الفصل 39 | من 43 فصل

رواية خاطفي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم شهد حسوب

المشاهدات
18
كلمة
2,416
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

"هل فارقت الحياة؟ سيدات كثيرات من الأحجام الثقيلة تلتف حول تلك المسكينة يبرحونها ضرباً دون رحمة أو شفقة عليها. كانت تصدر صرخات أليمة عالية من كثرة الضرب، فجسدها الضعيف لم يعد يتحمل، فيكفي عليها أثقالها النفسية. أخذ صوتها الصارخ يضعف شيئاً فشيئاً، تطلب الرحمة ولكن لا حياء لمن تنادي. بدأ يضعف، يضعف، يضعف، حتى تحول لأنين خافت متألم، حتى انقطع الصوت والحركة، وأيضًا المقاومة انعدمت. هل فارقت الحياة؟ أم هناك بصيص من الأمل!

السيدات يبرحنها ضرباً دون رحمة لعلها تكون عبرة لباقي الفتيات اللاتي يرونها من نوافذهن. منهن من ينظر إليها بتشفٍ، وأخرى بضحكات ساخرة. وهذه بحقد، فكم كانت تكرهها وتتمنى لها الشر. وأخرى بخوف، فيبدو أنها إشارة من رب العباد. وتلك التي تدعو الله بأن يبعث ملائكته لتخفف عنها الألم، فاللهم أكْثر من القلوب الرحِمة.

بينما إسماعيل ينظر إليها بتشفٍ، كان يتمنى بداخله بأن يأخذ منها ما يشتهيه منذ أن رآها للمرة الأولى حينما كانت بتلك الضفيرتين المنتهيتين بشريط باللون الأحمر الطفولي. لكن للقدر رأي آخر، بأن يتم فضحها قبل أن يأخذ منها ما يريد. لا بأس، فبعدما الطير يسقط جريحًا سوف يبحث عن أي مأوى ليختبئ به، حتى وإن كان بيت الثعلب، هكذا فكر ذلك الأحمق.

بينما رجال الحارة أخذوا يسبونها بأبشع الألفاظ. ومنهم من يؤكد أنه رأى هؤلاء الرجال يخرجون من المبنى، وآخر يؤكد على حديثه بكذب، وآخر يؤلف قصة أخرى عليها ليلفت انتباه الجميع حوله. قاطع ذلك الضجيج المزعج في ساحة الحارة صوت أبواق السيارات الفخمة الكثيرة التي تتسم بسواد اللون. تدلف إلى الحارة مسببة غبارًا كثيفًا أثر احتكاكها بأرضية الحارة المتربة.

حل الصمت على الجميع وابتعدوا متخذين جنبًا مفسحين المجال لرؤية تلك المسكينة تنزف الدماء من جميع أجزاء جسدها الممزق. صرخة حارقة صغيرة خرجت من فم تلك الطفلة، ندى، التي خرجت سريعًا من داخل الدولاب الذي كانت تختبئ به خوفًا من تلك الوحوش البشرية ما أن سمعت صوت أبواق السيارات كما أخبرها منقذها. ركضت إلى شقيقتها بسرعة البرق مندفعة بقوة محتضنة إياها تحاول إفاقتها بصراخ حاد مما ثار شفقة البعض، من لديهم قلوب بشرية رحيمة.

ترجل محمد من سيارته بشموخه المعتاد ومن حوله حراسته، خالعًا جاكيت بدلته وألقاه إلى أحد حراسه، الذي وضعه في السيارة باحترام، ليظهر لرؤيتهم سلاحه الأسود بوضوح في ظهر بنطاله، وكأنه رسالة. عاد أكثرهم إلى الخلف بخوف. أكثرهم النساء حينما تقدم الآخر، فهتف إسماعيل وهو يبتلع لعابه بخوف محاولًا عدم إظهاره من ذلك الثري الغريب. فهتف بنبرة لا بأس بها فقد نجح في إخفاء الكثير من خوفه.

"أوهوه جاي ولد الأكابر اللي الفاجرة باعتله شرفها يا رجالة." *** دلف الأدهم إلى الغرفة وجدها تجفف شعرها من قطرات المياه بمنشفة صغيرة. فوضع الكوب جانبًا ونظر إليها في المرآة من الخلف هاتفًا بعاطفية بانت جليًا في حروف كلماته. "كل يوم بتحلوي عن اليوم اللي قبله يا رغدة." اتكتفت الأخيرة بالنظر إليه عبر المرآة دون التفوه بكلمة. هتف الأدهم بحزن بان في كلماته.

"أنا عارف إنك انتي متأكدة إني ما قتلتش باباكي ولا عمري فكرت في كدا. وأكبر دليل إني أنقذتك من إيد عادل نصار وأسر بجوازي منك يا رغدة." ثم مسك يدها مقبلًا إياها بحب هاتفًا بثقة. "بس أوعدك إني أفضل ورا الموضوع لحد لما أتأكد إذا كان فعلاً موت حمايا مدبر ولا قضاء ربنا." ففرت دمعة هاربة بألم من عينيها. مسحها الأدهم هاتفًا. "أوعدك إني أرجعله حقه حتى لو كان من والدي وأخويا. ثقي فيا يا رغدة."

