تحميل رواية «خادمة القصر» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الخدامه الجديده وصلت يا باشا، أنا مثبتها قدام باب الخدم مستني إشارة من حضرتك؟ هى عارفه إني عايش وحيد داخل القصر؟ أيوه عارفه يا باشا، هو فيه حد في المنطقة كلها يستجرى يرفضلك طلب يا باشا؟ أنا مطلبتش من حد يشتغل عندي يا محمود، اللي يشتغل هنا لازم يكون جاي من نفسه من غير إجبار. طبعًا يا باشا مفهوم. نهض آدم ووقف أمام الشرفة المطلة على الحقول، في إيده سيجارته، مرتدٍ قميص موف يبرز صدره القوي وشعره الناعم يغرق وجهه العاجي، ووضع البستاني خلف ظهره. بص ناحية البنت البسيطة اللي واقفة قدام باب الخدم، فتاة صغ...
رواية خادمة القصر الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
الخدامه الجديده وصلت يا باشا، أنا مثبتها قدام باب الخدم مستني إشارة من حضرتك؟
هى عارفه إني عايش وحيد داخل القصر؟
أيوه عارفه يا باشا، هو فيه حد في المنطقة كلها يستجرى يرفضلك طلب يا باشا؟
أنا مطلبتش من حد يشتغل عندي يا محمود، اللي يشتغل هنا لازم يكون جاي من نفسه من غير إجبار.
طبعًا يا باشا مفهوم.
نهض آدم ووقف أمام الشرفة المطلة على الحقول، في إيده سيجارته، مرتدٍ قميص موف يبرز صدره القوي وشعره الناعم يغرق وجهه العاجي، ووضع البستاني خلف ظهره.
بص ناحية البنت البسيطة اللي واقفة قدام باب الخدم، فتاة صغيرة السن ترتدي عباية باللون الأحمر وتحجيبة مهللة.
كان لها جسد نحيل لكنه في طبيعة الحال مغري ومستدير.
مقدرش يشوف وشها لكن مظهرها كان ملفت.
ديلا كانت واقفة قدام باب القصر الغامض اللي كانت بتسمع عنه القصص، واللي مافيش ولا شخص يعرف حاجة عن الشخص اللي عايش فيه.
قصر قديم كبير تحيط به حديقة مسيجة تمنع التلصص.
محدش يعرف الشخص اللي فيه شكله إيه غير محمود النجاري، اللي عمره ما ذكر أي كلمة من ساعة ما اشتغل في القصر.
استدار آدم ناحية البستاني، خليها تدخل يا محمود.
متشكر.
وأخرج من جيب بنطاله ورقة مالية من فئة المائة جنيه دسها في إيده.
خيرك سابق يا باشا، والله أنا ما عملت كده عشان الفلوس.
عارف يا محمود، عارف. اشرحلها طبيعة شغلها. هى عارفه إنها مش هتتكلم معايا ولا تفتح بقها؟ واكيد بتعرف تقرأ وتكتب؟
عارفه يا باشا طبعًا، اطمن، بتعرف تكتب وخرسة أصلاً.
شعر آدم الفهرجي بلمحة يأس مرت خلاله، كويس خالص يا محمود، تقدر تمشي انت.
جلس آدم الفهرجي على مكتبه وأمسك بالقلم واستغرق مرة أخرى في الكتابة اللي بيعمل عليها.
مشعل لفافة تبغ، وشرد لأكثر من نصف ساعة بعيد عن العالم الهزلي، حتى سمع صوت تهشم أطباق وفناجين قادم من الرواق.
ترك آدم لفافة التبغ وخرج من غرفته القابعة في الطابق العلوي ونظر نحو الرواق.
كان فيه مجموعة من الأواني مهشمة على الأرض والبنت منحنية بتحاول تلمها.
كانت ديلا بتلم الأطباق وجسمها كله مرتعش.
دلوقتي الباشا ينزل هنا ويطردني، يا مراري. بيقولوا عليه عصبي جدًا ومش بيقبل أعذار.
سمعت خطوات آدم باشا فوق السلم ومقدرتش تلف تبص عليه ولا حتى تعتذر.
مش مسموح تفتح بقها، محمود النجاري قال تبقى خرسا.
يا بت.
نزل آدم درجات السلم داخله غيظ من تلك التافهة اللي فشلت في أول مهمة ليها.
وصل الرواق والبنت منحنية بتلم الأطباق وعينيها بتبص على الأرض.
أول ما آدم قرب البنت وقفت ثابتة وإيديها جنبها.
لف آدم حواليها وهي بتنتظر تسمع كل كلمة: انتي مرفوضة.
لاحظ آدم الدم السايل من إيد ديلا، وبنظرة متمعنة قدر يشوف وشها اللي كان خالي من الرتوش، جمال صافي بكر لم تلوثه الحياة.
كان آدم مدرك إنه مش بيدي فرص، لكن الوجه ده أتلف ثباته النفسي.
وكانت ديلا متخشبة مثل عصا مكنسة كاتمة أنفاسها.
وجه بريء، فكر آدم، كأنها انولدت داخل حديقة مزهرة.
انزعج آدم، ليس معتادًا على تغيير قناعاته ولا السماح بالفوضوية داخل قصره.
وأقنع نفسه إنها مجرد طفلة، ليست فتاة بالغة، وربما تستحق فرصة.
دهس آدم عقب لفافة التبغ داخل المنفضة وتراجع بخطواته للخلف، ثم صعد السلم نحو غرفته وأغلق عليه بابه.
تنفست ديلا، تنهدت بعد ما كانت هتختنق من كتم أنفاسها.
يا ترى الباشا سامحني؟
طيب هو ليه متكلمش؟
بس واضح إنه مش عجوز زي ما بيقولوا.
يا ريتني كنت بصيت عليه.
رواية خادمة القصر الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
كان الهر يمشي الهوينة، شاردًا، يرمق الأفق بنظرة تعسة، غارقًا في الحزن وغراب الفقد ينعق فوق رأسه. وجسده الهزيل يترنح، يلعق ذهنه ويتقيأ ذكرياته، ويتساءل: لماذا لا تتبخر ذكرياته القديمة مثل مياه النهر التي تتكاثف جواره؟
وكانت الشمس لا تزال في كفاحها المستميت لإغراق الأرض بأشعتها، وبدأت تظهر كلما أتاحت لها الغيوم الفرصة. هنا وهناك تظهر فلوكة يجدف عليها صياد كيّح، يرتعش من البرد، وفي بوكسته عدد قليل من سمك الشبار لا يكفي ثمنه لابتياع إفطار لائق. يتمتم بحمد الله طامحًا أن يكون نصيبه في الغد أفضل. وتمضي الحياة بين حلم وواقع مرير نعيشه، ويبقى الأمل الذي يدفعنا أن نفتح عيوننا كل يوم.
جلس الهر تحت شجرة، شجرة سرو عملاقة وحيدة نبتت على شاطئ النهر. أغصانها وارفة وجذعها قوي، على أنها لا تمتلك أي عائلة، وتتساقط أوراقها دون أن تجد من يحزن عليها، فيكنسها الريح نحو النهر الذي يجرفها نحو مقبرة النسيان. وكان الهر لا يزال يفكر: لما لا يكون التخلص من الذكريات بمثل تلك السهولة؟ تكفي هبة ريح لإسقاطها من العقل وجرفها نحو المجهول؟
وجسده يرتعش، ليس من البرد، بل من الحزن الذي كاد يقتله. فهو لا يرى أي معنى لحياته، بينما لا توجد أي بارقة أمل تساعده على المضي قدمًا. فكل مكان يحمل لديه ذكرى تغرس أنيابها في قلبه وتنهشه بلا رحمة. حملق كيمو واكا بالأفق الشاحب، الشابورة التي تغطي مياه النهر، وتمتم: "يوم مناسب للموت."
إلى الآن لا يعرف السبب الذي دفعه للحضور لأرض القرية، ولا يعرف لماذا ظهرت ميمي في أحلامه وطالبته بالركض نحو القرية التي يكرهها ويكره كل من يعيش فيها. ثم سمع سعال إنسان بشري.
"بصق كيمو واكا: آخر ما ينقصه كائن متطفل يزيد من أوجاعه." رجل يمشي ببطء وعلى وجهه ابتسامة. كيمو واكا يشعر أنه يعرف الرجل، لكنه لا يتذكره. وعندما رأى الطفل الوقح شعر باستياء. "سيستخدمه الإنسان البشري كلعبة من أجل إرضاء طفله اللعين."
توقف آدم قرب كيمو واكا، وراح يرمقه مطولًا، وآدم الصغير ينظر نحوه، يحاول أن يكون فكره عن هذا الحيوان الذي لمحه مرة يأكل من زبالة الشارع.
قال آدم:
مرحباً أيها الهر، أنا أعرفك.
وسمع كيمو واكا الكلمات وفهمها، وحاول أن يرد:
إنه لا يرحب بأي رفقة حالياً، فمزاجيته متعكرة ويرغب بالموت.
وخرج صوته على هيئة مواء غريب، حانق.
ظل آدم مبتسمًا، والطفل يحلق بوجهه باندهاش، يتساءل لماذا لم يقم ذلك الرجل الذي يحمله منذ الصباح بضرب الهر ردًا على إساءته. انحنى آدم بلطف وربت على ظهر كيمو واكا ومرر يديه بين شعره.
"أها"، نخر كيمو واكا باستنكار، "يعاملني مثل كلب؟"
أخرج الطفل رغاء من فمه، بعد أن لاحظ الخدوش التي تغطي جسد كيمو واكا، فقد تعرض كيمو واكا في الأيام الماضية لضرب لا يتحمله ثور حقل من كل الهررة التي قابلها.
قال آدم:
ترغب في طعام؟ سأله آدم، لدي السردين الذي تحبه وديلا ستسعد برؤيتك.
"يعرف نقطة ضعفي"، تأوه كيمو واكا بامتعاض، "يومًا معدتي ستكون سببًا في قتلي."
قال كيمو واكا:
اسمع أيها الرجل الذي أعرفه، لكنني لا أتذكره بوضوح، أنا أفكر جديًا في الموت، لكنني سأذهب معك، وهذا لا يعني أننا سنصبح صديقين، أو أن سعادة زوجتك البدينة برؤيتي تعنيني في شيء.
تحرك كيمو واكا داخل فحل شق حقلين وهو يحاول نسيان ذكرياته، فقد كان يعرف طريق القصر الذي عاش داخله أسعد أيام حياته. وتبعه آدم وهو يستحضر ذكريات الماضي محاولًا إحيائها مرة أخرى.
وكان الطفل صامتًا، ينظر أمامه للهر العجوز الذي يمشي مترنحًا، وشعر أن هناك هالة جاذبة تسير معه.
"لا بأس به"، فكر الطفل، "هر أحمق، لكن أفكاره تعجبني." وقرر بينه وبين نفسه أن يحتفظ بالمخلوق داخل المكان الذي يعيش فيه، فسيشكل إزعاجه متعة حقيقية بالنسبة له.
وصل آدم رفقة كيمو واكا، وطلب من هايدي الخادمة، التي كانت تعرف كيمو واكا، أن تعد له الطعام على وجه السرعة قبل أن يسقط من طوله. سمح كيمو واكا لهايدي أن تلمس شعره، كان السردين يشغل أفكاره، ولا يرغب بإفساد الوجبة.
التهَم كيمو واكا الوجبة قبل نزول ديلا من غرفتها، واستمتع بموسيقى هايدن وهو يحلق بلوحة بول سيزان "لاعبي الورق"، وكان ينظر خلسة نحو الطفل اللئيم الساكن في حضن والده.
كان الرواق نظيفًا حتى من بيت ميمي. شعر كيمو واكا بالاستياء، البشر قليلوا الوفاء، حطموا بيت ميمي التي ضحت بحياتها من أجلهم. وحرك قدميه صوب باب القصر. وبدأ الطفل في الصراخ، نحيب متواصل طاغٍ. توقف كيمو واكا ونظر تجاه الطفل. سكت الطفل وهدأ.
