عاد الأدهم من عمله منهمكاً للغاية. دلف إلى الغرفة مغلقاً الباب خلفه، ثم خلع جاكيت بدلته بإرهاق. بينما كانت رغدة جالسة على مقعدها الهزاز تنظر إلى المنظر المطل أمامها من الشرفة بشرود. هتف الأدهم وهو يفك رابطة عنقه: -سرحانه في إيه يا حبيبتي؟ استفاقت الأخيرة من شرودها ونهضت من على كرسيها متقدمة نحوه تساعده في خلع ملابسه وتجلب له الأخرى من الخزانة، هاتفة بهدوء: -عملت إيه في الشغل النهاردة؟ -الحمد لله.
انتهى من تبديل ملابسه فجلست الأخيرة على الفراش وفكرها يسيطر عليها مما جعلها شاردة. جعل الأخير يتقدم منها بقلق جالساً بجوارها. -مالك يا رغدة؟ من لما رجعتي وإنتي سرحانة! نظرت إليه رغدة نظرة غير مفهومة ثم هتفت: -النهاردة 15 في الشهر. فأردف الأخير بدون فهم: -وإيه يعني يا حبيبتي؟ -عدى 5 أيام. -5 أيام على إيه مش فاهم؟ نظرت إلى الأرض بهدوء ممتزج بالخجل وهي تفرك يديها بتوتر. -كنت عايزة أطلب منك طلب. -أكيد يا حبيبتي اتفضلي.
-عايزة اختبار حمل. -حا... إيه؟ .. اختبار إيه؟ ثم نهض بفرحة ممزوجة بالصدمة. -إنتي حامل يا رغدة؟ هتفت الأخيرة بهدوء دون أن تنظر إلى عينيه: -شاكة! احتضنها الأخير بفرحة عارمة وهو يتمتم: -الحمد لله يارب الحمد لله .. إنتي مش عارفة أنا فرحان قد إيه. ولكن رغدة ابتعدت عنه بجمود هاتفة: -بس أنا مش فرحانة واتمنى شكي ما يكونش في محله. ***
وجه المقدم نظراته إلى تلك الراقدة على الفراش ثم تقدم منها ساحباً في يده أحد المقاعد واضعاً إياه أمام السرير، هاتفاً بعملية: -شكله مش مظبوط .. حاسس إنه ناويلك على حاجة .. هو يقربلك؟ غمغمت دموعها على عينيها وهي تهز رأسها يميناً ويساراً نافية. فأكمل الأخير استرساله: -اومال يقربلك إيه؟ هتفت بصوت متعب متحشرج: -هو اللي أنقذني منهم. -هما مين؟ صمتت ولم تجب. فعاود سؤاله مرة أخرى: -هما مين؟
.. ما تخافيش .. أنا جاي هنا عشان أرجعلك حقك. أردفت الأخيرة بدموع وهي تشيح بنظرها إلى الجهة الأخرى: -ما فيش حد. -إزاي .. والكسور دي كلها .. ده وشك لوحده متخربش. أردفت بحزن وهي تشعر وكأنه سكين يمزق قلبها من الداخل: -صدقني ما فيش حد. أخذ الأخير أنفاسه بتعب فهو لم ينم من الليلة البارحة بسبب طبيعة عمله. -يا آنسة .. لو إنتي خايفة من حد ففي قانون يجيبلك حقك منه. -صدقني ما فيش. زفر الأخير بحنق هاتفاً: -يعني أقفل المحضر؟
-أيوا. -آخر كلام؟ حاولت كبت بكائها وهي تشيح بنظرها إلى الجهة الأخرى هاتفة: -أيوا. فنهض الأخير هاتفاً: -تمام ... ألف سلامة عليكي. ثم تركها وذهب دون أن تفصح له عن مرتكب تلك الجريمة. *** ما أن خرج ووصل إلى آخر الممر رأى محمد عائداً بصحبة الصغيرة التي تحمل بعض الأكياس الورقية المحملة بالطعام الشهي. أوقفه الضابط هاتفاً بابتسامة سخرية:
-عااااش .. طلعتك من الأوضة عشان أعرف آخد أقوالها وما تخافيش منك .. قوم البت تقولي إنك منفذها. ثم ضحك بسخرية مكملاً حديثه تحت نظرات الهدوء من الأخير: -لا بجد عملتها إزاي دي؟ اكتفى محمد بالنظر إليه ببرود ولم يجيب، ولكن الصغيرة لم تفعل فتحدثت بضجر موجهة حديثها نحو الواقف أمامها هاتفة: -على فكرة أروى ما كذبتش .. حقيقي أبية محمد هو اللي أنقذنا منهم. فمال عليها الضابط هاتفاً بابتسامة صغيرة:
-اومال اختك مارضيتش تعترف على اللي عملوا فيها كده ليه؟ فهتفت الصغيرة ببراءة: -عشان هما كانوا كتير وهي كانت بتتضرب ما عرفتش مين منهم بالظبط. قطب الضابط ما بين حاجبيه وقد بدا الأمر بالنسبة إليه أكثر غموضاً. بينما تحدث محمد باستنكار: -هي ما اعترفتش عليهم؟ فنظر إليه الضابط هاتفاً: -مارضيتش ووقفت المحضر. ثم وجه نظره إلى تلك الصغيرة متحدثاً وهو يملس على شعرها بحنان: -طب وهما كانوا بيضربوها ليه يا حبيبتي؟
فردت الصغيرة ببراءة: -عشان المعلم إسماعيل طلب منهم كده. فنظر الضابط إلى محمد هاتفاً: -إنت تعرف المعلم إسماعيل ده؟ فرد الأخير ببرود: -شوفته. فرد الضابط بعملية: -أنا كنت أتمنى أساعدها .. بس هي مش راضية تتعاون معانا واصرت إنها تقفل المحضر .. لذلك أنا ما أقدرش أخطو أي خطوة بدون إبلاغ. فرد الأخير متفهماً وضع الضابط: -تمام .. شكراً على تعاونك .. وأتمنى إنها لو هديت وقررت تقدم إبلاغ ضده تكون في صفنا وتساعدنا.