نظرت إليه الأخيرة بدموع أكثر هاتفة. "ممكن كفاية دم. من غير دم يا أدهم. حق بابا يرجع بس من غير دم. سيب الشرطة هي اللي ترجع حق بابا بالقانون والقصاص. عشان خاطر ربنا." قبل الأخير جبينها بحنان هاتفًا. "أوعدك. يلا بقى عشان تشربي الأعشاب قبل ما تبرد." فأومأت له الأخيرة وهي تلتقط المج ترتشف منه بعض القطرات هاتفة بضجر. "إيه ده يا أدهم طعمه وحش أوي." هتف الأدهم وهو يضع المج على فمها لترتشف منه مرة أخرى.

"وحش إيه بس يا حبيبتي دا خلطة من الأعشاب كانت بتعملهالي ماما زمان على طول لما كنت بتعب." فنظرت إليه الأخيرة بنظرات حانية، فكم تحب الذكريات. "بجد. انت ما حكيتليش عن والدتك قبل كدا يا أدهم. هي فين صحيح؟ اختفت ابتسامته هاتفًا بحزن. "الله يرحمها." هتفت الأخيرة بحزن. "الله يرحمها. آسفة لو فكرتك يا أدهم." تبسم الأخير بسخرية. "ومن امتى وأنا بنسى." هتفت رغدة باستغراب. "قصدك إيه؟

"انسى. يلا اشربي المج دا كله عقبال ما آخد شاور عشان نصلي جماعة أنا وانتي." "أدهم." فقاطعها الأخير منهيًا الحوار. "رغدة انتهينا." ثم تركها في حيرتها وفضولها ودلف إلى المرحاض. *** "أوهوه جاي ولد الأكابر اللي الفاجرة باعتله شرفها يا رجالة." فنظر إليه محمد قاضبًا ما بين حاجبيه هاتفًا بسخرية. "مين البطة اللي بتتكلم؟ هتف الأخير بغضب من سخريته الفظة. "احترم نفسكككك. انت بتكلم المعلم إسماعيل."

أشار محمد إلى أحد رجاله بأن يحمل تلك الغارقة في دمائها ويضعها بداخل سيارته الخاصة. ثم اقترب من إسماعيل وهو يحك بسبابته بجانب فمه ثم وضع يده على كتفه مما ثار استفزازه أكثر علاوة على خوفه منه أيضًا. "إيه ده قولي يا لولة، مين المتوحش اللي عمل في بنت فتحية كدا؟ احمر وجه الأخير من الغضب هاتفًا. "احترم نفسكككك يا جدععععع انتاااا." وضع الأول يده على عنقه مخنقًا إياه بينما الأخير يحاول إفلات قبضته الحديدية وهو يسعل بشدة.

"شكلك لسه ما تعرفش مين محمد الطوخي. بسيطة." ثم أبعده بعنف صارخًا في أحد رجاله. "خدوووه على صندوق العربية." فتقدم منه بعض الحراس وفي أيديهم حبال ولاصق مكبلين إياه تحت صراخه واستنجاده برجاله ولكن هيهات، فبيدوا أنهم نسوانه وليس رجاله. وقف محمد في منتصف الساحة هاتفًا بعلو صوته بغضب.

"أي وسخ أو وسخة قال كلمة في حق البنت اليتيمة الغلبانة دي هيتعاقب. وهيتعاقب أشد عقوبة كمان. وكلكم واحد وواحدة راح تشرفوا في أوسخها زنزانة. بس تفوق ورحمة أبويا ما راح أرحم كلب فيكم."

ارتجفت أجساد النساء، فهم لم يقذفوها بالحديث فقط بل واعتدوا عليها. لا يعلمن إن كانت فارقت الحياة أم مازالت تستنشق بعض العبرات. فكلهن يدعين الله أن تمر الأمور على خير. فهذا الشاب يبدو أنه واصل ويستطيع تنفيذ تهديده. علاوة على ذلك، كاميرات المراقبة التي رصدت كل شيء. يا إلهي!

تركهن محمد بابتسامة ساخرة على ثغره، فكم هو مجتمع جبان يهاب فقط من يمتلك أموالًا. لا يعلمون أنهم، إذا كانوا حقًا على حق، اجتمعوا واعتصموا لانتصروا على محمد وحراسته وهزموهم أشد هزيمة. أليس الكثرة تغلب الشجاعة! استقل محمد سيارته سريعًا متجهًا بها إلى أقرب مشفى كي يعالج بها تلك المراهقة المسكينة، يبدو أنها تصارع الموت على البقاء. بينما الباقون، من الحرس، ذهبوا حيث تعليمات كبيرهم.