قال كيمو واكا:
اسمع، لن تنجح خطتك معي، منذ أول نظرة وأنا أعلم أنك تعد لمصيبة.
وانطلق صوت كيمو واكا، مواء متقطع، حاد.
لن أظل دقيقة واحدة هنا، لم تنجح خطتك.
وصرخ آدم الصغير أكثر، يستجدي قلب كيمو واكا الطيب.
لا تضغط على نهره، كيمو واكا، أنت لا تعرف ما فعلو ببيت ميمي؟ حطموه وكأنها لم تمر من هنا.
قفز كيمو واكا وابتعد عن القصر واختفى في الحقول. "بن أعيش مع البشر مرة أخرى." وتناهى لمسمعه أنين خافت جعله ينتبه. تسحب كيمو واكا بين أعواد البرسيم حتى اقترب من الصوت. كانت توتا تمارس الحب مع هر جلف يوسعها ضربًا.
لم يصدق كيمو واكا عينيه، وكاد يصرخ عليها ويتدخل لإنقاذه، لكن لسانه علق في بلعومه. "كل شخص يختار طريقه ويتحمل مسؤوليته." أدار كيمو واكا ظهره مبتعدًا عن المكان.
ولمحت توتا آخر جزء منه، وشعرت أن قلبها يتحطم. لقد هجرها الهر الشاب الذي كان معها بعد أن ارتشف رحيقها. باعها لهر آخر، ووجدت توتا نفسها بلا قوة منها، تتحول لعاهرة ليل، تنتقل من هر لآخر.
"كيمو واكا، كيمو واكا"، سمع كيمو واكا صرخات توتا المنادية عليه، لكنه هرب، اختفى بين الحقول وعاد للقصر.
كان الطفل لا يزال يبكي عند وصوله، رغم محاولات ديلا المستنزفة لإسكاتها.
صمت. صرخ كيمو واكا وهو يقفز جوار ديلا:
لا أسمع صوتك. لقد عدت ولن أسمح لك باللعب بي، أتفهمني؟ إذا مدت شعره من يدك التي لم تنبت بعد على جسدي، أقسم أنني سوف أقضمها.
هدأ الطفل واستكان.
المهم أنك رجعت، دعنا نؤجل الإشكاليات لوقت آخر. سأذهب للحديقة، هناك شيء علي رؤيته قبل أن أقيم في القصر. لا تفتح فمك حتى رجوعي.
اختفى كيمو واكا، ولزم الطفل الصمت. تمشى كيمو واكا حتى وصل الشجرة التي يذكرها جيدًا. لعق جذع الشجرة بحذر، وكان جذع الشجرة مرًا مالحًا. "آها، لا يزال بعض الشر موجود"، قال كيمو واكا وهو يمسح المكان بعينه.
رواية خادمة القصر الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
خربش كيمو واكا الأرض الرطبة وبصق، ثم دفن لعابه تحت الشجرة.
لا يمكن لأي شيء أن يحدث إلا إذا كان سيحدث بالفعل.
لا مبالاة مزعجة لدرجة مغرية، وهذا ما يجعلني أعتقد أنني سأموت وأنا ألقي مزحة.
مرت عربة يجرها حمار خارج القصر.
كان الفلاح يلهب ظهر الحمار بعصا يابسة كسرها من شجرة صفصاف يتيمة تقطن بجوار الساقية البحرية.
العربة ممتلئة بأعواد البرسيم، وساق الفلاح ممددة أمامه.
يحرك أصابعه المتعفنة المتسخة بالطين داخل بوت مهترئ.
الحمار يكافح أن يركض، يكاد يصرخ على الفلاح: لو كنت تمتلك عقلاً ولست حماراً لأدركت.
لو كانت لدي قوة لركضت أسرع حتى أتحاشى ضربك الموجع.
سمع كيمو واكا تأوهات الحمار وتغير مزاجه المتعكر أصلاً.
قفز مبتعداً عن الشجرة أربع خطوات إلى اليمين وسبعة نحو المقدمة، ثم رجع أربع خطوات نحو اليسار.
قبل أن يسير في خط مستقيم مستخدماً تعويذة ساموراوية قديمة.
حتى الشر يمكن تضليله.
العالم كتلة من الحاقه.
ثم سار وهو يحمل أحزانه.
رأسه ثقيل بالأفكار المزعجة وقدميه لا ترغب بحمله.
تأسف كيمو واكا: الكل يرفضني، الكل لا يريدني في حياته، حتى أنت.
نظر لساقيه المنحولتين واللتين كانتا في الماضي مشعرتين، رشيقتين وجميلتين.
دوام الحال من المحال.
شعر أن عظام ظهره تتقطق فأحس باستياء.
لم تنته الرحلة بعد.
أنا أحتاجك رفيقة، حبيبة، غبية مشاكسة، متمردة وطائعة.
أنا أحتاجك كل شيء ولا شيء.
وسمع موسيقى تشايكوفسكي قادمة من سطح القصر.
وأدرك أنه يحتاج تلك اللحظة.
راوية بيكوفيسكي مكتب البريد وهو مستلقٍ على ظهره تحت أشعة شمس بساقين متعانقتين.
كونشيرتو صعود الأرواح لجبل الموت لا تضاهيها إلا دخول الآلهة قاعة الولائم لفاغنر.
نفض كيمو واكا شعره على مدخل القصر، وضرب قدميه في الأرض يتخلص من الأتربة.
ثم نظر بانزعاج نحو ديلا التي تحمل آدم الصغير، والذي لا يزال ملتزماً بوعده ولم يفتح فمه بالصراخ حتى تلك اللحظة.
اقترب كيمو واكا من ديلا ولمس ساقيها.
كنت أنا أول مخلوق تنبئ بحملك بذلك الطفل الشقي.
ثم نظر تجاه الطفل وقال باحترام: كيمو واكا يقدر كل شيء فعلته من أجله.
لكن كيمو واكا يحتاج الآن للموسيقى.
سأصعد عند والدك على سطح القصر، يمكنك مرافقتي.
لكن اسمع، لا تصرخ حتى أصل هناك، فأنا أعرف ألعابك الدنيئة.
كيمو واكا سيعلمك كيف تصبح إنسانًا لا مبالياً دون أن تقرأ لميلان كونديرا.
وتسلق السلم بسرعة دون أن ينتظر إجابة الطفل.
على سطح القصر عندما نظر للسماء وجدها غائمة.
قطع من السحاب تمخر الأفق مثل مراكب شراعية.
أشعة شمس دافئة محتضنة تجعلك ترغب بالاستلقاء ومعدتك ممتلئة بالسردين.
أنسب لحظات للنوم.
استلقى كيمو واكا أسفل قدمي آدم.
وكان آدم الفهرجي يضع ساقيه فوق طاولة واطئة.
عينيه شارده نحو الحقول وفي فمه لفافة تبغ.
وكانت الموسيقى لا تزال تصدح والطفل يصرخ في حضن ديلا التي تحاول دون فائدة إرضائه.
صرخت ديلا: آدم؟
الطفل يصرخ، ينتحب بلا توقف.
لا أستطيع إسكاته.
طغى نغم الموسيقى على صوت ديلا المتوتر.
مما دفع ديلا لتسلق درج السلم بغضب نحو سطح القصر.
آدم؟ لماذا لا ترد علي؟
لم أنتبه، أجاب آدم بلا مبالاة.
وكيف تهتم أو تنتبه؟
تتركني الليل بطوله سهرانه لا يغمض لي جفن.
وعندما تحمل الطفل نصف ساعة تشعرني أنك فعلت معجزة وأن علي أن أشكرك من أجل ذلك.
أعطى الطفل لخادمه.
رد آدم باقتضاب: وكان شارد الذهن ولا يرغب بأي إزعاج في تلك اللحظة.
صرخت ديلا: أنت مش مقدر تعبي ولا سهري وكل اللي اتحملته عشانك؟
وكان آدم الصغير يستمع بصمت للجدال القائم بين والديه.
ليس احترامًا بل لأن كيمو واكا غمز له بطرف عينه محذرًا أن يفتح فمه الضيق.
ماذا علي أن أفعل؟
وكانت نبرة آدم صارمة وقاسية.
كان الطفل معي حتى استيقظت من نومك حدود الظهر.
أعلى أن أحمله اليوم بطوله؟
ليه لا؟
واصلت ديلا كلامها بتحدٍ.
وكان كيمو واكا يفكر أن على كل امرأة أن تقفل فمها أسبوع كل شهر حتى تتعلم كيف تتخلص من ثرثرتها.
فأخر ما يفكر به الرجل هموم المرأة ومتاعبها وعنادها يجعل الأوضاع تسوء.
وهمست ديلا بحزن: أنا مش بنام الليل يا آدم.
قال آدم: كل امرأة تفعل ذلك.
إنها ليست أول امرأة في العالم تحمل وتنجب وترضع وتسهر الليالي.
وأحست ديلا باللامبالاة لآدم وعدم التقدير وشعرت بالإهانة.
فبدأت عيونها تدمع.
قال كيمو واكا: اثبت يا آدم ولا تجعل قلبك يورطك.
تدليل المرأة يفسد ذهنها ومطالبها لا تنتهي أبداً.
لكن قلب آدم رق، وتذكر ما عانته ديلا من أجله.
فقد كان الرجل رغم مزاجيته المتطلبة ممتناً لكل ما ضحت به من أجله.
ولا يمكنه أن ينكر جميلها.
نهض آدم وربت على كتف ديلا وهمس: أنا آسف، عقلي متعكر.
وحمل الطفل وجلس به على المقعد.
صرخ الطفل بامتعاض فهو لا يقبل أن يكون مثل مقعد أو طاولة أو حتى قطعة كيك يوزعونها على بعضهم.
مما اضطر آدم النهوض مرة أخرى وهدهدته والابتسام في وجهه.
وكانت توتا جالسة فوق الصور تراقب كل ذلك بعيون دامعة.
كيمو واكا هناك ولا يمكنها أن تكون بجواره بعد أن تخلت عنه.
كيمو واكا لن يسمح بذلك.
وكان جسدها الذي نحل يرتعش من الهجر والفقد والأحزان.
تتمنى أن يمنحها كيمو واكا فرصة أخرى لتثبت له أنها تستحق عطفه ورحمته.
وتفكر كيف تكفر عن ما فعلته بقلب كيمو واكا.
لأنها تعرف أن جرح القلوب لا يمكن علاجه لكن يمكن التحايل عليه.
فأطلقت مواء حزين طويل وضعيف.
وسمع كيمو واكا النداء وعرف الصوت ولم يبدِ أي اهتمام.
مما دفع الطفل أن يبتسم.
أغلق فمك القذر الصغير، نهره كيمو واكا.
إياك أن تتنمر علي!
امنحها فرصة أخرى، صرخ الطفل.
أريد أن أراكم معًا، أريد أن أراك سعيدًا مرة واحدة على الأقل قبل موتك!
قال كيمو واكا: الأمنيات لا تتحقق في عالمنا.
أيها الطفل اللئيم هذا درس عليك تعلمه.
صرخ الطفل: لكنها قطة رقيقة وجميلة، أشعر بذلك؟
من أدراك؟ ها!؟
نهره كيمو واكا بشدة.
هذه القطة عاهرة كانت تمنح جسدها للهررة بالمجان.
صرخ الطفل وبكى بحنق: وأنت أيضًا لا تعرف كيف أتيت يا كيمو واكا، ربما كانت والدتك عاهرة أيضًا.
لقد تعديت حدودك، صرخ كيمو واكا.
كلمة أخرى سأقفز وأخربش وجهك الجميل، فأنت لا تعرف ما حدث مع والدتك وكيمو واكا لا يرغب بنبش الماضي.
والدتي شريفة وعفيفة أيها الهر العجوز الوقح.
وأنا أيضًا والدتي شريفة، دعنا لا نتحدث عن الأعراض هنا واذهب لوالدتك اجعلها ترضعك.
لقد سئمت حديثك المزعج.
