خربش كيمو واكا الأرض الرطبة وبصق، ثم دفن لعابه تحت الشجرة. لا يمكن لأي شيء أن يحدث إلا إذا كان سيحدث بالفعل. لا مبالاة مزعجة لدرجة مغرية، وهذا ما يجعلني أعتقد أنني سأموت وأنا ألقي مزحة. مرت عربة يجرها حمار خارج القصر. كان الفلاح يلهب ظهر الحمار بعصا يابسة كسرها من شجرة صفصاف يتيمة تقطن بجوار الساقية البحرية. العربة ممتلئة بأعواد البرسيم، وساق الفلاح ممددة أمامه. يحرك أصابعه المتعفنة المتسخة بالطين داخل بوت مهترئ.
الحمار يكافح أن يركض، يكاد يصرخ على الفلاح: لو كنت تمتلك عقلاً ولست حماراً لأدركت. لو كانت لدي قوة لركضت أسرع حتى أتحاشى ضربك الموجع. سمع كيمو واكا تأوهات الحمار وتغير مزاجه المتعكر أصلاً. قفز مبتعداً عن الشجرة أربع خطوات إلى اليمين وسبعة نحو المقدمة، ثم رجع أربع خطوات نحو اليسار. قبل أن يسير في خط مستقيم مستخدماً تعويذة ساموراوية قديمة. حتى الشر يمكن تضليله. العالم كتلة من الحاقه. ثم سار وهو يحمل أحزانه.
رأسه ثقيل بالأفكار المزعجة وقدميه لا ترغب بحمله. تأسف كيمو واكا: الكل يرفضني، الكل لا يريدني في حياته، حتى أنت. نظر لساقيه المنحولتين واللتين كانتا في الماضي مشعرتين، رشيقتين وجميلتين. دوام الحال من المحال. شعر أن عظام ظهره تتقطق فأحس باستياء. لم تنته الرحلة بعد. أنا أحتاجك رفيقة، حبيبة، غبية مشاكسة، متمردة وطائعة. أنا أحتاجك كل شيء ولا شيء. وسمع موسيقى تشايكوفسكي قادمة من سطح القصر. وأدرك أنه يحتاج تلك اللحظة.
راوية بيكوفيسكي مكتب البريد وهو مستلقٍ على ظهره تحت أشعة شمس بساقين متعانقتين. كونشيرتو صعود الأرواح لجبل الموت لا تضاهيها إلا دخول الآلهة قاعة الولائم لفاغنر. نفض كيمو واكا شعره على مدخل القصر، وضرب قدميه في الأرض يتخلص من الأتربة. ثم نظر بانزعاج نحو ديلا التي تحمل آدم الصغير، والذي لا يزال ملتزماً بوعده ولم يفتح فمه بالصراخ حتى تلك اللحظة. اقترب كيمو واكا من ديلا ولمس ساقيها.
كنت أنا أول مخلوق تنبئ بحملك بذلك الطفل الشقي. ثم نظر تجاه الطفل وقال باحترام: كيمو واكا يقدر كل شيء فعلته من أجله. لكن كيمو واكا يحتاج الآن للموسيقى. سأصعد عند والدك على سطح القصر، يمكنك مرافقتي. لكن اسمع، لا تصرخ حتى أصل هناك، فأنا أعرف ألعابك الدنيئة. كيمو واكا سيعلمك كيف تصبح إنسانًا لا مبالياً دون أن تقرأ لميلان كونديرا. وتسلق السلم بسرعة دون أن ينتظر إجابة الطفل. على سطح القصر عندما نظر للسماء وجدها غائمة.
قطع من السحاب تمخر الأفق مثل مراكب شراعية. أشعة شمس دافئة محتضنة تجعلك ترغب بالاستلقاء ومعدتك ممتلئة بالسردين. أنسب لحظات للنوم. استلقى كيمو واكا أسفل قدمي آدم. وكان آدم الفهرجي يضع ساقيه فوق طاولة واطئة. عينيه شارده نحو الحقول وفي فمه لفافة تبغ. وكانت الموسيقى لا تزال تصدح والطفل يصرخ في حضن ديلا التي تحاول دون فائدة إرضائه. صرخت ديلا: آدم؟ الطفل يصرخ، ينتحب بلا توقف. لا أستطيع إسكاته.
طغى نغم الموسيقى على صوت ديلا المتوتر. مما دفع ديلا لتسلق درج السلم بغضب نحو سطح القصر. آدم؟ لماذا لا ترد علي؟ لم أنتبه، أجاب آدم بلا مبالاة. وكيف تهتم أو تنتبه؟ تتركني الليل بطوله سهرانه لا يغمض لي جفن. وعندما تحمل الطفل نصف ساعة تشعرني أنك فعلت معجزة وأن علي أن أشكرك من أجل ذلك. أعطى الطفل لخادمه. رد آدم باقتضاب: وكان شارد الذهن ولا يرغب بأي إزعاج في تلك اللحظة.
صرخت ديلا: أنت مش مقدر تعبي ولا سهري وكل اللي اتحملته عشانك؟ وكان آدم الصغير يستمع بصمت للجدال القائم بين والديه. ليس احترامًا بل لأن كيمو واكا غمز له بطرف عينه محذرًا أن يفتح فمه الضيق. ماذا علي أن أفعل؟ وكانت نبرة آدم صارمة وقاسية. كان الطفل معي حتى استيقظت من نومك حدود الظهر. أعلى أن أحمله اليوم بطوله؟ ليه لا؟ واصلت ديلا كلامها بتحدٍ.