دلف محمد إلى المشفى حاملاً إياها على يديه هاتفًا بقلق. "دكتورة بسرعة." فأتت إليه إحدى الممرضات بسرير متحرك وضعها عليه ثم سحبتها سريعًا إلى غرفة الطوارئ. مر وقت ليس بالقليل بينما ينتظرها محمد في الخارج بصحبة تلك الطفلة الباكية بازعاج. زفر محمد بضيق ثم نظر إليها بضجر هاتفًا. "بطلي عياط بقى. خوتي دماغ اللي خلفوني." لم ترد عليه بل ازداد نحيبها أكثر. هتف محمد بضيق. "يووووه. ده انتي عيلة زنانة."

أردفت الصغيرة من بين شهقاتها المتقطعة. "أنا خائفة أوي على أروي أختيييييي. أنا ما ليش غيرهاااااااااااااععععععف." رد محمد بسخرية من حديثها. "طالما انتي خايفة عليها أوي كدا. ما طلعتيش تدافعي عنها ليه؟ نظرت إليه الأخيرة بأعين دامعة ثم هتفت بحرقة وألم. "أروي اللي أكبر مني ما قدرتش عليهم! راح أقدر عليهم أنا يا أبية؟

أنا والله عملت اللي أقدر عليه. وانقذتها منهم برضه واتصلت بالست هانم كتير أوي من لما جت عندنا المعلم إسماعيل بس هي مش بترد عليا." ثم صمتت قليلاً قبل أن تهتف بصوت باكي ثار شفقة عليها من كثرة شهقاتها. "أنا لو كنت طلعت يا أبية كانوا راح يضربوني معاها ويموتوني وما كنتش راح أعرف أتصل بالست هانم عشان تنجدنا. إحنا مالناش ضهر يحمينا يا أبية."

جثى محمد على ركبته بحزن على تلك المسكينة. فحقًا أحسنت صنعًا. احتضنها بحنان أخوي صادق لم تذقته من قبل سوى شقيقته رغدة. يمسح على شعرها بحنان هاتفًا. "ما تقلقيش. المسخرة اللي حصلت دي مستحيل تتكرر مرة تانية." فأردفت الأخرى بسرعة وبكاء مرير. "النبي يا أبية. خليك واقف معانا. إحنا بنات مالناش راجل يحمينا زي باقي البنات جيراننا في الحارة. والكل عمال يستضعفنا ويجي علينا." فضمها محمد إليه مرة أخرى هاتفًا وهو يفكر في أمر ما.

"ما تخافيش. ما فيش حد راح يستضعفكم من هنا ورايح." ثم كفف دموعها هاتفًا ببعض المرح والمواساة. "إيه رأيك نبقى صحاب؟ نظرت الأخيرة إلى يده الممتدة هاتفة بقلق. "ماما زمان زعقتلي وضربتني وقالتلي ما تصاحبيش صبيان ولا تلعبي معاهم." ابتسم محمد على براءتها ثم ضمها مرة أخرى هاتفًا. "طب خلاص خلينا أخوات. مش انتي نفسك في أخ يكون في ضهركم؟ همهمت الأخيرة بفرحة. "أيوا."

"يبقى أنا أخوكي من النهاردة. أي حاجة عاوزاها ولا أي حد اتعرضلكم تقوليلي على طول." "بجد يا أبية؟ "بجد. هاه قولتيلي اسمك إيه بقى؟ أردفت الأخيرة بفرحة. "ندي." "أشطا يا ندوش. يلا بينا بقى ننزل نتوضى ونصلي الضهر في الجامع اللي في المستشفى وندعي لأختك تقوم بالسلامة." هتفت الأخيرة بفرحة وهي تسير بجانبه. "يلا." "بتعرفي تصلي؟ "أكيد طبعًا يا أبية أنا بصلي دائمًا جماعة مع أروي من لما كنت في تانية ابتدائي."

"ياااه ماشاء الله. وانتي في سنة كام دلوقتي؟ "رايحة أولى إعدادي." "عايزك تطلعي من الأوائل." "حاضر بس الرياضيات صعبة عليا أوي." "بس كدا. أذاكرهالك أنا. بس الكورس بخمسين جنية. اتفقنا." قهقهة صغيرة خرجت من ثغرهما، وهكذا استرسلها محمد في الحديث كي يخفف عنها رهبتها وخوفها حتى وصلا إلى المسجد وأم بها صلاة الظهر، داعين الله في كل سجدة بشفاء أروي ومرور الأمور على خير. ***

انتهى محمد من صلاة الظهر بصحبة تلك الصغيرة، فعاد مرة أخرى إلى حيث الطابق التي تمكث به غرفة تلك المريضة. لكنه توقف لوهلة بصدمة حينما رأى الطبيبة تخرج من الغرفة بضجر. ما أن رأته حتى تصنمت مكانها بصدمة الأخيرة!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...