لن أتناول قطرة حليب حتى تعاهدني أنك ستمنحها فرصة.
دعنا نتفق أن لا أحد منا يعرف كيف أتى لهذه الحياة ولا يمكننا تصور كيف كانت مزاجية أمهاتنا عند الحمل بنا!!
طرقت كيمو واكا وانعكست أشعة الشمس الدافئة على وجهه البرونزي.
نعم، اغتصبت أمهاتنا وحملت بنا رغمًا عنها.
صرخ الطفل: ستمنحها فرصة؟
قلت لا، اذهب لحضن والدتك الدافئ ولا تتدخل في أمور الرجال.
دع كيمو واكا في شأنه.
وشعر الطفل أن كيمو واكا محطم وأنه لن يلين بمجرد كلمتين.
فراح يصرخ بلا توقف حتى دفع والده أن يهبط نحو الحديقة ويتمشى به خلالها حتى وصل قرب توتا.
فتوقف عن النحيب.
رأى آدم الهرة التي لم تفزع لرؤيته بل قفزت قربه وراحت تداعب قدميه.
انحنى آدم وربت على جسدها.
وكان آدم الطفل قريبًا منها فراحت تلعق وجهه بعطف ورقة.
سمح لها آدم الطفل أن تلعقه رغم تقززه منها ورغبته في التقيء.
ثم رافقتهم لداخل القصر.
رواية خادمة القصر الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
سارت الهره توتا بخجل خلف ادم الفهرجى لداخل القصر، وتناولت طعامها تحت اقدم ادم الصغير الذى كان ينظر إليها بأعجاب، قطه مسكينه، وكان الطفل يرمقها بنظره متاعطفه فهو يمقت كبرياء كيمو واكا من اول لحظه ولن يهديء له بال حتى يجمعه بتوتا مهما حدث ومهما كلفه ذلك من صراخ، ظل كيموواكا على سطح القصر رغم ان الشمس اختفت والجو أصبح قارس البروده، كان يعلم أن نظرات الانثى تخطف عقله وان قلبه ضعيف امام دلالها وان فكرة فرصه أخرى لا توجد فى قاموسه، ربما مقبوله عند شخص آخر، لكن بالنسبه لكيموواكا الانثى التى ترفضه لا تستحق فرصه ثانيه حتى لو تشقلبت مثل قرد المكاك، سأرحل من هنا، هذا الطفل يمكنه ان يفعل ما يعجبه فى قصره لكنه لن يتحكم فى قرارات كيمو واكا، بينما كانت توتا تشعر بأمتنان أبدى للطفل ادم وقررت ان تجعل نفسها ملكه يفعل بها ما يشاء، سترافق الطفل حتى وفاتها، تلاعبه وهو صغير وتركض معه عندما يصبح طفل وترتمى فى حضنه عندما يكبر وهكذا الحب ينمو ويحتاج لرعايه ليستمر.
كان محسن الهنداوى يدخن لفافات التبغ بلا توقف، يسكر ويعربد ويسهر الليالى وكل مره عندما يلقى بجسده على السرير يتخيل صورة ديلا وهى راقده جنبه، وجهها الجميل، انفاسها ذات رائحة التوت وشعرها الطويل الناعم، يحدق بشاشة هاتفه وهو يعلم أنها رحلت، ويسأل نفسه لماذا لم تفكر فى مهاتفته ولا مره واحده؟
كان طيب معها يعاملها بلين ورفق كيف نست كل تلك الأشياء التى فعلها من أجلها، محسن الهنداوى يعتقد انه كان يستحق معامله افضل من ديلا حتى لو كانت بعيده عنه، المرأه الوحيده التى رغب بها خانته وتعيش بعيد عنه، ورغم انى صفقاته الناجحه تعدتت وأصبح لديه بدل الفيلا عشره الا ان كل الأماكن صامته دون صراخ الطفل الذى كان يعتبره ابنه واصبحت كل الامكنه حواء تنضح بالهجر والخزلان، لم يتصالح مع والدته، كان يحملها كل الأمور السيئه التى حدثت فى حياته من تحت رأسها، وعدته بقتل ادم لكنها امرأه متصابيه ضيعت كل شيء بطيشها، وشاهنده لم تنسى ابدا لمحسن الهنداوى انه سمح لديلا برؤيتها فى حضن ادم، ولم تتمكن من عبور ان ابنها الوحيد سمح لزوجته ان تراها فى وضعيه غير محتشمه من أجل ارضائها، فضل زوجته عليها
وكانت تلك المسأله تلف وتدور فى ذهنها وكلما اغلقت عيونها رأت نفسها فى حضن ادم والعيون تحدق بها، الذكرى الوحيده الطيبه التى تمتلكها لوثها محسن الهنداوى بطمعه واشتياقه لامتلاك كل شيء حتى لو كان ذلك بفرم الآخرين وانها لازالت تملك الوقت، كل الوقت للتمتع ببقية عمرها بعد أن افنت جزء كبير منه بلا فائده ورغم انها كانت حزينه فى البدايه على حال محسن ابنها وتعاسته بسبب فقد ديلا الا ان الآمل كان يحبوها ان يدفعه ذلك للعوده لحضنها مره اخرى، لكن ابنها ابتعد أكثر وقاطعها مثل كلب*ه غريبه، وان البدراوي أصبح كهل بلا فائده لا يستطيع رفع قدمه ويحب محسن الهنداوى مثل ابنه ولن يقف معها ضده ولا سبيل لكسر كل ذلك الملل الا بحمل اخر، وعلى الحمل ان يكون فى ولد ذكر وليس أنثى
ولد يأخذ أموال البدراوى التى قرر ان يكتبها بأسم محسن الهنداوى يلقيها فى احضانها، لطالما راجعت شاهنده الفكره فى ذهنها، وأكثر ما كان يزعجها ان بطنها ستتضخم وتغزو الحبوب بشرتها الناعمه ويصبح مظهرها بشع مقرف لكن كل شيء يهون فى سبيل تحقيق خطتها، وكانت تريد رجل، اى رجل، وكانت تعاين الحراس والبستانى والفكهانى وموظف البنك ومقاول المعمار ولم يدخل احد دماغها
فى الغالب يشغل عقل المرأه رجل واحد مهما كانت صفاته او عيوبه، اللص الذى تسلل لقلبها وكان ادم لازال حاضر معها على طاولة الطعام، فى السهرات وينام معها على فراشها، تتزين من أجله وتحرص على اناقتها كأنه حاضر معها يراقبها
وكأن ظهورها بمظهر مميز يصل اليه حيث كان رغم ابتعاد المسافات واختلاف الازمنه وكانت تعرف ان الوصول اليه لن يتم الا من خلال محسن الهنداوى فكل ما عليها فعله ان تنبش الماضى وتحفر الذكريات، شاهنده تعرف ابنها جيدآ وتفهم انه لن يهداء له بال الا اذا وصل لديلا مره اخرى، الرجل لا يترك امرأه دخلت عقله، وكان ان قابلت محسن الهنداوى صدفه فرثت لحاله وتدنى مظهره، عندما كنت اراك قبل عدة أشهر اقول هذا ابنى وجهك كان مشرق بالفرحه وعيونك لامعه اما الان فأنا لا أرى سوى انسان محطم يعيش على بقايا الذكريات
محسن الهنداوى مش كده ولا عمره هيكون كده، محسن الهنداوى ابنى إلى اعرفه بياخد كل حاجه بيحبها ومش بيسمح لحد يخطفها منه
اطلق محسن الهنداوى سبه لنا غير معتقد ان مصلحتى تهمك
تأسفت شاهنده، لا تنسى انك ابنى وفى كل مره انا من يرجع إليك
تعودين والمصائب خلفك، كل ما أرغب به ان تخرجى من حياتى وتتركينى فى حالى
تحاملت شاهنده على نفسها، لا تترك ساعدتك تهرب من بين يديك أفعل المستحيل وكن واثق انى خلفك
اسماعيل موسى
انتى فاكره انى ساكت ضعف؟ انا ساكت عشانها، عشان سعادتها، شايف انها لقيت الفرحه مع شخص تانى ومش عايز احطمها
من ذاق لوعة الحب وعذاب الهجر يعرف ذلك جيدا
لكن انت لا تملكين قلب، عقلك مليان بالصفقات والفلوس
محسن ابنى؟ سيبك من كلام الروايات ده والافلام الهندى، اصحى يا بابا احنا فى مصر لازم يكون ليك أنياب عشان تعيش، هنا كل ما تنهش اكتر الناس تحترمك اكتر
انا مش ضعيف يا ماما، اياكى تعتقدى كده
متقنعيش ان محسن الهنداوى إلى كان بيغير الستات زى شربات رجله خايفه على واحده هجرته ورمته زى الكلب
قعدت معاك شهور ويمكن ملمستش جسمها
صرخ محسن الهنداوى، امتنعت عن ذلك مش ضعف منى لكن رأفه واحترام لانسانيتها
انسانية ايه يا محسن؟ انت قاتل اكتر من شخص على ايدى
واخرهم تلا
تغيرت ملامح وجه محسن الهنداوى، انتى مش ممكن تكونى امى، مفيش ام تقول او تعمل كده
انا خايفه على مصلحتك يا محسن، الإنسان بيعيش مره واحده مش لازم يضيع عمره فى الركض خلف احلام مثاليه
عايزانى اقتله واحكم على قلب ديلا بالحزن الأبدى؟
عايزاك تلاقى سعادتك لانى شايفه قدامى شخص منتهى
اخطفها، ولا اقلك اخطف ابنك وهى هتجيلك راكعه
وفكر محسن الهنداوى، كم اشتاق لحمل طفله واللعب معه، الركض عندما يصرخ وشراء لعبه من المحلات، كل يوم كان يدخل عليه بلعبه جديده، وكم هو يفتقد تلك الأيام وانه عامل الحياه بالحسنى فردت عليه بالمأسى والأحزان، هجيبها عندى هنا غصب عنها، وغصب عن عين ادم، ابتسمت شاهنده هذا ما ترغب به بالفعل، انسان محطم يركض إليها وتحتضنه
اتصرف يا محسن حبايبك كتير لبسه قضيه اعتقد الموضوع سهل، حشيش ولا بدره او حتى سلاح، اسمع ان اعرف ان فيه مخزن مهجور، المخزن دا باسم ادم حط فيه اى حاجه وبلغ الشرطه
ابتسم محسن الهنداوى دا انتى مخططه لكل حاجه بقا يا شونو؟
خلينى نلعب على ورق ابيض ايه رأيك؟
محسن ان مش واحده شمال من الى بتاخد معاهم نص ساعه وترميهم ان ماما يلا مينفعش تتكلم معايا بالطريقه دى
شوشو انا عارف انك مش بتعلمى حاجه لله ومش هغلط نفس الغلطه مرتين ارمى الزهر بتاعك!!
صممت شاهنده دقيقه تحسبها فى عقلها، انت عايز ديلا صح؟
محسن ايوه والطفل
شاهنده خلاص خد ديلا وارمى ادم فى السجن، وتركت مكانها ورحلت.
يتبع….سارت الهره توتا بخجل خلف ادم الفهرجى لداخل القصر، وتناولت طعامها تحت اقدم ادم الصغير الذى كان ينظر إليها بأعجاب، قطه مسكينه، وكان الطفل يرمقها بنظره متاعطفه فهو يمقت كبرياء كيمو واكا من اول لحظه ولن يهديء له بال حتى يجمعه بتوتا مهما حدث ومهما كلفه ذلك من صراخ، ظل كيموواكا على سطح القصر رغم ان الشمس اختفت والجو أصبح قارس البروده، كان يعلم أن نظرات الانثى تخطف عقله وان قلبه ضعيف امام دلالها وان فكرة فرصه أخرى لا توجد فى قاموسه، ربما مقبوله عند شخص آخر، لكن بالنسبه لكيموواكا الانثى التى ترفضه لا تستحق فرصه ثانيه حتى لو تشقلبت مثل قرد المكاك، سأرحل من هنا، هذا الطفل يمكنه ان يفعل ما يعجبه فى قصره لكنه لن يتحكم فى قرارات كيمو واكا، بينما كانت توتا تشعر بأمتنان أبدى للطفل ادم وقررت ان تجعل نفسها ملكه يفعل بها ما يشاء، سترافق الطفل حتى وفاتها، تلاعبه وهو صغير وتركض معه عندما يصبح طفل وترتمى فى حضنه عندما يكبر وهكذا الحب ينمو ويحتاج لرعايه ليستمر.