فأردف الأخير بعملية: -أكيد طبعاً .. عن إذنك. ثم انصرف الضابط بصحبة عساكره. بينما اتجه محمد بغضب إلى تلك المراهقة المثيرة لاستفزازه، فلما نفت الواقعة ولم تعترف على الجاني الذي فعل بها هكذا! *** دلف محمد إلى الغرفة بغضب هاتفاً: -ممكن أفهم إنتي ليه مارضيتيش تعترفي على ال*وسخ ده؟ هتفت الأخيرة وهي تشيح بوجهها إلى الجهة الأخرى حتى لا تلتقي الأعين: -أنا عايزة أمشي من هنا. صاح بها محمد بغضب: -لما أسألك تردي عليا فاهمة؟
فردت الأخيرة بانهيار ودموعها بدأت في النزول: -أقولهم إيه؟ .. هاه .. أعترف على المعلم إسماعيل عشان يروح يقولهم إنه شاف رجالة طالعة من بيتي في الفجر .. عشان يطعني في شرفي ويشوه سمعتي ويجيب شهود كمان .. أقولهم إيه؟ هاه... ثم أجهشت في بكاء عنيف. فوضعت شقيقتها يدها الصغيرة لتحتوي يديها مقبلة إياها على جبينها كي تهدأ. ثم أخذت ترتب عليها بلطف محاولة مواساتها ببعض الكلمات.
بينما خرج محمد من الغرفة بغضب متجهاً ناحية سيارته حتى أوقفه اثنين من حراسه هاتفاً أحدهم بأدب: -محمد باشا. فرد الأخير بضجر: -خير إيه اللي جابكم هنا؟ -ياسين بيه بعتنا نطمن عليك .. عشان والدتك حضرتك قلقانة عليك في البيت وحاولت أكلمك كتير لكن تليفونك مقفول. فتذكر محمد أمرها فأخرج الهاتف من جيب بنطاله سريعاً وهو يتحدث بضجر: -الفون فاصل شحن من امبارح بالليل .. تمام أنا راح آخدلها إذن بالانصراف وأخدها على البيت ونروح.
-تمام يا فندم. ثم ذهب محمد كي يأخذ لها إذناً بالانصراف من المستشفى بعدما سدد الحساب، ثم عاد بهم إلى المنزل. *** كانت سعاد جالسة في حديقة منزلها الكبير في انتظار محمد الذي طمأنها عليه وأخبرها بأنه قادم إلى المنزل بصحبة الفتاتين من هاتف أحد حراسه.
ظلت جالسة على أحد المقاعد تتلو القرآن في انتظاره. انتهت من سورة يس ثم أغلقت مصحفها ووضعته أمامها على الطاولة وأخذت تتمشى في أرجاء الحديقة تستنشق بعض نسمات الهواء متأملة الجو البديع تدعو خالقها بأن يحفظ أسرتها الصغيرة وأن يرضي عنهم. ثار استغرابها وفضولها حينما رأت أحد الحراس واقفاً أمام غرفة المخزن الذي يوضع به الأثاث القديم!
ذهبت إليه عازمة على أن تعرف أمره وماذا يفعل هنا، فمكان الحرس على مداخل الفيلا وليس في مثل تلك الأماكن. تقدمت منه هاتفة باستغراب: -إنت بتعمل إيه هنا؟ نظر إليها الحارس بعملية هاتفاً: -دي أوامر محمد بيه يا مدام. فردت الأخيرة باستغراب أكثر: -محمد؟ .. وإيه اللي يخليه يطلب منك تحرس البدروم هو في حاجة هنا؟ وهمت لتفتح الباب الذي وجدته مغلقاً بأحد الأقفال الحديدية، فوضع الحارس ذراعه مانعاً إياها باحترام هاتفاً:
-آسف يا مدام بس دي أوامر محمد بيه. أردفت الأخيرة بانفعال: -أوامر إيه دي اللي تخليني أنا ما أقدرش أدخل؟ هنا آتاها صوت صراخ امرأة من الداخل مستغيثة بترجٍ ولكن صوتها مبحوح من كثرة البكاء. -الحقووووونيي .. حد يطلعني من هنااا ...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!