتني من الدنيا وبلويها. وحقيقي أنت إنسان غالي أوي عليا ومش مستعدة تشوفني بصورة وحشة. والأحسن دلوقتي إني أمشي من هنا في أقرب وقت، لأن بدأت الأمور تفلت عن السيطرة، ولو زاد الحد ما بينهم أكتر من كده، فلا حضرتك ولا أي حد هيقدر يوقفهم عند حدهم. فلو سمحت خليني أمشي، لأن بوجودي هنا كل حاجة هتخرب كده والحرب مش هتنتهي بين الأخوات عليا.
عاصم بسخرية: وفكرك بهروبك كده هتحلي حاجة؟ ده انتي هتخلي الموضوع أسوأ من الأول.
أفنان بألم ودموع: أنا مش عارفة حاجة يا عاصم بيه. أنا جيت هنا هروب من كل حاجة. هربانة من جوز أمي المفترى اللي كان عايزني بأي وسيلة، وكان مستعبدني وممرمضني ليل نهار. ومن أمي الست الراضية بكل حاجة وبأي حاجة وبتغض النظر عن الغلط. وهرب من إنسان بعنيه بالرخيص، مع إن أنا اشتريته بالغالي. قولت ده نصيبي وجيت هنا آكل لقمة عيشي في وسط ناس طيبين. وافتكرت إني طلعت من نار دخلت في نار تانية العن من النار الأولى. بس حاسة النار دي
هتكون نار مستمرة وهتاكل في الأربع أخوات عشاني. وأنا مستحيل أقعد وأستنى أخ من الأربعة يقتل أخوه ولا يحاول يأذيه. وممكن تحصل، محدش عارف في ساعة شيطان إيه اللي هيحصل. فعشان كده لازم أمشي يا عاصم بيه، لازم أبعد عشان ولادك يرجعوا زي ما كانوا في أول يوم جيت فيه هنا الفيلا.
عاصم بتنهيدة: كلامك صح يا بنتي، مش هنكر إني معدش عارف عيالي. الأخوات اللي كانوا بيحبوا بعض وفي ضهر بعض دايماً، دلوقتي شايفهم وهما بيتفرقوا واحد ورا التاني. بس في نفس الوقت مش هقبل أرمي بنت زيك في الشارع عشان قلت تربية ولادي. أنا من أول يوم ليكي هنا انتي وأمينة، ووعدت نفسي إني هحميكم بعمري زي عيالي وأكتر. وأنتِ متستاهليش كل ده يا أفنان. ثم قعد على الكرسي بتفكير، وأفنان تنظر له بحيرة.
فقال: عشان كده أنا عندي حل هأدب بيه أولادي الأربعة، وهنرجعهم زي ما كانوا وأكتر، وهينسوا حبهم ليكي تمامًا. أفنان بلهفة: بجد؟ وإيه الحل ده يا عاصم بيه؟ وأنا معاك. عاصم بمكر: مافيش حل واحد. وبكده الأربعة هيفكروا إنك محرمة ليهم، ولازم ينسوكي لأن هيكون حرام وصعب الوصول ليكي. أفنان بتعجب: وإيه هو الحل ده؟ عاصم بجدية: إننا نكذب عليهم ونقول إننا متجوزين ونقنعهم بده. أفنان بدهشة: إزاي ده؟ أنا مش فاهمة حاجة؟
مال الجواز بحبهم ليا؟ عاصم بتفكير: طالما أنا اتجوزتك، فبِكده انتي محرمة ليهم. لأن حرام وصعب يحبوا أو يتجوزوا مرات أبوهم. فهيكونوا مضطرين يبطلوا يحبوكي. آه، هنعاني شوية في الأول لحد ما يقتنعوا. بس مع الوقت هيسَلِّموا لفكرة إنك بقيتي مرات أبوهم. أفنان بصدمة: وأنت هتتجوزني بجد؟ عاصم بهدوء: أكيد لأ يا بنتي. دي مجرد كذبة هنكذبها، وأكيد مافيش حد فيهم هيدور في السجلات وهيعرف إذا كنا متجوزين فعلاً أو لأ.