كان محسن الهنداوى يدخن لفافات التبغ بلا توقف، يسكر ويعربد ويسهر الليالى وكل مره عندما يلقى بجسده على السرير يتخيل صورة ديلا وهى راقده جنبه، وجهها الجميل، انفاسها ذات رائحة التوت وشعرها الطويل الناعم، يحدق بشاشة هاتفه وهو يعلم أنها رحلت، ويسأل نفسه لماذا لم تفكر فى مهاتفته ولا مره واحده؟
كان طيب معها يعاملها بلين ورفق كيف نست كل تلك الأشياء التى فعلها من أجلها، محسن الهنداوى يعتقد انه كان يستحق معامله افضل من ديلا حتى لو كانت بعيده عنه، المرأه الوحيده التى رغب بها خانته وتعيش بعيد عنه، ورغم انى صفقاته الناجحه تعدتت وأصبح لديه بدل الفيلا عشره الا ان كل الأماكن صامته دون صراخ الطفل الذى كان يعتبره ابنه واصبحت كل الامكنه حواء تنضح بالهجر والخزلان، لم يتصالح مع والدته، كان يحملها كل الأمور السيئه التى حدثت فى حياته من تحت رأسها، وعدته بقتل ادم لكنها امرأه متصابيه ضيعت كل شيء بطيشها، وشاهنده لم تنسى ابدا لمحسن الهنداوى انه سمح لديلا برؤيتها فى حضن ادم، ولم تتمكن من عبور ان ابنها الوحيد سمح لزوجته ان تراها فى وضعيه غير محتشمه من أجل ارضائها، فضل زوجته عليها
وكانت تلك المسأله تلف وتدور فى ذهنها وكلما اغلقت عيونها رأت نفسها فى حضن ادم والعيون تحدق بها، الذكرى الوحيده الطيبه التى تمتلكها لوثها محسن الهنداوى بطمعه واشتياقه لامتلاك كل شيء حتى لو كان ذلك بفرم الآخرين وانها لازالت تملك الوقت، كل الوقت للتمتع ببقية عمرها بعد أن افنت جزء كبير منه بلا فائده ورغم انها كانت حزينه فى البدايه على حال محسن ابنها وتعاسته بسبب فقد ديلا الا ان الآمل كان يحبوها ان يدفعه ذلك للعوده لحضنها مره اخرى، لكن ابنها ابتعد أكثر وقاطعها مثل كلب*ه غريبه، وان البدراوي أصبح كهل بلا فائده لا يستطيع رفع قدمه ويحب محسن الهنداوى مثل ابنه ولن يقف معها ضده ولا سبيل لكسر كل ذلك الملل الا بحمل اخر، وعلى الحمل ان يكون فى ولد ذكر وليس أنثى
ولد يأخذ أموال البدراوى التى قرر ان يكتبها بأسم محسن الهنداوى يلقيها فى احضانها، لطالما راجعت شاهنده الفكره فى ذهنها، وأكثر ما كان يزعجها ان بطنها ستتضخم وتغزو الحبوب بشرتها الناعمه ويصبح مظهرها بشع مقرف لكن كل شيء يهون فى سبيل تحقيق خطتها، وكانت تريد رجل، اى رجل، وكانت تعاين الحراس والبستانى والفكهانى وموظف البنك ومقاول المعمار ولم يدخل احد دماغها
فى الغالب يشغل عقل المرأه رجل واحد مهما كانت صفاته او عيوبه، اللص الذى تسلل لقلبها وكان ادم لازال حاضر معها على طاولة الطعام، فى السهرات وينام معها على فراشها، تتزين من أجله وتحرص على اناقتها كأنه حاضر معها يراقبها
وكأن ظهورها بمظهر مميز يصل اليه حيث كان رغم ابتعاد المسافات واختلاف الازمنه وكانت تعرف ان الوصول اليه لن يتم الا من خلال محسن الهنداوى فكل ما عليها فعله ان تنبش الماضى وتحفر الذكريات، شاهنده تعرف ابنها جيدآ وتفهم انه لن يهداء له بال الا اذا وصل لديلا مره اخرى، الرجل لا يترك امرأه دخلت عقله، وكان ان قابلت محسن الهنداوى صدفه فرثت لحاله وتدنى مظهره، عندما كنت اراك قبل عدة أشهر اقول هذا ابنى وجهك كان مشرق بالفرحه وعيونك لامعه اما الان فأنا لا أرى سوى انسان محطم يعيش على بقايا الذكريات
محسن الهنداوى مش كده ولا عمره هيكون كده، محسن الهنداوى ابنى إلى اعرفه بياخد كل حاجه بيحبها ومش بيسمح لحد يخطفها منه
اطلق محسن الهنداوى سبه لنا غير معتقد ان مصلحتى تهمك
تأسفت شاهنده، لا تنسى انك ابنى وفى كل مره انا من يرجع إليك
تعودين والمصائب خلفك، كل ما أرغب به ان تخرجى من حياتى وتتركينى فى حالى
تحاملت شاهنده على نفسها، لا تترك ساعدتك تهرب من بين يديك أفعل المستحيل وكن واثق انى خلفك
اسماعيل موسى
انتى فاكره انى ساكت ضعف؟ انا ساكت عشانها، عشان سعادتها، شايف انها لقيت الفرحه مع شخص تانى ومش عايز احطمها
من ذاق لوعة الحب وعذاب الهجر يعرف ذلك جيدا
لكن انت لا تملكين قلب، عقلك مليان بالصفقات والفلوس
محسن ابنى؟ سيبك من كلام الروايات ده والافلام الهندى، اصحى يا بابا احنا فى مصر لازم يكون ليك أنياب عشان تعيش، هنا كل ما تنهش اكتر الناس تحترمك اكتر
انا مش ضعيف يا ماما، اياكى تعتقدى كده
متقنعيش ان محسن الهنداوى إلى كان بيغير الستات زى شربات رجله خايفه على واحده هجرته ورمته زى الكلب
قعدت معاك شهور ويمكن ملمستش جسمها
صرخ محسن الهنداوى، امتنعت عن ذلك مش ضعف منى لكن رأفه واحترام لانسانيتها
انسانية ايه يا محسن؟ انت قاتل اكتر من شخص على ايدى
واخرهم تلا
تغيرت ملامح وجه محسن الهنداوى، انتى مش ممكن تكونى امى، مفيش ام تقول او تعمل كده
انا خايفه على مصلحتك يا محسن، الإنسان بيعيش مره واحده مش لازم يضيع عمره فى الركض خلف احلام مثاليه
عايزانى اقتله واحكم على قلب ديلا بالحزن الأبدى؟
عايزاك تلاقى سعادتك لانى شايفه قدامى شخص منتهى
اخطفها، ولا اقلك اخطف ابنك وهى هتجيلك راكعه
وفكر محسن الهنداوى، كم اشتاق لحمل طفله واللعب معه، الركض عندما يصرخ وشراء لعبه من المحلات، كل يوم كان يدخل عليه بلعبه جديده، وكم هو يفتقد تلك الأيام وانه عامل الحياه بالحسنى فردت عليه بالمأسى والأحزان، هجيبها عندى هنا غصب عنها، وغصب عن عين ادم، ابتسمت شاهنده هذا ما ترغب به بالفعل، انسان محطم يركض إليها وتحتضنه
اتصرف يا محسن حبايبك كتير لبسه قضيه اعتقد الموضوع سهل، حشيش ولا بدره او حتى سلاح، اسمع ان اعرف ان فيه مخزن مهجور، المخزن دا باسم ادم حط فيه اى حاجه وبلغ الشرطه
ابتسم محسن الهنداوى دا انتى مخططه لكل حاجه بقا يا شونو؟
خلينى نلعب على ورق ابيض ايه رأيك؟
محسن ان مش واحده شمال من الى بتاخد معاهم نص ساعه وترميهم ان ماما يلا مينفعش تتكلم معايا بالطريقه دى
شوشو انا عارف انك مش بتعلمى حاجه لله ومش هغلط نفس الغلطه مرتين ارمى الزهر بتاعك!!
صممت شاهنده دقيقه تحسبها فى عقلها، انت عايز ديلا صح؟
محسن ايوه والطفل
شاهنده خلاص خد ديلا وارمى ادم فى السجن، وتركت مكانها ورحلت.
يتبع….
رواية خادمة القصر الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
كان كيمو واكا يفتح فمه ويكتم تثاؤباً وهو ينزل درجات السلم. قضى معظم الليل على سطح القصر في طقس مثلج وجسده يرتعش من البرد حتى لا يقابل توتا ولا يرى وجهها المتعفن. "لا أمانع أن أتجمّد وأصبح تمثالاً ولا أرى عيونها اللعوب."
القصر خالٍ، ما من أحدٍ داخله. توقف الطفل عن الصراخ الساعة العاشرة ليلاً واختفت الأصوات منتصف الليل، والآن الساعة تقارب الثانية فجراً. الرواق مظلم، وبقايا دفء تتسرب من المدفأة.
وقف كيمو واكا دقيقة قرب المدفأة وسمح للحرارة أن تنعشه. لم يكن كيمو واكا قلقاً من مكان نومه. سيلقي بجسده النحيل في أي ركن ولن يلمحه أي شخص. "عشت حياتي كلها مهملاً دون أن يلاحظني أحد."
لماذا يحدث ذلك الآن؟ كيمو واكا يعتقد أن لا شيء جديداً دبّ في حياته الساكنة قد يغير الوضع. شعر كيمو واكا بالنعاس فعلاً، انغلقت جفونه وكاد أن يسقط من طوله، لكنه سمع صوتاً قادماً من الحديقة. صوت غريب لم يسمعه كيمو واكا من قبل ولا يعرفه.
اضطر كيمو واكا أن يقاوم كسله. صعد السلم أولاً حتى وصل سطح القصر، ثم هبط على الجدار مثلما يفعل أي هرّ حتى وصل قرب الأرض، ثم قفز. كان الصوت قادماً من الناحية البحرية، المنطقة التي يكرهها كيمو واكا وتحمل كل الذكريات الضبابية بالنسبة له.
اختفى الصوت مما أصاب كيمو واكا بالحيرة. فتح كيمو واكا أذنيه وجلس في مكانه. سمع كيمو واكا همساً خافتاً، وكان الصوت قادماً من الشجرة. لم يعرف كيمو واكا كيف لشجرة أن تتحدث. كانت همسات غريبة يحملها الريح، لغة لا يفهمها كيمو واكا، لكنه شعر أنها لغة الشر.
أحس كيمو واكا بالغضب. هذا الشر تحكم فيه من قبل وتسبب في قتل حبيبته ميمي. لم يرَ كيمو واكا كلباً أسود ضخماً نتناً بشعاً ولا شيطاناً بقرنين، فقط ثعباناً أصفر صغيراً يزحف خارجاً من جذع الشجرة قاصداً القبو.
اعترض كيمو واكا طريق الثعبان وهو يكشر عن أنيابه.
"ابتعد عن طريقي أيها الحيوان القذر الصغير، أنت لا تعرف ما تواجهه."
"ثعبان أصفر حقير مؤذٍ!" نهره كيمو واكا. "لقد قتلت اثنين مثلك من قبل."
أطلق الثعبان فحيحاً قاتماً ثم اختفى. لم يصدق كيمو واكا عينيه. لا يمكن لثعبان أو أي مخلوق أن يتبخر مثل الماء. شعر برعب عميق يتسلل إليه. إنه ليس ثعباناً عادياً، إنه روح شيطانية شريرة.