وكان كيمو واكا يفكر أن على كل امرأة أن تقفل فمها أسبوع كل شهر حتى تتعلم كيف تتخلص من ثرثرتها. فأخر ما يفكر به الرجل هموم المرأة ومتاعبها وعنادها يجعل الأوضاع تسوء. وهمست ديلا بحزن: أنا مش بنام الليل يا آدم. قال آدم: كل امرأة تفعل ذلك. إنها ليست أول امرأة في العالم تحمل وتنجب وترضع وتسهر الليالي. وأحست ديلا باللامبالاة لآدم وعدم التقدير وشعرت بالإهانة. فبدأت عيونها تدمع. قال كيمو واكا: اثبت يا آدم ولا تجعل قلبك يورطك.
تدليل المرأة يفسد ذهنها ومطالبها لا تنتهي أبداً. لكن قلب آدم رق، وتذكر ما عانته ديلا من أجله. فقد كان الرجل رغم مزاجيته المتطلبة ممتناً لكل ما ضحت به من أجله. ولا يمكنه أن ينكر جميلها. نهض آدم وربت على كتف ديلا وهمس: أنا آسف، عقلي متعكر. وحمل الطفل وجلس به على المقعد. صرخ الطفل بامتعاض فهو لا يقبل أن يكون مثل مقعد أو طاولة أو حتى قطعة كيك يوزعونها على بعضهم. مما اضطر آدم النهوض مرة أخرى وهدهدته والابتسام في وجهه.
وكانت توتا جالسة فوق الصور تراقب كل ذلك بعيون دامعة. كيمو واكا هناك ولا يمكنها أن تكون بجواره بعد أن تخلت عنه. كيمو واكا لن يسمح بذلك. وكان جسدها الذي نحل يرتعش من الهجر والفقد والأحزان. تتمنى أن يمنحها كيمو واكا فرصة أخرى لتثبت له أنها تستحق عطفه ورحمته. وتفكر كيف تكفر عن ما فعلته بقلب كيمو واكا. لأنها تعرف أن جرح القلوب لا يمكن علاجه لكن يمكن التحايل عليه. فأطلقت مواء حزين طويل وضعيف.
وسمع كيمو واكا النداء وعرف الصوت ولم يبدِ أي اهتمام. مما دفع الطفل أن يبتسم. أغلق فمك القذر الصغير، نهره كيمو واكا. إياك أن تتنمر علي! امنحها فرصة أخرى، صرخ الطفل. أريد أن أراكم معًا، أريد أن أراك سعيدًا مرة واحدة على الأقل قبل موتك! قال كيمو واكا: الأمنيات لا تتحقق في عالمنا. أيها الطفل اللئيم هذا درس عليك تعلمه. صرخ الطفل: لكنها قطة رقيقة وجميلة، أشعر بذلك؟ من أدراك؟ ها!؟ نهره كيمو واكا بشدة.
هذه القطة عاهرة كانت تمنح جسدها للهررة بالمجان. صرخ الطفل وبكى بحنق: وأنت أيضًا لا تعرف كيف أتيت يا كيمو واكا، ربما كانت والدتك عاهرة أيضًا. لقد تعديت حدودك، صرخ كيمو واكا. كلمة أخرى سأقفز وأخربش وجهك الجميل، فأنت لا تعرف ما حدث مع والدتك وكيمو واكا لا يرغب بنبش الماضي. والدتي شريفة وعفيفة أيها الهر العجوز الوقح. وأنا أيضًا والدتي شريفة، دعنا لا نتحدث عن الأعراض هنا واذهب لوالدتك اجعلها ترضعك. لقد سئمت حديثك المزعج.
لن أتناول قطرة حليب حتى تعاهدني أنك ستمنحها فرصة. دعنا نتفق أن لا أحد منا يعرف كيف أتى لهذه الحياة ولا يمكننا تصور كيف كانت مزاجية أمهاتنا عند الحمل بنا!! طرقت كيمو واكا وانعكست أشعة الشمس الدافئة على وجهه البرونزي. نعم، اغتصبت أمهاتنا وحملت بنا رغمًا عنها. صرخ الطفل: ستمنحها فرصة؟ قلت لا، اذهب لحضن والدتك الدافئ ولا تتدخل في أمور الرجال. دع كيمو واكا في شأنه. وشعر الطفل أن كيمو واكا محطم وأنه لن يلين بمجرد كلمتين.
فراح يصرخ بلا توقف حتى دفع والده أن يهبط نحو الحديقة ويتمشى به خلالها حتى وصل قرب توتا. فتوقف عن النحيب. رأى آدم الهرة التي لم تفزع لرؤيته بل قفزت قربه وراحت تداعب قدميه. انحنى آدم وربت على جسدها. وكان آدم الطفل قريبًا منها فراحت تلعق وجهه بعطف ورقة. سمح لها آدم الطفل أن تلعقه رغم تقززه منها ورغبته في التقيء. ثم رافقتهم لداخل القصر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!