أفنان هرشت في شعرها وقالت: بس سيف بيه ظابط، وممكن يفتش ورا الموضوع. عاصم: سيف ابني حافظه. مش هيفش ورا حاجة. لأن وقتها عصبيته هتخليه ميفكرش يعمل حاجة زي دي. بس السؤال دلوقتي... أنتي موافقة تسعديني يا أفنان ولا لأ؟ تنهدت أفنان بهدوء وهزت رأسها بـ "آه" والدموع مليا عينيها، وقالت: أكيد موافقة يا عاصم بيه. Back...
رفع عاصم رأسه لها وقال: مكنش في حاجة في إيدي أعملها ومعملتهاش يا أفنان. للأسف عارف ولادي وعارف إنهم مش بيتنزَّلوا عن حاجة اعتبروها من حقهم بالساهل. وكان لازم أعمل كده ليرجعوا لوعيهم ويعرفوا إنهم إخوات مش أعداء. نزلت أفنان على
ركبها قدامه وقالت بدموع: أنت عملت الصح يا عاصم بيه. فبلاش أنت كمان تلوم نفسك. أنت تعبان ولازم ترتاح، لأن تعب الأعصاب ده وحش ليك. فالأحسن دلوقتي ترتاح وسيب كل حاجة على ربنا، وهو هيصلح حالهم أكيد. ارمي همك على ربنا، ومافيش حاجة بعيدة عنه، مالك الكون والسبع سماوات. تنهد عاصم ببعض من الراحة من كلامها وقال: ونعم بالله يا بنتي. يلا أنتي كمان قومي ارتاحي. تعالي لما أوريكي هتنامي فين.
وقام عاصم وقامت معاه أفنان وهي بتمسح دمعها. ففتح عاصم مكتبته السرية اللي خلا مدام عنيات تفضيها وتعملها غرفة سرية لافنان، لأن مينفعش يكون في أوضة وهي في أوضة عشان ميشكوش في حاجة. فقال: أنتِ هتنامي هنا. وهنا هتلاقي كل اللي تحتاجيه. سرير وحمام ودولاب وتلفزيون. وجبتلك كل الكتب والملازم اللي هتحتاجيها عشان الكلية. خلاص مَعَدش حاجة والفصل الدراسي هيبدأ. وبنتي حبيبتي وعدتني إنها هتكون الأولى على دفعتها.
ابتسمت أفنان بحب وجت تبوس إيديه، ولكن منعها عاصم وقال: إيه اللي أنتِ بتعمليه ده يا أفنان؟ مش أنتِ قولتي إن أنا في مقام أبوكي؟ وبعدين أنتِ كمان خمس سنين وهتكوني أكبر باشمهندسة. ربنا يوفقك يا بنتي يارب. يلا نامي انتي، وهتلاقي عندك مفتاح. ابقي اقفلي ورايا عشان تكوني مرتاحة. تصبحي على خير. أفنان بابتسامة: وانت من أهله يا عاصم بيه. عاصم: بلاش بيه دي قدامهم يا أفنان عشان ميشكوش في حاجة. قوليلي عاصم بس. يلا سلام.
وسابها عاصم وجا يخرج من الغرفة، ولكن فجأة أوقفته أفنان وقالت: عاصم بيه. لف لها وقال بانتباه: نعم يا أفنان؟ أفنان بامتنان: شكراً. شكراً على كل حاجة عملتها لي. وشكراً على وقوفك جانبي من الأول. ابتسم عاصم بطيبت قلب وقال: مفيش ما بين الأب وابنته شكر يا أفنان. يلا نامي.
وسابها عاصم وخرج من الغرفة بالكامل. فتنهدت أفنان براحة، وقفلت باب أوضتها عليها بالمفتاح، ونظرت للغرفة بدموع مليا عينيها. وجت عينها على نفسها أمام المرآة، وشافت حالها بفستان الفرح.