ثم ركض تجاه القصر وهو لا يعرف ما عليه فعله، لكنه متأكد أن هذا الشر الذي قتل ميمي لا يمكن أن يتركه ينجح مرة أخرى. يعرف ما هو مكتوب في السطر العاشر في الصفحة 60 من كتاب "شمس المعارف" أن السحر الذي يفعله الموتى لا يمكن تطهيره. وهذا السحر اللعين قامت به امرأة شريرة ميتة، ولكي يتخلص منه عليه أن يحفر قبرها وتعود إليها الروح مرة أخرى.
كيمو واكا يعرف أنه قط، لكنه متأكد باستحالة حدوث ذلك، وإلا لسافر كل أرض الله حتى يعيد ميمي مرة أخرى، وتسبب ذلك في فوضى عارمة، فكل كائن فقد حبيباً له سيسعى لإعادته.
عندما وصلت الروح الشريرة إلى القصر، ارتجت جدرانه. شعر آدم الفهرجي وهو يدخن سيجاره على طرف سريره أن هناك شيئاً يسير داخل الجدران ويخربشها بأظافره، لكنها كانت مجرد لحظة وظن آدم الفهرجي أن الطبيعة غاضبة وتمارس مزحة.
انْدَسَّت الروح الشريرة داخل القبو وسكنت. ما من شخص يمنحها التعليمات، وراحت تفتش على أضعف روح شارده لتسكنها، فهي تحتاج لمضيف حتى تستطيع أن تمارس شرها. وكان هناك قرآن يرتل في المذياع وامرأة تدعو الله أن تستقيم حياتها ويهدأ طفلها عن البكاء، مما جعل الروح الشريرة تعود لوضع السكون مرة أخرى.
توتا كانت جالسة عند قدمي آدم الصغير تلاعبه وتنتظر اللحظة التي ينام فيها حتى تغفو هي الأخرى. وآدم الصغير لا يريد أن ينام حتى يرى كيمو واكا، وكان يعرف أن هذا على ما يبدو لن يحدث تلك الليلة، فكيمو واكا هر عنيد ولا يغفر بسهولة.
عرج كيمو واكا نحو غرفة ديلا. كان عليه أن يرى ما يمنع الطفل من النوم ويأمره أن يتوقف عن الإزعاج حتى تتمكن والدته من النوم. عندما وضع قدمه داخل الغرفة لمح توتا فتغيرت ملامحه، لكنه رأى وجه ديلا المرهق.
"أيها الطفل الصغير، كفاك عبث. ما تفكر به لن يحدث الليلة ولا في الشهور القادمة، لذا أغلق فمك اللعين، توقف عن النباح وأغلق عينيك."
"ألا ترى أنك جاوزت الحد؟"
"ما شأنك أنت أنام أو لا أنام يا كيمو واكا؟"
"كل طفل صغير يزعج والدته وكل العائلة، هذا واحد من حقوق الطفل في هذا العالم أن يحدث الفوضى التي يرغب بها دون أن يتعرض لأي عقاب."
"لكن كيمو واكا يفهمك ويطالبك أن تغلق فمك."
"وأنا أيضاً لدي شروطي وعليك أن تسمعها أيها الهر التعس."
أطلق كيمو واكا مواءً طويلاً.
"عليك أن تفهم أن كيمو واكا ليس تعساً. التعاسة تأتي من معرفة الناس، وكيمو واكا لا يعرف أحداً وليس لديه أشخاص مقربون."
"لديك شخص مقرب هنا يا كيمو واكا، ومحاولاتك للهرب غير مجدية."
"تعلم أن تفتح قلبك مرة أخرى أيها الهر العجوز. آدم لا يعرف من أين أتيت بكل تلك القسوة؟"
"من الخذلان أيها الطفل الرضيع، طبعاً أنت لا تعرف ذلك بعد. فلم يأتِ أحد ليشق قلبك ثم يتركك ويرحل ليرتمي في حضن شخص آخر."
رواية خادمة القصر الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
فتحت ديلا عينيها بصعوبة، تتلفت حواليها، خائفة تكون نامت على رجل آدم الفهرجي. لتفاجيء أنها راقدة فوق سريرها متغطية بالبطانية.
"نهار أسود!" زعقت ديلا المخضوضة. "حصل إيه؟ مين جابني هنا؟ وإزاي أنا نمت أصلاً؟"
معقول يكون آدم بيه هو اللي شالني ودخلني غرفتي؟ أصل أنا بنام زي الميتة! طيب دخلني إزاي؟ جرني مثلاً؟ معقول آدم بيه يكون شالني؟ ولمسني؟
وبدأ عقلها يسرح في تصورات غير منتهية، وابتسامة كبيرة تغطي وجهها المتورد بلون الكاكا. وسرحت رعشة في جسدها، ليست رعشة رعب ولا خوف، بل رعشة قرب وإلتصاق. شعرت ديلا بلذة تغمرها، وأن الكون بحاله لا يمكنه أن يسع فرحتها.
ثم سمعت سعال آدم الفهرجي في الرواق، وتذكرت ميعاد الإفطار. قامت بسرعة مهرولة ناحية المطبخ. أعدت الأكل ورصته على الطاولة من غير ما تتكلم، ووقفت بثبات من غير حركة.
تضع عينها اللئيمة ذات الجمال على آدم الفهرجي.
"أتمنى تكوني نمتي كويس امبارح،" قال آدم بنبرة مرحة.
همست ديلا: "والله يا بيه أنا غاطسة وسط هدومي من الكسوف ومش عارفة أوريك وشي إزاي. سامحني يا بيه، أوعدك طول عمري مش هفتح بقي ولا أقول اقعد معاك ولا مقعدش معاك. أنا مكاني المطبخ أصلاً."
ابتسم آدم الفهرجي. لأنها تعرف قدرها. فليست كل الفتيات يتمتعن بالجرأة ليعترفن بالحقيقة. الفتيات يحببن سماع الكلمات العذبة ويعشقن المواربة والطرق الملتوية في الحب.
وكان آدم يتذكر ما حدث بالأمس. يديها التي التفت حول عنقه ببراءة. الجسد المائع الذي حمله، وغاص بداخله. حتى وهي نائمة بدت مبتسمة كشعلة يونانية. لقد تشعلقت بعنقه ورفضت أن تتركه، مما اضطره أن يجلس جوارها.
كان خجل من تلك التفاصيل التي حدثت، ولا يرغب في تذكرها.
"سامحني يا آدم بيه، لكن فيه سؤال محيرني ومكسوفة أقوله."
رفع آدم يده: "قولي يا ديلا."
"هو أنا وأنا نايمة عملت حاجة ضايقتك؟ أصل أنا بخاف أزعلك حتى لو كنت نايمة."
انبهر آدم من سلاسة وصفها وحسن تعبيرها، وكيف استطاعت بمجرد كلمتين التعبير عن نفسها.
"بعد كده لما تنامي تدخلي غرفتك. الفوضى والتسيب اللي حصل امبارح ده مش ممكن يحصل تاني."
"ديلا، حاضر يا بيه، حاضر. أصل الحقيقة أنا مش بحب أشوفك قاعد لوحدك من غير ما حد يونسك. بتصعب عليا. قصر كبير ملوش آخر وحضرتك وحيد فيه."
وشعر آدم بالوجع. شعور مؤذي أن تكون وحدتك نابعة من داخلك، ولا علاقة لها بالأماكن أو الأزمنة ولا البشر. ماذا تحاول أن تفعل تلك الفتاة البربرية؟ لما؟ تنبش في أعماقي وتؤجج المشاعر التي تخلصت منها منذ زمن طويل. لقد انتهيت. أن تورطك في علاقة بشرية قد يعني هلاكك. البشر مؤذون، خاصة النساء، وأنا قلبي موصد. أغلقتُه بالقفل والمفتاح، ولا رغبة لدي في معايشة تلك الأوقات المأساوية مرة أخرى. فلا يوجد شخص يستحق أن تقضي الليل تكافح دموعك من أجله.
وكلما شعر آدم الفهرجي براحة في الكلام مع ديلا، شعر بالقلق. هذه الأحاسيس والمشاعر ماتت، ولابد أن تظل ميتة. ثم لماذا أسمح لها بالكلام؟ وكان عقله يصرخ: خائنة، خائنة. لكن خائنة لمن؟ ما الذي يربطه بها ويشعر من خلاله بالخيانة؟ إنها مجرد خادمة وهو رب عملها.
"أنا بحب أقضي أوقاتي لوحدي يا ديلا. أجد سعادتي في العزلة والبعد عن الناس."
ديلا: "ده كلامك برضك يا بيه؟ واحد زيك متعلم وقارئ كتب كتيرة يقول الكلام ده؟ مفيش أحسن من الرفقة."
نظرت ديلا ناحية آدم الفهرجي. كان قلبها يدق بسرعة، خائفة الصبية أن يقفز قلبها خارج صدرها ويفضحها. حزينة لبعد المسافات. وكانت كلما شعرت بعاطفة نحو آدم بكت. إنها مجرد خادمة وهو صاحب القصر. تأملت هذا الوجه الوسيم وأشاحت برأسها لبعيد. بعيد جداً حيث البيت الطيني وقلل المياه، الطشت والغسيل والأواني القديمة.
"إعلان بفكر أطلع للتخييم فوق التلة، محتاج أشم هواء نقي. من فضلك حضري شنطتي والخيمة المتنقلة."
ابتسمت ديلا: "طبعاً أنا هخرج معاك يا بيه؟"
صمت آدم، ثم قال بحزم: "لا، انتي هتفضلي هنا في القصر. أنا هاخد محمود."
شعرت ديلا بحزن وفقد، لكن ما باليد حيلة. أحنت رأسها وقالت: "حاضر."
أعدت ديلا كل الأشياء التي أمر بها آدم الفهرجي. وكانت مستيقظة صباح اليوم التالي عندما تحرك الباشا رفقة محمود البستاني نحو التل.
محمود البستاني: "فين الحاجات اللي طلبها الباشا يا بت انتي؟"
ديلا: "كل حاجة جاهزة في الشنط."
البستاني: "طيب يلا غوري من هنا!"
نظر محمود البستاني تجاه آدم الفهرجي الذي كان مشغولاً بحصانه، ثم أخفى حقيبة تحت كومة قش وانطلق مع الباشا ناحية التلة.
بعد ساعة وصلا التلة. أمر آدم البستاني أن ينصب الخيمة على بال ما يغير هدومه.
صرخ البستاني: "البنت دي غبية قوي يا باشا!" وفتح الحقيبة أمام عيون آدم. "البنت نسيت تحط الخيمة. أنا هروح أجيب الخيمة وأرجع بسرعة يا باشا. قبل ما الشمس تبقى سخنة هكون هنا."
نزل محمود البستاني التلة وترك آدم الفهرجي يتجول بين الأشجار والأزهار. وركض ناحية القصر.
"والله احلوت يا واد يا محمود. القصر فاضي هتاخد راحتك المرة دي. محدش هينقذها من بين إيديك."
دخل البستاني القصر وصرخ بغضب: "انت يا بت يا غبية! فين الخيمة بتاعة الباشا؟"
ديلا: "والله حطيتها جوه الشنطة."
البستاني: "امشي انجري على المخزن، انتي نسيتي الخيمة يا حلوة."
تابع البستاني ديلا وهي تركض ناحية المخزن، نادبة حظها السيء. أكيد آدم بيه زعلان منها.
انطلق البستاني خلف ديلا ناحية المخزن الذي يقع في آخر القصر.
رواية خادمة القصر الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
مش لاقيه حاجة؟ صرخت ديلا من بين أكوام الملابس والأغراض المتراكمة فوق بعضها.
أنا متأكدة إني حطيتها داخل الحقيبة.
سد البستاني باب المخزن بيديه.
دا الباشا هي...
خرب بيتك، وطّي كده وبصي تحت الكراسي.
انحنت ديلا تبحث أسفل المقاعد القديمة وعين محمود البستاني تتابعها بشهوة.
ولم تلحظ ديلا المستغرقة في البحث اقترابه منها.
وكان جسده الطويل منع ضوء الشمس من دخول المخزن كظل وحش مرعب يلوح بسيفه.
عندما انتبهت ديلا، كان محمود البستاني ملتصقًا بجسدها يهم باحتضانها كعشيقة.
فدفعت ديلا جسدها بعيدًا عن البستاني وأصبحت في مقابلته.
إنت هتعمل إيه؟
أوعاك تكون فاكر اللي حصل قبل كده ممكن يحصل تاني.
ابتسم البستاني بسخرية.
والله والقطة طلع لها ضوافر وبتخربش.
بقى إنتي يا بت يا مف*عوصة بتقولي كده؟
أنا مش مفعوصة.
وإن كنت سكت قبل كده فعشان أدم بيه، لكن إنت إنسان و*سخ وطول عمرك هتفضل س*افل!!
إنتي صدقتي نفسك يا بت!؟
المرة دي محدش هيمنعني عنك، لا أدم بيه ولا غيره.
ديلا...
ابعد عني، والله هص*ر.
اصرخي يا حلوة، الحاجات دي مش بتحلى غير مع الصراخ.
وقبل أن تفتح ديلا بقها، هجم عليها البستاني وكتم أنفاسها.
وحاول أن يقيدها في حضنه.
قبضت ديلا على أقرب حاجة وقعت في إيديها، رجل كرسي مكسورة وضربت بها دماغ البستاني فشقتها.
صرخ محمود البستاني.
قت*لتيني يا بنت ال*كلب؟ والله لاطردك من القصر.
خدي هدومك وامشي من هنا، يلا يا حثالة يا مع*فنة، اطلعي بره القصر، غورى بره.
صرخت ديلا.
مش هخرج، لازم أدم بيه يعرف الحقيقة.
لكن البستاني أجبرها بالتهديد والفض*يحة حتى خرجت راكضة هاربة نحو منزلها.
ظل أدم الفهرجي فوق التلة يستمتع بالطبيعة، حتى تأخر البستاني.
لم يقطع حبل أفكاره.
انتصف النهار ولم يظهر البستاني.
وشعر أدم أن هناك شيء قد حدث لا يعرفه.
نزل من على التلة وركب حصانه نحو القصر.
كان البستاني داخل القصر، لافف قماشة فوق دماغه، قماشة متلطخة بالدم.
كل أثاث القصر مبعثر على الأرض والسجاد مقلوب، خزانة الملابس مفتوحة.
صرخ البستاني.
الم*جرمة الحر*امية يا باشا، انتهزت فرصة غيابنا وحاولت تسرق القصر، لكن ربنا أراد يف*ضحها.
أنا وصلت في آخر لحظة يا باشا وطردتها بره القصر.
آدم، فيه حاجة ناقصة أو مسروقة؟
البستاني، لسه بدور يا باشا، أصل الصنف ده مش سهل.
أنا هطلع غرفة حضرتك أفتش فيها.
دخل البستاني غرفة أدم، فتح المكتب ووضع ما فيه من نقود داخل جيبه.
ثم نزل السلم يصرخ.
أخدت الفلوس يا باشا، لازم نبلغ الشرطة، المج*رمة دي لازم تدخل السجن.
أخدت كام؟
سأل الفهرجي.
كل الفلوس يا باشا الموجودة في غرفتك سرقتها.
صمت أدم الفهرجي دقيقة، ثم صعد درجات السلم نحو غرفته.
صرخ البستاني.
أبلغ الشرطة يا باشا؟
بحزن، لوح الفهرجي بيده.
مفيش داعي يا محمود.
ثم دلف لغرفته وأغلق الباب على نفسه.
لكن البستاني لم يتركه، صعد خلفه وطرق الباب بعنف.
دماغي يا باشا، المج*رمة شقتها نصين وأنا بدافع عن القصر.
أنا محتاج يجيب عشرين غرزة.
أخرج أدم من جيبه رزمة فلوس مدها للبستاني.
خد دول عالج بيهم نفسك، ويا ريت محدش يعرف عن اللي حصل ده.
أنا عايزك تحط لسانك جوه بقك، فاهم؟
فاهم يا أدم، رغم إني مش عارف ليه حضرتك عايز تتستر على المجرمة دي؟
نظر أدم الفهرجي على البستاني بغضب.
نظرة يعرف بعدها محمود أن عليه أن يصمت.
لما وصلت ديلا بيتها، والدها عاقبها، ربطها وضر*بها ومنعها من الخروج من البيت.
ديلا مقدرتش تقول عن اللي حصل معاها، محدش هيصدقها أو يقف جنبها.
وقعدت حبيسة البيت مدة طويلة، وكانت حزينة لأن أدم بيه مسألش عنها ولا حاول يبعتلها ويعرف اللي حصل إيه.
كانت عارفة إن أدم بيه الأمل الوحيد المتبقي ليها، وكانت كل يوم بتنتظر ظهور أدم على باب منزلها بعد ما يكون عرف الحقيقة.
لكن أدم لم يظهر والقصر لم يفتقدها.
البستاني داخل القرية يشيع أنه يبحث عن فتاة صغيرة ولطيفة تخدم الباشا بعد ما طرد الخدامة بتاعتهم.
محدش في القرية كان عارف ديلا انطردت ليه، وسرت إشاعات عن سرقة، كسل وتراخي.
والإشاعات في القرى لا تتوقف حتى تظهر إشاعة أخرى تنسيهم اللي قبلها.
وجد البستاني ضالته أخيرًا، فتاة تدعى شهد، فتاة فقيرة لأب متوفى ووالدة تكافح من أجل لقمة عيشه.
لما عرفت ديلا إن فيه خدامة جديدة اشتغلت في القصر، النار ولعت جوه صدرها.
حاولت تروح القصر تستعطف أدم الفهرجي، لكن والدها لحقها قبل ما توصل القصر وجرجرها على الطريق ناحية البيت وك*سر عضمها من الضرب وأقسم أنه هيجوزها لأول شخص يتقدم ليها.
ديلا قبل شغلها في القصر اتقدملها ناس كتير.
البنت حلوة وجميلة، ومعظم رجال القرية كان عندهم رغبة يجوزوها.
لكن ديلا كانت دايما بترفض، مكنتش شايفة واحد فيهم ممكن تستريح معاه.
لكن دلوقتي والدها هيرميها لأول واحد يتقدم ليها ومش هتقدر تعترض.
مضى أكثر من شهر وسمح لديلا بالخروج من البيت بعد ما الشائعات خفت.
كانت بتروح مع أمها الغيط تجز البرسيم من أجل إطعام البقرة الوحيدة التي يملكونها.
وكانت بتمر من تحت القصر كل ما تروح الحقل، زي أي فلاحة بتروح الغيطان.
مفيش شيء مميز فيها، وكانت تشعر بحزن دفين كل ما مرت من هناك متوقعة أنها تشوف أدم ولو حتى مرة.
لكن القصر كان بعيد عنها، الحديقة كبيرة وشاسعة تفصل القصر عن الطريق.
وكانت ديلا بتنتهز الفرصة وتروح تقعد تحت صور القصر في الناحية الشمالية اللي كانت بتطل عليها شرفة أدم.
وكان أدم لمحها مرة وهو جالس فوق سطح القصر، لكنه لم يتعرف عليها، مجرد فتاة متعبة تستريح من العمل.
لكنه ظل يراها لمدة أكثر من أسبوع جالسة في نفس المكان محدقة في شرفات القصر.
رواية خادمة القصر الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
كان آدم الفهرجي كلما جلس على سطح القصر رأى تلك الفتاة.
باهتة الملامح، جالسة على الطريق، رأسها بين ركبتيها، تحدق بشرفات القصر.
وقت العصرية! باتت رؤيتها كل يوم أمراً معتاداً بالنسبة لآدم الفهرجي.
حتى أنه قام برسمها خلال لوحاته، جالسة مثل قديسة ووجه غامض.
ثم فكر آدم الفهرجي أنها من الممكن أن تكون فتاة مسكينة تحتاج لمساعدة.
وجلوسها أمام القصر إنما لقلة حيلتها.
طلب آدم الفهرجي الخادمة شهد وأمرها أن تذهب لتلك الفتاة وتسأل عن قصتها.
إن كانت في حاجة لمساعدة، عليها أن تجلبها لداخل القصر.
لمح محمود البستاني شهد تسير ناحية بوابة القصر.
"إنتي رايحة فين يا بت؟"
قالت شهد: "آدم بيه شاف بنت قاعدة قدام سور القصر وباعني أجيبها عنده لو كانت محتاجة مساعدة."
فكر محمود البستاني: "بنت مين دي إلى قاعدة جنب أسوار القصر؟ أنا بخدم هنا من زمن طويل وعمري ما شفت فتاة من بنات القرية بيتجرأوا ويقعدوا قدام القصر."
صرخ محمود البستاني في شهد: "ارجعي إنتي القصر وأنا هروح أشوف حكاية البنت دي إيه."
خرج البستاني من القصر وسار تجاه الناحية الشمالية حتى اقترب من ديلا.
عنيها لمعت لما شافها قاعدة جنب السور.
"إنتي يا بنت بتعملي إيه هنا؟ يلا امشي انجري ولا عايزاني أجر*ج*رك من شعرك لحد بيتكم؟ الباشا أمرني آخدك من إيدك وأوصلك لأبوكي عشان يربيكي، لكن أنا هعمل بأصلي وأسيبك تمشي لوحدك."
نهضت ديلا بحزن، تركت مكانها ومشيت ناحية بيتها.
"الهذه الدرجة يكرهني آدم الفهرجي ولا يرغب برؤيتي؟"
وكان حزنها مضاعفاً.
لقد فقدت آخر أمل لها، الحلم الذي كانت تتغذى عليه.
رجوعها للقصر مرفوعة الرأس بعد أن يعرف آدم بيه الحقيقة.
وتذكر محمود البستاني كل ما حدث بينه وبين ديلا وكيف هربت من إيده أكتر من مرة.
تذكر جس*دها الذي لمسه بالكاد ثم تبخر.
وقصد دكان القرية لشراء علبة سجائر.
خلال الطريق خاطبته سعدية، امرأة أربعينية تبيع الخضروات.
"هو إنت مش ناوي تتجوز يا من*يل إنت؟"
ابتسم محمود البستاني بلؤم: "إيه؟ عندك عروسة ليه؟"
"غالٍ والطلب رخيص بس متنساش الحلاوة بتاعتي."
فتح البستاني فمه: "مين يا سعدية؟"
صرخت سعدية: "ديلا بنت محمود النزاوى."
تصلب جسد محمود البستاني وقرب من سعدية: "بتقولي إيه يا ولية إنتي؟"
"زي ما بقلك كده، أبوها حالف يجوزها لأول واحد يطلبها، البنت حلوة وخسارة والله."
لم يكذب محمود البستاني خبر.
أخذ بعضه على منزل محمود عبد النزاوى والد ديلا وطرق الباب.
كان الرجل غاطساً في سروال أبيض طويل يغطي سيقانه النحيلة، وفلنة نص كم ممزقة.
جلس البستاني واحتسى الشاي الذي صنعته والدة ديلا.
"أنا طالب بنتك للجواز يا محمود وهدفع مهر كويس."
تململ محمود في جلسته ورد بغضب: "حتى من غير مهر أنا موافق، أنا عايز أخلص من البنت دي بعد ما جابت راسي في الطين."
"طيب نقرأ الفاتحة يا عم محمود؟"
"نقرأ الفاتحة والكتاب والفرح الأسبوع اللي جاي، ولا أقولك مش لازم فرح هاخدها على كده خليها تغ*ور من وشي."
غادر البستاني منزل والد ديلا يتنطط من الفرح.
"ديلا ستصبح ملكي، سأريها العذاب ألوان. تلك اللعينة التي شقت دماغي."
ثم ابتسم بشراهة وتلوى طيف ديلا داخل عقله.
"هذا الجسد وتلك القسمات سوف تصبح ملكي وحده، سينغلق عليهم باب واحد وأتمتع بأنوثتها ودلالها."