فنزلت دمعة هاربة من عينيها على حالها. وراحت شدت الطرحة من على راسها ورمتها على الأرض، وقلعت الفستان، ودخلت الحمام وفتحت مياه الدش فوق رأسها، ودمعها نزل مع مياه الدوش. وبعد وقت خرجت أفنان من الحمام وعينيها ورمة من كثر البكاء، ونامت بتعب شديد وهي بتفكر في اللي لسه جاي ليها من متاعب. نرجع لأمينة... دخلت أمينة غرفتها الجديدة بحيرة، لتتفاجأ
بالخادمة تقول بسخرية: كنتم فين وبقيتوا فين هه. وطلعتوا مش سهلين، وأكلتوا عقل الراجل الكبير بلؤمكم ههههههه. أمينة بغيظ: طب يلا غورى من هنا. يلا اخرجى بره، ما هي ناقصاكي انتي كمان. أففف.
خرجت الخادمة بغيظ، فقفلت أمينة الباب بغضب، وقعدت بضيق على السرير، وفضلت تحرك إيديها في شعرها باختناق. كل ما تتذكر نظرات آدم لافنان ورأت العشق اللي مالي عيونه ليها، حسّت أمينة يحرقه في قلبها، وهي مش عارفة تمحي حبه من قلبها، ولا قادرة تتقبل إنه مش هيكون ليها، حتى لو اتمحى حب أفنان من قلبه. فنزلت دموع أمينة بحرقة، كل ما تتذكر تصرفاته معاها، وإزاي قدر يخليها تحبه بالشكل ده.
فقالت بتمني: يارب لو هو عمره ما هيكون من نصيبي، فامحي حبه من قلبي يارب. أنا تعبانة أوي وقلبي بيوجعني أوي. أنا إزاي سمحت لحالي أعشقه للدرجة دي. اللي إحنا ده مجرد وقت، وهنرجع لأصلنا في أي وقت، وهو مش هيسيب النجوم ويبص لحتة حشرة على الأرض. أمها كانت عايزة تبعتها لأي راجل باسم جواز. أنا مخنووووقة أوي. وفضلت أمينة تعيط وهي حاطة وشها ما بين إيديها بوجع مالي قلبها. أما عند آدم...
كان يقف آدم قدام البحر بدموع مغرقة وشه، وهو كل ما يتخيل منظر أفنان بالفستان الأبيض جنب أبوه، بيقتله. إزاي هيقدر يستحمل فكرة إنها بقت مرات أبوه؟ فقال بدموع: ليه؟ ليه؟ ليه؟ ليه يا أفنان عملتي في نفسك كده؟ ملقتيش إلا أبويا وتتجوزيه؟ يعني زمانك دلوقتي في حضن أبويا مكان أمي الله يرحمها. أنتي كسرتينا كلنا يا أفنان بعمايلك دي. ليييييه عملتي في نفسك كده ليييييه؟
فضل آدم يصرخ بكلمة "ليه" كتير لحد ما تعب، وقعد على الأرض بدموع وهو باصص بوجع للبحر. ففجأة قام وخلع الديشرت بإهمال ونزل البحر، وفضل يعوم باختناق، ومهتمش ببرودة الجو والمياه الباردة، يمكن يطفئ النيران اللي جواه. وبعد مرور ساعات على آدم وهو لسه بيعوم، وأخيرًا خرج من الميه، وترمى على الأرض وهو فارِد جسمه على الرمال، وباصص للسما بدموع مليا عينيه. أما عند عمر...
فكان عمر يقف في أحد الكباري وهو ينظر للناس بدموع مليا عينيه وكسرة مليا قلبه. فترك عربيته وفضل عمر يمشي ويمشي وهو بيحاول يستوعب إنها بقت مرات أبوه فعلاً، مش بيتوهم ذلك. فقال عمر بخنقة: فووووق يا عمر، وفوق عيونك. أيوا أفنان بقت مرات أبوك وخلاص، أملك فيها راح وراح معاها حبك. مكنتش متخيل إن الحب يكسر قلبي بالقسوة دي لتاني مرة. شفتي اللي حصل لقلبي بعدك يا تقى. أنا مخنوق أوي أوي أوي.
كان عمر بيعدي الطريق وهو في عالم تاني، فكانت فيه عربية ماشية بسرعة، وعمر بيعدي الطريق. وفجأة خبطت العربية عمر، ووقع على الأرض وهو بينزف. ففتح عمر عينيه ببطء، وآخر شيء شافه قبل ما يغلق عينيه، هم الناس وهم ملمومين حواليه بصدمة ووووو...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!