دخل والد ديلا على ابنته التي كانت مضجعة على سرير مكسر من الخشب.
"فزي قومي يا بت، فيه عريس اتقدملك وأنا وافقت عليه."
كانت ديلا تعلم أن هذا اليوم قريب وأنه آت لا محالة.
كانت مدركة لتعاستها وأن الحياة لن تمنحها السعادة.
زعق والد ديلا: "مش عايزة تعرفي عريسك مين؟"
مكنش فارق مع ديلا اسم العريس.
لقد حكم عليها بالحزن والتعاسة فظلت صامتة دون كلام.
قال والد ديلا: "عريسك محمود البستاني."
سمعت ديلا الكلمة التي اخترقت أذنها وانهار جسدها على الأرض.
سقطت من طولها كأنها م*يتة.
صر*خ والد ديلا: "لو كنتي فاكرة دلع البنات ده هياخد معايا تبقي غلطانة، كتب الكتاب والفرح الأسبوع اللي جاي."
ثم ترك ديلا فاقدة للوعي وصرخ في زوجته: "ادخلي رشي عليها شوية ميه خليها تفوق."
شقت والدة ديلا بصلة قربتها من أنف ابنتها ورشت عليها نقط ماء حتى استعادت وعيها.
وكان وجه ديلا قاتم أصفر مثل زهرة ذابلة وعيونها دامعة نازلة مثل شلال.
"بلاش ده والنبي يا أمي، جوزوني لأي واحد غيره أنا راضية والله ومش هفتح بوقي لكن بلاش ده يا أمي."
وراحت تبكي وتنوح.
قالت أم ديلا: "والدك أمر يا بتي وأنا مليش كلام بعد كلامه."
صر*خت ديلا ببكاء: "ه*قتل نفسي لو جوزتوني للراجل ده يا أمي، والله حرام اللي بيحصل معايا ده."
وكان والدها يسمع كلامها، كاتم لغضبه.
وسمع صر*اخ ديلا: "مش هجوزه، مش هجوزه."
سحب والد ديلا عصا غليظة يحشر بها باب المنزل كل ليلة قبل نومه.
اقت*حم باب غرفة ديلا، دفع والدتها خارج الغرفة وأغلق الباب.
ثم صر*خ: "هو إنتي محدش مالي عينك يا بت إنتي؟ عايزة تفضحينا تاني؟"
ارتمت ديلا على قدمي والدها وراحت تقبلهم.
"بلاش ده والنبي يا أبوي، جوزني أي واحد غيره، عشان خاطري يا أبوي بلاش محمود البستاني."
صرخ والد ديلا: "إنتي هتتجوزي اللي أنا اخترته، أنا اديت الراجل كلمة عايزة تطلعيني عيل يا بت وسط الرجالة؟ عايزة الناس تقول معرفش يربي بنته!؟"
"أبوس إيدك يا أبوي بلاش محمود، هعيش خ*دامة هنا جوه البيت وطول عمري مش هطلب حاجة؟"
رفص محمود النزاوى جسد ديلا بعيداً عنه، وبرقت عينيه من الغضب ولوح بالعصا في الهواء.
"الظاهر أنا معرفتش أربيكي يا بت."
وض*رب ديلا بالعصا.
عدت ضربات سريعة متتالية في كل نواحي جسمها.
"أنا هم*وتك من الض*رب يابت، هخليكي تروحي بيت جوزك مكسحة، عايزة الناس تاكل وشي؟ مش كفاية اللي عملتيه قبل كده؟"
وانهال بالضرب على الجسد الأبيض وجعلت ديلا تص*رخ وتركض داخل الغرفة من الألم ووالدها يلاحقها بالضرب حتى حشرها جوار الباب ولم تستطع ديلا الفكاك منها.
استسلمت ديلا للض*رب، كانت حامية دماغها بإيديها والنزاوى نازل ضرب فيها.
صر*خت والدة ديلا: "مش كفاية يا حج البنت هتم*وت في إيدك."
فتح النزاوى باب الغرفة وص*رخ في وجه زوجته: "كله منك إنتي يا وش الفقر، لو كنتي عرفتي تربي بنتك مكنش حصل كل ده."
ترك النزاوى جسد بنته متكوماً على الأرض وغادر الغرفة نحو مقهى القرية.
كان يحتاج أن يدخن، أن يظبط مزاجه، أن ينسى كل ما حدث.
رواية خادمة القصر الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
قيدت ديلا يديها في عمود السرير، تهديداتها المستمرة بقتل نفسها وإفساد العرس دفعت محمود النزاوى بتكتيفها بالحبال وإبعاد أي أداة يمكن أن تستخدمها لجرح نفسها.
"البنت دي مش هتتفك غير يوم الفرح، فاهمة يا رئيسة؟"
أحنت رئيسة، والدة ديلا، رأسها بطاعة كلبية. "حاضر يا حج، حاضر."
وكان قلبها يأكلها على ابنتها. رأتها تتقطع من الألم والحزن، لكن كلام زوجها سيف على رقبتها. عمرها ما كسرت كلمته، هتيجي دلوقتى بعد العمر دا كله وتعارضه؟
وأصبحت المرأة التي كانت مبتسمة دائمًا عبوسة كالبصلة. وكان الذي يراها تمشي يظن أنها مريضة.
ديلا لم توقف بكاء وصراخ ورفض وضرب. حاولت بكل الطرق تتخلص من قيودها كي تتمكن من الهرب.
ركض محمود الجناوى ناحية القصر والفرحة ترقص جواه.
"والله واحلوت يا واد يا محمود، أجمد بنت فيكي يا بلد هتبقى ملكي وتحت طوعي." ولم يخفِ عليه رغبة عدد كبير من شبان القرية الزواج من ديلا، لكن حظه كان أوفر منهم. ومين قده في البلد كلها؟ هو الوحيد اللي بيخدم في القصر. دا حتى بيفكر يستأذن آدم بيه يديله غرفة من غرف القصر يقعد فيها مع مراته.
لكن بعد شوية تفكير ألغى الفكرة دي. مش بعيد ديلا تقابل الباشا وتحكيله عن اللي حصل والباشا هيصدقها.
وصعد على طول على غرفة آدم الفهرجي الذي كان يقضي أوقاته داخل الغرفة منذ رحيل ديلا.
كان الفهرجي يفتقد صوت ديلا وحركاتها الغبية، الألفة التي شعر بها في قربها. لا يزال يتذكر نومتها على ساقه، حملها إلى غرفتها وتعلقها بعنقه. لقد اقتربت شفاهها المرمرية من شفتيه لدرجة جعلته يرتعش. وعندما وضعها على السرير بهدوء، التصق خدها بخده.
لم يجد في نفسه أي قوة على المسامحة والغفران. لقد رآها بعينه في غرفة الحمام مع محمود النجانى وسامحها. لكن أن تكون سارقة بعد كل تلك المشاعر التي تبادلها معها. لقد قطعت بفعلتها حبل الوصال بينها وبينه. كانت لديه خطط لديلا، كان يمكنها أن تطلب النقود منه وكان سيمنحها لها بحسن نية.
طرق محمود النجانى باب غرفة آدم بقوة. "يابا**شا، يابا**شا."
"ادخل يا محمود، مالك فيه إيه عامل زي التور الهائج؟"
"أنا بطلب من سيادتك يا باشا إجازة مفتوحة، أنا قررت أتجوز ومحتاج أجهز نفسي."
"آدم" - "انت عارف إني مقدرش أستغنى عنك يا محمود، لكن مافيش مانع إنك تاخد إجازة بس مش طويلة."
"محمود النجانى" - "ربنا يباركلي فيك يا باشا، دا العشم برضه."
فتح آدم درج المكتب وأخرج رزمة نقود. "خد يا محمود دي هدية فرحك."
وضع محمود النجانى الفلوس جوه جيبه وخرج من القصر.
مشى ناحية بيت النزاوى، حماه، ودخل بثقة.
بعد ما قعد، طلع من جيبه ورقة مالية وحطها في إيد حماه.
الرجل غير المعتاد على رؤية النقود الكبيرة تلعثم وفتح فم يكفي لابتلاع ضفدع.
"محمود" حط ورقة تانية في إيده وتالتة. "لازم تعرف يا حماي إن نسبك ليا هيكون باب سع**د عليك."
"أما فين العروسة يا عمي؟ أصل مشفتهاش من زمان."
"النزاوى" بغيظ - "مربو**طة في غرفتها، بت الكل*ب قال إيه؟ مش موافقة عليك."
ابتسم الجناوى. "ممكن أشوفها يا عمي؟"
"النزاوى" - "آهى مربوطة جوه زي البها**يم، ادخل بص عليها."
دخل الجناوى على ديلا. ديلا لما شافته النار ولعت في جسمها وصرخت. "اطلع بره."
ابتسم البستاني مرة ثانية. "محدش هيعتقك من إيدي يا ديلا. انت خلاص بقيتي ملكي."
"هموت نفسي قبل ما تلمسني يا محمود، مستحيل يتقفل باب علينا مع بعض."
"هيت*قفل يا حلوة وبكرة تشوفى الجناوى هيعمل فيكي إيه. دلوقتي خليكي مربوطة زي الح*مير لحد ما أجي وآخدك."
زعق محمود الجنانى باب غرفة ديلا وانطلق نحو منزله ليضع الرتوش الأخيرة على الاستعدادات الخاصة بزفافه.
وكان قلب رئيسة، والدة ديلا، وضميرها يضغط عليها. ديلا أكبر بناتها وأقربها لقلبها وعارفة إنها مش ممكن تكون عملت حاجة غلط. وظل الصراع داخلها حتى موعد الليلة السابقة للعرس.
وكانت كلما رأت ابنتها تتلوى من الوجع، يتقطع قلبها. فما كان منها إلا أن دخلت عليها واحتضنتها. التصقت دموع الأم بابنتها. حلت رئيسة قيود ديلا، حررتها من الحبال.
"أنا هسيب باب البيت مفتوح يا بتي، متطلعيش من هنا غير لما الليل يتأخر. أنا عارفة إن اللي بعمله غلط بس مش قادرة أشوفك بتت**عذبي قدامي وأقعد ساكتة. عارف يعني إيه أم تساعد بنتها على اله**رب؟ متخلينيش يا ديلا أندم على اللي عملته. أنا لازم أخرج دلوقتي وربنا يجيب العواقب سليمة."
أشعل محمود النجانى سيجارة بانجو ودخنها باستمتاع أمام منزله، وعقله سارح في تصورات مغرية عن ليلة الغد عندما يحتضن ديلا ويختلي بها. وتذكر شهد بنت عبد الحميد المهكع، الخادمة الجديدة في قصر الباشا. كانت تمتلك جسدًا ضخمًا يخفي ملامح وجهها الباهت. وسرقته التخيلات. الليل لم ينتصف بعد، الباشا مش بيخرج من غرفته. سحق عقب السيجارة وأخذ بعضه على القصر. دخل من الباب يتسحب لحد ما وصل غرفة الخادمة شهد. خبط على الباب بخفة. "انتي يا بت اصحى، فوقي يا به**يمة."
شعرت شهد بالحركة، فتحت الباب كان الجنانى واقف أمام الباب بجسده المختل. "تعالى ورايا يا بت يا شهد، هنروح فين في نصاص الليالي دلوقتى يا محمود؟ الباشا عايز حاجة؟"
همس الجنانى. "امشي انجري ورايا من سكات مش عايز أسمع نفسك."
سار محمود الجنانى تتبعه شهد نحو الغرفة القديمة البعيدة الواقعة خلف القصر، غرفة الحمام، ثم دفع شهد داخل الغرفة وأغلق الباب.
عندما انتصف الليل، تسللت ديلا من غرفتها. الطريق كان خالي، الناس كلها نايمة. رغم كده دخلت جو الغيطان اللي خلف المنازل مقررة مغادرة البلدة. وقبل أن تصل الطريق الرئيسي شاهدت بعض شبان القرية الساهرين أمام أحد المنازل وأدركت الخطر. مش ممكن توصل الطريق الرئيسي من غير ما يشوفوها.
رجعت تاني تمشي في الحقول وعقلها بيدور من الأفكار.
كانت ديلا تعرف القصر جيدا وتعرف أسراره. داخل القصر يوجد قبو له باب من الناحية البحرية وهناك توجد غرفة لا يدخلها أي إنسان. وقررت أن تقضي ليلتها داخل القصر حتى تجد طريقة للهرب. محدش هيتوقع إنها داخل القصر ولا فيه أي شخص هيقدر يقرب منه حتى لو اكتشفوا هربها هيبحثوا في أماكن بعيدة عن القصر.
من الناحية البحرية، قفزت ديلا صور القصر وأصبحت داخل الحديقة التي تشبه الغابة. شعرت بالطمأنينة وهي تسير وسط الأشجار الضخمة وسارت بهدوء. وكان عليها أن تمر جوار غرفة الحمام حتى تتمكن من الالتفاف والوصول للقبو.
مرت ديلا خلف الغرفة المغلقة التي تحمل لديها مشاعر بغيضة منفّرة وكانت على وشك عبورها عندما سمعت صراخ الخادمة شهد. "ابعد عني يا محمود، حرام عليك، يادي الفضي**حة يا ولاد." وفهمت ديلا ما يحدث. أمسكت ديلا حجر كبير وقذفته على باب الغرفة ثم اختبأت خلف جذع شجرة كبير.
فتح محمود الجنانى باب الغرفة بفزع. الدنيا كانت ضلمة مش شايف حاجة. شهد زقته وجرت على غرفتها داخل القصر. بينما ظل محمود يبحث بعينيه عن الشخص الذي تجرأ وفعل ذلك.
"مش معقول يكون آدم بيه هو اللي وصل هنا. لازم فيه عيل محش**ش ابن وس**خة مشي وراه وتابعه إلى داخل القصر وعمل فيه المقلب ده."
وأصر محمود الجنانى القبض على ذلك الشخص الذي يعرف أنه لم يتمكن من الابتعاد بعد.
همس محمود الجنانى. "أظهر وبان، أنا هجيبك، هجيبك، هت*روح مني فين؟ أنا حافظ الجنينة أكتر من نفسي وعارف إنك مستخبي هنا."
وراح يبحث بين الأشجار وخلفها وديلا كامنة خلف جذع الشجرة خايفة تتحرك.
فكرت تجري لكن محمود أكيد هيقدر يقبض عليها. وكان جسدها كلما اقترب محمود منها ارتعش واهتز.
وكان محمود يفتش بسرعة ولم تتبقى سوى شجرة واحدة ويصل لديلا.
رواية خادمة القصر الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
كان محمود الجنانى على بعد خطوه من ديلا التى تكتم انفاسها، ملتصقة بجذع الشجره تكاد تختفى داخلها.
اشتعلت مصابيح الأضواء فى غرفة أدم الفهرجى فجأه وسطعت فوق أعناق الأشجار، توقف محمود الجنانى عن البحث ومر جوار ديلا ناحية باب القصر.
تنهدت ديلا، قالت فى سرها: "الحمد لله".
ونظرت تجاه شرفة أدم الذى كان يدخن سيجاره فى الشرفة.
كان أدم ينظر للبقعة التى تختبئ بها ديلا، واعتقدت أنه يراها لأنه بصره كان مثبت عليها.
تحركت ديلا من خلف جذع الشجره، ولمح أدم طيف إنسان يختفى بين الأشجار.
مرت ديلا بين أعراش الحشائش حتى وصلت باب القبو الذى نمت فوقه الحشائش.
استخدمت يدها لتخليص مقبض الباب ثم فتحت الباب.
كان القبو مظلم، ديلا وضعت يدها على صدرها، الدنيا ضلمة جداً وديلا خافت يكون داخل القبو فئران أو حتى ثعبان.
لم تكن تعرف أن أرضية القبو مرصوفة بالرخام وجدرانه ملمعة.
تجرأت ديلا وبحثت عن مفتاح النور وفتحته.
القبو كان طويل ونظيف وكان بداخله مقعدين وطاولة وأريكة موضوعة إلى جوار الجدار.
تنهدت ديلا، جسمها كان مهدود، تعبانة بقالها أكتر من أسبوع مشفتش نوم وعينيها مبطلتش بكاء.
ارتمت ديلا على الكنبة، ضمت ركبتيها على جسمها.
نامت ديلا نوم طويل مع أن جسدها كان مثقل بالجراح.
كان الوقت ظهراً لما فتحت عينيها، تأكدت أن باب القبو مغلق.
ووضعت خلفه مقعد، عشان لو حد حاول فتحه يعمل صوت وتلحق تهرب.
***
كانت الناس داخل القرية يبحثون عن ديلا بعدما اكتشفوا اختفائها، فتشوا في الحقول والبيوت والخربات، مفيش حد شاف ديلا خارجة من البيت ولا حتى تغادر القرية.
والدها فكر أنها حلت قيودها وقتلت نفسها داخل الغيطان واحتاجت الأرض الواسعة من الزرع وقت طويل عشان يفتشوها.
محمود الجنانى أخذ على الموضوع على محمل شخصي وشكل فرقة من شباب القرية للبحث عن ديلا، مقدرش أبداً يستحمل الكلام اللي بيسمعه إن ديلا هربت لأنها مش عايزة.
محدش يرفض محمود الجنانى أبداً وكان كل ما الوقت مضى يلوم محمود النزاوى ويقرعه بكلام يسد النفس: "معرفتش تربي بنتك؟ بنتك جابتلك العار وجابتلي العار معاك".
وأقسم الجنانى أن يقتل ديلا لو شافها حتى لو كانت في حضنه.
وقال النزاوى: "يمين على يمينك أنا كمان هقتلها".
بس كل ده مطفاش النار اللي جوه محمود الجنانى، شرخ كبيرائه وتصغيره أمام رجال القرية حتى لوحظ أنه يمشي شارداً في الطريق بعيون مشتعلة ويدخن المخدرات طوال الليل وافتعل أكتر من مشكلة مع ناس لظنه أنهم يسخرون منه، ولم يذهب للقصر طوال تلك المدة حتى أرسل أدم في طلبه.
وكان البستانى عندما ذهب لمقابلة الباشا محطم وبائس مما دفع أدم لمنحه إجازة مفتوحة.
"هي اسمها إيه البنت دي يا محمود إلى هربت يوم فرحك؟"
انفتح فم محمود بغضب: "مش مهم اسمها يا بيه، المهم إني لما أقبض عليها هقتلها ورحمة أمي هقتلها".
"فكر في مستقبلك يا محمود وبلاش تهور، إذا كانت هربت يبقى مش عايزك دور على واحدة غيرها، الجواز مش إجبار".
وصرخ البستانى في سره: "لو شخص غير الباشا قال كده كان زمانه مسك في خناقه، لكن الباشا يقول اللي هو عايزه".
وانصرف محمود من القصر، بداخله رغبة وغاية واحدة: العثور على ديلا وقتلها.
***
نامت ديلا داخل القبو لحد ما عفنت من النوم، لكنها كانت محتاجة تاكل وتشرب، معدتها كانت بتقرقع من الجوع بتصدر أصوات كأنها فرقة أوركسترا.
أثناء الليل خرجت تدور على فاكهة في الحديقة ووجدت بعض الفاكهة لكنها غير كافية لسد جوعها.
بعد ثلاثة أيام من الصبر، فتحت ديلا باب القبو وتسللت للمطبخ، كانت عارفة مواعيد نوم أدم الفهرجى، عملت كل ده في هدوء ورجعت على القبو.
قعدت على الأرض وأكلت، لكن لقيت نفسها محتاجة كوباية شاي.
وكانت ديلا بدأت تشعر أن القصر قصرها وتتصرف بطمأنينة مثل الماضي.
دخلت ديلا المطبخ تعمل كوباية شاي وعقلها بيدور بالذكريات التي عاشتها داخل القصر.
صبت الشاي داخل الكوباية وقبل ما تتحرك سمعت صوت أدم.
"إنتي صاحية ليه لحد دلوقتي يا شهد؟"
كان أدم نزل من غرفته عشان يقعد في الرواق قرب المدفأة.
وكان أدم منذ رحيل ديلا لا ينظر نحو شهد ويتعمد عدم التقاء عيونه بعيون شهد.
تعبت ديلا، تخنت ديلا صوتها وقالت: "كنت عايزة أشرب شاي يا أدم بيه".
وشعر أدم أن صوت شهد متغير وأن هذا الصوت ربما يكون قد سمعه من قبل، لكنه فكر أن شهد عندها برد أو متاعب صحية.
تسحبت ديلا وهي حاطة عينيها على أدم مرعوبة لحسن يبص عليها، ودخلت جوه القبو وقفلت الباب.
بعد لحظة واحدة خرجت شهد من غرفتها تشرب ماء وسمعت أدم الفهرجى بيقول: "اعمليلي شاي معاكي يا شهد".
تعجبت شهد من كلام أدم بيه فهي لم تصنع شاي ولا يحزنون، لكنها صنعت الشاي وقدمته للباشا على كل حال.
"اتفضل أدم بيه".
رفع أدم بصره نحو شهد، الصوت مختلف عن اللي سمعه من شوية.
وكان على وشك أن يسترسل في الحديث ليتأكد لكن عقله عند هذه اللحظة سخر من قلبه وصرخ: "ماذا تعتقد أنك ستسمع يا أدم؟ إنت ترى خادمتك أمامك ونبرة صوتها غير مهمة إطلاقاً".
الخادمة شهد وقفت بعيد عن أدم بيه، فكرت ربما يحتاج حاجة تانية.
لكن أدم غرق في شروده وهجم عليه الحزن كغراب يأكل جيفة.
فتحت شهد باب الثلاجة بلا عناية من باب كسر الملل ولاحظت أن الطعام الذي حضرته ناقص.
تعلم الخادمة شهد أن أدم غير معتاد على الأكل بنفسه وأنه بالعادة يطلب خدمتها لجلب الطعام.
لكن أدم كان متغير الليلة دي، لسه فاكرة أنه طلب منها تعمل شاي بطريقة خلتها تشك في نفسها وكان من المستحيل أن تسأل أدم الفهرجى إن كان تناول طعامه بنفسه.
داخل القبو كانت ديلا وهي تأكل يصل إليها الصوت، وكتمت ضحكة داخلها، معقول أدم يكون عرف صوتها أو حتى شك؟ هل من الوارد أنه يفتقدها مثلما تفتقده؟
كان أدم الفهرجى أحن شخص عليها في حياتها وخسارته لازالت تجرحها.
وسمعت الخادمة شهد تقول: "عايز من حاجة تانية يا بيه؟"
همس السيد أدم: "متشكر يا شهد تقدري تنامي".
منذ دخلت الخادمة شهد القصر لم يتحدث معها أدم بصورة مباشرة مثل التي حدثت الليلة.
أغلق باب غرفة شهد وأصبح أدم وحيد مرة أخرى، وأربت ديلا باب القبو البعيد وراحت تسترق النظر نحو أدم.
ولم يطاوعها قلبها أن تبعد نظرها عنه، كانت تفتقد وسامته ومشاكسته وتمنت من كل قلبها أن يعرف الحقيقة ويعيد توظيفها داخل القصر.
ظهر شبح محمود الجنانى أمامها، وجه قبيح مقرف مفزع، "أدم بيه مش بيستغنى عن البستاني وممكن لو عرف إنها هربت منه يرجعها للبيت تاني وهي مش ممكن تستحمل كده".
وظل نظرها معلق على أدم، تتابع لفافة التبغ في فمه وأنفاسه التي يخرجها، يديه التي تقلب صفحات الكتاب.
ولاحظت أنه نسي تزويد المدفأة بالحطب ودون أن تشعر خرجت من القبو لتعنى به كعادتها.
سمع أدم الفهرجى خطوات ديلا في الرواق ودون أن يرفع بصره قال: "إنتي منمتيش ليه يا شهد؟"